العدد الحالي: كانون أول/ديسمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

السياسات النقدية الروسية ترسخ السنة المائة

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

مقال نشرته الايكونوميست في عددها تاريخ ١٦-٤-٢٠١٦م عُنوانُه:

 اليدُ اليُمنى لبوتين إمراةٌ.

 يُسلِّطُ المقالُ الضوءَ على سياسةِ روسيا الاقتصادية في عهدِ فلاديمير بوتين وقد شارفتْ بِلادُه على الإفلاسِ.

لقد استخدمَ القرآنُ الكريم عبارةَ (السَّنَةِ) للدلالةِ على سنواتِ (القحطِ، والجَدب، والعذابِ)، وعبارة (العام) للدلالةِ على أعوامِ الخير؛ فبلادُ الدُّبِّ الروسيِّ عاشت حالاتٍ عصيبةً، وهي لا تَعدو حلقةً من حلقاتِ النظام العالَميِّ وكوارثه.

فقد خرجَ الاتحادُ السوفيتيُّ في العقدِ الأخير من القرن الماضي من الوجودِ مُثقلاً بجِراحٍ اقتصادية أخذَتْ منه كلَّ مَقتِلٍ قبلَ أن يتمَّ مِئويَّتَه، خرجَ من غيرِ عودةٍ، دونَ  أن يأسفَ عليه أصحابُه. حملَ فِكْرُه بُعداً اقتصاديّا تنظيرياً لم يُثبِتْ نفسَه رغمَ السنواتِ التسعينِ التي قضاها في الحكْمِ عُنوةً، ومات الاتِّحاد تارِكاً جِراحاً لا تندمِلُ آثارُها ولا يَمحُوها زمنٌ، بحُجَجٍ اقتصادية برَّاقة كـ(المساواةِ، والميل لحقوقِ الفلّاحين والعمّال)، والحقيقة أنّ أولئكَ لم يَزدادوا إلا بؤساً؛ بينما صار قادتُهم من الأثرياءِ، وشارفتْ بلادُهم على الضَّياع.

خَلّف ذلك النظامُ الاقتصاديُّ نظاماً من رحمِه حاولَ أن يبدوَ أفضلَ وأقوى؛ لكنَّ شبحَ الخَوى الاقتصادي مازال ماثِلاً فيه يُهدِّدُ كيانَه، ويكادُ يرسمُ صيرورتَه، ولعلَّ الجدليَّةَ الماركسيَّةَ لم يتحقَّقْ منها سِوى هذه الحتميَّةُ التي تُعاكِسُ ما حِيكَ في رؤوسِ مُنظِّريها؛ فبدَلَ أن تسموَ وتسودَ خَبَتْ وتلاشَتْ. وأغلبُ الظنِّ أنّ سَنة ٢٠١٧م - حسب مُحلِّلين كُثُرٍ؛ ومنهُم الاقتصادي الملياردير (بافيت) - هي النهاية، والسيناريو المنتظر هو الإفلاسُ. فهل صدفةً أن يلدَ القياصِرةُ نِظاماً أقضّوا مضاجعَ العالَم فيه سَنة ١٩١٧م، ومِن ثَمَّ يتلاشى في ٢٠١٧م؟

إن التخلَّفَ الاقتصاديَّ الروسيَّ يعودُ لسنواتٍ مرَّت، وأبرزُ خصائِصه هي:

•    انتشارُالفسادِ؛ فالطبقةُ السياسيةُ الحاكمةُ التي كانت تحرسُ مصالِح العمَّالِ والفلاحين صارتْ طبقةً غنيَّة لم يَعُدْ يناسبُها نظامُ الحكْمِ؛ فغيّرتْه بما يناسبُ مصالحها. وبما أنّ الفسادَ هو أسُّ الخرابِ والدمار؛ فهو عَدو داخليٌّ يصعبُ مواجهتُه خاصَّةً إن صارَ منظَّماً.

