العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

كيف يمكن أن تكون "الأوقاف" سبباً لقيام مصرفية إسلامية "نموذجية"؟

عبد القيوم عبد العزيز الهندي

عضو هيئة التدريس بقسم الاقتصاد الإسلامي بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة

1.   بالرغمِ من قِصَرِ تجرِبة المصارفِ الإسلاميةِ مُقارَنةً بالبنوكِ الربويةِ؛ إلّا أنّها احتلَّتْ مكانةً مُتميِّزةً في النظامِ الماليّ العالَميِّ. يظهرُ ذلك جليَّاً بالنظرِ إلى:

 1- حجمِ الأصولِ. 2- مُعدَّلِ النموِّ. 3- الانتشارِ الجغرافيِّ العالَميِّ. حتّى باتَتِ العواصِمُ الغربيةُ تُسابِقُ الدولَ الإسلاميةَ وتُنافِسُها على لقبِ: "عاصمةِ الصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ", أو "الاقتصادِ والتمويلِ الإسلاميِّ".

2.   المصارفُ الإسلاميةُ ومع ما حقَّقتْه من إنجازاتٍ كبيرةٍ؛ إلّا أنّها ولعوامِلَ مُتعدِّدةٍ لم تأتِ بالشكلِ الذي رسَمُه رُوَّادُ المصرفيةِ الإسلاميةِ الأوائلِ؛ إذ لم تقتصِرْ فكرةُ المصرفيةِ الإسلاميةِ لدى الرُّوَّادِ على إيجادِ البديلِ للمُعاملاتِ الرِّبويَّةِ فحسب؛ بل كانت رؤيتُهم أن تُسهِمَ المصارفُ الإسلاميةُ بشكلٍ كبيرٍ-وهي التي يُؤهِّلُها حجمُ أصولِها وأرباحِها المتزايدةِ- في تحقيقِ التنميةِ للمجتمعاتِ, والتوزيعِ الأمثلِ للثرواتِ, والحدِّ من الفقرِ وانتشارِه, والنهوضِ بالمجتمعاتِ الإسلاميةِ؛ وذلك من خلالِ (تفعيلِ صِيَغِ المضاربةِ والمشاركةِ في المصارفِ الإسلاميةِ, والبُعدِ عن محاكاةِ المنتجاتِ الرِّبويَّة, والإبداعِ والابتكارِ والاجتهادِ) في إخراجِ الكُنوزِ الدفينةِ من كُتبِ عُلماءِ الأُمَّةِ.

 لقَد أرادَ الرُّوّادُ أن تُعنَى المصارفُ الإسلاميةُ بمقاصدِ الشريعةِ في المالِ. فلا يكونُ المالُ بسببِها "دُولةً بينَ الأغنياءِ".

3.   تعدَّدتِ العواملُ التي وقفتْ عائِقاً دونَ تحقيقِ تلك الرؤيةِ النموذجيةِ للمصارفِ الإسلاميةِ وتنفيذِها بشكلٍ كاملٍ؛ فقَد نجحَتِ المصارفُ الإسلاميةُ في (تمكينِ المجتمعاتِ من التعامُلِ بعيداً عن الرِّبا المحرّمِ بشكلٍ تامٍّ في صِيغ , وعن الابتعادِ عن الحرامِ والاقترابِ من الحلالِ في صِيَغٍ أُخرى)؛ إلّا أنّ وضعَها اليومَ مع اعتمادِها على (المرابَحاتِ والمدايناتِ) بشكلٍ رئيسٍ, ومع وجودِ منتجاتٍ تُحاكي المنتجاتِ الربويةَ في فِكرَتِها ونتائجِها. ومع تضمُّنِها للكثيرِ من الإشكالاتِ الشرعيةِ, وبالنظرِ لتعظيمِ أرباحِ حمَلَةِ الأسهُمِ كهدفٍ رئيسٍ دونَ مراعاةِ ما يترتَّبُ على ذلكَ من آثارٍ يجعلُنا نتساءلُ:

