العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المشاركات والمداينات الاستقرار التلقائي في البنوك الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

الائتمان هو المحرك الأساسي:

من الموضوعات التي استغرقت جهود الباحثين في إطار تخصص الاقتصاد الإسلامي بصفة عامة المفاضلة بين المداينات والمشاركات، وخلقت هاجسًا لدى الباحثين في مراحل الماجستير والدكتوراه، وعند التمحيص في هذه القضية نجد أن قضيتَنا الأساسية هي تطويرُ المداينات المباحة أو الائتمان المباح (البيوع والإجارات)؛ أما المشاركات فلم يخل منها عصر من العصور وهي من أعمدة الاقتصاد المعاصر من خلال الشركات المساهمة وصناديق الاستثمار بشتى أنواعها لكن المحرك لهذه المشاركة هو الائتمان بشتى صوره في جانب التمول والتمويل.

الاستقرار التلقائي وامتصاص حالات الفشل:

قامت البنوك الإسلامية على فكرة الاستقرار التلقائي بالمقارنة بالبنوك الربوية، وهذه الفكرة ملخصها أن أي اضطراب أو خلل -كالتخلف في الدفع وفشل تحصيل الأموال- في جانب الأصول (التمويل) يتم امتصاصه تلقائيًا في جانب الخصوم (الودائع)؛ لأن الودائع تقوم على المضاربة الشرعية، ولا يوجد التزام على البنك بضمان رأس مال المضاربة أو ربح محدد للمودعين، وإنما يعود إليهم ما تحصل فعلاً من نتائج الأعمال في جانب الأصول. هذه الميزة غير موجودة في البنك الربوي لأن البنك الربوي ملتزم برد الودائع مع فوائدها بصرف النظر عن نتائج الأعمال في جانب الأصول، وهذا يجعل مسألة إدارة الأصول والالتزامات أكثر صعوبة في البنك الربوي منها في البنك الإسلامي.

محدودية تطبيق فكرة الاستقرار التلقائي في البنوك الإسلامية :

فكرة الاستقرار التلقائي موجودة نظريًا بقوة في البنوك الإسلامية، لكن في التطبيقات موجودة نسبيًا بشكل محدود، ويعود ذلك لعدة أسباب:

السببالأول: أن بعض البنوك الإسلامية تستهويها الحسابات الجارية التي تحصل عليها بتكلفة صفر؛ أي لا تدفع عليها عوائد للمودعين.

السبب الثاني: طروء فكرة المرابحة العكسية أو التورق العكسي في جانب الودائع كبديل عن الودائع الربوية ذات الفائدة الثابتة، والتورق العكسي مداينة بين البنك والعميل يكون فيها البنك مدينًا للعميل والعميل دائنًا.

السبب الثالث: طروء فكرة ودائع الوكالة المقيدة بالمرابحة في السلع الدولية، وهي صيغة التورق العكسي آنفة الذكر مع اختلاف التسمية؛ وتطبق غالبًا بين المؤسسات.

لهذه الأسباب الثلاثة يفتقد البنك الإسلامي ميزة الاستقرار التلقائي التي تحسب له بالمقارنة بالبنك الربوي، ويرتفع مستوى التشابه بين البنكين من هذه الزاوية المتعلقة بإدارة الأصول والموجودات حيث يصبح جوهر جانب الخصوم مديونيات مضمونة على البنك (حسابات جارية وديون تورق)، وجوهر جانب الأصول في الأصل هو مديونيات أيضًا.

عند نقد البنوك بضعف المشاركة فيقصد ضعفها في جانب الودائع، لا في جانب التمويل، لأن الضعف في جانب التمويل له ظروف موضوعية، أما الضعف في جانب الودائع فهو رغبة في زيادة الربح من وجه عندما يتم التركيز على الحسابات الجارية وإضعاف حسابات الاستثمار، ومقاربة غير مستحسنة مع البنك الربوي من وجه آخر عندما يتم إقحام المرابحة العكسية والتورق العكسي والوكالة المقيدة بالمرابحة في جانب الودائع.

تطبيقات المشاركات في جانب توظيف الأموال

محددات تطبيق المشاركات في التمويل:

 المشاركات موجودة في أغلب البنوك الإسلامية في جانب الودائع وتطبيق المشاركات في جانب التمويل (جانب توظيف الأموال) تحكمه أمور يأتي في مقدمتها النظام المحاسبي والتقني المستخدم ومستوى المخاطرة الأخلاقية والذي يرتبط بشكل مباشر بالبيئة القانونية وحجم المؤسسة ماليًا وقبل كل ذلك مدى ملاءمة المشاركة للغرض التمويلي.  فعندما يمكن تلبية الغرض بالبيوع أو الإيجارات فلا يوجد دافع شرعي أو فني من أي نوع كان لاختيار المشاركة لتلبيته؛ بل إن المشاركة قد تتنافر مع طبيعته.

