العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مبررات الانتقال إلى العمل المصرفي الإسلامي / دراسة نظرية /

د. بوطبة صبرينة

استاذة مساعدة بكلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير

يزيد تقرارت

أستاذ مساعد قسم "أ"

أثبتت المصارف الإسلامية مكانتها من خلال تجاوز الأزمة المالية العالمية وتحقيق عوائد أفضل مما حققته البنوك التقليدية رغم حداثة التجربة والمصاعب والتحديات التي واجهتها إلا أنها استطاعت الانتشار على نطاق واسع على حساب نظيرتها التقليدية باعتبارها أكثر استقرارا مما سمح لها بالنمو وتحقيق الأرباح وزاد من إقبال المتعاملين عليها، حيث شهدت السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بالصيرفة الإسلامية في مختلف دول العالم ولم يقتصر هذا الاهتمام على إنشاء مصارف إسلامية جديدة فحسب بل قامت العديد من المصارف والمؤسسات المالية التقليدية بتبني هذا النظام إما من خلال التحول الكامل للعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية أو من خلال إنشاء النوافذ والوحدات(الفروع) المصرفية التي تُعنى بممارسة العمل المصرفي وفق أحكام الشريعة الإسلامية بانتهاج أساليب متعددة تمكنها من دخول عالم الصيرفة الإسلامية.

المحور الأول: الأسس النظرية للتحول نحو الصيرفة الإسلامية.

أولا: مفهوم التحول للصيرفة الإسلامية.

1-تعريف التحول:[1]

التحول في اللغة يعني التنقل من موضع إلى موضع آخر[2]، والإنتقال من حال إلى حال[3]، والإسم الحول، ومنه قوله تعالى:﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾[4]، أي تحولا وتغيرا وانتقالا[5]. ونقطة التحول هي الحد الفاصل بين أمرين يكون الأمر الثاني منهما أحسن حالا من الأول[6].

وفي الاصطلاح: الإنتقال من وضع فاسد شرعا إلى وضع صالح شرعا[7]، ويكمن الفساد في الوضع القائم المطلوب التحول عنه في التعامل بأنواع من المعاملات المصرفية المخالفة لأحكام الشرع، وفي الطليعة منها التعامل بالربا أخذا وعطاءا، وهو محرم شرعا لما ينطوي عليه من الإضرار بالمجتمعات الإسلامية واستغلال ظروفهم المعيشية وحاجتهم الاقتصادية[8].

وعليه فإن التحول يقصد به التغير والانتقال من وضع معين إلى وضع آخر، وهذا التغير أو الانتقال يقتضي عادة أن يكون الوضع المتحول إليه أفضل حالا من الوضع المتحول عنه[9].

نعني بالتحول في هذه الدراسة: الانتقال من وضع المصرفية التقليدية المبنية على سعر الفائدة إلى المصرفية الإسلامية المبنية على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، ويكمن عمل البنوك التقليدية في التعامل بأنواع من المعاملات المصرفية المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، وفي طليعتها التعامل بالربا، أما الوضع المطلوب التحول إليه فهو لإبدال المعاملات المخالفة للشريعة بما أحله الله من معاملات مصرفية تنطوي على تحقيق العدل بين المتعاملين في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية[10].

ولقد تعددت الآراء حول تعريف ظاهرة تحول البنوك التقليدية نحو الصيرفة الإسلامية.

فعرفها أحد الباحثين:

''أنها الفروع التي تنتمي إلى بنوك تقليدية تمارس جميع الأنشطة المصرفية طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية''[11].

وأطلق البعض على ظاهرة تحول البنوك التقليدية نحو المصرفية الإسلامية من خلال قيامها بإنشاء أو تحويل بعض فروعها التقليدية إلى فروع إسلامية تحت مسمى النظام المزدوج، أي النظام الذي يقدم فيه البنك التقليدي خدمات مصرفية إسلامية إلى جانب الخدمات المصرفية التقليدية[12].

