العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التحديات التكنولوجية للتعليم الجامعي في الجزائر

د. فاطمة الزهراء طلحي

أستاذ محاضر قسم ".ب. " رئيس قسم العلوم التجارية

لقد بدأت معظم الدول بما فيها الجزائر تشعر بالأهمية المتزايدة للتربية المعلوماتية ولمحو أمية الحاسوب من خلال توفير بيئة تعليمية وتدريبية تفاعلية تجذب اهتمام الأفراد في عصر يتميز بالتطور المتسارع والتغير المستمر. ويعتبر توظيف تقنية المعلومات والأنترنت في التدريب والتعليم من أهم مؤشرات تحول المجتمع إلى مجتمع معلوماتي, لأن ذلك سيسهم في زيادة كفاءة وفعالية نظم التعليم, وفي نشر الوعي المعلوماتي, وبالتالي سيسهم في بناء الكوادر المعلوماتية التي تنشدها المجتمعات في العصر الحالي.
أولا: التكوين الجامعي في ظل المتغيرات المحلية والعالمية:
لقد أفرزت الساحة الدولية آليات تكوين جامعي حديث تكيفت مع عدة مستويات:
الاستفادة من تكنولوجيا الإعلام والاتصال وهو ما أصبح يسمى بتكنولوجيا التعليم.
الاستفادة من التطورات الهائلة في الوسائط التكنولوجية – التعليم الإلكتروني.
تطوير أساليب الإدارة الجامعية الحديثة كالإدارة بالمشاركة وإدارة الأهداف وإدارة الجودة الشاملة.1
لا شك أن الثورة المعلوماتية قد أثرت على مجالات عديدة تمس الجامعة ووظائفها بحيث نجد أنها أثرت على:
وسائل ومتطلبات عملية التكوين ومدى تأثيرها على الرصيد المعرفي.
طبيعة المؤسسات التعليمية التي تعمل على تكوين عنصر بشري يساهم في تنمية الجامعة للمجتمع.
هذا ما يجعل الجامعة في حاجة إلى:
تكيف الإدارة الواعية بتوظيف رأس المال البشري الذي يتفاعل مع الماضي ويتكيف مع المستقبل.
تجديد وبناء أطر برامجية تكوينية تتطور بشكل دقيق ومتسارع.
وبشكل عام فقد انعكست ثورة المعلومات على 4 مجالات أساسية:
الوقت: سرعة الأداء وتفسير الزمن.
المكان: قللت تباعد الأمكنة عن طريق شبكات الأنترنت.
لقد استفادت الدول من مفاهيم التكوين الجامعي الحديث مثلما حدث في دول جنوب شرق آسيا ود ول أوروبا الغربية والشرقية، وأهم مميزات نظام التكوين الجامعي في هذه الدول:
1-التعليم باستخدام الحاسوب والأنترنت مثل: الكتابة الإلكترونية – الدوريات – المواقع العلمية.
2-واعتمدت على مشروع توظيف الأنترنت في التعليم منذ عام 1993 إذ رصدت لمشروع Schoolnet 
مبلغ 30 مليون دولار، وشرعت كوريا في مارس 1996 في برنامج Kidnet بإدخال الأنترنت في المدارس الإبتدائية وصممت برنامج حديث ( 2005، 2003)لتوفير الأنترنيت لكل المدارس الابتدائية الكورية2.
ثانيا :تحديات تكنولوجيا المعلومات والعولمة:
العالم اليوم على أبواب تطور جديد، لقد ودع عهد الثورة الصناعية، وعهد بناء المؤسسات الديمقراطية، الذي لم ندخله نحن بعد، ودخل عهد التكنولوجيا والمعلوماتية، بأفكار تصهر في بوتقة العولمة، هذا المصطلح الذي اصبح من اكثر المفاهيم تداولا وشيوعا في السنوات الأخيرة. لما فرضته من تحديات وأفرزته من آثار على مختلف الأصعدة، فمنذ ظهور العولمة على مسرح الأحداث في التسعينات والعلماء والباحثون الأكاديميون، يتداولون الموضوع من زوايا مختلفة اقتصادية سياسية وثقافية وإعلامية، لمعرفة حقيقتها الجديدة القديمة وتأثيراﺗﻬا المحتملة، على مختلف الأصعدة واﻟﻤﺠتمعات. وقد وجد تنوع واختلاف في وجهات النظر، حيث نجد مؤيدي ظاهرة العولمة، ينظرون إليها على أﻧﻬا شكل من أشكال تبسيط العلاقات، وتجاوز العقد النفسية، والنظر إلى العالم باعتباره وحدة متجانسة واحدة. وهي تحاول ضمان الاستقرار والعدل وحقوق الإنسان. وذلك من خلال مؤسسات دولية رشيدة مثل: هيئة الأمم المتحدة ووكالاﺗﻬا المتخصصة والبنك الدولي وقوات الطوارئ الدولية(3.