بعض الأغراض التمويلية لا تلائمها الإجارة ولا البيوع، ويلائمها المشاركة غير أن القيود الفنية على التطبيق لم تسمح بتطبيق المشاركة وحلَّ التورق ضيفًا على صيغ التمويل لتلبية تلك الاحتياجات التمويلية مثل تمويل رأس المال العامل.

والمشاركة في جانب التمويل ليست من نوع المشاركة في الشركات والصناديق والتي تتسم بصفة الدوام، وإنما هي من نوع يشبه التمويل بالبيع والإجارة (المداينات) وله نسبة أصيلة للمشاركة، والصيغة التي تم تطويرها هي المشاركة المتناقصة.

المشاركات كإحدى صيغ التمويل:

المشاركة المتناقصة هي حلقة الوصل بين المشاركات والمداينات في جانب التمويل، وقد فرق المعاصرون بين مشاركة على أساس مفهوم شركة الملك، ومشاركة على أساس شركة العقد. أما المشاركة على أساس شركة الملك فلا تضيف شيئًا لتطبيق المشاركة في جانب التمويل فهي مداينة في الحقيقة لأن الحكم الشرعي بأن "الشريك في شركة الملك كالأجنبي في حصة شريكه" سمح بتطبيق المرابحة والإجارة (المداينة) في التمويل.  وكذلك فإن الدخول في مشاركة بين الممول والعميل في شراء بضاعة أو عقار ثم قيام الممول ببيع كامل حصته بالأجل؛ ليس مقصودًا أيضًا بالمشاركة المتناقصة لأنه أشبه بالمرابحة؛ بل المقصود هو المشاركة في التشغيل والخضوع لنتائج الأعمال من ربح وخسارة وهو المقصود بشركة العقد، غير أن هدف البنك هو أن يبيع حصته تدريجيًا خلال فترة التمويل للعميل وهو ما يسمى بخطة التخارج.

ومن أبرز شروطها الشرعية أن يتم البيع في حينه بسعر السوق للحصة المبيعة، أو بسعر يتفق عليه في حينه؛ أي عند البيع، أما الالتزام المسبق بثمن محدد للحصة فغير جائز لأنه يؤدي إلى ضمان رأس مال الشريك.

هذه المشاركة فيها محاسن المشاركة من حيث عدم ضمان العوائد كالمداينات، وتبدو هذه سلبية من وجهة نظر البنك وفيها محاسن المداينة جزئيًا وهي عدم الاستمرارية في المشروع.

هذه المشاركة محل تطوير لتبدو أحد صيغ التمويل الأساسية في البنوك ولتخفيف التمويل الإسعافي بالتورق.
تمويل رأس المال العامل عن طريق "الجاري مدين" الإسلامي:

تمويل رأس المال العامل في البنك الربوي يتم عن طريق الجاري مدين (أوفر درافت Overdraft) هو تسهيل بقرض ربوي؛ على كامل التسهيل عمولة ارتباط، غير أن الفائدة لا تحسب إلا على المبلغ المسحوب. بدائله الإسعافية في التمويل الإسلامي هي التورق.  أمَّا البدائل الأكثر انسجامًا مع خصائص التمويل فهي المضاربة أو المشاركة على أساس حساب النمر/النقاط التي تراعي المدة والمبلغ، لكن العوائق المحاسبية والتقنية والبيئة القانونية والمخاطر الأخلاقية لا تسمح بذلك بسهولة، والصيغة المقترح تطويرها في هذا الجانب هي نظام ودائع المضاربة المطبق في جانب الودائع في البنك (حيث يكون البنك مضاربًا) ليكون نفسه مطبقًا في جانب التمويل مع الشركات المتمولة حيث يكون البنك ربَّ مال.

 وسينجح هذا النظام في التطبيق فقط في الشركات التي تعالج التحديات المحاسبية والتقنية والقانونية ويكون حجمها كبيرًا بحيث يتم بموجب تلك الصفات تخفيض المخاطر الأخلاقية للحد الأدنى أو إلغاؤها. وسيبقى هذا المأمول لتخفيض تطبيق التورق في جانب التمويل للشركات.

 أما تمويل السيولة للأفراد فسيبقى التورق هو سيد الموقف إلى أن يتم تطوير صيغ أكثر ارتباطًا بالسلع والمنافع. وهناك جهود تبذل في هذا الاتجاه.