2-أصول المنهج الإسلامي المناسب لتحول البنوك التقليدية للالتزام بالشريعة الإسلامية:

المنهج الإسلامي المناسب لتحول البنوك التقليدية إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية ينبغي أن يعتمد على الأصول الآتية[13]:

‌أ.      الدعوة: وهي بلاغ مبين يرتكز على ترغيب وترهيب، وتعتمد في الإسلام على قاعدة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[14]، والدعوة ضرورية وصالحة لكل زمان ومكان، لكل من لم يدخلوا في الإسلام، أو لكل من ينتسبون إلى الإسلام، ولكنهم غفلوا أو تغافلوا أو أعرضوا عن تعاليمه جزئيا بدرجة أو بأخرى، والدعوة الإسلامية فريضة على علماء المسلمين، فعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ﴿العلماء ورثة الأنبياء﴾، وقد أمر الله أنبياءه ومرسليه بالدعوة، وحذرهم من التقصير فيها، والدعوة هي السبيل الوحيد إلى نشر الدين بين الناس، وبها يشتد أزر المؤمنين، ويعود العصاة والمذنبين إلى حظيرة الدين طائعين، فيلتزمون بما أمر الله به، يحلون ما أحل ويحرمون ما حرم.

‌ب.  الطاعة: وهي في الإسلام قرين الرغبة الحرة أو الاختيار قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾[15]، ولا يعني مبدأ الاختيار أن الله يرضى لعباده الكفر والمعصية، قال تعالى: ﴿ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾[16]،وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾[17]، والطاعة هي باب الالتزام، والتيسير في الطاعة مبدأ من مبادئ الإسلام.

‌ج.   التدرج في التحريم: ظهر في هذا المنهج الإسلامي في عصر الرسالة في الحالات التي كانت المحرمات مستقرة في عادات أو مؤسسات راسخة في المجتمع الجاهلي، ومثال ذلك تدرج البيان الإلهي القرآني في تحريم الخمر والربا، وقد يقال إن هذا المنهج كان صالحا بالأمس قبل أن يتم الله دينه، ولكن الحقيقة أن ما هو قائم الآن في البلدان الإسلامية من عادات ومؤسسات لا تعبأ بالشريعة أم بالقيم الإسلامية لا يقل عما كان قائما في الجاهلية، ويستدعي مرة أخرى الصبر في المعالجة، وإتباع المنهج التدريجي لأجل التيسير في الطاعة والالتزام بما أمر به الله. ولقد جاء تحريم الربا على مراحل ثلاث متتابعة زمنيا، تمثلت الأولى في إعلام بأن الله يمحق الربا ويربي الصدقات[18] والثانية في نهي قاطع عن أشد وأبشع الربا وهو الذي يتراكم أضعافا مضاعفة[19]، والثالثة في تحريم الربا بجميع أنواعه، وذلك بتفرقته عن البيع وتوضيح ارتباطه بالظلم، وترتيب أحكام انتقالية بشأن التحريم تتمثل في العفو عما سلف من الربا، وضرورة ترك ما لم يقبض منه، ثم التحذير الأشد بحرب من الله ورسوله لمن يصر على معصية أكل الربا[20].

‌د.     توفير البديل الحلال في كل أمر حرمه الله: وهذا أمر ثابت في المنهج الإسلامي عموما، وفي مجال تحريم الربا يصبح واجبا الترويج للعقود والمعاملات غير الربوية، وإقامة المؤسسات التي تتعامل على أساس المشاركة في الربح والخسارة، مع الأخذ في الاعتبار جميع القواعد الشرعية التي تحكم العمل الحلال.

3-إستراتيجية التحول.

ترتكز الإستراتيجية المقترحة لتحول المؤسسة التقليدية إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية على المنهج الذي سبق بيانه.