 كيف يُمكِنُ إيجادُ مصرفيةٍ إسلاميةٍ "نموذجيةٍ" تسعى لترجمةِ قِيَمِ الاقتصادِ الإسلاميِّ وجماليَّاتِه بشكلٍ حقيقيٍّ ملموسٍ؟ وهل يُمكِنُ أن تؤدِّي "الأوقافُ" دَوراً فاعِلاً لإيجادِ هذا النموذجِ؟

4. هذا ما يُنادي به أنصارُ "البنكِ الوقفيِّ الإسلاميِّ", وفِكرتُه: إيجادُ مؤسَّسةٍ ماليةٍ تعملُ وفقَ النظامِ والأدواتِ والضماناتِ المصرفيةِ؛ إلّا أنّها لا تهدفُ للرِّبحيةِ بشكلٍ أساسٍ بِقَدْرِ اهتمامِها بـ(ترجمةِ وتطبيقِ) الاقتصادِ الإسلاميِّ وقِيمِه الساميةِ. ويُمكِنُ تأسيسُ هذه المؤسَّسةِ بِعِدَّةِ صِيَغٍ منها:

أوّلاً: صيغةُ البنكِ الوقفيِّ التجاريِّ, ومِن أهمِّ مميِّزاتِه: إمكانُ جَذْبِ ودائعِ الأفرادِ والمؤسَّساتِ, والاستثمارُ بها. وبالنظرِ إلى أهدافِ البنكِ الوقفيِ الخيِّرةِ يُمكِنُ أن تمنحَه الحكومةُ بعضَ الامتيازاتِ كـ(الأولويةِ في احتضانِ الحساباتِ الحكوميةِ, والإعفاءِ من الضرائبِ, والاستفادةِ من أراضي الأوقافِ العامَّةِ لدى الدولةِ في بناءِ فروعِ البنكِ الوقفيِّ بها).

وجميعُ ما سبقَ يؤهِّلُ البنكَ الوقفيَّ لتقديمِ صِيَغِ مُنافَسةٍ لبقيةِ المصارفِ, بالإضافةِ إلى تفعيلِ جانبِ (المشاركة والمضارَبةِ) مع توجيهِ الأرباحِ الناتجةِ لمصلحةِ البنكِ الوقفيِّ, والذي تعودُ آثارُه الخيِّرَةُ على المجتمعاتِ؛ ممَّا يُحَفِّزُ الأفرادَ والمؤسَّساتِ على التعامُل معه؛ وذلك بخلافِ الأرباحِ التي تعودُ لحمَلةِ الأسهُم في المصارفِ التجارية.

ثانياً: صيغةُ البنكِ الاستثماريِّ؛ حيث يقومُ البنكُ بتوظيفِ الأموالِ في مشروعاتٍ (تجاريةٍ وصناعيةٍ), بالإضافةِ إلى إنشاءِ الشركاتِ, وفَتْحِ المحافظِ والصناديقِ الاستثماريةِ.

ومِن مميِّزاتِه: العملُ وفقَ السياسةِ النقديةِ كبقيَّةِ البنوكِ, والخضوعُ لرقابةِ البنكِ المركزيِّ؛ إلا أنّ هذه الصيغةَ لا تُؤهِّلُ البنكَ الاستثماريَّ لاستقبالِ ودائعِ الأفراد؛ ممّا يُفقِدُه أحدَ أهمِّ مصادرِ الاستثمارِ لدى البنوكِ. ويظهرُ من خلالِ هذينِ النموذجَينِ أنّ أموالَ الأوقافِ ستحظى بـ (الحوكَمةِ)؛ ممّا يعني (الحفاظَ عليها، ووضعَ جُزءٍ كبيرٍ من أموالِ الأوقافِ السائبةِ تحتَ الأنظارِ).