التمويل بالمشاركة أو التمويل بالمداينة؟

هل المداينات شبيهة بالربا ؟

تحت ضغط العاطفة ذمّ البعض المداينة بالمرابحة وقال بأنها أقرب إلى القرض الربوي، وتكرر هذا من بعض المتخصصين، وشاع حتى بين بعض الباحثين الجدد، وهذا خلل منهجي شرعي ظاهر الخطأ، وهو يشبه قولهم فيما حكاه القرآن عنهم: "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا" }البقرة:275{، والرد عليهم "وأحل الله البيع وحرم الربا" }البقرة:275{.

فالحكم بحل البيع تقرير لعظم منافعه بالمقارنة بالمفاسد الوهمية المترتبة عليه. وأما ما يترتب على المبالغة في استعمال المباح من أضرار في ظروف معينة فيعالج بالسياسة الشرعية للبنك المركزي من التقييد ووضع الضوابط الإرشادية لتوجيه التمويل نوعًا وكمًا للأغراض التمويلية الأكثر نفعًا في المجتمع.

بالإضافة إلى أنّ المداينات أو البيوع الآجلة ليست مذمومة بإطلاق قال تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا". وقد يُستنبط من آية المداينة "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ... الآية" [البقرة 282] دعمُ المداينات بذكر سبل حمايتها. وفي التطبيق لا يمكن فرض صيغة محددة لذاتها بعيداً عن اعتبارات الغرض التمويلي والقيود الائتمانية. وقد يكون تطبيق المشاركة بمال الغير دون الاحتياط لحفظ المال من قبيل التعدي والتقصير.

أيهما أصلح التمويل بالمشاركة أو التمويل بالمداينة؟

ولو فرض أن هناك عمليتان يصلح لهما التمويل بالمشاركة والتمويل بالمداينة كالمرابحة والإجارة، فإنه لا يوجد محفز لاستخدام التمويل بالمشاركة سوى الربح وتحمل خطر محتمل أكبر، وهذا يعود تقديره إلى الناحية الفنية البحتة، ولا دخل للحلال والحرام في ذلك، والبنك يميل إلى الأقل مخاطرة لارتباطه بالودائع الحالة المضمونة، ولحرصه على تجنيب ودائع الاستثمار الخسارة.

ولو فرض أن البنك قصد إلى المخاطرة بشكل غير محسوب بدقة -وفقًا للمعايير الفنية- فدخل في المشاركة لمجرد كونها مشاركة فإنه يعد متعديًا أو مقصرًا في تصرفه بأموال المساهمين والمودعين. والمطلوب في المداينة المشروعة أن تكون على وجهها الشرعي المحقق للمقصد الشرعي من العقد وهو تمليك الأعيان أو المنافع شرعًا، وأن تخلو عن الحيلة، والمآل المحرم.

مرجحات استخدام الصيغ التمويلية:

وهناك مرجِّحات لاستخدام الصيغ التمويلية في البنوك والمفاضلة بينها أكثر أهمية من الوسيلة المستخدمة في التمويل من حيث كونها مداينة أو مشاركة، وتتمثل هذه المرجِّحات في الغرض التمويلي نفسه، من حيث نوعه وصلته بالأفراد والشركات أو الحكومة، أو صلته بالحاجات الضرورية أو الحاجية أو التكميلية، أو أثره على تحريك الاقتصاد من خلال الترابط الخلفي والأمامي بحيث يدفع التمويل لتحريك سلسلة من عمليات الإنتاج السابقة للغرض التمويلي، أو عمليات الإنتاج اللاحقة للغرض التمويلي.

وفي ظل افتراض التساوي في المخاطر والربحية فإن تلك مرجحات هامة لتفضيل العملية التمويلية بصرف النظر عن العقد التمويلي المستخدم.

مرجحات تفضيل بعض المداينات على بعض:

 ومن المرجحات في تفضيل بعض المداينات على بعض (الإجارة والبيوع بأنواعها) إمكانية تداول الدين والتخلص من المديونية، وتفريغ أصول البنك منها، وهذا قد يصعب في المرابحة إلا بتركيبة من العمليات، في حين يكون سهلا في الإجارة لأن البنك مالك للأصول المؤجرة ويمكنه بيعها دون قيود شرعية على سعر البيع، غير أن مخاطر الإيجارات -من أحد الوجوه- للبنك أعلى من المرابحات لأن البنك في الإيجارات مسؤول عن مخاطر الأصول المؤجرة خلال مدة التمويل بينما لا علاقة له بالأصول محل المرابحة بعد تسلمها من قبل العميل.

وقد قصدنا بهذا بيان الفجوة الموضوعية القائمة على المقارنة بين المخاطر وأنها تميل لصالح المداينة البيعية على حساب الإجارة ثم على حساب المشاركة.