واعتمادا على مبدأ التدرج فإن الإستراتيجية المقترحة لها ثلاث مراحل تتمثل فيمايلي[21]:

الأولى:تمهيدية تبدأ بالدعوة، وإقامة المؤسسة المصرفية الإسلامية، وذلك لاقتطاع جزء من سوق البنوك التقليدية؛

 والثانية: مرحلة وسيطة تتضمن تكثيف الدعوة، والعمل على اقتطاع جزء أكبر من سوق البنوك التقليدية، والدخول مع بعضها في تمويل مشروعات على أسس إسلامية؛

أما المرحلة الثالثة والنهائية:فيتحقق فيها هدف تحول البنوك التقليدية إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية، إما تلقائيا من داخلها بسبب الضغط التنافسي المتزايد عليها من قبل البنوك الإسلامية، أو عن طريق تملك بعضها كليا أو جزئيا، مع التأثير على لوائحها وإدارتها بشكل فاعل.

4-الإجراءات اللازمة للتحول.

تتمثل الإجراءات اللازمة لتحول البنك التقليدي الى بنك إسلامي فيمايلي:

‌أ.      يجب لنجاح التحول اتخاذ الإجراءات اللازمة له وإعداد الأدوات وإيجاد البدائل للتطبيقية الممنوعة شرعا، وتأهيل الطاقات اللازمة للتنفيذ الصحيح؛

‌ب.  مراعات الإجراءات النظامية، بتعديل الترخيص إذا كانت الجهات الرقابية تتطلب ذلك، وتعديل عقد التأسيس والنظام الأساسي من خلال القنوات المطلوبة لتعديله بتضمينه أهدافا ووسائل تلائم العمل المصرفي الإسلامي، وبتنقيته مما يتنافى معه؛

‌ج.   إعادة بناء الهيكل التنظيمي للبنك مع تعديل لوائح ونظم العمل ومحتوى الوظائف وشروط التوظيف بما يتلاءم مع الوضع الجديد؛

‌د.     تكوين هيئة رقابة شرعية، وكذلك رقابة شرعية داخلية وفق ما جاء في معايير الضوابط الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الاسلامية؛

‌ه.   تعديل أو وضع نماذج للعقود والمستندات متفقة مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية؛

‌و.    فتح حسابات لدى المصارف في الداخل والخارج، وتصحيح الحسابات التي لدى البنوك التقليدية المحلية أو المراسلة مع الإقتصار على ما تقتضيه الحاجة؛

‌ز.    إعداد برنامج خاص لتهيئة الطاقات البشرية وتأهيلها لتطبيق العمل المصرفي الإسلامي؛

‌ح.   اتخاذ الخطوات اللازمة لتطبيق معايير المحاسبة والمراجعة والضوابط والأخلاقيات الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية[22].

المحور الثاني: دوافع وأسباب تحول المصارف التقليدية للعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

من المعلوم أن أي تغيير أو انتقال من وضع معين إلى وضع آخر لابد وأن يكون له سبب، فإما أن يكون الانتقال من الوضع الحالي بسبب مشكلة تواجه القائمين عليه فلابد لتجاوزها من تغيير هذا الوضع والانتقال لغيره، أو يكون سبب الانتقال أو التغيير هو اتفاق القائمين على الوضع الحالي بأن الوضع الجديد يحقق لهم إيجابيات أكثر، وأن الانتقال إليه سيجعلهم أحسن حالا من الوضع الذي هم عليه حاليا، وبناءا عليه فسنحاول فيمايلي التعرف على أهم الدوافع التي تؤدي إلى تحول البنوك التقليدية للعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

أولا-السعي نحو تعظيم الأرباح:

وهذا الدافع ينطلق من الهدف الأساسي الذي تهدف البنوك التقليدية للوصول إليه، وهو تحقيق الأرباح، وحيث أن العمل المصرفي المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية يمثل مصدرا خصبا لتحقيق الأرباح، فإنه من الطبيعي أن تلجأ البنوك التقليدية إلى الاستفادة قدر الإمكان من هذا المصدر الخصب، وقد أجريت دراسة ميدانية(فهد الشريف، الفروع الإسلامية التابعة للمصارف الربوية في ضوء الاقتصاد الإسلامي)من خلال توزيع استبيانات على أصحاب القرار في البنوك التقليدية التي تحولت للعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، لمحاولة التعرف على أهم الدوافع التي كانت وراء اتخاذ قرار التحول، وفيمايلي نتائج هذه الدراسة:

