العدد الحالي: أبريل 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

استراتيجيات الابتكار ومنهجية الابتكار المُزَعزع

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

استراتيجيات الابتكار ومنهجية الابتكار المُزَعزع

كلما وردت عبارة (الابتكار)، تبادر للذهن السبق والمسارعة وإدراك الشيء أول الوقت. 

جاء في قاموس المحيط أن بَكَّرَ وابْتَكَرَ وأبْكَرَ، وباكَرَهُ: أتاهُ بُكْرَةً، وكُلُّ مَنْ بادَرَ إلى شيءٍ.

لذلك فإن المتلقي الفطن يتبادر لذهنه مجموعة أسئلة واستفسارات، لابد من إيجاد أجوبة لها.

هل الابتكار علم أم فن؟

يُنظر للابتكار عادة على أنه فنٌّ أكثر منه علم، فالشركات يمكنها زيادة فرصها في تحقيق النجاح المستدام من خلال حسن توظيف المعلومات؛ وبما أن الفرص غالباً ما تتكشف أثناء تطبيق العمليات الابتكارية لذلك هو أقرب للفن منه للعلم.

وتحتاج الشركات الابتكار كلما ضعفت معدلات نموها؛ حيث يبادر القياديون للاستعانة بأكثر من نظرية خلال سعيهم لتحقيق المبتكرات، بدءاً من اختيار الحلول المثلى لتطوير منتج وصولاً إلى ترسيخ ثقافة الإبداع. والابتكار لا ينبغي أن يبقى فناً أكثر منه علماً على أرض الواقع.

وقد أظهرت الأبحاث اكتشافاً مثيراً للاهتمام؛ وهو أن الابتكار في التسويق والموارد البشرية يعتمد بنسبة أقل على الحدس الفني، مما يؤكد أن الابتكار لا يكون نتيجة الحظ أو الرؤية الاستثنائية، بل نتيجة عمليات بحث مدروسة.

ما هي استراتيجيات الابتكار؟

يمكن تمييز نوعين أساسيين من الاستراتيجيات الخاصة بالابتكار، هما:

١- استراتيجية مُمكَّنة بالمعلومات:

    • الاستراتيجية المُتعجِلة Impatient strategy، 
    • الاستراتيجية المتأنية Patient strategy.

٢- اختيار عشوائي على أساس الحدس والصدفة.

وبإجراء تحليل رياضي لعمليات الابتكار باعتبارها عملية بحث عن تصاميم لمنتجات قابلة للتطبيق، من خلال مجموعة هائلة من العناصر. فقد تم التوصل إلى اكتشاف مذهل، حيث:

  • يمكن التوصل إلى استراتيجية ابتكار مميزة باستخدام المعلومات حول عمليات الابتكار القائمة. 
  • لا توجد استراتيجية واحدة هي المثلى؛ فالاستراتيجية الأمثل تعتمد على التوقيت وعلى فضاء الابتكار، 
  • هناك  العديد من مجالات الابتكار، ولكل مجموعة خصائصها.

الرؤى الرئيسية لتحليل الابتكار:

لقد تم تحليل الابتكار باعتباره عملية دمج عناصر لإنتاج منتجات جديدة؛ باستخدام محاكاة قائمة على البيانات التاريخية لدراسة أربعة مجالات هي: تكنولوجيا البرمجيات، وفن الطهي، واللغة، والموسيقى. وأوضحت الأبحاث ثلاث رؤى رئيسية:

  1. الاستراتيجيات المدعمة بالمعلومات تتفوق على الاستراتيجيات التي لا تستخدم المعلومات (أي استراتيجيات الابتكار العشوائية) التي تُنتجها الأبحاث. 
  2. في المراحل المبكرة من تطوير أحد فضاءات الابتكار، تحقق الاستراتيجيةُ المُتعجِّلة نتائجَ أفضل، وفي المراحل اللاحقة تكون النتائج الأفضل من نصيب الاستراتيجية المتأنية. 
  3. من الممكن تبنِّي استراتيجية تكيفية Adaptive strategy، تتغير مع تطور السوق، وتحقق نتائج أفضل في جميع مراحل تطور السوق. ويتطلب تطوير استراتيجية تكيفية: الدراية بالتوقيت الأمثل؛ للانتقال من مقاربة إلى أخرى، ويمكن تحديد نقطة التحول، إذ إنها تحدث عندما يبدأ مستوى تعقيد المنتجات بالثبات بعد ارتفاعه.