•    الاقتصادُ الرَّيعيُّ:يُعتبَر النفطُ والغاز مِن الصادراتِ الرئيسة في البلادِ، وقد بانتْ عورةُ ذلك الاقتصاد بانخفاضِ أسعارها وانكشفَ ترهُّله وضَعفُه. ويُعتبَر اعتمادُ تلك الدولةِ التي جاءت مِن رَحِم امبراطورية كبيرة على سِلَعٍ استخراجيَّةٍ - دون تطويرِ صناعاتٍ وزراعاتٍ تخصُّها - أمراً مُستغْرباً؛ خاصَّةً وأنّ الخُبراء فيه يعجُّونَ بالمئاتِ؛ بل الآلاف؛ لكنَّ تفشِّي الفسادِ يُحاصِرُ أولئكَ الفنِّيِّينَ (التكنوقراط) ويُبقِيهم بعيدينَ عن مركزِ القرار فيُقصي خِبراتِهم.

•    العُقوباتُ الغربيَّةُ:حاصرتِ العقوباتُ الاقتصادَ الروسي وكادتْ تُطبِقُ عليه. وهذه يدلُّ على أهميَّةِ العقوباتِ الاقتصادية، وضرورةِ تطبيِقها كسلاحٍ. وهذا ما نادينا بهعندما أُسيءَ لنبيِّ الرَّحمةِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقامَ حِينَها بعضُ المتشدقِّينَ بوصفِه سياسةً غيرَ مُجْديةٍ، مع أنّ الغربَ كان يعيشُ أزمةً ماليّةً عالَمية، وأيُّ مقاطعةٍ ضِدَّهُ في حينِه كانت ستَضغطُ على حجمِ الإنفاقِ لَديه؛ ممّا يُضاعِفُ مفعولَ تلك السياسةِ. وها هو الغربُ يستخدمُ الحصار الاقتصاديَّ ضدَّ روسيا ويرى ثمارَ فِعلِه.

•    التعصُّبُ والايديولوجيا:يقول “يفغيني ياسين”وزيرُ الاقتصادِ السابق: لم يكنُ لِبُوتين أفكارٌ واضحةٌ حولَ الاقتصادِ؛ فعَهدَ السياسةَ الاقتصادية لطاقمٍ من المهنيينَ ذَوي الوجهاتِ الأرثوذكسية (المتشدِدةِ). وعليه فإنّ وصفَ الاقتصادِ الإسلاميِّ بالإسلاميِّ ليس أمراً مُنكراً كما يحلُو للبعضِ النظرُ إليه، فما لا ينتبِه إليه أولئك أنّ (بوتين) قد أسندَ مِلَفَّ الاقتصادِ للأرثوذكس أصحابِ النظرةِ المتشدِّدةِ بشهادةِ وزيرٍ روسي سابقٍ، وهذا ما لا يُسوّقُ له ولا يُشهَّر به.

•    اقتصادُالمقامَرةِ: تبيَّنَ عند انخفاضِ أسعار النفط وركودِ الاقتصادِ العالمَيِ خلالَ أزمة ٢٠٠٨ م أن الاقتصادَ الروسيَّ كان يعتمدُ على صناديقِ التحوُّطِ الأجنبيةِ (الطائِشةِ)، وعلى مُستثمِرينَ أفراد؛ الذين سَرعانَ ما سحَبُوا أموالَهم نحوَ الخارج، عندئذٍ حاولَ البنكُ المركزيُّ الروسيُّ (Central BankofRussiaCBR) دعمَ قيمةِ الروبل، وتعويضَ أكثر من ٢٠٠ مليار دولار فُقدَت من احتياطيات النقد الأجنبيِّ في غضونِ أشهُرٍ (انظر الشكل البياني). إثرَ ذلك:

-توقَّفَ الإقراضُ في مختلفِ قطاعاتِ الاقتصاد.

-وانكمشَ الناتج المحلِّيِّ الإجماليِّ بنسبة ٨٪ عام ٢٠٠٩م.