وفي المقابل نجد وجهة نظر معارضيها، الذين يرون أن ظاهرة العولمة ليس كباطنها فهي لا تحقق المساواة حتى داخل الدول المهيمنة، ففي سنة 1998 كان في و.م.أ 45 مليون عامل تحت عتبة الفقر، وفي الاتحاد الأوروبي هناك 150 مليون فقير و18 مليون عاطل عن العمل. ويرى البعض أن العولمة ستؤدي إلى مجتمع يعمل فيه 20%  فقط ويبقى 80 % عاطلين عن العمل، في اﻟﻤﺠتمعات الأمريكية والأوروبية.4 وبذلك تنقسم مجتمعات الدول إلى قلة قليلة من الرابحين وأغلبية من الخاسرين. وفي نفس الوقت تحاول الدول القوية السيطرة على الدول النامية وربطها بتكتلات اقتصادية مهجنة بحجج مختلفة. بحيث تسمح هذه الدول بتغيير أنظمتها الاقتصادية والتعليمية وإعادة هيكلتها بشكل ينسجم مع النظام العالمي المزعوم، الذي يهدف إلى تذويب دور القوميات وإﻧﻬاء الحدود الجغرافية للبلدان والسيطرة على ثرواﺗﻬا، وزيادة تبعيتها إلى الدول الكبرى بإغراءات غير مقبولة وغير منطقية مثل: زيادة حجم الاستثمار العالمي وتنشيط القطاعات الاقتصادية داخل البلد وغيرها.
والعولمة على المستوى الفكري تتخلص في اتجاهين أساسيين هما:
الاتجاه الأول: يقوم على مقولة ﻧﻬاية التاريخ يمثله فرانسيس فوكوياما . F.Fukuyama 
الاتجاه الثاني: يعرف باسم الغرب ضد الباقي ويمثله صامويل هانتينغتون. S.HUNTINGTON
وتتمحور فكرة فوكوياما في إمكانية بناء تاريخ عالمي للبشرية متماسك واضح المعالم وغائي مع تحديد أسسه وآلياته، وإن السيرورة التاريخية لا محالة سائرة إلى الديمقراطية الليبرالية، التي تعتبر بمثابة ﻧﻬاية التطور الإيديولوجي الإنسانية. ويعتقد أن التاريخ قد وصل إلى ﻧﻬايته، بتحقيقه لغايته المتمثلة في الحرية والمساواة. هذه الأخيرة التي لا يمكن أن تحقق إلا في ظل الديمقراطية الليبرالية التي تسود و.م.أ وغرب أوربا وستصبح نموذجا يقتدي به الجميع.5
وبالمقابل يعارض "هانتينغتون" الطرح السابق، حيث نشر سنة 1993 مقالته "صِدام الحضارات" مبرزا بأن الحضارة الغربية سوف تدخل حالة صراع مع بقية الحضارات الأخرى.
ولذلك عليها أن تتهيأ لذلك باتخاذها الاحتياطات اللازمة.وتوفير الشروط الضرورية لحسم هذا الصراع لصالحها. وفي اعتقاده أن حدود هذا الصراع سيطغى عليها البعد الثقافي، حيث ينهض على الهوية الثقافية وخصوصياﺗﻬا ومبدأ التناقض والاختلاف بينها.6
فبعد عولمة التجارة والصناعة، فإن هدف العولمة هو عولمة التعليم، لأنه أساس المعرفة أساس القوة. لذلك جاء في التقرير الأمريكي "أمة في خطر" عام 1983 أنه إذا أردت أن تترع سلاح أمة، فلتترع سلاح تعليمها. وإذا أرادت أمة أن تتدخل في الشؤون التعليمية لأمة أخرى فيجب أن تعتبر ذلك بمثابة إعلان الحرب عليها.7
ثالثا: تحديات تكنولوجيا المعلومات في الجامعة الجزائرية:
1-التحديات المعلوماتية: تمثل قدرة العقل البشري على الإبداع والاختراع وقلب موازين القوى، بحيث لم تعد الثروة هي ما تملكه دولة من ذهب أو مواد خام وطبيعية بقدر ما أصبحت هي القدرة على الإبداع والتنظيم والاختراع وامتلاك المعلومات أي أن البشرية وصلت إلى عصر أصبحت فيه المعلومات أساس التحضر والقوة، وهذا التحدي التقني يمثل ثورة ,جديدة تعتمد فيه العملية الإنتاجية والتوزيعية على العقل البشري والإلكترونيات الدقيقة والهندسية والكيمياء الحيوية والذكاء الاصطناعي وتوليد المعلومات، ومن أبرز الحقائق والأرقام في هذا المجال:7
2-التطور التكنولوجي: إن التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم، ينبئ بأن امتلاك هذه "الأشياء" وتكديسها يعد خطوة نحو السيطرة على ماديات الكون وآلياته، لكن دون أن نغفل عن امتلاك "الأفكار" التي تتحكم في هذه الأشياء.