ما هي مراحل وضع استراتيجة ابتكار؟

إنه من خلال النتائج التي تم التوصل إليها، يمكن تأسيس عملية تتكون من خمس خطوات، لوضع استراتيجية ابتكار تحظى بميزة ثراء المعلومات.

الخطوة الأولى: اختيار فضاء الابتكار: أين ستلعب؟

إن لخصائص وسمات فضاء الابتكار أهمية كبيرة، لذا من الضروري أن يكون اختيارك لمجال المنافسة اختياراً مدروساً، والمثير للاهتمام أن تحليل الأسواق أو توقع احتياجات العملاء ليس كافياً؛ فإذا كنت تسعى إلى الابتكار بنجاح؛ فينبغي عليك أن تفهم بنية فضائك الابتكاري جيداً، ومن ذلك:

    • ابدأ بأخذ فكرة عامة عن المنتجات المنافسة الأساسية وعناصرها. 
    • حدد مدى تعقيد تلك المنتجات.
    • هل لديك إمكانية الوصول إلى تلك العناصر؟ 

وكقاعدة عامة:

    • احرص على اختيار الفضاءات التي لا يزال مستوى تعقيد المنتجات فيها منخفضاً، والتي يكون لديك فيها إمكانية الوصول إلى أكثر المكونات انتشاراً. 
    • ركز على الفضاءات غير الناضجة بعد، 
    • طبق استراتيجية مُتعجِّلة لتحقيق نتائج فورية، 
    • ثم انتقل في وقت لاحق إلى استراتيجية متأنية بعوائد بطيئة. 

مثال Uber Technologies:

تقدم شركة أوبر تكنولوجيز مثالا جيداً؛ فقد دخلت الشركة الفضاء الوليد لمشاركة المركبات بين الأقران peer-to-peer ride-sharing بعد ثلاث سنوات من إنشائها في عام ٢٠٠٩ كشركة تشغيل سيارات أُجرة (الليموزين). واختارت أوبر فضاءها بحكمة: إذ كانت صناعة مشاركة المركبات غير ناضجة بعد، وكان مستوى تعقيد المنتج منخفضاً، والعناصر الرئيسية يسهل الوصول إليها. وتطلبت الاستراتيجية المُتعجِّلة الدخولَ إلى السوق بسرعة بتطبيق مشاركة المركبات Ride-sharing app. أما الآن فهناك ما يبدو أنه استراتيجية متأنية قيد التطبيق في شركة أوبر وهو تطوير تكنولوجيا القيادة الذاتية التي تنطوي على مستوى أعلى من التعقيد، وهذه تحتاج فترة أطول من التطوير.

الخطوة الثانية: اختيار الاستراتيجية: كيف ستلعب؟

قم بخطوة غير متوقعة، مثال ذلك: 

  • انظر إلى الخلف وليس الأمام. 
  • قس مدى تطوُّر التعقيد في فضاء الابتكار الذي اخترته، من خلال تحليل توزيع أحجام المنتجات، بإحصاء العناصر الفريدة في المنتجات؛ بحيث:
    • إذا كان مستوى التعقيد منخفضاً وثابتاً؛ فإن هذا مؤشر على أن الفضاء لا يزال في بدايته، هنا يمكن اختيار استراتيجية مُتعجِّلة. 
    • إذا كان مستوى التعقيد مرتفعاً؛ فإن الفضاء آخذ بالنضوج، واستراتيجية متأنية هي المقاربة الأفضل. 

وهكذا؛ فإن مدى تعقيد الفضاء هو إشارة مهمة لتوجيه استراتيجية الابتكار المتبناة.

لكن: كيف يمكن التقاط الإشارة من البيانات المتاحة في الفضاء؟ 

لدى العديد من المبتكرين الأدوات اللازمة للقيام بذلك؛ حيث تقوم الشركات دورياً بـ:

    • إعادة هندسة منتجات المنافسين، 
    • تحليل براءات الاختراع، 
    • إجراء مقابلات وحوارات مع خبراء التكنولوجيا لتوجيه القرارات التشغيلية. 

