العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تفعيل دور الوقف الإسلامي في تحقيق الأمن الاقتصادي في الدول العربية

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

حثَّ الإسلامُ أفرادَ المجتمعِ جميعاً على (التعاونِ والتكافُل) فيما بينَهُم؛ ففي الشريعةِ الإسلامية (واجباتٌ، وأحكامٌ) تعبديَّةٌ؛ أيّ: أنّها شديدةُ الارتباطِ بأصلِ التديُّنِ عندَ المسلِمينَ- لا تتمُّ إلّا عبْرَ (الإنفاقِ المادِّيِّ)؛ أيّ: المساهمةِ الاقتصاديةِ في توطيدِ أُسُسِ البناءِ الاجتماعيِّ، وعليه فـ(للأفرادِ دَورُ رئيسٌ في توفيرِ الأمنِ الاقتصاديِّ للمجتمعِ)؛ وحيث (أنّ الإسلامَ الحنيفَ دينٌ شاملٌ) لِنواحي الحياةِ المختلفةِ كافّةً نَجِدُ أنّ هناك نِظاماً اقتصاديّاً فريداً يجمعُ بين (الأمنِ الاقتصاديِّ والضمانِ الاجتماعيِّ) في سِياقٍ مؤتلفٍ، حيثُ يُمكِنُ أن تتعدَّدَ الوسائلُ لتحقيقِ هذا النظامِ، ونأخذَ صُوراً مُتنوِّعةً منها على سبيلِ المثالِ:

* الوقفُ: وهو (قِسمٌ مِن الصَّدقاتِ)؛ إذ الصدقةُ قد تُطلَقُ ويُرادُ بها (الوقفُ)؛ بل والأغلبُ في الأخبارِ التعبيرُ عن الوقفِ بـ(الصَّدقةِ)، وهو ينقسمُ إلى (وقفٍ عامٍّ على مصالِح المسلمينَ)، وإلى (وَقْفٍ خاصٍّ كالوُقوفِ على الذُّرِّيَّةِ)، ويرى أكثرُ المنصِفينَ مِن مؤرِّخي الحضارةِ الإسلاميةِ أنّه لو لم تُبْدِعْ هذه الحضارةُ سِوى نظامِ "الوقف" - كنظامٍ يُحقِّقُ هَدفاً مُزدوجاً يتجلَّى في الأمنِ الاقتصاديِّ البعيدِ المدى لقطاعاتٍ مُعيَّنةٍ في المجتمعِ؛ من خلالِ رَيْعِ الأوقافِ من جِهَةٍ، وضَمانِ حدٍّ أدنى مِن استقلاليَّةِ المجتمعِ- لكان ذلكَ كافياً للحديثِ عن القاعدةِ الاقتصاديةِ الصُّلْبَةِ في البناءِ الإسلاميُّ.

ويهدفُ هذا البحثُ إلى دراسةِ تفعيلِ دَورِ الوقفِ الإسلاميِّ في تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ في الدولِ العربيةِ.

مفهومُ الأمنِ الاقتصاديِّ وأبعادُه:

الأمنُ لُغةً: مَصدرُه أمنٌ – (الأمانُ والأمانةُ) بمعنى: وقد أمِنْتُ فأنا أمِنٌ، وأمِنْتُ غَيري من الأمنِ، وهو بذلكَ: (اطمئنانُ النفْسِ وزوالُ الخوفِ ومنه الإيمانُ والأمانةُ).

 لعلَّ أدقَّ مفهومٍ "للأمنِ" هو ما جاءَ في القرآنِ الكريمِ في قولِه تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)[1]،ومِن هنا نلحظُ أنّ (الأمنَ) هو ضدُّ (الخَوفِ)، والخوفُ بالمفهومِ الحديثِ يعني التهديدَ الشامِل؛ سواءٌ منه (الاقتصاديُّ، أو الاجتماعيُّ، أو السياسيُّ، الداخليُّ منه والخارجيُّ).

