العدد الحالي: آذار/مارس 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم

قادة بحيري

ماجستير في الاقتصاد المالي - جامعة سيدي بلعباس- الجزائر

 

الحلقة الأولى

تُعتبَرُ السيولةُ المفرطةُ أحدَ أسبابِ التضخُّمِ النقديِّ عندما تكونُ غيرَ مصحوبةٍ باقتصادٍ حقيقيٍّ تُراعى فيه أولويةُ الإنتاجِ والخدماتِ التي يُمكِنُها توفيرُ اليدِ العاملةِ، وامتصاصُ البطالةِ التي تُعَدُّ هي الأُخرى من مُعوِّقاتِ النموِّ الاقتصاديِّ، ورغمَ أنَّ البطالةَ تشكِّلُ مأزِقاً اقتصاديّاً مُخيفاً؛ إلّا أنّ التضخُّمَ يبقى العقبةَ الكُبرى التي تُعرقِلُ كُلَّ مُجهودٍ يُرادُ به دفعُ عجلةِ التنميةِ إلى الأمامِ؛ ولهذا تنصبُّ جهودُ الخُبراءِ في إيجادِ الحلولِ الممكنةِ للتخفيفِ من التضخُّمِ- وبالخصوصِ في الدولِ الناميةِ التي تفتقدُ إلى (المشاريعِ الاقتصاديةِ، أو القُدرةِ على الاستثمارِ) حسبَ تعبيرِ الاقتصاديِّ "ألبرت هيرشمان" في كتابهِ الشهير[i] "إستراتيجيةِ التنميةِ الاقتصاديةِ" الذي حاولَ مِن خلالِه أن يجدَ طريقاً مُغايراً لنظريةِ " كينز" و "المدرسةِ الكلاسيكيَّةِ" من أجلِ تنميةٍ اقتصاديةٍ مُتوازنةٍ. إذا كانت "المدرسةُ الكنيزيةُ" ترى أن التوازُنَ الاقتصاديَّ يتوقَّفُ على (الطلبِ الكُلِّيِّ، والعَرضِ الكُلِّيِّ) من خلالِ تدخُّلِ الدولةِ في الاقتصادِ الوطنيِّ فإنّ الاقتصاديينَ "الكلاسيك" يرونَ أنّ الخللَ الاقتصاديَّ يكمنُ في عدمِ وجودِ نقطةِ توازُنٍ بين (العَرضِ الكُلِّيِّ، والطلبِ الكُلِّيِّ) والذي مَردُّه (ارتفاعُ الأسعارِ، أو هُبوطُها)، ويَرجِعُ سببُ ذلك إلى بُروزِ أزماتٍ ماليّةٍ من حينٍ إلى آخرَ، وأنَّ السوقَ قادرٌ وَحْدَهُ على تنظيمِ النشاطِ الاقتصاديِّ.

ومِن الأسبابِ الأُخرى التي تُعَدُّ سبباً في ظهورِ الأزماتِ الماليةِ؛ ألا وهو ذلكَ الخللُ الجليُّ بين الاقتصادِ الماليِّ والاقتصادِ الحقيقيِّ؛ وخاصَّة عند المؤسَّساتِ الكُبرى التي أصبحتْ تتلاعبُ بالأرقامِ حسبَ تعبيرِ "روبرت رايش"  في كتابِه الشهيرِ " الاقتصادِ المعولَم " الذي نَشرَه في نهايةِ القرنِ الماضي؛ والذي أحدثَ وقتَها ضجَّةً في الأوساطِ العِلميَّةِ والاقتصاديةِ بالخصوصِ، ورغمَ ما كُتِبَ ونُشِرَ من أعمالٍ اقتصاديةٍ ذاتِ مستوىً عالٍ من قِبَلِ اقتصاديينَ لهم سُمعَتُهم وكلمتُهم في الأوساطِ العلميةِ- ولعلَّ بعضَهم حازَ على جوائزِ "نوبل" في الاقتصادِ، غيرَ أنّ المشكِلَ المتعلِّقَ بالتضخُّمِ لم يُعالَجْ بعدُ بطريقةٍ صحيحةٍ. ودليلُ ذلكَ التفاقُم الاقتصاديُّ الذي لازالتْ تُعانيهِ الدولُ المتقدِّمةُ ولعلَّ الأزمةَ الاقتصاديةَ الأخيرةَ (2007-2008) م التي ضربتْ اقتصادياتِ الدولِ المتقدِّمةِ لَدليلٌ على ذلك.

أمَّا فيما يخصُّ الدولَ الناميةَ فإنّ مرضَها الاقتصاديَّ لم يعالجْ بعدُ بطريقةٍ صحيحةٍ تتماشى من خُصوصيِّاتِهم (الاقتصاديةِ، والاجتماعيةِ)، ورغمَ ضخِّ الملياراتِ من الدولاراتِ؛ سواءٌ عن طريقِ (رؤوسِ أموالٍ أجنبيةٍ، أو مخطَّطاتٍ اقتصاديةٍ محلِّيَّةٍ) تستوجبُ سيولةً كبيرةً؛ فإنّ المشكلَ الاقتصاديَّ لازال قائماً، وأمّا آثارُه الاجتماعيةُ فلمْ تُستأصَل بعدُ بطريقةٍ جذريَّةٍ، ويرجعُ السببُ إلى المفاهيمِ الاقتصاديةِ التي تسودُ في هذه الدولِ التي لم تستوعِبْ بعدُ السَّنَنَ الكونيَّةَ التي تصنعُ (هبوطَ، وصعودَ) الحضاراتِ.