ويمكن للمبتكرين؛ كما ينبغي لهم، استخدام الأدوات والمعلومات نفسها لتكون الدليل المرشد للاستراتيجية من خلال القياس المنهجي لتطوُّر تعقيد المنتجات في فضائهم. وهذا يتطلب تطوير تصنيف العناصر Taxonomy of components بأخذ عينات من منتجات المنافسين - المادية، وغير المادية - وتشريحها، كالابتكارات المتعلقة بالعمليات، أو اختيار نموذج العمل Business model. ونحن لا نعرف أي شركة تقوم بهكذا أمر، لكن العديد من الشركات المبتدئة تتبع هذا المنطق ضمنيّاً من خلال الانتقال: 

    • من منطق مُتعجل لمنتجات تستوفي الحد الأدنى من قدرة البقاء، 
    • إلى استراتيجية ابتكار متأنية أكثر ترتكز على تصاميم أكثر تعقيداً بمجرد تأمين التدفق النقدي والتمويل، وبمجرد أن يبدأ الفضاء بالنضوج.

الخطوة الثالثة: تطبيق الاستراتيجية: كيف تُنفِّذ؟

بعد ذلك نفِّذ استراتيجيتك الابتكارية. بحيث:

⚙︎ إذا كنت تطبق مقاربة متعجلة؛ فإن هدفك يتمثل بتبني أو تطوير عناصر تتيح طرح منتجات بسيطة نسبيّاً في السوق بسرعة. وفي هذه الحالة يجب طرح الأسئلة التالية:

    • كيف يمكن أن تصبح الأول؟
    • كيف تزيد سرعتك في البحث والتطوير؟
    • كيف تقلل الوقت المستغرق لطرح المنتجات في الأسواق؟

يمكن تجسيد هذه الاستراتيجية بمقاربة طرح منتجات بحد أدنى من قابلية النجاح، وهذه مقاربة تفضل (البساطة والسرعة).

⚙︎ إذا كانت خصائص فضائك الابتكاري تُشير إلى أن استراتيجية متأنية ستكون مناسبة أكثر، فإن مقاربة طرح منتجات بالحد الأدنى ربما لا تكون المقاربة الأفضل، وبدلاً من ذلك، يجب أن يكون هدفك زيادة خيارات الابتكار المستقبلية إلى أقصى حد. وتطبق كبرى شركات التكنولوجيا؛ كشركة أبل، ومجموعة سامسونغ هذه المقاربة ضمنيّاً؛ حيث تجري الشركتان الكثيرَ من الأبحاث، وتسجلان الكثير من براءات اختراع، وغالباً ما يستغرق الأمر سنوات حتى تُدمج تلك الابتكارات في المنتجات الجديدة؛ ليس لأنها بطيئة في الابتكار، ولكن لأنها على وجه التحديد، تمارس لعبة الابتكار المتأني.

والسؤال: هل يمكن للشركات أن تتبع كلتا المقاربتين المُتعجِّلة والمتأنية في مراحل مختلفة من عملها؟  

الجواب: نعم، يمكنها ذلك؛ لكنها ليست مهمة سهلة على الإطلاق؛ فشركة جنرال إليكتريك، على سبيل المثال، طوَّرت برنامجا يُطلَق عليه (أعمال سريعة FastWorks) طبَّقته على نطاق واسع، وهذا البرنامج في الأساس أداة تتيح بناء وتطوير المنتجات ذات الحد الأدنى في دورات تطوير سريعة. إلاّ أن شركة جنرال إليكتريك تستمر بتطبيق المقاربة المتأنية التقليدية الخاص بها، فهي ثنائية مقاربة فيما يتعلق بالابتكار. 

لكن شركات قليلة فقط هي التي تتمتع بمدى إمكانات جنرال إليكتريك، لذا من الأفضل أن تتوخى الحذر إذا كنت تسعى إلى تطبيق مثل هذه الاستراتيجية.

الخطوة الرابعة: التقاط إشارات التحول والتكيّف معها

إن الاستراتيجية الأفضل تعتمد على (المجال والتوقيت)، مما يعني الحاجة إلى متابعة مستوى التعقيد في فضائك الابتكاري، وأن تنافس على إمكانية الوصول إلى المعلومات كي تلتقط الإشارات الضرورية التي تحث على تغيير الاستراتيجية في وقت مبكر قبل المنافسين. 

فما الذي يمثل إشارة لتغيير الاستراتيجية؟ 

توصلت الأبحاث إلى أن ثبات مستوى زيادة تعقيد المنتجات يُعدُّ إشارة موثوقاً بها، وبأن الوقت قد حان للانتقال من استراتيجية متعجِّلة إلى استراتيجية متأنية.