وممَّا لا شكَّ فيه أنّ للأمنِ مُستوياتٍ متعدِّدةً؛ وهي تُجمَلُ في أربعةٍ:

* أمنِ الفرد ضدَّ كلِّ ما قد يُهدِّدُ (حياتَه، وممتلكاتِه، أو أسرتِه)،

* وأمنِ الوطنِ ضدَّ أيِّ أخطارٍ (خارجيةٍ أو داخليةٍ)،

* وأمنٍ قُطريٍّ (إقليميٍّ) أو (أمنٍ جَماعيٍّ) لِدُولٍ تتشاركُ المصالِحَ وتعملُ على التكتُّلِ لحمايةِ كيانها،

*والأمنِ الدوليِّ.

تعريفُ الأمنِ الاقتصاديِّ: الأمنُ الاقتصاديُّ لفظٌ فضفاضٌ يحملُ بين طيَّاتِه الكثيرَ من المعاني المليئةِ بـ(التفكُّرِ والتدبُّر). وقد ذُكِرتْ عدَّةُ تعاريفَ للأمنِ الاقتصاديِّ، منها أنّه:

- غيابُ التهديدِ بالحِرمانِ الشديدِ من الرفاهيةِ الاقتصاديةِ.

-  التنميةُ.

- أن يملكَ المرءُ الوسائلَ المادِّيّةَ التي تُمكِّنُه من أن يَحيا (حياةً مُستقرَّةً ومُشبِعةً).

 وقد حاولتِ الأُممُ المتحدةُ أن تجدَ معنىً جامِعاً يُفَسِّرُه فتوصَّلَتْ للتفسيرِ التالي:

" هو أن يَملِكَ المرءُ الوسائلَ المادِّيَّةَ التي تُمكِّنُه مِن أن يحيا حياةً مُستقِرَّةً ومُشبِعةً.

وبالنسبةِ لكثيرينَ يتمثَّلُ الأمنُ الاقتصاديُّ- ببساطةٍ- في امتلاكِ ما يكفي من النقودِ لإشباعِ حاجاتِهم الأساسيةِ، ألا وهِي: (الغذاءُ، والمأوى اللائقُ، والرعايةُ الصحِّيَّةُ الأساسيَّةُ، والتعليمُ)[2]. ويُمكِنُ تعريفُ الأمنِ الاقتصاديِّ للمواطِن ليشملَ (تدابيرَ الحمايةِ والضمانِ) التي تؤهِّلُ الإنسانَ للحصولِ على احتياجاتِه الأساسيَّة من (المأكَلِ، والمسكنِ، والملبسِ، والعلاجِ، والتعليمِ، وضمانِ الحدِّ الأدنى لمستوىِ المعيشةِ).

والأمنُ الاقتصاديُّ هو أن يملكَ المرءُ الوسائلَ المادِّيَّة التي تُمكِّنُه من أن يحيا (حياةً مستقِرَّةً ومُشبِعةً).

وبالنسبةِ لكثيرينَ يتمثَّلُ الأمنُ الاقتصاديُّ- ببساطة- في امتلاكِ ما يكفي من النقودِ لإشباعِ حاجاتهِم الأساسيَّة، وهي(الغذاء، والمأوى اللائق، والرعاية الصحية الأساسية، والتعليم)[3].

مُهدِّداتُالأمنِالاقتصاديِّ في الدولِ العربية:

يُمكِنُتلخيصُأهمِّالنتائجِحولَمُهدِّداتِالأمنِالاقتصاديِّالعربيِّ فيمايلي:[4]

‌أ.      متوسِّطُدخلِالفردِومُعدَّلُنُموِّه:علىالرغممنتمتُّعِحوالَي% 92 منسكَّانِالعالَمالعربيِّبمتوسِّطِدخْلٍ للفردِيُعَدُّمَقبولاًمن ناحيةِالأمنِالاقتصاديِّ؛إلّا أنَّمعدَّلَنُموِّهذاالدخْلِقداتَّصفَبعدمِالاستقرارِ؛بمعنى(التذبْذُبِالمرتفعِ)؛وذلكلاعتمادِالنموِّ علىأسعارِالنفطالعالميةالتيتتَّصِفُبمثلِهذاالتذبذبِ.