رغمَ المصائبِ المتتاليةِ التي مُنيتْ بها الدولُ العربيةُ والإسلاميةُ خُصوصاً؛ إلّا إنّ المشكلَ الحقيقيَّ لم يُعالَجْ بعدُ بطريقةٍ صحيحةٍ وفنِّيَّةٍ مِن قِبَلِ المختصِّينَ انطلاقاً من المبادئِ الإسلاميةِ التي يرتكِزُ عليها المجتمعُ الإسلاميُّ والتي مَكَّنَتْهُ من البقاءِ رغمَ الهزائِم التي مُنِيَ بها منذُ أن تركَ دورَه الرئيسَ كشاهدٍ من الدرجةِ الأولى. إنّ الإسلامَ كان دائماً ولا يزالُ السندُ الذي يعودُ إليه المجتمعُ الإسلاميُّ حينما تعصفُ به العواصفُ، ويتلاعبُ به الحاقِدونَ. غير أنّ المثيرَ للاهتمامِ هو (أنّ الغربَ الذي لا يَعرِفُ من الإسلامِ إلّا اسمَه) نراهُ مع بدايةِ هذا القرنِ الحاليِّ يُحابي الاقتصادَ الإسلاميَّ بالرغمِ من أنَّه يعيشُ الأزمةَ تِلْوَ الأزمةِ، ويأخذُ منه ما ينفعُه لتدعيمِ اقتصادِه والحفاظِ على مُقوِّماتِه الفكريَّة، في حين نَرى العالمَ العربيَّ والإسلاميَّ يغوصُ في سُباتِه العميقِ. لكنْ في الوقتِ نفسِه يجدرُ بنا أن نشجِّعَ تلك المحاولاتِ التي بدأتْ تظهرُ هنا وهناكَ من أجلِ (التذكيرِ، و دعوةِ العالم الإسلامي إلى العودة) إلى أصولِه ومبادئِه،

 ومِن بين هذه الدعواتِ دعوةُ أساتذةٍ وباحِثينَ ومؤسَّساتٍ في المجالِ الاقتصاديِّ عن طريقِ نشرِ (مقالاتٍ، وكُتُبٍ، وبحوثٍ علميةٍ، وتعميم تجارِب) في الصفوفِ الإسلاميةِ؛ بل هناكَ دولٌ إسلاميةٌ تُطبِّقُ الزكاةَ في نظامِها الاقتصاديِّ كـ(ماليزيا، والسودان، والسعوديةِ) ودُولٍ أُخرى تحاولُ ممارسةَ تجارِبَ جديدةٍ في نظامِها الزكويِّ كـ(الجزائرِ، واليمنِ) عن طريقِ صناديقِ الزكاةِ، ورغمَ أنّ هذه التجارِبَ تحتاجُ إلى (قراءةٍ عميقةٍ، وتحليلٍ فنِّيٍّ) من أجلِ (تطويرِها وتعميمِها) إلّا أنّه يجدرُ بنا أن نُشجِّعَها.

1. السيولةُ:إنّ مفهومَ السيولةِ واسعٌ جِدّاً، ويُعَدُّ من المواضيعِ التي تشملُ (مفاهيمَ مختلفةً وثريَّةً) في الوقتِ نفسِه؛ ولكنْ لا بُدَّ للباحثِ مِن تقديمِ تعريفٍ للسيولةِ؛ حتى نتمكَّنَ من دراستِها وفقَ المنهجِ الذي تبنيِّناه في هذه الدراسةِ. إنَّ مفهومَ السيولةِ يقودُنا إلى الذِّمَمِ القابلةِ للتحويلِ؛ لذلكَ فإنَّ التعريفَ المتداولَ للسيولةِ يخصُّ (النقودَ السائلةَ، أو النقودَ المتوفرةَ) عكسَ الصكوكِ البنكيةِ التي تتطلَّبُ بعضَ الشيءِ من الوقتِ حتى تتحوَّلَ إلى نقودٍ. وتبقى السيولةُ هي مجموعَ وسائلِ الدفعِ المتوفِّرة ِكـ(الأوراقِ النقديةِ، والحساباتِ البنكيةِ، والودائعِ تحتَ الطلبِ) فكلُّ هذه الوسائلِ تُعرَفُ بوسائلِ الدفعِ وهي السيولةُ نفسُها. أمّا في الاقتصادِ الماليِّ فيُقصَدُ بالسيولةِ سهولةُ تسويقِ الأصلِ الماليِّ أيِّ: « إمكانِ شراءِه، أو بيعِه بسُرعةٍ وبسعرٍ قريبٍ جِدّاً من السعرِ الذي أبرمتْ به آخِرُ صفْقةٍ على ذلك الأصلِ».[ii] وبالمقارنةِ بالأسواقِ الماليةِ فإنّ الودائعَ تحتَ الطلبِ في البنوكِ تتميَّزُ بسيولةٍ كاملةٍ وهكذا فإنَّ السيولةَ تتحدَّدُ وفقَ (الأصلِ الماليِّ) وحسبَ (اتِّساعِ وعُمْقِ) السوقِ، ويُقصَدُ بعُمقِ السوقِ الماليِّ (حرَكيَّتُها) بمعنى: إذا كانت حركةُ التعاملاتُ فيها نشطةً. أما اتساعُ السوقِ فيتحدَّدُ «وفقَ العددِ الكبيرِ من أوامرِ البيعِ والشراءِ للورقةِ الماليةِ»[iii].