إنّ انتشارَ ثقافةِ القِمارِ بين الأفرادِ يُسوِّغُ وصولَها للحكوماتِ؛ فأفرادُ الحكومةِ هُم من المجتمَع نفسِه، وزادَ الأمر سُوءاً تفشِّي ثقافةِ الاقتِراض؛ فانكمشَ منحُ الإقراضِ وانكمشَ معَه الاقتصادُ.

وبسببِ تراجُعِ أسعار النفط وعدمِ وضوح نهايةٍ منظورة له، اضطُرتْ روسيا لِسَنِّ مجموعتَينِ من الإصلاحاتِ، هما: (تنويعُ مصادرِ التمويل، وتغييرُ الاحتياطيات).

عدَّدتْ روسيا مصادرَ تمويلِها عام ٢٠١٣م باستخدام السندات بفائدة؛ لكن بما أن اقتصادَها غيرُ موثوقٍ به وليسَ فيه أيّةُ مزايا تنافسيةٍ؛ لأنه ريعيٍ؛ فقد جذبَ هذا المصدرُ التمويليُّ مقامرينَ عالَميينَ مُتخصِّصينَ من المؤسَّساتِ الاستثمارية التي لا يهمُّها تقلُّباتُ السوقِ؛ بل تُبدي اهتمامَها بشراءِ الأصول المالية عندما تكون رخيصةً؛ فارتفعَ الدَّينُ العامُّ من ٦٦٪ إلى ٧٠٪ في عام ٢٠١٣ وحدَه.

 وقد زادَ حجمُ الدَّينِ العامّ بسبب زيادةِ التزاماتِ الحكومةِ الروسيَّةِ تُجاهَ تنامي موجوداتِ صناديقِ التقاعُد الروسية التي يُنظِّمها CBR، وقدَّرَها بنكُ جولدمان ساكس بحوالي ٦٠ مليار دولار اليوم، وأنّها ستصلُ إلى ٢٠٠ مليار دولار بحُلول عام ٢٠٢٠م.

ثمَّ نمَت احتياطياتُ CBRمن ١٤٠ِ مليار دولار في الفترة (٢٠٠٩-٢٠١٣) م لتصلَ أكثرَ من ٥٠٠ مليار دولار (نحو خُمسِ الناتج المحلِّيِّ الإجماليِّ الروسيِّ)؛ بسببِ ارتفاعِ أسعار النفط. الأمرُ الذي مكّنَ روسيا من انتهاجِ سياسةٍ خارجيةٍ عُدوانيَّةٍ مُعاديةِ للغربِ، ولم تَعُدْ بحاجةٍ لمساعدةِ صندوقِ النقد الدوليِّ للإنقاذِ، كما حصلَ عام ١٩٩٨م . وهذا يُدلِّل بوضوحٍ على أنَّ سياساتِ المؤسَّسات الدولية مسيَّسةٌّ وغيرُ حياديّةٍ؛ فضلا عن كونِها قُروضاً ربويّة.

ثم عاودتْ أسعارُ النفطِ انخفاضَها؛ ممّا شكَّلَ خطراً على حجمِ الاحتياطياتِ؛ لأنّ الاقتصادَ الريعيَّ غيرُ متعدِّد الدخلِ؛ ممّا حدا بـ CBRتعويمَ الروبل؛ فهبطَ سعرُه بنسبة ٤٠٪ مقابل الدولار في عام ٢٠١٥ وحده. ويبدو أنّ الحكومةَ راهنتْ على الشعبِ الروسيِّ في دَعمِ عُملتِه وحمايتِها؛ ليحافظُوا على قوَّتِهم الشرائيّة وحماية مُدَّخراتِهم؛ لكنَّ ذلك استنفدَ احتياطياتِ البلاد مرَّةً أُخرى. كما قام CBR بتوزيعِ الدولار ِعلى البنوكِ وشركاتِ الطاقة لِمساعَدتِها على سِدادِ دُيونِها الخارجيةِ بعد أن أضرَّتْ بها العقوباتُ، واستخدامِ احتياطياتِه لتمويلِ عَجزِ الموازنَة؛ وهذا دليلٌ على مخاطر ِوقوعِ البلدِ في براثنِ الدَّينِ العامِّ.