إن دول الجنوب بصفة عامة من خلال سعيها نحو نقل واستيعاب التكنولوجيا، ومن خلال النتائج الهزيلة التي حققتها في الميدان تبين بوضوح ضبابية استراتيجية السيطرة على هذه الحلول التكنولوجية من الناحية الكيفية خاصة.
3-الانفجار المعرفي: الانفجار الوثائقي أو التزايد الكبير في الإنتاج الفكري، هو حالة "عادية" سيرورة الإنتاج الفكري المطبوع، ساد العالم بداية من منتصف القرن الخامس عشر، والذي جعل العالم في حالة من الإشباع الثقافي والعلمي.
ويعني من وجهة علم المكتبات والتوثيق الحالة "غير عادية" من حيث وفرة المعلومات والوثائق وصعوبة التحكم فيها والسيطرة عليها.
4-الجامعة الجزائرية والاتجاه التكنولوجي: تواجه الجامعة الجزائرية في ظل الألفية الثالثة التطور التكنولوجي بإمكانيات ضعيفة، خاصة وان العالم يمر بثورة كبيرة في مجال الاتصالات والمعلومات، الأمر الذي يفرض عليها إعادة النظر في محتوى منظومتها التعليمية،وفي قيمة الميزانية المخصصة لمجال البحث العلمي والتي تقدر بأقل من 1℅ من الناتج الإجمالي، حيث أن الأرقام المتوفرة تشير إلى أن سوق المعلوماتية مقدرة بحوالي 18 إلى 12 مليار دينار، تشكل فيها التجهيزات 99 ℅ من هذه السوق، ويبقى 1 ℅ فقط للجانب البحثي، وان دخول الأنترنت إلى الجزائر لا يزال جد ضعيف بحيث أن 1℅ إلى 2℅ فقط لهم اتصال بهذه الوسيلة العصرية8،وقد أظهرت دراسة ميدانية أجراها الأستاذ جمال بن زروق بجامعة عنابة بالتعاون مع جامعة ستارسبورغ الفرنسية، على عينة من أساتذة وطلبة كليتي الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعتي عنابة والجزائر، أن توظيف الأساتذة الجامعيين الجزائريين لتكنولوجيا الإعلام الحديثة جد محدودة، حيث لا يمارس التعليم عن بعد سوى 85 ℅ من الأساتذة، في حين تبلغ نسبة مستعملي النظم المعلوماتية القديمة ℅08 من الأساتذة، وأضاف الباحث أن 38 ℅ فقط من العينة موضوع البحث لديهم القدرة على الربط مع شبكة الأنترنت انطلاقا من مقر سكناهم، في حين أن 18 ℅ يلجؤون إلى مقاهي الأنترنت، كما أظهرت دراسته أن 58 ℅ من أساتذة العينة ليس لديهم منتديات ومواقع خاصة على "الواب" للتعبير عن أفكارهم وتبادل المعلومات العلمية، أما الجانب المتعلق بالطلبة فقد أظهرت الدراسة إلى أن معظم الطلبة يستعملون هذه التكنولوجيات الحديثة لأغراض شخصية، ونادرا ما يوظفون تقنياتها للاتصال بأساتذتهم والحصول على المعلومات.9
5-صعوبات توظيف تكنولوجيا المعلومات في الجامعات الجزائرية: يؤكد العديد من الخبراء ضرورة إجراء دراسات كافية حول وضع المؤسسات الجامعية قبل توظيفها لتكنولوجيا المعلومات، بكيفية تجعل توظيف هذه التكنولوجيا ترفع من نوعية التعليم وليس مجرد تزويد مؤسسات التعليم بها، ومن أهم الصعوبات التي تواجه عملية توظيف تكنولوجيا المعلومات في المؤسسات التعليمية ما يلي:
أولا :الصعوبات المالية: يتطلب مشروع توظيف تكنولوجيا المعلومات في التعليم العالي تكاليف مالية معتبرة، ولذلك فإن ضعف هذه الموارد يشكل عائقا أمام توظيف هذه التكنولوجيا، واعتبار الإنفاق على التعليم استثمار طويل الأجل، ولا يحقق عائدا إلا بعد جيلين على الأقل10. 