1. 82% من البنوك-مع الأخذ بعين الاعتبار تعدد الدوافع التي كانت وراء تحول كل مصرف-كان من أهم دوافع تحولها هو المحافظة على العملاء الحاليين للبنك التقليدي والذين قد يرغبون بتنويع مجالات تعاملاتهم المصرفية، فتمت تلبية احتياجاتهم من خلال تقديم المنتجات المصرفية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

2. 47% من البنوك كان من أهم دوافع تحولها هو المنافسة في جذب عملاء جدد يفضلون العمل المصرفي المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ويرفضون العمل المصرفي المخالف لها والمتمثل بالربا.

3. 24% من المصارف كان من أهم دوافع تحولها هو ارتفاع معدلات عائد الاستثمارات المصرفية المتوافقة مع أحكام الشريعة مقارنة بمعدلات العائد في الصيغ المصرفية التقليدية.

كما أن هناك دوافع ثانوية لتحول البنوك التقليدية ترتبط بدافع السعي نحو تعظيم الأرباح ارتباطا وثيقا ولم

 يشر إليها في الدراسة السابقة وهي:

أ‌. توسيع مجال العمل المصرفي والاستفادة بما هو مسموح من خدمات وصيغ متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وغير مسموح التعامل بها في ظل النظام المصرفي التقليدي.

ب‌. ضعف البنوك التقليدية في السوق المصرفي التقليدي وعجزها عن المنافسة، واحتمال تعرضها للانهيار في المستقبل القريب، فيلجأ إلى إعادة إنعاش البنك من خلال الإعلان عن التحول للعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية.

ثانيا-الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية:

وهذا يعني أن الوازع الديني والاستجابة لأمر الله تعالى بتطبيق شرعه والالتزام بأوامره ونواهيه، هو الدافع الرئيسي وراء تحول البنك التقليدي للعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا الدافع مستمد من مبدأ التوبة والتوقف عن ممارسة الأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية وخاصة الربا[23].

ثالثا-انخفاض الحصة السوقية للمصارف التقليدية مقابل ارتفاع حصة المصارف الإسلامية:

على إثر النجاح الذي حققته المصارف الإسلامية وتنامى حصتها في السوق المصرفية بسبب الإقبال الكبير على منتجاتها، مدعومة بالوازع الديني الذي حرك جانبا كبيرا من العملاء للتعامل معها، كان من الطبيعي أن تلحظ البنوك التقليدية –عربيا وعالميا-هذا النجاح الذي ينمو على حساب تراجع حصتها من السوق المصرفية لذا وجدت من الأفضل أن تدخل هذا الميدان حفاظا على عملائها الحاليين والحصول على شريحة من هذا السوق المتنامي، وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين:

إن إقبال غالبية البنوك التجارية التقليدية على فتح فروع إسلامية يرجع إلى دوافع مختلفة، فقد يكون الإيمان بأن المستقبل للبنوك الإسلامية، وقد يكون وراء ذلك التحرك بمقاييس المنافسة والتقليد وعدم الرضا بغياب إسم البنك عن هذا الميدان الجديد، كما قد يكون الدافع تحقيق العائد الأعلى عما يتحقق من التعامل بالأسلوب التقليدي للبنوك التجارية[24].