أين يكمن نفع المداينة المباحة؟

المداينة المباحة نافعة، والحرص على تنقيتها من الشوائب الشرعية من التحديات التي تواجهها المالية الإسلامية، لأن أي انحراف في إجراءات التنفيذ والتحصيل يؤدي إلى الانتقال بالمداينة المباحة إلى خانة المداينة الربوية. ولا يلزم من التمويل بالمداينة بأنه مقتصر على التمويل الاستهلاكي أو أن المشاركة بالضرورة تذهب للاستثمار أو التمويل الرأسمالي، لأن التمويل بالاستصناع والسلم والمرابحة والإجارة للحكومة ومشروعات البنية التحتية والمساكن لمحدودي الدخل ظاهر النفع للمجتمع. أيضًا إن التمويل بالمداينة للشركات والمشروعات الإنتاجية يسمح لهذه الشركات بالتشغيل وزيادة الدخول والإنتاج ولا يلزم لتحقيق ذلك أن يكون البنك شريكًا في تلك المشروعات بشكل مباشر.

الفرق بين المداينة المذمومة ونظيرتها المباحة

وإن المداينة المذمومة هي التي تقوم على التحايل على الربا كالعينة وبيع الوفاء وبيع الاستغلال والتي تشبه الربا في مضمونها والبيع في شكلها فقط. هذه المداينة استخدمت فيها السلعة لتظهر في صورة البيع وهي ليست كذلك. أما المداينة التي تكون فيها السلعة قد انتقلت من البائع إلى البنك ثم إلى المشتري ثم إلى طرف ثالث في المجتمع أي تحقق فيها التداول فهي بلا شك تسمح للمالك الأول أو المنتج بزيادة الإنتاج. وهذا محور مهم للتمويل الإسلامي من حيث تحريكه للتشغيل والإنتاج الحقيقي، وهذه نقطة جديرة بالتحليل.

الردّ على النقد الموجه إلى البنوك الإسلامية في تطبيق المداينات

أولاً: كما بينًا سابقًا إن المداينات أو البيوع الآجلة ليست مذمومة بإطلاق قال تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا". وقد يُستنبط من آية المداينة دعم المداينات بذكر سبل حمايتها. وفي التطبيق لا يمكن فرض صيغة محددة لذاتها بعيداً عن اعتبارات الغرض التمويلي والقيود الائتمانية. وقد يكون تطبيق المشاركة بمال الغير دون الاحتياط لحفظ المال من قبيل التعدي والتقصير.

ثانياً: إن نظرية البنوك الإسلامية قامت على أساس المضاربة في الجانبين بديلاً عن القرض في الجانبين. ولكن التطبيق قام على صورة مجتزأة من النظرية وليس كل النظرية، ولا يعني خطأ النظرية أو خطأ التطبيق؛ لأنه لكل نظرية وعاء مؤسسي يستوعب تطبيقها. أو لكل مؤسسة نظرية تستند إليها. وهذه المؤسسات القائمة لا تستند إلى تلك النظرية.

ثالثاً: إن انتشار المداينات والتورق - في البنوك الإسلامية في جانب التوظيف ومؤخراً في جانب الاستقطاب - ليس خياراً لها بل فيه نوع من الإلجاء، لأن هذه البنوك نشأت كبديل عن البنوك التجارية "بنوك الودائع". وسمة هذه البنوك كبر حجم الحسابات الجارية تحت الطلب، ويتوقف استمرارها على وجود أدوات لإدارة السيولة قصيرة الأجل. وهذه الأدوات تعد من أكبر تحديات المصرفية الإسلامية في ظل عدم اكتمال البيئة الحاضنة للمصرفية الإسلامية.

رابعاً: إن بنوك الاستثمار وصناديق الاستثمار وشركات التطوير العقاري و"مؤسسات التمويل الأصغر" و"صناديق الملكية الخاصة" و"صناديق رأس المال الجريء" والشركات المساهمة، هي هياكل مؤسسية استثمارية وتمويلية وقانونية  بديلة يقع على عاتقها تطبيقات تقوم في الغالب على المشاركات، وهي قائمة في الاقتصاد بصفة عامة ولكل مؤسسة مما سبق نظرية وآليات تستند إليها.

إن النقد الموضوعي يستدعي استكشاف نوع المؤسسة وهيكل أعمالها وعناصر البيئة المحيطة وإلا خرج عن موضوعيته. وعلى سبيل المثال لا يمكن مطالبة بنوك الودائع بإلغاء الحسابات الجارية، لأنها بدون ودائع جارية تتغير صفتها.