‌ب.   معدَّلاتُالبطالة:  البطالةُ تُهدِّدُ المجتمعاتِ العربيةَ جمعاءَ بلا استثناءٍ، وأنّها تَجذَّرَتْ في البلدانِ العربية لأكثرَ من عَقدَين، وأنّ مستوياتِها هي الأسوأُ في المنطقةِ العربية بين مختلفِ مناطق العالم، وأنّها تُهدِّدُ بالفعلِ (السُّلَّمَ الاجتماعيَّ، والأمنَ القوميَّ والوطنيَّ)، وتُعتبَرُ مولِّدةً للتطرُّفِ واليأسِ، وتُزعزِعُ الثقةَ بين الحاكمِ والمحكومِ.وتُعَدُّالبطالةُ منالمصادرِالرئيسيةِلانعدامِ الأمنالاقتصاديِّفيمعظمِالدولِالعربيةوتتفاوتمُعدَّلاتُالبطالةِبينالدولِ؛وتُوضحُالمعلوماتُالمتاحةُأنّمتوسِّطَمُعدَّلِالبطالةِفي الدولِالعربية (حوالي14 فيالمائةمنالقوىالعاملةِ(يفوقُالمتوسِّطَعلىمستوىالعالَم (حوالي6.3 فيالمائة  .( وهنالكَ شواهدُعلىأنّمتوسِّطَمعدَّلِالبطالةقدسجَّلَاتِّجاهاًزمنيَّاًللارتفاعِ منحوالي10% فيالمائةمِنالقوىالعاملةفيالثمانينياتِ إلىحوالي14% فيالتسعينيات،ويتوقَّعُ أن يصلَ إلى 17% فيالمائة هذا العامِ، هذاوقدمثَّلتالبطالةُفيأوساطِالشبابالعربيِّفيالمتوسِّطأكثرَمن 50% منإجماليِّالعاملِينَ.

‌ج.   فقرُ الدخْلِ:أنّحوالي% 40 منإجماليسكَّانِالدُّولالعربيةذاتِالدخلِالمتوسِّطيقعُونَتحتَخطِّالفقرِالدوليِّ (2.7 دولارللفردِبالمكافئالشرائيِّللدولار)مقارنةً بحوالي% 59 منإجماليِّسكَّانالدولالعربيةذاتالدخلِالمنخفِض(بخطِّفَقرٍبلغ2.4 دولارللفردِفياليوم )ممّايعنيأنّحوالي% 40 منسكَّانِالدولالعربيةيُعانُونَ منالفَقرِالمادِّيِّ.

‌د.     شبكاتُالأمانِالاجتماعيِّ:إنَّجُهودَ) إنشاءِوتفعيل(شبكاتِالأمانالاجتماعيّ -والتيتُعَدُّضروريةًللتخفيفِ منعبءِ الانتكاساتِالاقتصاديةعلىالفئاتِ الضعيفة- غيرُمُتوازِنةٍبينمختلفِفئاتِالبلدانِ العربية.ويجريالتمييزُعادةًبينالترتيباتِ(غيرِ النظاميةِأوالتقليديةِ)منجهةٍ؛والتييتبادلُ فيهاالأقاربُأوأفرادُالعشيرةِالدعمَينِ) الاجتماعيَّوالاقتصاديَّ)فيحالاتِالضيقِ منجهةٍ،وبين البرامجِالرسميةِمنجهةٍأُخرى؛والتيتتولَّاها عادةً) الحكوماتُ،أوالمنظَّماتُغيرُالحكوميةِ(في الآونةِالأخيرة. وتُقدِّمُشبكاتُالأمانِالاجتماعيِّ النظاميةُ-علىالعُمومِ-) المعوناتِ النقديةَ،أوالعينيةَ المباشرةَ،والدعمَلضروراتِالحياةِالأساسيةِ؛ وبخاصَّةالغذاءَ،والتشغيلَفيمشروعاتِ الأشغالِالعامّة).