إنّ هذا التعريفَ البسيطَ هو الأكثرُ شيوعاً وتداولاً في الأوساطِ الماليةِ والمحاسبيةِ وبين الوكلاءِ الاقتصاديينَ، أمّا في الاقتصادِ الكُلِّيِّ فإنّ نسبةَ السيولةِ تُقاسُ بمقارنةِ الكتلةِ النقديةِ على الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ انطلاقاً من التعريفِ الذي صاغه "ارفنج فيشر" خلالَ العشريَّةِ الأولى من القرنِ العشرين. وتقومُ نظريَّتُه على مطابقةٍ حسابيةٍ أساسُها « أنّ أيَّ مُبادَلةٍ تجري بين البائعِ والمشتري تتطلَّبُ استبدالَ النقودِ بـ(السلعِ، أو الخدماتِ، أو الأوراقِ الماليةِ). ويترتَّبُ على ذلك حقيقةٌ مؤدَّاها: أنّ قيمةَ النقودِ يجبُ أن تُساويَ قيمةَ "السلعِ، أو الخدماتِ، أو الأوراقِ الماليةِ التي تمَّ تبادُلها بالنقودِ»[iv].

و يمكِنُ صياغَتُها كالتالي: الكتلة النقدية ÷ الناتج المحلِّيِّ الإجماليِّ.

تُمكِّنُنا الصياغةُ السابقةُ من معرفةِ انخفاضِ النسبةِ الذي يعني ضَعْفَ قُدرةِ الاقتصادِ الوطنيِّ على تمويلِ الاستثمارِ، بينما يدلُّ ارتفاعُ النسبةِ على وُجودِ تدفُّقاتٍ نقديَّةٍ قابلةٍ للإقراضِ مِن أجلِ استثماراتٍ جديدةٍ.

أمّا على مستوى المؤسَّساتِ الاقتصاديةِ فإنّ حسابَ السيولةِ يأخذُ الشكلَ التالي:الأصول المتداولة ÷ خصوم قصيرة الأجل.

يُنظَرُ إلى هذه النسبةِ كمُؤشِّرٍ على مدى قُدرةِ المؤسسةِ على مقابلةِ التزاماتِها قصيرةِ الأجلِ؛ وذلكَ بتعبئةِ أُصولِها المتداوَلةِ باعتبارِها المصدرَ الأوّلَ لمقابلةِ هذا النوعِ من الالتزاماتِ، كما تُعَدُّ أيضاً بمثابةِ مؤشِّرٍ على مدى تحقيقِ المؤسسةِ لِتوازنِها الماليِّ على المدى القصيرِ.

تبيَّنَ للباحثِ مِن خلالِ الصِّيَغِ المذكورةِ آنِفاً أهميةُ السيولةِ بالنسبةِ للمؤسسةِ؛ فقَد أضحتِ السيولةُ مؤشِّراً مُهمَّاً في معرفةِ التوازُنِ لماليِّ لدى المؤسساتِ الماليةِ والاقتصاديةِ، فكلَّما زادتْ هذه النسبةُ ظهرتِ الصورةُ بشكلٍ واضحٍ للمحلِّلِ الماليِّ حولَ كفاءةِ السوقِ، وكذا المعلوماتِ المتوفِّرةِ حتّى يتمكَّنَ من أخذِ القرارِ السليمِ و المناسبِ في الوقتِ المناسبِ.

كما يظهرُ مِن خلالِ التعريفِ السابقِ أنّ مفهومَ السيولةِ يعني: قُدرةَ المؤسَّسةِ على تمويلِ الزيادةِ في الموجُوداتِ. لقد عرَّفَ صندوقُ النقدِ الدوليِّ السيولةَ بأنّها: "المدى الذي يُمكِنُ فيه للأصولِ الماليةِ أن تُباعَ عند إشعارٍ قصيرٍ بالقيمةِ السوقيةِ، أو مِنها"[v]. يتبيَّنُ مِن خلالِ التعريفِ السابقِ أنّ السيولةَ: هي الحصولُ على نُقودٍ بطريقةٍ سهلةٍ بلا مُعاناةٍ ولا إشعارٍ.

2. عناصرُ السيولةِ:تُعتبَرُ النقودُ أكبرَ الموجوداتِ سيولةً -كونُها وسيلةَ الدفعِ ووحدةَ قياسٍ- غير أنّ خصائصَ السيولةِ لا تنحصِرُ في النقودِ فحسب؛ إذ تُوجَدُ أصولٌ أُخرى لها سيولةٌ لا تحلُّ محلَّ النقودِ؛ ولكنَّها قابلةٌ لِأنْ تُحوَّلَ إلى سيولةٍ تامَّةٍ، وتنقسمُ السيولةُ إلى قسمينِ اثنينِ:

2.1.السيولةِ النقديةِ: وتشملُ النقودَ الجاهزةَ كافّةً كـ(الأوراقِ النقديةِ المتعامَلِ بها، والعملةِ الأجنبيةِ، والودائعِ تحتَ الطلبِ، والشيكاتِ تحتَ التحصيلِ).

2.2. السيولةِ شبهِ نقديةٍ: وتشمل النقودَ كافّةً التي يُمكِنُ (تحويلُها، أو بيعُها) لِتصبِحَ سيولةً فعليةً كـ(الأسهُمِ، والسنداتِ، وكلِّ ما يشملُ الأموالَ المتداولةَ) ما عدا الذممِ الجاهزةِ.

كذلك فإنَّ من الاقتصاديينَ مَن يقسمُ السيولةَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ باعتبارِ مستوى سيولتِها[vi]:

السيولةِ الأُولى : وهي المكوَّنةُ من (النقودِ الائتمانيةِ، والودائعِ) " النقود الكتابية" الموجودةِ في البنكِ المركزيِّ والخزينةِ العامَّةِ والمؤسساتِ البنكيةِ.