رابعا-محاربة التضخم والقضاء على سوء توزيع الثروات في المجتمع:

في البداية لم يكن تحريم الفائدة المصرفية لأسباب اقتصادية، ولكن المفكرين المسلمين اجتهدوا في تعليل هذا التحريم ومنطقية تطبيقه وآثاره الاقتصادية، فالتمويل المصرفي في الاقتصاد المتمركز على الفائدة يجعل من التوسع النقدي عن طريق المصارف أداة للاختلال النقدي وليس للتوازن النقدي، فخلق النقود في النظام القائم على الفائدة يرتبط أساسا بمبدأ ملاءة المقترض وسمعته الائتمانية في ضمان القرض وفوائده الربوية، وليس على التوقعات الإنتاجية للنقود المستخدمة. ومن ثم فليس هناك ارتباط بين خلق النقود الجديدة والإنتاج الإضافي من السلع والخدمات، إضافة إلى الأغراض غير الإنتاجية التي يتم التوسع النقدي المصرفي من أجلها كأغراض المضاربة، وهذا يزيد من الاختلال بين العرض النقدي والطلب النقدي، فيحدث تبعا لذلك انفصام بين المبادلات الحقيقية والتدفقات النقدية والذي يعد بدوره جوهر عدم الاستقرار والتضخم.

كما سببت المصارف التقليدية من خلال ما تقوم به من عملية تضخيم للأصول المالية، وخلق لأصول جديدة دون أن يكون لها ما يكافئ من الأصول الحقيقية، وقوع الاقتصاد العالمي في أزمات خانقة استمرت في سحق مدخرات الكثرة التي لا تدرك تعقيدات الاقتصاد المعاصر بما يتضمنه من منتجات مالية معقدة، لتصب كل المنافع في جيوب القلة ممن أدركوا خصائص هذا النظام وراحوا يستخدمون معرفتهم هذه لجني المال بأي أسلوب ومهما كانت النتائج التي ستترتب على ما يقومون به، وهذا ما أدى إلى سوء توزيع الثروات في المجتمع وبالتالي زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

هذا على حين تتمركز عملية العرض النقدي في النظام النقدي الإسلامي حول الاستثمار الحقيقي، فالاقتصاد الحقيقي هو إدارة العمل وامتزاجه بالمال وليس الرغبة الأحادية فقط في الإفادة من المال بإقراضه، وبذلك تستطيع المؤسسات المالية الإسلامية أن تؤدي دورها في إعادة هيكلة الاقتصاد القومي من خلال دورها المتميز في الإنتاج والتوزيع وما تقوم عليه من إستراتيجية خاصة في النمو وفق مقاصد وأحكام الشريعة الإسلامية.

وبالتالي فإن من الأسباب الأساسية التي دفعت الكثير من الاقتصاديين بالمناداة للتحول للصيرفة الإسلامية هو الرغبة في التخلص من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن التعامل بالفائدة، والرغبة الأكيدة في تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية القائمة على استثمارات حقيقية وملموسة موجه نحو حاجات المجتمع المشروعة وتحقيق العدالة في توزيع الثروات في المجتمع.

رابعا-محاكاة النجاح الذي حققته المصارف الإسلامية:

إن النجاحات التي حققتها الصيرفة الإسلامية والتطور المستمر لمعدلات نموها خلال العقود الأخيرة، تعد من الأسباب الأساسية التي دفعت العديد من المصارف التقليدية للتوجه نحو العمل المصرفي الإسلامي.

فالاهتمام الحقيقي بالتعاملات المالية والمصرفية الإسلامية يعود إلى عام 1972، ومن ثم أخذ هذا القطاع بالتوسع والنمو (زيادة عدد المصارف الإسلامية، زيادة حجم الأصول، استقطاب الكثير من العملاء...إلخ)، فقد استطاع هذا القطاع رفع حصته من إجمالي الموجودات المصرفية من 8.8% في نهاية عام 2002 إلى 13.4% حتى عام 2008 كما زاد صافي ربح هذا القطاع بمعدل سنوي هائل خلال الفترة ما بين 2003-2007 ليبلغ 49% وقد زاد أيضا إجمالي الودائع بنسبة وصلت إلى 27% سنويا خلال الأعوام الثلاثة المنتهية في العام 2006.

وقد توقع الخبراء في صناعة التمويل الإسلامي، بأن تصل قيمة الأصول التي تديرها المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على مستوى العالم بحلول عام 2020 إلى نحو 4 تريليونات دولار أمريكي.