عوائقُ تحقيقِالأمنِالاقتصاديِّ في الدولِ العربيةِ:

 يُمكِنُ رَصْدُ أهمِّ عوائقِ تحقيقِ الأمنِالاقتصاديِّفيالعالَمالعربيِّفيمايلي[5]:

‌أ.      النزاعاتِوالاحتلالاتِفيالمنطقةِ،وماتنطويعليهمنزيادةِالنفقاتِالعسكريةِعلىحسابِالإنفاقِفيالمجالِالاجتماعيِّ.

‌ب.  إخفاقِالنظامِالتعليميِّفيبناءِالقُدراتِ(المهنيةِوالعلميةِ).

‌ج.   ضَعفِ أنساقِالخدماتِالاجتماعيةِ، وتدنِّيمستواهاجرَّاءَغيابِالعناصرِ القياديَّةِ الحكيمةِالمناسبةِ،وعدمِالكفاءةِالإداريةِ،والعُزوفِعنتمكينِالفئاتِ المستهدَفة،وعدمِكفايةِ إجراءاتِالتدقيقِوالشؤونِالماليةِ،وضآلةِقاعدة التمويلِوالمواردِالبشريةِ.

‌د.     الافتقارِإلىالخِبرةِوالمهاراتِ،والالتزامِفي أوساطِالعامِلينَعُمومًا.

‌ه.   نقصِالتمويلِمنأجلِتكرارِالمشروعاتِالناجحةِعلىنطاقٍأوسعَ.

‌و.    التوزيعِغيرِالمتوازنِللاهتمامِالسياسيِّوالمواردِالماليةِبينالمناطقِ (الريفيةِوالحضرية).

‌ز.    خِبرةِالمجتمعِالمدنيِّالمحدودةِفيتنفيذِعملياتِالتنميةِوبرامجِها.

‌ح.   التمركزِالبيروقراطيِّ،وغيابِالتنسيقِفيمابينالهيئاتِالحكوميةِ،وبينها وبينَالأطرافِالفاعلةِوالمؤثِّرةِفيالمجتمعِالمدنيِّ.

‌ط.   خُضوعِالسياساتِالاجتماعيةِلإدارةِمعالجةِالأزماتِالقصيرةِالأمدِ؛بَدلًامن استرشادِهابرؤيةٍبعيدةِالنظرِعلىالمدىالطويلِ.

 

دَورُ الوقفِ في تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ للمجتمعِ:

يُمكِنُ أن تُساعِدَ الأوقافُ في (تمويلِ وتنميةِ) المشاريعِ؛ الأمرُ الذي يعني: (إتاحةَ المزيدِ من فُرَصِ العملِ، واستغلالَ الثرواتِ المحليةِ، وزيادةَ الإنتاجِ والدخولِ)؛ وبالتالي زيادةَ كُلٍّ من (الادخارِ والاستثمارِ)؛ حيثُ تعملُ هذه المشروعاتُ على إتاحةِ مزيدٍ من السِّلَعِ والخدماتِ؛ ممّا يؤدِّي إلى (مزيدٍ من الرفاهيةِ، وتحسينِ مستوى المعيشةِ، وزيادةِ القُدراتِ التصديريةِ).

تعريفُ الوقفِ وحِكمَتُه:

لم يُدرِكِ الغربيُّونَ أهمِّيَّةِ الوقفِ إلّا قبلَ عُقودٍ قليلةٍ، بينَما عَرَفَهُ المسلِمونَ منذُ عَهدِ نبيِّهم صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ، ونهضَ بِدَورٍ بالغِ الأهميةِ في حضارتهِم. ومؤسَّسةُ الوقفِ من المؤسَّساتِ التي قامتْ بِدَورٍ فاعلٍ في تاريخِ الحضارةِ الإسلاميةِ؛ حيث كان الوقفُ المموِّلَ الرئيسَ لكثيرٍ من المرافقِ كـ(التعليمِ، والرعايةِ الصحيةِ والاجتماعيةِ، ومنشآتِ الدفاعِ والأمنِ، ومؤسَّساتِ الفكرِ والثقافةِ).