4.   تحظى فِكرةُ "البنكِ الوقفيِّ" باهتمامِ عددٍ من المختصِّينَ في الصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ؛. فقد أعلنتْ كأبرزِ توصياتِ المؤتمرِ الدوليِّ الرابعِ للأوقافِ- والذي عُقِدَ في رِحابِ الجامعةِ الإسلاميةِ برعايةِ معالي أ.د. "محمد العقلا" تحتَ عنوان: "نحوَ إستراتيجيةٍ تكامُليةٍ للنهوضِ بالوقفِ الإسلاميِّ" في الفترةِ من 18 إلى 19 جُمادى الأُولى 1434ه, وقد تُوِّجَتْ تلك التوصيةُ بموافقةِ المقامِ السامي على تنظيمِ الجامعةِ الإسلاميةِ لورشةِ عملٍ مغلقةٍ بعُنوان (وضعُ تصوُّرٍ لإنشاءِ بنكٍ وقفيٍّ إسلاميٍ تعاونيٍّ) شاركَ فيها أكثرُ من 30 عالماً ومختصّاً في (الاقتصادِ، والفقهِ، والقانونِ، والمصرفيةِ)، وبحُضورِ عددٍ من أعضاءِ هيئةِ كِبارِ العلماءِ في المملكةِ, وكان لي بفَضلِ اللهِ شرفُ الجلوسِ بين أيديهِم (مُستمِعاً ومُستفِيداً), وقد تناولتِ الورشةُ عدَّةَ موضوعاتٍ أبرزَها (أسبابُ، وأهدافُ، وفوائدُ إنشاءِ البنكِ الوقفيِّ والجوانبِ الرئيسيةِ لتأسيسِ الوقفِ)، وكذلك الجوانبُ الوقفيةُ للبنكِ، والجوانبُ المصرفيةُ للبنكِ الوقفيِّ الإسلاميِّ، إضافةً إلى عَرضٍ لبعضِ التجاربِ (الفكرية والعمليةِ) للبنكِ الوقفيِّ.

 وفي ختامِ الورشةِ رُفِعَتِ التوصياتُ للمقامِ السامي. وفي نوفمبر 2015 م عقدَتِ المنصَّةُ العالَميةُ الابتكاريَّةُ لمنتجاتِ الاقتصادِ الإسلاميِّ بالإمارات, وفيها قدَّمَ "البنكُ الوقفيُّ" من قِبَلِ أ.د. "فهد اليحيى" كمُنتجٍ ابتكاريٍّ, ثم عُقِدَتْ على هامشِ المِنصَّةِ حلقةُ نِقاشٍ خاصَّة أيضاً جمعتْ نُخبَةً من المختصِّينَ لإعطاءِ المنتجِ مَزيداً من (الاهتمامِ، والعنايةِ، والتحريرِ), وشرفتُ حينَها بتكليفِي مُقرِّراً لتلكَ الورشةِ؛ ممّا أتاحَ لي الاطلاعَ على وُجهاتِ نظرِ المختصِّينَ.

وقد صَدرَ مُؤخَّراً عن كُرسي الشيخِ "راشد بن دايل" لدراساتِ الأوقافِ بحثاً قيِّماً بعُنوان: "البنكُ الوقفيُّ" لفضيلةِ الأستاذ الدكتور "فهدِ بن عبد الرحمنِ اليحيى" أستاذِ الفقهِ بجامعةِ القصيم, وما هذه الأسطُرُ إلّا تشويقٌ لقراءةِ الكتابِ؛ حيثُ يتناولُ بالتفصيلِ فكرةَ "البنكِ الوقفيِّ" من الناحيتَينِ (الشرعيةِ، والتنظيميةِ).

6. والموضوعُ يستحِقُّ اهتمامَ المختصِّينَ بالصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ, ولعل َّكتابَ الدكتور "اليحيى" يكونُ بدايةً لدراساتٍ (أوسعَ، وأشملَ، وأعمقَ)؛ فمشروعُ البنكِ الوقفيِّ يحتاجُ إلى تضافُرِ جُهودِ الفُقهاءِ الأجلاء، والمصرفيينَ والماليين َوالقانونيينَ الخبراءِ)؛ لِيُبْحَثَ المشروعُ من جوانبِه كافّةً, ويحتملُ أن تُعقَدَ له مؤتمراتٌ خاصَّةٌ لـ(دراسةِ مسائله, وإنضاجِه) حتّى ينشأ كيانا قائِماً بمشيئةِ اللهِ تعالى وتوفيقهِ.