ويمكن أن تكون شراكات شراء الحقوق Licensing partnerships والاستحواذ على التكنولوجيا Technology acquisitions من شركة أخرى عاملاً مهمّاً في إظهار هذه الإشارة؛ فمعظم المبتكرين يستخدمون هذه الإشارات لتوسيع نطاق وصولهم إلى العناصر من أجل تسريع عملية الابتكار. وفي الواقع، إن مثل هذه الأساليب يمكن أن تقدم للمبتكرين نطاقاً أكبر من المعلومات حول تطوُّر التعقيد في الفضاء الابتكاري، ومن ثمَّ منحهم ميزة معلوماتية في التقاط إشارة التحول.

وهناك تكتيك آخر مرتبط بهذا، يتمثل بإنشاء وتنسيق مجتمعات المطوِّرين (على غرار تلك التي تكوّنها منصات إدارة المحتوى مثل: شركة بوكس Box Inc، وشركة البرمجيات مفتوحة المصدر ريد هات Red Hat Inc، وشركة أبل، وغيرها)، وهذه النظم الإيكولوجية Ecosystems في جوهرها هي: عبارة عن فضاءات ابتكار خاضعة للإدارة، حيث لا يحصل المُنسِّق على إمكانية الوصول إلى العناصر والابتكارات التي يطورها الآخرون فحسب، بل أيضاً تكون له مثل بوابة فريدة للوصول إلى معلومات غزيرة حول ذلك الفضاء.

الخطوة الخامسة: احتضن التغيير الجذري، أو كيف تعيد ضبط ساعة البدء؟

يصل الوعد بتحقيق استراتيجية ابتكار مدعومة بالمعلومات إلى درجة إحداث زعزعة. 

والزعزعة Disruption هي حدث يعيد فجأة ضبط فضاء الابتكار ويُبسِّطه مجدداً من خلال تقليل مستوى تعقيد المنتجات. وتكون هذه الأحداث عند اندماج فضائيّ ابتكار كانا مفصولين في السابق، مما يمهد الطريق أمام ظهور عدد كبير من ابتكارات المنتجات الجديدة الأقل تعقيداً. وهذا يعني، ضمنياً، أن الزعزعة لا تحدث من تلقاء نفسها، وإنما يصنعها مبتكرون يقفون عند حدود أحد الفضاءات؛ فالذين يصنعون منتجات أبسط تستفيد من عناصر مجال آخر. ومن الأمثلة الكلاسيكية هي زعزعة صناعة وسائط الموسيقى على يد اللاعبين الأساسيين في مجال مشاركة الملفات بين الأقران (مثل نابستر Napster في ظهورها الأول)، وكذلك مؤسسات الأبحاث التي تطور معايير ترميز Encoding  الموسيقى الجديدة (مثل Fraunhofer - Gesellschaft التي تتخذ من برلين بألمانيا مقرّاً لها، والتي كانت المطوِّر الرئيسي لتكنولوجيا MP3 لملفات الصوت الرقمية). وفي حين لا يمكننا - بعد - القول إننا يمكننا توقع الزعزعة، فإن النهج التحليلي يتيح للمبتكرين التعرف على هذه الأحداث وتفسيرها على أنها إشارات تحذير مبكرة.

ودائماً ما تتطلب الزعزعة من المبتكرين: إعادة تحديد استراتيجية الابتكار، والعودة إلى المقاربة المُتعجِّلة. وقد نمذجنا الاستجابات المختلفة للزعزعة في فضاء التكنولوجيا، وتوصلنا إلى أن الشركات التي تنجح في إعادة توجيه وتحديد استراتيجيتها، يكون لديها نتاج من الابتكارات أعلى بنسبة ٥٠٪ تقريباً من الشركات التي لا تنجح في ذلك. وإن العودة مرَّة أخرى إلى استراتيجية مُتعجِّلة أمر يسهل قوله ولكن يصعب تنفيذه، لأنه يتطلب تحولاً في جميع جوانب المقاربة الابتكارية.

خوض غمار الزعزعة

إن أفضل استجابة  للتعامل مع الزعزعة هي التحول من استراتيجية متأنية إلى مُتعجِّلة. ويؤدي تنفيذ هذه الخطوة بنجاح إلى نتائج ابتكار تكون أعلى بنسبة ٥٠٪ تقريباً من النتائج التي تتحقق من الالتزام باستراتيجية متأنية بعد التغيير الجذري.