أمّا في عَصرِنا الحاضرِ فقد ازدادتْ أهميةُ الوقفِ، وتضاعفتِ الحاجةُ إلى إحياءِ هذه السُّنَّةِ النبويَّةِ الحيويةِ؛ حيث تُساهِمُ مؤسَّسـةُ الوقفِ في كثيرٍ من المرافقِ (الخيريةِ، والاجتماعيةِ، والعلميةِ)، إلـى جانبِ المساهَمةِ في الناتجِ القوميِّ؛ فالأوقافُ تُمثِّلُ قِطاعاً اقتصاديّاً ثالثاً ومُوازياً للقطاعَينِ (العامِّ والخاصِّ) يُسانِدُ الدولةَ في تحمُّلِ أعباءِ (التعليمِ، والصّحّةِ، ومُحارَبةِ البطالةِ، ومكافحةِ الفقرِ)؛ فالوقفُ:إخراجٌلجزءٍ منالثروةِالإنتاجيةِ فيالمجتمعِمندائرةِالمنفعةِالشخصيةِودائرةِالقرارِ الحكوميِّمعاً، وتخصيصُهلنشاطاتِالخدمةِالاجتماعيّةِالعامَّة.

وهكذايُمكِنُنا تصوُّرُأنّإنشاءَوَقْفٍبمثابةِإنشاءِمؤسَّسةٍاقتصاديةٍدائمةٍلِمَصلَحةِالأجيالِ القادمةِ،وتُنتِجُهذهالمؤسسةُ)منافِعَوخدماتٍأوإيراداتٍوعوائدَ)[6].

والوقفُ في اللغةِ: هُو (الحبْسُ والمنْعُ)،وفي الاصطلاحِ الفقهيِّ: هو "حَبْسُ عُينٍ والتصدُّقُ بمنفعَتِها".

وحَبْسُ العَينِ يعني: أن لا يُتصرَّفَ فيها بـ(البيعِ، أو الرهنِ، أو الهِبةِ)، ولا تنتقلُ بالميراثِ، ويعني التصدُّقُ بمنفعتِها: صَرفَ منافعِها أو ريعِها لجهاتِ البِرِّ بحسبِ شُروطِ الواقفِ. والوقفُ جائزٌ عندَ جميع الفقهاءِ[7].

وقد عرَّفَالفقهاءُالوقفَعدَّةَتعريفاتٍ-لاداعيَلِذكْرِها-؛لأنّهلايكادُكتابٌفقهيٌّ مُعاصِرٌيخلُومنها،واختلافُالفقهاءِفيتعريفِالوقفِمبنيٌّعلىاختلافهِمفيبعضِ أحكامِالوقفِوالتفريعاتِالجزئيةِ[8].

وسيكتفي الباحثُ هنا بِذكْرِتعريفٍواحدٍألا وهُو : "الوقفُ: هو منعُ التصرُّفِ في رقبةِ العَينِ التي يُمكِنُ الانتفاعُ بها معَ بقاءِ عَينِها، وجعلُ المنفعةِ لجهةٍ من جهاتِ الخيرِ ابتداءً وانتهاءً"[9].

وتستندُ مشروعيةُ الوقفِ إلى (الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماع).

أمَّا (الكِتابُ)؛ فكثيرٌ من الآياتِ تحضُّ على بَذلِ المالِ في وجوهِ البِرِّ والخيرِ، ومنها:

·      (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). (سورة آل عمران:آية 92).

·      (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (سورة البقرة: الآيتان 261 – 262).

·      وهُناكَ آياتٌ عديدةٌ تحثُّ على الإنفاقِ في وجوهِ الخيرِ والبِرِّ، ويدخلُ تحتَها الوقفُ؛ باعتبارِه إنفاقاً للمالِ في جهاتِ البِرِّ[10].