ومع ارتفاعِ أسعارِ النفط، تراكمتِ الاحتياطياتُ ثانيةً لدى CBR؛ لِيُحقِّقَ الـ ٥٠٠ مليار دولار ثانية. ويبدو أنّ لُعبةَ جمعِ الملياراتِ وتضييعِها لعبةً تكرَّرتْ واستنزَفتْ مواردَ البلادِ وضيَّعتْ مُدَّخراتِها، واللاعبُ الأساسُ في ذلك هو السياساتُ النقديةُ الخاطئةُ والإصرارُ على محاكاةِ غيرهِم دونَ وُضوحِ هُويّّةٍ أرثوذكسيّة في المعالجةِ.

ووصفتِ السيَّدةُ (إلفيرا نابيولينا) حاكمةُ المصرفِ المركزيِّ الروسيِّ تلك الخطواتُ بأنّها: “مُؤلِمةٌ؛ لكنَّها ضروريةٌ”، وأنّها ”كانت لتخفيفِ الألمِ”، وركَّزت الخطواتُ على البنوكِ المحليةِ، فكانَ منها:

-    إنفاقُ الحكومة ٣٪ من الناتج المحليِّ الإجماليِّ لإعادة رسملَةِ البنوك التي تُدار بشكلٍ جيِّد؛ لتعويض مدَّخراتِ الروسِ في الحالاتِ السيِّئة.

-    سُمِحَ للبنوكِ (مؤقَّتاً) رفعُ قيمةِ مَطلوباتِها من العُملاتِ الأجنبية بسعرِ صرفِ ما قبلَ الأزمةِ، ما جعل ميزانياتِها تبدو أكثرَ صحَّةً ممّا هيَ عليهِ حقّا؛ فساعَدها ذلك على إقراضِ المزيدِ. وهذا (غِشٌّ).

-    سُمِحَ للبنوكِ الصبرُ على الدُّيونِ المتعثِّرة، وهي خُطوةٌ رحّبَ بها صندوقُ النقدِ الدوليِّ بِحذَرٍ.

-    شُدِّدَ الإشرافُ على البنوكِ.

-    أُلغِيَ نحو َ٢٠٠ ترخِيصاً مَصرفيّاً منذ عام ٢٠١٤م، وهو ما يُعادِل خُمُس مجموع البنوك.

كانت ثمارُ تلكَ التدابيرِ أن أبقتِ القُروضَ المتعثِّرة في مستوىً أقلّ ممّا كانت عليه في ٢٠٠٨؛ لكنَّ حجم الائتمانِ ازدادَ في المدى (القصير ،والمتوسِّط)، وصارَ شبحُ زيادةِ معدَّلاتِ الفقر ِأمراً متوقَّعاً في المدى الطويلِ. وهذا أحدُ مآلاتِ سياسةِ التوسُّعِ في الائتمانِ.

يقولُ مُنتقِدو السيّدة (نابيولينا): إنّ السياسةَ النقديَّةَ المتشدِّدةَ وتوزيعَ الدولارِ هو الجاني؛ لأنّه شلّ الاستثمار. وخُلاصةُ الأمرِ أنّ السيّدةَ (نابيولينا) ترى: أنّ الانكماشَ الاقتصاديَّ في روسيا هو في الغالِب نتيجةَ عواملَ هيكليَّة". وما يُقلِقُها أكثرَ ليس طولَ فترةِ انخفاضِ أسعارِ النفط؛ لكنْ"كيف يُمكِنُ لروسيا تحسينُ بيئةِ أعمالِها بسُرعةٍ وحَيويَّة؟”.

http://www.economist.com/news/finance-and-economics/21696946-russian-economy-bad-way-elvira-nabiullina-has-saved-it