خامسا-الأزمة المالية العالمية لعام 2008:

هي سبب رئيسي وجوهري، فقد أصبح من المعروف أن الأزمة المالية تركت آثارا سلبية على جميع القطاعات دون استثناء، إلا أن القطاع المالي والمصرفي كان أكثر القطاعات تأثرا بالأزمة، فقد سببت الأزمة المالية بإفلاس العديد من المصارف والمؤسسات المالية التقليدية الهامة حيث تساقطت الواحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو دون أدنى مقاومة فلم تسعفها خبرتها الطويلة في تفادي هذه الأزمة أو التنبؤ بها.

أما بالنسبة للمصارف الإسلامية فقد كان تأثرها بالأزمة المالية تأثرا محدودا وغير مباشرا فقد استطاعت المصارف الإسلامية أن تخرج من الأزمة بأقل خسائر، فلم نسمع حتى الآن أن مصرفا إسلاميا قد أفلس، فقد اقتصر التأثير السلبي للأزمة المالية العالمية على المصارف الإسلامية بما يلي:

1.إنخفاض أرباح المصارف الإسلامية، فقد بينت العديد من الدراسات أن أرباح المصارف الإسلامية وخاصة الخليجية منها قد انخفضت بشكل كبير في عام 2009، ويعود سبب ذلك برأي الباحثة إلى وصول آثار الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي والذي يعد بدوره المكان الوحيد لاستثمارات المصارف الإسلامية؛

2.إنخفاض قيمة أصول المصارف الإسلامية، فكما هو معروف فإن المصارف الإسلامية تحتفظ بالأصول العينية أكثر من المصارف التقليدية خاصة الأصول العقارية (فالمصارف الإسلامية تحتفظ على الأقل بنسبة 20% من أصولها بشكل عيني وذلك حسب إحصائية STANDARD & POOR’S).

أما بالنسبة للآثار الإيجابية فهي عديدة وقد قامت الباحثة بتلخيصها بالنقطتين التاليتين:

أ‌.بروز ظاهرة المصارف الإسلامية واعتراف المجتمع الدولي بها، وإفساح المجال لعملها بل والدعوة الدولية للأخذ بها، فقد قالت وزيرة المالية الفرنسية كريستان لاغارد: ''سأكافح لاستصدار قوانين تجعل المصرفية الإسلامية تعمل بجانب المصرفية التقليدية في فرنسا''، وقال وزير المالية البريطاني في مؤتمر المصرفية الإسلامية الذي عقد في لندن بعد شهر رمضان 2009: ''إن المصرفية الإسلامية تعلمنا كيف يجب أن تكون عليه المصرفية العالمية''؛

ب‌. ساعدت الأزمة في زيادة الثقة بالعمل المصرفي الإسلامي مما أدى إلى انتشار المصارف الإسلامية الجديدة (مثل افتتاح أول مصرف إسلامي بفرنسا ''تيسير بنك'' نهاية عام 2011)، وقيام المصارف التقليدية بفتح فروع للمعاملات الإسلامية (مثل مصرف ''Society General'' الفرنسي الذي أنشأ صناديق تمويل وفقا للشريعة الإسلامية)، وقيام بعض المصارف التقليدية بفتح نوافذ للعمل المصرفي الإسلامي (مثل مصرف ''Scotland'' البريطاني الذي قام بفتح نوافذ إسلامية ليقدم من خلالها خدماته المصرفية الإسلامية).

وبالتالي فإن صمود الصيرفة الإسلامية في وجه الأزمة المالية العالمية الحالية قد بينت بوضوح ثبات المصارف الإسلامية وقلة تأثرها بأحداث الأزمة، مما عززت قناعات الاقتصاديين بموضوعية وجدوى الصيرفة الإسلامية من المنظور الاقتصادي البحت بغض النظر عن البعد العقائدي لميكانيكية عملها، ومن ثم فلا نستغرب حينما نرى من ينادي في الأخذ بتجربة الصيرفة الإسلامية ودراستها وتطبيقها في عواصم أسواق المال العالمية في لندن وباريس ونيويورك[25].