السيولةِ الثانيةِ: وهي المشتملةُ على الموجوداتِ غيرِ السائلةِ؛ ولكنْ القابلةِ للسيولةِ بعدَ القيامِ ببعضِ العملياتِ، وتشملُ أشباهَ النقودِ ( الودائعَ لأجلٍ، وكذا مختلفَ أشكالِ السنداتِ) الخاصَّةِ والعامَّة.

السيولةِ الثالثةِ : وتضمُّ الموجوداتِ الماليةَ التي يكونُ آجلُ استحقاقِها بعيداً، وتشملُ الأسهُمَ والسنداتِ.

يظهرُ من خلالِ التعريفاتِ السابقةِ أنّ للسيولةِ عدَّةَ مفاهيمَ مختلفةٍ حسبَ استعمالاتِها؛ حيثُ قد يُقْصَدُ بها (النقودُ) ذاتُها، كما يُقصَدُ بها (القُدرةُ على تحويلِ النقودِ).

وتجدرُ الإشارةُ إلى أنّ الأموالَ سواءٌ  كانت (ثابتةً، أو متداولةً) تتطلَّبُ بعضَ الوقتِ لتتحوَّلَ إلى سيولةٍ نقديةٍ، والزمنُ الفاصلُ بين (طلبِها وتحويلِها إلى سيولة) قد لا يكونُ هينِّاً، وقد تكونُ نتائِجُه وخيمةً على المؤسسةِ إذا لم يُراعى فيها عامِلُ الزمنِ كعُنصرٍ أساسٍ في الكفاءةِ الاقتصاديةِ؛ لتوفيرِ السيولةِ أهميَّةً كبيرةً لِما تُحقِّقُه مِن منافعَ كزيادةِ الثقةِ مثلاً؛ بحيث كلَّما ارتفعَتِ السيولةُ تتزايدُ بنِسَبٍ طرديَّةٍ العلاقةُ بين المتعامِلينَ الاقتصاديينَ مع زيادةِ القُدرةِ على الوفاءِ بالالتزاماتِ دونَ التعرُّضِ لخطرِ الإفلاسِ وبالتالي: فإنّ السيولةَ هي توافُرُ الأموالِ اللازمةِ للمؤسَّسةِ لمواجهةِ الالتزاماتِ القصيرةِ الأجلِ؛ سواءٌ كان ذلك بـ(تحويلِ الموجوداتِ إلى نقدٍ، أو الاقتراضِ بالنسبةِ للمؤسسةِ الاقتصاديةِ، أو جلبِ رؤوسِ أموالٍ أجنبيةٍ بالنسبةِ للبنكِ).

 3. مصادرُ السيولةِ: أمّا (مَصادرِ السيولةِ فإنّها مُتعدِّدةٌ) ويذكُرُ الباحثُ منها على سبيلِ المثالِ:

1. رأسَ المالِ الأوَّليِ الذي يُشكِّلُ نقطةَ انطلاقٍ التي يُمكِنُ مِن خلالِها للمؤسسةِ مباشرةً إجراءُ عمليَّةُ الاستثمارِ.

2. بيعَ الطيِّباتِ من سلعٍ وخدماتٍ.

3. تفعيلَ أدواتِ الصيرفةِ في البنوكِ اللاربويةِ؛ مثل (المضارَبة، والمرابَحة، والمشاركَة..).

4. الاقتراضَ من المؤسساتِ المقرِضةِ.

5. بيعَ الموجوداتِ القابلةِ للتحويلِ إلى نقودٍ..

هناكَ أمرٌ آخرُ لا بُدَّ مِن ذِكْرِه ويكمُن في تسييرِ السيولةِ التي تتطلَّبُ بدَورِها إدارةً قويَّةً ونشيطةً ومُحفِّزةً في الوقتِ نفسِه؛ حتّى تتمكَّنَ مِن أداءِ عملِها في ظروفٍ حسنةٍ مع توفيرِ الآلياتِ كافّةً ذاتِ الفعاليةِ التي تُمَكِّنُ من (دَفْعِ المخاطرِ، وتحقيقِ الربحِ)، وتأتي الزكاةُ المفروضةُ- مِن بينِ هذه الآلياتِ النشيطةِ-؛ لتقومَ بدَورٍ مُهمٍّ وحيويٍّ في الوقتِ نفسِه في (توفيرِ وحشدِ) السيولةِ، ولتحقيقِ ذلك التوازنِ المرجوِّ؛ حتى يتمكَّنَ الاقتصادُ من السيرِ وفقَ معاييرَ أخلاقيةٍ من دون أيِّ عُقَدٍ، ومِن أن يفقدَ الاقتصادُ توازنَه والذي لابُدَّ أن يُحافِظَ عليه. ويبدو مِن خلالِ استقراءِ الواقعِ الاقتصاديِّ أنّ (اقتصادياتِ الدولِ المتقدِّمةِ، أو التي في طريقِ نُموِّها) قد أصبحتْ تُعاني من إدارةِ السيولةِ، وفي بعضِ الأحيانِ تجدُ نفسَها غيرَ قادرةٍ على استقطابِ السيولةِ عند ما تكونُ مفقودةً- حتّى وإن وُجِدَتْ- فإنّها تضرُّ أكثرَ ممّا تنفع؛ُ بسببِ التضخُّمِ الذي يترتَّبُ عنها، وفي الحالتَينِ كِلتاهما فإنّ (وجودَ السيولةِ، أو عدمَها) أصبحَ يُشكِّلُ محورَ دراسةٍ عندَ مختلفِ المدارسِ، وهنا يأخُذُ الاقتصادُ الإسلاميُّ موقفَه المعروفَ بعُنصرُيه (الثابتِ والمتحرِّكِ)؛ ليجعلَ من الزكاةِ وسيلةً في (توفيرِ، وحشدِ) السيولةِ؛ فضلاً عن كونِها عبادةً يَتقرَّبُ بها المسلمُ إلى خالقِ الكونِ سُبحانَه وتعالى.