لكن: هل يمكن تبني استراتيجية ابتكار تتمتع بامتيازات؟ 

تشير الأبحاث إلى امكانية ذلك في الواقع؛ فالمبتكر الذي يتبع هذه المقاربة الجديدة المدعومة المعلومات، سيبدو في أعين منافسيه والجمهور وكأنه يصنع حظه بنفسه. 

ولا شك في أن هذا النوع من المبتكرين سيتفوق على الآخرين ممن لا يستخدمون المعلومات بالطريقة نفسها.

تبني استراتيجية ابتكار تكيفية يثمر عن أرباح أعلى..

يلاحظ وجود مستويين من الأداء المتميز:

    • الاستراتيجيات المدعومة بالمعلومات: والتي تتفوق على الاستراتيجيات العشوائية، 
    • الاستراتيجيات التكيفية: وهي من الاستراتيجيات القائمة على المعلومات، وتحقق أفضل النتائج على المدى البعيد.

ويتعين على المبتكرين الطموحين الذين يسعون إلى تبني استراتيجية ابتكار مدعومة بالمعلومات، تبني خمسة مبادئ:

  1. إعادة تحديد إطار الابتكار باعتباره عملية بحثية مدعومة بالمعلومات.
  2. جمع المعلومات حول العناصر والابتكارات لتحديد خصائص الفضاء.
  3. تحليل مدى نمو وتطوُّر الفضاء، وتبني الاستراتيجية المناسبة بناءً على هذا الأساس.
  4. بناء قاعدة معلومات قوية لتطوير وتحسين المقاربة الابتكارية التي تتبناها.
  5. الاستجابة للزعزعة أو توليدها من خلال تكييف مقاربتك الإدارية.

ومن المثير للاهتمام أن هذا المنظور للابتكار له آثار ضمنية في الجوانب الأخرى لحل المشكلات؛ ففي حين تم حل العديد من المشكلات البسيطة، لم يعُد أمامنا سوى المشكلات المتزايدة التعقيد التي لا تقدم لها المقاربة المُتعجِّلة في حل المشكلات سوى قيمة ضئيلة. 

وسيعتمد التقدم والرخاء بصورة متزايدة على حل المشكلات الصعبة التي تحتاج إلى استراتيجيات أقل مباشرة وأكثر تأنياً. وسواء كان الأمر يرتبط بالتعامل مع تحديات الابتكار، أم مشكلات ذات طبيعة مجتمعية أوسع نطاقاً؛ فإن:

التمسك بالخط المتأني يمكن أن يكون صعباً ومحفوفاً بالمخاطر، بينما تبني مقاربة منظمة في مراحل متقدمة لحل المشكلات، ومُوجَّه بالإشارات الصحيحة، سيقودنا (بطريقة أكثر توقعاً) إلى حلول أقوى.

ويرى (دونالد سول) المحرر في (هارفرد بيزنس ريفيو) أنّ أبحاث (كلاي كريستنسن) وهو من واضعي نظرية الابتكار المُزعزِع؛ توفّر منظاراً هامّاً يساعد في فهم السبب الذي يجعل المؤسسات الراسخة تخسر غالباً أمام الشركات الناشئة التي تهاجمها انطلاقاً من الشريحة الدنيا من السوق: فأصحاب الأسلوب المُزعزع، يتبنّون تكنولوجيا جديدة مستهدفين شريحة من السوق لا تهمّ الشركات الراسخة حالياً، ثمّ يعتلون موجة التحسينات التي تطال هذه التكنولوجيا للتوسّع وقضم جزء من القاعدة الأساسية لزبائن الشركات الراسخة المنافسة.

ويواجه القادة في الشركات الراسخة معضلة حقيقية جدّاً: فإما أن يستثمروا ليحافظوا على أعمالهم الحالية، وهو أمر مُثبَت ومُربِح، أو أن يقتحموا مجالات جديدة معرّضين بذلك أعمالهم الأساسية للخطر جرّاء فقدانهم تركيزهم أو تعرّضهم للقضم من الشركات الناشئة. لذلك تُعتبرُ نظرية الابتكار المُزعزع نظرية بسيطة تسعى لتفسير سبب فشل العديد من الشركات، لكن ليس على الإطلاق.