 [1]أينما وردت كلمة التحول فالمقصود بها تحول البنوك التقليدية نحو العمل المصرفي الإسلامي.

[2]ابن منظور محمد بن مكرم، لسان العرب، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت، لبنان، 11/184.

[3]قلعجي محمد، معجم لغة الفقهاء، الطبعة الثانية، دار النفائس، بيروت، لبنان، 1988، 1/434.

[4]سورة الكهف، الآية. 108.

[5]مخلوف حسين محمد، معاني كلمات القرآن تفسير وبيان، بيروت، لبنان، ص. 138.

[6]ابن منظور محمد بن مكرم، مرجع سابق، 11/184.

[7]الربيعة سعود محمد، تحول المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي ومقتضياته، جمعية إحياء التراث الإسلامي، الكويت، 1992، ص. 15.

[8]مصطفى على أبو حميرة، نوري محمد أسوسي، تحول المصارف التقليدية في ليبيا نحو الصيرفة الإسلامية، دراسة تطبيقية على مصرفي الجمهورية والتجارة والتنمية، مؤتمر الخدمات المالية الإسلامية الثاني، المركز العالي للمهن المالية والإدارية، وأكاديمية الدراسات العليا، طرابلس، ليبيا، 27-28 أفريل 2010، ص. 4.

[9]يزن خلف العطيات، منير سليمان الحكيم، أثر التحول للمصرفية الإسلامية في تطوير آليات وأدوات استقطاب الموارد وتوظيفها، مؤتمر الخدمات المالية الإسلامية الثاني، جامعة، ص.3.

[10]الربيعة سعود محمد، مرجع سابق، ص. 15.

[11]حسين حسن شحاتة، الضوابط الشرعية لفروع المعاملات الإسلامية بالبنوك التقليدية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، الإمارات العربية، العدد 240، ص. 33.

[12]عمر زهير حافظ، رأي في مسألة النظام المزدوج في الأعمال البنكية، مجلة الأموال، شركة الاتصالات الدولية، جدة، السعودية، العدد الأول، 1996، ص. 60.

[13]عبد الرحمن يسري أحمد، قضايا إسلامية معاصرة في النقود والبنوك والتمويل، الدار الجامعية جمع-نشر-توزيع، الإسكندرية، مصر، 2001، ص. ص.321. 323.

[14]سورة النحل، الآية. 125.

[15]سورة البقرة، الآية. 256.

[16]سورة الزمر، الآية. 7.

[17]سورة الكهف، الآية. 29.

[18]سورة الروم، الآية. 39.

[19]آل عمران، الآية. 130.

[20]سورة البقرة، الآيات. 275. 280.

[21]عبد الرحمن يسري احمد، مرجع سابق، ص. ص. 324.323.

[22]المعيار الشرعي رقم(06) تحول البنك التقليدي الى مصرف اسلامي، المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الاسلامية، البحرين، 2010، ص.64.

[23]يزن خلف العطيات، منير سليمان الحكيم، مرجع سابق، ص. ص. 5.4.

[24]مصطفى ابراهيم محمد مصطفى، تقييم ظاهرة تحول البنوك التقليدية للمصرفية الإسلامية دراسة تطبيقية عن تجربة بعض البنوك السعودية، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد الإسلامي، الجامعة الأمريكية المفتوحة، قسم الاقتصاد الإسلامي؛ مكتب القاهرة، مصر، 2006، ص. 30.

[25]مريم سعد رستم، تقييم مداخل تحول المصارف التقليدية الى مصارف إسلامية، نموذج مقترح للتطبيق على المصارف السورية، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العلوم المالية والمصرفية، كلية الاقتصاد، كلية العلوم الاقتصادية، قسم العلوم المالية والمصرفية، جامعة حلب، الجمهورية العربية السورية، 2014، ص. ص. 20.15.