 4. الزكاةُ: فُرضَتِ الزكاةُ في مكَّةَ المكرَّمةِ بشكلٍ مطلقٍ؛ بحيثُ ترَكَ الشارعُ الحكيمُ تقديرَها للمسلمينَ في إطارِ مساعدةِ الفقراءِ من المسلمينِ- غيرَ أنّ الأمورَ تطوَّرَتْ و أخذتْ وجهةً أُخرى ابتداءً من السنةِ الثانيةِ للهجرةِ عندما بيِّنَتِ الشريعةُ الإسلاميةُ السمحةُ الأموالِ التي يجبُ فيها إخراجُ الزكاةِ ومقدارُ الواجبِ فأُوجِبَتْ في النقدَيينِ من (الذهبِ، والفضةِ) وما يقومُ مقامهُما، وفي الثروةِ (الزراعيةِ، والحيوانيةِ) وكلِّ مالٍ نامٍ كـ(عُروضِ التجارةِ)، أو قابلٍ للنماءِ مثلِ (النقودِ)، ولا زكاةَ على الممتلكاتِ كـ(العقارِ)؛ لأنّ لا نماءَ فيه.

 عن قيسِ بنِ سَعدٍ بنِ عُبادةً وفيه قالَ: «أمرَنا رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمِ بصدقةِ الفِطرِ قبلَ أن تَنزِلَ الزكاةُ فلَّما نَزَلَتِ الزكاةُ لم يأمُرْنا ولم ينهَنا ونحنُ نفعلُه»[vii]. وكما هو معلومٌ فإنَ زكاةَ الفطرِ فُرِضَتْ في السَّنةِ الثانيةِ من الهجرةِ النبويةِ وهي السَّنةُ التي فُرِضَ فيها صيامُ رمضانَ كما ذهبَ إلى ذلك جمهورُ العلماءِ. وإلى جانبِ الزكاةِ المفروضةِ اجتهدتِ الأمَّةُ الإسلاميةِ في توسيعِ مواردِها المالية ِكـ(الخراجِ والعشورِ) ويعودُ هذا الاجتهادُ إلى الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم أجمعينَ وعلى رأسهِم عمرُ بنُ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه الذي كان له الفضلُ في وضعِ الدواوينِ وخاصَّةً (ديوانَ الزكاةِ) الذي أولى له أهميةً خاصَّةً.

فُرضَتِ الزكاةُ على المسلمِ القادرِ صاحبِ المِلكِ التامِّ، وفي (المال النامي، أو القابلِ للنماءِ) إذا (بلغَ النِّصابَ، وَحالَ عليه الحَوْلُ) في المال الذي يُوجَبُ فيه الحولُ؛ كـ(عُروضِ التجارةِ، والأثمانِ، والأنعامِ السائمةِ)، أمّا الزُّروعُ والأموالُ المستفادةُ فلا يجبُ فيها حَوَلانُ الحولِ. والزكاةُ تعني: (النَّماءَ والبركةَ) فالنَّماءُ من أصلِ الزكاةِ، والنماءُ هو: (الزيادةُ والتكاثرُ)؛ فلا نماءَ مِن دونِ زكاةٍ كما يقولُ الكاسانيُّ -رحمهُ اللهُ-  في بدائعِ الصنائعِ: "كونُ المالِ نامياً؛ لأنّ معنى الزكاةِ هو النماءُ لا يحصلُ إلّا مِن المالِ النامي؛ ولسنا نعني به حقيقةَ النماءِ؛ لأنّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنّما نعني به: كونَ المالِ مُعدَّاً للاستنماءِ بـ(التجارةِ، أو بالإسامةِ)؛ لأن "الإسامةَ" سببٌ لحصولِ الدَّرِّ والنسلِ والسَّمنِ، والتجارةَ: سببٌ لحصولِ الربحِ، فيقومُ السببُ مقامَ المسبّبِ"[viii]. إنّ الاستنماءَ- طلبَ النماءِ- الذي تحدَّثَ عنه الكاسانيُّ في القرنِ السادسِ الهجْريِّ هو الاستثمارُ نفسُه الذي نتحدَّثُ عنه في عصرِنا هذا. كما يُمكِنُ تصنيفُ الأموالِ الزكويةِ إلى أربعةِ أقسامٍ:

- القسمِ الأوَّلِ: ويخصُّ زكاةَ رأسِ المالِ وغلّاتِه: وهو يشملُ الأموالَ التي تخضعُ لزكاةِ رأسِ المالِ وغلَّاتِه عند حَوَلانِ الحولِ، ويُطلَقُ عليها (الأموالُ المنقولةُ)، وتشملُ(زكاةَ الثروةِ النقديةِ، وزكاةَ عُروضِ التجارةِ، وزكاةَ الأنعامِ).