- في دراسة أكاديمية جرت عام ١٩٩٠ شملت قطاع معدّات أنصاف النواقل، خلصت إلى أن التنظيم وحركة المعرفة في شركات التكنولوجيا الرفيعة يشبهان بنية المنتجات الأساسية التي تصنعها هذه الشركات. وعندما تتغيّر بنية المنتج، من خلال تغيّر طريقة تكامل المكوّنات ضمن نظام هذا المنتج، فإن الشركات الراسخة غالباً ما تجد معاناة في التأقلم مع الظروف الجديدة، لأنّ تغيير بنيتها المؤسسية، التي لا تزال تجسّد البنية القديمة للمنتج، عملية صعبة وتستغرق الكثير من الوقت.

- في دراسة أكاديمية نشرت عام ١٩٩٢ نتائج دراسة شملت ٢٠ مشروعاً للابتكار في شركات مثل Ford وHP وChaparral Steel، توصّلت إلى أنّ الشركات كانت مضطرة لضخ استثمارات هائلة من أجل بناء الكفاءات التقنية المطلوبة للتميّز ضمن مسار تقني محدد. وكانت هذه القدرات متجذّرة بعمق في روتين العمل ضمن المؤسسة، كما كانت متجذّرة أيضاً في ثقافة المؤسسة، لكن عندما كان قادة الشركات الرائدة في السوق يواجهون تكنولوجيا جديدة، كانوا غالباً يكتشفون أنّ القدرات القديمة لشركاتهم غير مناسبة تماماً للظروف الجديدة، وأنّه من الصعب تغييرها، وتتحوّل الكفاءات الأساسية في هذه الحالة إلى عناصر أساسية غير مرنة ومن الصعب تغييرها.

- خلال عام ١٩٩٥، نشر مقال طرح فيه للمرّة الأولى مفهوم التكنولوجيا المُزعزعة، إثر دراسة حول كيفية تخصيص الموارد ضمن الشركات الكبيرة. وقد أُجْبِرَتْ هذه الشركات نتيجة تعاملها مع التكنولوجيا المُزعزعة على الاختيار بين تمويل الأنشطة الحالية والمراهنة على أنشطة جديدة. وكان المدراء التنفيذيون الذين يديرون الأقسام التجارية التي تخدم الزبائن الحاليين هم عادة من يربح في نهاية المطاف، ليس لأنّ الأمر كان في المصلحة الفضلى للشركة على المدى البعيد، وإنما لأنهم كانوا يتمتعون بالسلطة التي كانت في يدهم كونهم هم من يكسب المال فعلياً في الشركة.

- خلال عام ١٩٩٦نشرت دراسة مقارنة بين الشركتين اللتين نجمتا عن تقسيم شركة AT&T، حيث أنّ واحدة من الشركتين نجحت في مجال الهواتف الخلوية، في حين أخفقت الثانية. وكانت الخلاصة الأساسية هي أن الاستثمارات المبكرة في تكنولوجيا الهاتف الخلوي جعلت من الأسهل تبرير كل استثمار لاحق. فإذا لم تقم بتلك المراهنة الأولى، سيكون من الصعب عليك أن تواكب الأحداث لاحقاً.

- وفي دراسة جرت أواخر تسعينيات القرن الماضي اكتشف (دونالد سول) السبب الذي جعل شركات راسخة في مجال صنع إطارات السيارات مثل Firestone وUniroyal تفشلان في تبنّي التكنولوجيا الجذرية التي أثبتت تفوقها في أوروبا. وكانت النتيجة الأساسية هي أن هذه الشركات الرائدة وضعت مجموعة من الالتزامات التي عزّزت بعضها؛ فالتزمت بتعزيز القدرات التقنية، والموارد؛ مثل المصانع، والعلاقات مع الزبائن، إضافة إلى الاهتمام بالنماذج الفكرية الحاكمة لبيئة العمل، وثقافة المؤسسة ذاتها. ونتيجة ذلك باتت هذه الالتزامات متداخلة وتتّكل على بعضها مما جعل تغيير النظام بأكمله أمر صعب جداً. وبناءً عليه، يمكن القول بأنّ الشركات غالباً ما تتجاوب حتى مع التغييرات الكبيرة بشيء من العطالة الفعّالة؛ فتسرّع أنشطتها التي نجحت في الماضي.

 

وكمثال على الانعطاف الاستراتيجي، يعتبر قرار فيسبوك البدء بتصميم الرقائق الإلكترونية الخاصة بها في أبريل ٢٠١٨ قراراً ضرورياً إثر فضائح