العدد الحالي: نوفمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الأحسن مبادرة قيادية اجتماعية - درسٌ من كتابِ اللهِ -

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

الأحسن مبادرة قيادية اجتماعية - درسٌ من كتابِ اللهِ -

 

إن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد فيه الحقائق العلمية الراسخة، وكلما جُدِّد التأمل تجددت حقائق أخرى؛ وزيادة تخصص المتدبر لكتاب الله يكشف له ما لا يراه غيره إن أخلص عمله لله تعالى؛ فقد يفتح الله على يديه ويُنير بصيرته ويُثلج صدره بما يُشبع غريزته البحثية، التي لا تنفك تتساءل وتبحث عما هو أحسن. 

والأحسن منهج يعلمه القرآن الكريم لمتدبره؛ فيجعله صاحب مبادرة قيادية دوماً؛ لأن المجتهد لا يرضى بالحسن ما دامت درجة الأحسن ممكنة، وما بعد الأحسن إلا أحسن منها، فإن سار الناس على هذا المنهج القيادي فإن الأمر بالمعروف سيَشيع بينهم، وسيكون النهي عن أي منكر فعلوه أو فعله بعضهم منهجاً رائداً في إصلاح الحياة بما فيها. 

إن الإنسان العاقل المتدبر يعيش عمره مُتلمساً ما فيه نجاته، وما فيه الأفضل له على هذه البسيطة، ويسعى لتحقيق ذلك بشتى الطرق التجريبية والاستنباطية، فالعقل زُوِّد بأدوات الشك، وتراه يعتمد على الحواس كمجسات لاستقبال بيانات محيطه البيئي؛ فيستفيد من نتائج تجاربها، ويُضيف عليها من مهاراته استنباطاً واستنتاجاً ليتلمس الأفضل.

لكن ضياع الأيام دون نتائج صحيحة مؤداه ضياع العمر الذي لن يعيشه الإنسان إلا مرة واحدة، لذلك يحاول الإنسان الاستفادة من تراكم المعارف التي تُتاح له عند غيره، لكنه سيكون أكثر تعقلاً لو حصل على معلومات فيها الحقائق جليّة، ليضيف لها المعارف المتراكمة بين أبناء جلدته، ثم يُعمل عقله تجربة واستنتاجاً عسى أن يستمتع بحياته الفريدة. 

ولن يجد الإنسان أجدر من كلام الله تعالى المحفوظ من أي تحريف أو تشويه ليكون مصدر حقائقه؛ فلا يجدر بالإنسان أن يُخاطر بعمره الذي لن يُمنح غيره ثانية أبداً، وهذه حقيقة علميّة أكّدها القرآن الكريم مراراً وتكراراً، وهي ثابتة كسنة من سنن الحياة لا تتبدل ولا تتغير.

فأين المنهج العلمي الصحيح الأجدى بالإنسان تتبعه حتى لا يُخاطر بضياع عمره هباءً منثوراً؟ 

لقد أمَرَ الله تعالى عباده بأن يحسنوا؛ فقال تعالى: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة: ١٩٥).

ووعد عباده الذين يستجيبون لأوامره بالأجر العظيم؛ فقال تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (آل عمران: ١٧٢). فمن استجاب لرسوله بعدما أصابتهم القروح والجروح. 

وقد وعد الله عباده أن يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، ليعلمهم بأن المبدأ القيادي يكون بأن يجزي من يتبعون له بأحسن ما عملوه وليس بحَسَنه فقط، وهذا يُكسب الولاء، قال الله تعالى: وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (توبة: ١٢١). 

كما أن الله تعالى قصّ على نبيه صلى الله عليه وسلم أحسن قصص الغابرين، فقال المولى عز وجلّ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (يوسف: ٣).

فكيف يفعل عباد الله ذلك السلوك القيادي؟ وكيف يمارسونه؟

  • إن حياكم أحد فحيوه بأحسن مما حياكم به؛ فإن قال: السلام عليكم؛ فليكن الرد وعليكم السلام أو وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لقوله تعالى مُعلماً عباده: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (النساء: ٨٦).
  • إن استثمر أحد مال يتيم؛ فلا يبحثن عن الفرص الحسنة؛ بل عليه بالأحسن، وهذا من باب الفرص البديلة الأفضل، قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (الأنعام: ١٥٢).
  • قال الله لعباده بأن يأخذوا أحسن ما كتبه عليهم من فروض وواجبات، وليأتوا العزائم ولا يكتفوا بالرخص، فإن فعل كل واحد منهم ذلك كان أسوة حسنة لغيره وقاطرة جذب في المجتمع نحو الأفصل، قال الله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا (الأعراف: ١٤٥). وقال أيضاً: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم (الزمر: ٥٥).
  • قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: خاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك، كما ذكر الطبري في تفسيره. قال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل: ١٢٥).
  • إن قال عباد الله قولاً، قالوا الأحسن، لقوله تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (الإسراء: ٥٣). 
  • إن سمع عباد الله القول اتبعوا أحسنه، لقوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (الزمر: ١٨).
  • إن دفع عباد الله عن أنفسهم دفعوا بالأحسن، لقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (المؤمنون: ٩٦). وفائدة هذا الدفع الصلاح والإصلاح بين الناس، يقول الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت: ٣٤).

وقد ذكر الله الابتلاء على أنه أداة تمييز وتمحيص للأحسن من العباد كما أنه أداة تمحيص للمؤمنين ممن دونهم، يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (هود: ٧). وقال أيضاً: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الكهف: ٧).

إن من أجمل ما علَّم الله عباده، التوازن القيادي؛ لقد طالبهم بما ألزم نفسه به، وهو العظيم جلّ في علاه؛ قال الله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص: ٧٧). 

لذلك على القادة أن يعاملوا أتباعهم ومواطنيهم أن يُحسنوا إليهم ثم ينتظرون منهم الأحسن، هذا إن بغوا منهم الإصلاح والإحسان بدل الفساد والإفساد في الأرض، فالأحسن أداة الولاء بين الأتباع والقائد، وأداة زرع القربى بين القائد وأتباعه، وبين الناس بعضهم بعضاً أيضاً، يقول الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت: ٣٤).

فسبحان الله ما أرحمه من إله.. علّم عباده أن يكون كلاً منهم قائداً في مجتمعه، وصاحب مبادرة تُحتذى صغرت أم كبرت.

حماة (حماها الله) ٢٢ صفر ١٤٣٩ هـ الموافق ١١ تشرين ثاني/ نوفمبر ٢٠١٧ م