- القسمِ الثاني: يخصُّ زكاةَ غلَّةِ رأسِ المالِ: وهو يشملُ الأموالَ التي تخضعُ للزكاةِ على غلَّةِ رأسِ المالِ فقط عند الحصولِ على الإيرادِ؛ لأنّها أموالٌ لم تُتَّخذْ للتجارةِ؛ ولكنَّها تُتَّخذُ للنماءِ مُحقِّقةً لِمالكِها عائداً، ويُطلَقُ عليها الأموالُ الثابتةُ كـ (زكاةِ الثروةِ الزراعيةِ).

- القسمِ الثالثِ: ويخصُّ زكاةَ الثروةِ المعدِنيةِ والبحريةِ: ويشملُ ما يتعلَّقُ بـالثروةِ (المعدِنيةِ، والبحريةِ) كافّةً.

- القسمِ الرابعِ: ويخصُّ زكاةَ المالِ المستفادِ: ويشملُ الأموالَ المستفادةَ من كسبِ العملِ؛ مثل (الأجورِ، والمرتَّباتِ، والمكافآتِ) وما في حُكمِها، والأموالَ المستفادةَ من دَخْلِ (الحِرَفِ، والمِهَنِ) الحُرَّةِ.

كما يُمكِنُ أيضاً تصنيفُ الزكاةِ في نوعَينِ رئيسينَ هُما: (الزكاةُ المباشرةُ، والزكاةُ غيرُ المباشرةِ). وتُصنَّفُ الزكاةُ المباشرةُ إلى نوعَينِ هُما: (الزكاةُ على الدخلِ، والزكاةُ على رأسِ المالِ). وتُصنَّفُ الزكاةُ على الدخلِ إلى أربعةِ أنواعٍ هي: (زكاةُ الزروعِ والثمارِ)، و(زكاةُ المستغلَّاتِ)، و(زكاةُ أرباحِ المؤسساتِ الصناعيةِ والتجاريةِ) وأخيراً (زكاةُ العملِ والمِهنِ الحُرَّةِ). وتصنَّفُ الزكاةُ على رأسِ المالِ إلى أربعةِ أنواعٍ هي) :زكاةُ الماشيةِ)، و(زكاةُ الذهبِ والفضَّةِ) و(زكاةُ الأوراقِ النقديةِ والماليةِ) و(زكاةُ عُروضِ التجارةِ). كما تصنَّفُ الزكاةُ غيرُ المباشرةِ إلى نوعَينِ هي: (زكاةُ المعادنِ والرِّكازِ) و(زكاةُ المستخرَجِ من البحارِ).

لقد كانتِ الزكاةُ ولازالتْ تُشكِّلُ اهتمامَ واجتهادَ الاقتصادِيينَ منذُ قرونٍ عديدةٍ، ورغمَ أنّ الزكاةَ لم تأخُذْ سِوى حيِّزاً خاصَّاً في كُتُبِ السَّلَفِ الصالحِ ولم تُصنَّفْ لها كُتبٌ خاصَّةٌ بها سِوى ما كُتِبَ في الأموالِ ومواردِ الدولةِ الأُخرى كـ(الخراجِ لأبي يُوسُف تلميذ الإمام أبي حنيفةَ،والأموالِ لأبي عبيد)رحمهُم اللهُ تعالى؛ إلّا أنّها كانت تسرِي في شرايينِ الأمَّةِ الإسلاميةِ على امتدادِها التاريخيِّ والحضاريِّ؛ بل كانتْ جُزءاً لا يتجزّأُ من حياتِهم.

لم تكُنِ الزكاةُ تُشكِّلُ اجتهاداً خاصَّاً؛ لأن المشرِّعَ الحكيمَ فصَّلَ فيها تفصيلاً دقيقاً وقاطعاً لا نقاشَ فيهِ و لاجِدالَ. ورغمَ ما أصابَ الأمّةَ الإسلاميةَ من (اضمحلالٍ، وتخلُّفٍ) مع مرورِ الزمنِ؛ إلّا أنّ أفرادَ المجتمعِ الإسلاميِّ لا يزالونَ يُؤدُّونَ حقَّ الزكاةِ في وقتِها المحدَّدِ، وفي الأموالِ التي تجبُ فيها -شُعوراً منهم بعظَمةِ هذا الدِّينِ العظيمِ ومسؤوليَّتِهم في إحياءِ هذه الفريضةِ الثالثةِ-.

 إنَّ مسألةَ الزكاةِ لم تعرضْ إشكالاً خاصَّاً بها عندما كانت الأمَّةُ الإسلاميةُ في عِزِّها حتّى نهايةِ القرنِ الخامسِ عشرَ الميلاديِّ؛ فالإسلامُ الحنيفُ الذي كان يسري في شرايينِ الأمَّةِ لم يكنْ لِيتقبَّلَ أن تُنْزعَ منه هذه الفريضةُ الثالثةُ أبداً؛ فلقَد قامتِ الزكاةُ بدَورٍ بارزٍ في إعادةِ توزيعِ الدخْلِ في وقتٍ لم تكُنْ الأمَّةُ الإسلاميةُ تُعاني فيه الفقرَ والجوعَ، ولنا في حياةِ المجدِّدِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ رضيَ اللهُ عنه عِبْرةٌ لِمَنْ أرادَ أن يعتبِرَ؛ فقد كان الأغنياءُ يدفعونَ بأموالهِم إلى الفقراءِ والمساكينِ، وكان المجتمعُ الإسلاميُّ يتمتَّعُ بحُكمٍ راشدٍ يسمحُ لمؤدِّيي الزكاةِ أن يُؤدُّوا واجِبَهُم عن طيبِ خاطرٍ. أمّا الفقراءُ فكانوا يُطالِبونَ بحقِّهم في الزكاةِ؛ لأنَّهم هُم المعنيُّونَ في (آيةِ الصدقةِ)؛ حتّى أنّ المؤرِّخينَ الذي كتبُوا عن هذه الحِقبةِ الأساسيَّةِ من تاريخِ الأمَّةِ تحدَّثوا عن حدِّ الكفايةِ التي كانت ساريةً آنذاكَ؛ بحيث لم يكنْ لِحدِّ الكفافِ مكانٌ في المجتمعِ الإسلاميِّ.