ثانيا: الصعوبات التقنية والفنية: إن هذا النوع من الصعوبات ناتج من طبيعة التكنولوجيا في حد ذاتها، باعتبارها تمثل نظاما متطورا بالغ التعقيد بالمفهوم التقني، ومن بين المشاكل التقنية التي قد تواجه عملية توظيف هذه التكنولوجيا واستخدامها:التجمد المفاجئ للحاسوب بسبب العبء وبطء الحصول على المعلومات..الخ، مما يتطلب التخطيط لمواجهتها والتغلب عليها، بتوفير بنية تحتية لخطوط اتصال متطورة وأجهزة من نوعية جديدة تزيد من سرعة الحواسيب، والشبكات وترتبط المشكلة الفنية كذلك بموضوع تأهيل الأساتذة، ومنهاج مناسب لإدارة الصف أثناء توقف الحاسوب، والا ستكون عملية مرهونة بالفشل.
ثالثا: الصعوبات النفسية: تتعلق أساسا بالعنصر البشري، متمثلة في بعض المقاومة والرفض من قبل الأساتذة لهذه التكنولوجيا الحديثة، مبررين ذلك بأنه يمكن التحكم في المحتوى التعليمي عن طريق الكتاب، أما المحتوى الرقمي فلا يمكن معرفة خصائصه والحكم عليه إلا بعد استخدامه لسنوات طويلة، إما لأنهم اعتادوا على الكتاب المصدر والمرجع الوحيد للمعلومة في الفصل، أو عدم امتلاك القدرة على استخدام هذه التكنولوجيا، وتعد هذه الوضعية احد أهم العوامل الأساسية المصاحبة لدمج تقنية المعلومات بالتعليم، وهو في الواقع شان معظم المؤسسات التعليمية محليا وعالميا على حد سواء.
الخاتمة:
إن التعليم العالي في الجزائر يواجه تحديات الإمكانيات الجديدة التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات فالسعي لمواجهة هذه التحديات يبدأ بعملية إصلاح معمق للتعليم العالي، فاهم خطوة في هذه المجال هي تحسين نوعية مناهج التعليم الجامعي باعتبارها تأتي في مقدمة الجوانب الكيفية، التي تسهم في إنتاج مخرجات هذا النوع من التعليم، ومن أهم القضايا المتعلقة بتطوير مناهج التعليم الجامعي هي توظيف تكنولوجيا المعلومات، ورسم سياسات استخدام مصادر التعليم والتعلم المستمر...الخ. مع الاستعانة -من الناحية التطبيقية –للتأهيل العلمي المناسب بذوي الخبرة من الممارسين بقطاعات الإنتاج والخدمات، وهو ما يعني أن تكون هذه المناهج في إطار عالمي وبمعايير عالمية، تتوائم مع المفاهيم الجديدة لعصر التطور التكنولوجي والمتغيرات العالمية.
الهوامش:
1-قوي بوحنية، التعليم الجامعي في ظل ثورة المعلومات، رؤية نقدية إستشراقية، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر، العدد 08، سبتمبر 2005، ص 136
2-محمد أمين عشوش، مؤسسات التعليم الإداري في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، المجلة الدولية للعلوم الإدارية، معهد التنمية الإدارية، الإمارات، 2000،ص-صن155-156.
3- مها ذياب تهديدات العولمة للوطن العربي. المستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية لبنان، العدد 276، فيفري 2002 ص 15
4- نفس المرجع، ص 153
5-عمار جفال.قوى ومؤسسات العولمة التجليات والاستجابة العربية. شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية. بيروت، العدد مئة وسبعة صيف 2002 ص 31
6-علي غربي، العولمة وإشكالية الخصوصية الثقافية. مجلة الباحث، جامعة قسنطينة، العدد الثاني، سبتمبر 1999 ص19.
7-البدري كمال حنان، التعليم العالي التكنلوجي بين مشكلات الواقع وحتمية التطوير، الدار العالمية، 2889.ص22
8- إسماعيل بوخاوة، فوزي عبد الر ا زق،"أفاق التعليم العالي في ظل الألفية الثالثة"، الملتقى الدولي "إشكالية التكوين والتعليم في إفريقيا والعالم العربي افريل 2001، جامعة فرحات عباس، ص 128
9- جريدة الخبر العدد 5319، 13 ماي 2008، ص 21.
10-علي نبيل، العرب وعصر المعلومات، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2002، ص 399.