لِنعُدِ الآنَ إلى السؤالِ الذي عُرِضَ في بدايةِ هذا البحثِ: كيف تُسهِمُ الزكاةُ في توفيرِ السيولةِ؟

إنّ الإجابةَ عليه تقتضي معرفةَ أهميةِ السيولةِ في المؤسسةِ؛ فلقد رأى الباحثُ في بدايةِ هذا البحثِ أنّ السيولةَ هي القُدرةُ على توفيرِ الأموالِ لِـ(مُواجهةِ الالتزاماتِ، أو القُدرةِ على تحويلِ الأصولِ) وخاصَّةً الأصولَ الماليةَ إلى نقودٍ جاهزةٍ في غُضونِ فترةٍ قصيرةٍ من الزمنِ. هناك تعريفاتٌ أُخرى لكنَّها تبقى نسبيَّةً مع المقارنةِ بأهميَّةِ السيولةِ ضمنَ الإطارِ العامِّ؛ بما فيه حاجةُ الأفرادِ الدائمةِ والماسَّةِ إلى السيولةِ لتغطيةِ حاجاتِهم. مِن هذا المنطلَقِ يُصبِحُ مفهومُ السيولةِ نسبيّاً مهما تعدَّدتِ التعاريفِ؛  فصاحبُ الدكانِ يحتاجُ إلى سيولةٍ لتغطيةِ حاجاتِه، وربُّ البيتِ يحتاجُها كذلك، وكذلكَ المؤسَّسةُ في حاجةٍ إلى سيولةٍ والمصرفيُّ هو بدَورِه في حاجةٍ إلى سيولةٍ، وهكذا فإنَّه يَصعُبُ علينا أن نتطرَّقَ إلى السيولةِ من وِجهةٍ اقتصاديةٍ مُعيَّنةٍ، رغم أنّ الكثيرَ من الاقتصاديينَ يُحاوِلونَ دائماً معالجةَ الموضوعِ من وجهةِ نظرِ الاقتصادِ (الكُلِّيِّ، أو الجزُئيِّ) من دونِ دراسةِ السيولةِ من النواحي الأُخرى والتي يُقصَدُ بها حاجةُ الأعوانِ الاقتصاديينَ كافّةً إلى السيولةِ. فلقَد عالَج الاقتصاديُّ الفرنسيُّ صاحبُ جائزةِ "نوبل" في الاقتصاد "جون تيرول" موضوعَ السيولةِ فقط من ناحيةِ الاقتصادِ الكُلِّيِّ من دونِ أن يتطرَّقَ إلى الجوانبِ الأُخرى كـ(فُقدانِ السيولةِ عند الأُسّرِ) الذين يُشكِّلُونَ جُزءاً مُهمَّاً ضمنَ الوكلاءِ الاقتصاديينَ؛ فهو يرى أنّ نقصَ السيولةِ يعودُ بالأساسِ إلى المؤسساتِ الماليةِ والاقتصاديةِ التي تعجزُ في توفيرِ المواردِ الماليةِ الضروريةِ لتلبيةِ رغباتِها، ولعدمِ إمكاناتِها للقيامِ بعملياتِ استثمارٍ تَدرُّ عوائدَ محترمةً[ix].

 ومهما يكُنْ فإنّ السيولةَ تكتسبُ أهميةً كبيرةً في حياةِ الأفرادِ كونُها (وسيلةً للتداولِ، وأداةً للدفعِ) كما أنّها تُعَدُّ ذاتَ أهمِّيةٍ بالنسبةِ للمُتعالِمينَ الاقتصاديينَ؛ لأنَّهم يتعاملونً بكمِّياتٍ جِدُّ مُعتبَرةٍ من السيولةِ؛ ولهذا أَولى الاقتصاديُّ البريطانيُّ "كينز" حيِّزاً مُهمّاً للسيولةِ في النظريةِ العامَّة. يرى" كينز" أنّ الطلبَ على السيولةِ وهذا الطلبُ نفسهُ على النقودِ يتحدَّدُ وفقَ ثلاثةِ دوافعَ رئيسةٍ:

1. دافعُ المُعامَلاتِ: يُفضِّلُ الناسُ السيولةَ لضمانِ المعاملاتِ الأساسِ لغَرضِ التبادُلاتِ (الشخصيةِ، والتجاريةِ)، ويُقصَدُ بدافعِ المعاملاتِ رغبةُ المؤسساتِ الاقتصاديةِ، (أفراداً، أو مشروعاتٍ).« ويُعَدُّ هذا الدافعُ أكثرَ الدوافعِ الثلاثةِ شُيوعاً للطلبِ على النقودِ؛ بمعنى: أنّه الدافعُ الرئيسُ الذي يُحفِّزُ تلك المؤسساتِ الاقتصاديةَ على الاحتفاظِ بأرصدةٍ نقديَّةٍ سائلةٍ»[x]. أمّا بواعثُ الاحتفاظِ بالنقودِ فينشأُ ”مِن وجودِ فَجْوةٍ زمنيَّةٍ بين حصولِ الأفرادِ على (دُخُولهِم، وإنفاقهِم) لهذا الدخْل، أو بينَ (دُخولِ المنتِجينَ من المبيعاتِ، وإنفاقِهم على العمليةِ الإنتاجيةِ)“[xi].

2. دافعُ الحِيطةِ: يُفضِّلُ الناسُ الحصولَ على السيولةِ في حالةِ حدوثِ مشاكلَ غيرِ مُتوقَّعةٍ؛ فقد تحتاجُ هذه لأخيرةُ إلى مصارفَ غيرِ عاديَّةٍ، أو كما يقول "كينز": الاستعدادُ للظروفِ الطارئةِ التي تتطلَّبُ مصروفاتٍ فُجائيّةٍ ولِفُرَصِ الشراءِ المفيدةِ التي لم تكنْ مُتوَّقعةً مُسبقاً[xii].

3. دافعُ المضارَبةِ: يطلبُ بعضُ المستثمِرينَ السيولةَ لدافعِ المضارَبةِ؛ لأنَّهُم يتوقَّعُونَ هبوطَ أسعارِ الأصولِ الماليةِ عندما تنخفضُ أسعارُ الفائدةِ، وغرضُهم في ذلكَ شأنُ كلِّ المستثمِرينَ الذين يلهثُونَ وراءَ تحقيقِ أقصى عائدٍ، يَعتبر ُ"كينز" أنّ هذا الدافعَ هو الأكثرُ تأثيراً على منحنى الطلبِ على النقودِ مقارنةً بالدافِعَينِ السابقَينِ.

لهذه الأسبابِ كلِّها يرى "كينز" أنّ الأفرادَ يُفضِّلونَ الاحتفاظَ بالسيولةِ من أجلِ (الاحتياطِ والمعاملاتِ)، ومِن هنا تبرزُ نظريَّةُ عاملِ تفضيلِ السيولةِ في تحديدِ سعرِ الفائدةِ؛ إذ أنّها تمثِّلُ الفكرةَ الأساسَ للطلبِ على النقودِ. ومردُّ هذا التفضيلِ هو أنّ الأفرادَ يتنازلُونَ عن السيولةِ عندما يرتفعُ سعرُ الفائدةِ، وتكونُ النتيجةُ لصالِح الاستثمارِ؛ لأنّ الأموالَ المودَعةَ ستوجَّه لفائدةِ الاقتصادِ، وهكذا فإنّ تفضيلَ السيولةِ يُمثِّلُ مكافأةَ عدمِ اكتنازِ النقودِ. لقد جاءتِ "المدرسةُ الكينزيةُ" لِتُحاربَ الاكتنازَ عن طريقِ رفعِ معدَّلِ الفائدةِ الذي يُشجِّعُ الأفرادَ على الادخارِ الذي يوجَّه إلى الاستثمارِ؛ وبالتالي إلى رفعِ الناتجِ الوطنيِّ. وسيُعالِجُ الباحثُ في الحلقةِ الثانيةِ إنْ شاءَ اللهُ الطلبَ على السيولةِ في الفكرِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ.

الهوامش :



[i]. HIRSCHMAN, Albert:Stratégie de développement économique. Les éditions ouvrières 1974. P 51.

 عاطف وليم , اندراوس: أسواق الاوراق المالية بين ضروريات التحول الاقتصادي والتحرير المالي. دار الفكر الجامعي 2006ص 62.[ii]

 مرجع سابق، ص 165[iii]

. ضياء مجيد،الموسوي: النظرية الاقتصادية التحليل الاقتصادي الكلي. ديوان المطبوعات الجامعية 1992ص 85. [iv]

 علي محي الدين، القره داغي:إدارة السيولة في المصاريف المالية، دراسة فقهية اقتصادية، مجلة إسرا الدولية المالية الاسلامية. 2010.[v]

 أحمد فكري، نعمان:النظرية الاقتصادية في الاسلام مع خطة عمل تطبيقية لنظام اقتصادي إسلامي متكامل. دار القلم 1985 ص 345. [vi]

 رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة[vii]

 الكاساني، علاء الدين أبي بكر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، الجزء الثاني، ص 424[viii]

[ix]TIROLE, Jean, déficits de liquidité: fondements théoriques. Revue de stabilité financière N°11-février 2008.

 ضياء مجيد،الموسوي:المرجع السابق ص 236[x]

 عمر، صخري: التحليل الاقتصادي الكلي، ديوان المطبوعات الجامعية 2008، ص 224.[xi]

 كينز، جون ماينارد: النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود. دار العين للنشر 2010 ص 241. [xii]

مقالات الكاتب :

الزكاة ودورها في توفير السيولة من خلال إعادة توزيع الدخل

مارس 2016

تُعتبَرُ السيولةُ المفرطةُ أحدَ أسبابِ التضخُّمِ النقديِّ عندما تكونُ غيرَ مصحوبةٍ باقتصادٍ حقيقيٍّ تُراعى فيه أولويةُ الإنتاجِ والخدماتِ التي يُمكِنُها توفيرُ اليدِ العاملةِ، وامتصاصُ البطالةِ التي تُعَدُّ هي الأُخرى من مُعوِّقاتِ النموِّ ...

الزكاة ودورها في توفير السيولة من خلال إعادة توزيع الدخل

أبريل 2016

الحلقة (٢)

 

تبيَّنَ ممّا سبقَ عَرضُه مِن خلالِ الحلقةِالأُولى أنّ "الطلبَ على النقودِ" يُقْسَمُ إلى:

1. الطلبِ على النقودِ لِغَرضِ ...