·      وأمّا (السُّنَّةُ النبويَّةُ) فقَد وردتْ أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على مشروعيةِ الوقفِ منها: ما رواهُ أبو هُريرةَرضيَ اللهُ عنهُأنّ النبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ قالَ: (إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنتفَعُ بهِ، أو ولدٍ صالِحٍ يدعُو لهُ)[11] والوقفُ صدقةٌ جاريةٌ.

·      أمّا (الإجماعُ) فقَد اشتهرُ الوقفُ بين الصحابةِ وانتشرَ ولا نعلمُ بينَ أحدٍ من المتقدِّمينَ منهُم في ذلكَ اختِلافاً؛ فقَد أجمعَ الخلفاءُ وسائرُ الصحابةِ على مشروعيةِ الوقفِحتّى قال جابرٌ رضيَ اللهُ عنهُ: "ما أعلمُ أحداً كانَ له مالٌ مِن المهاجِرينَ والأنصارِ إلّا حَبَسَ مالاً مِن مالِه صَدقةً مؤبَّدةً، لا تُشتَرَى أبداً، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ". وأخذتِ الأوقافُ الإسلاميةُ بعدَ ذلك تتكاثرُ وتزدهِرُ في شتّى أنحاءِ العالَم الإسلاميِّ. وعلى هذا فـ(الراجِحُ هو القولُ باستِحبابِ الوقفِ؛ لأنّه صدقةٌ جاريةٌ يمتدُّ نفعُها وثوابُها[12].

أمَا) الحِكمةُمنمشروعيةِالوقفِ) فهي عديدةٌ ومُتعدِّدةٌ -واكتفي هُنا بِذِكْرِ ما يخدمُ هدفَ البحثِ- فتتمثَّلُفي:[13]

‌أ.      إيجادِمواردَماليةً ثابتةًودائمةً؛ لتلبيةِحاجاتِ المجتمعِ) الدينيةِ،والتربويةِ،والغذائيةِ، والاقتصادية،والصحيةِ،والأمنيةِ)،وتقويةِشبكةِالعلاقاتِالاجتماعيةِ.

‌ب.  ترسيخِقِيَمِ)التضامُنِ،والتكافُلِ،والإحساسِ(بالأخوَّةِوالمحبَّةِبينطبقاتِالمجتمعِوأبنائه؛ كُلُّذلكَلنيلمرضاةِاللهِ عزَّ و جلَّ.

 نستخلصُ في ضوءِ التعريفاتِ الفقهيةِ المختلفةِ أنّ للوقفِ أربعةَأركانٍهي:(الواقفُ:وهوصاحبُالشيءِالمرادوقفُه)، و(الموقوفُ:وهوالشيءُالمرادُوقفُه)، و(الموقوفُعليهِ:وهوالجهةُالمرادُتوقيفُ" المِلْكِ" لفائدتِها)، و(الصيغةُ: وهيعَقدُ الوقفِالذييثبتُبمَوجِبهالوقفُويحملُ شروطَ الوقفِ كافّةً).[14]

ويرى البعضُ أهمِّيَّةَ إضافةِ محورٍ خامسٍ وهو (الإدارةُ)؛ سواءٌ كان (ناظِراً مُنفرِداً، أو مؤسَّسةً، أو مجلسَ نظارةٍ)[15].

أهمِّيَّةُ نظامِ الوقفِ:

 لقد قامنظامُ الوقفِالإسلاميِّ بِدورٍ حيويٍّ و مُهمٍّفيالتنميةِ) الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ)فيالدولِالإسلاميةِعبرَالعصورِالمختلفةِ- منذُبعثةِ النبيِّ محمَّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمحتّى نهايةِعَصرِالدولةِالعثمانيةِ-؛بَيْدَأنّالعصورَالتاليةَ شهِدتْ(تراجُعاًوتهميشاً)لدَورِالوقفِفيالعديدِمنالمجتمعاتِالإسلاميةِفيظلِّخُضوعِها لنفوذِالدولِالأجنبيةِ المحتلَّةالتيحرصتْعلىالضغطِعلىحكوماتِ هذهالدولِ؛لتعطيلِ دَورِالوقفِوإصدارِقوانينَوقراراتٍلإلغاءِالوقفِبنوعَيه(الأهليِّ،والخيريِّ)؛ بلقامتْ بعضُدولِالاحتلالِبمُصادَرةِالأوقافِالإسلاميةِ،وقامتْبعضُالسُّلطاتِالحاكمةِفي بعضِالدولِ الإسلاميةِبـ(تأميمِالأوقافِالأهليةِ)،كماخَضعتْبعضُممتلكاتِالأوقافِفي بعضِالدولِالإسلاميةِ الأُخْرىلتعدِّيالأفرادِوالاستيلاءِعليهابِدُونِوَجْهِحقٍّ.ورغمَ مُواجَهةِ العُلماءِ لِمثلِ هذه الحملاتِ ومحاولتَهِم التصدِّي لها؛ إلّا أنّ أوضاعَ الأوقافِ أخذتْ تتدهورُ في عالَمِنا الإسلاميّ والِعربيِّ شيئاً فشيئاً. ولا يتَّسِعُ المجالُ هُنا لبسطِ القولِ في ذلكَ؛ إلّا أنَّه يُمكِنُ تلخيصُ وضعيةِ الأوقافِ في بلادِ المسلمينَ في الوقتِ الحاضرِفي النقاطِ التالية:

‌أ.      يخضعُ معظمُها للإشرافِ الحكوميِّ من قِبَلِ وزاراتِ الأوقافِ.

‌ب.  حظرتْ بعضَ أنواعِه القوانينُ في بُلدانٍ كثيرةٍ.

‌ج.   قلَّ بدرجةٍ كبيرةٍ ملاحظةُ إقبالِ الناسِ عليهِ بالمقارنةِ بما كان عليهِ الوضعُ في الماضي.

‌د.     لم يَعُدْ يُمارِسُ الآثارَ (الاقتصاديةَ، والاجتماعيةَ) بهذه القوَّةِ والاتساعِ الذي كان يُمارِسُه في الماضي.

‌ه.   في الكثيرِ الأغلبِ من الأوقافِ التي مازالتْ قائمةً تحت إشرافِ وزاراتِ الأوقافِ وإدارتِها فإنّ (استغلالَها واستثمارَها) ليس على دَرجةٍ عاليةٍ من الكفاءةِ؛ بل في بعضِ الحالاتِ تنحرِفُ تصرُّفاتُ هذه الوزاراتِ عن الضوابطِ الشرعيةِ؛ إمّا في (عمارةِ الوقفِ)، وإمّا في (استثمارِه)، أو (توزيعِ عوائدِه على مُستحِقِّيهِ).

‌و.    لعلَّ الملاحظةَ النهائيةَ هو غيابُ نظامِ الوقفِ كظاهرةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ كانت لها بَصماتُها الإيجابيةُ البارزةُ في نهضةِ العالَم الإسلاميِّ في ماضيه الطويلِ.

وقد ينظرُ البعضُإلى الوقفِ نظرةً مُريبةً، فيَرونَ فيه محاذيرَ وأضراراً بالنسبةِ إلى المقاصدِ الاقتصاديةِ العامَّةِ، لا تجعلُه لديهِم من التدابيرِ المستحسَنةِ، وخُلاصَةُ تلك المحاذيرِ في نَظرهِم هي:

·      أنّ الوقفَ (يمنعُ من التصرُّفِ في الأموالِ، ويُخرج الثروةَ من التعامُلِ والتداولِ)؛ فيؤدِّي إلى ركودِ النشاطِ الاقتصاديِّ، ويقضي على المِلكية.

 ويُرَدُّ على ذلكَ: أنّ الوقفَ من مصالِح البِرِّ والخيرِ التي تحيا به، وليسَ يصحُّ وزنُ كلِّ شيءٍ بميزانِ الاقتصادِ؛ إذ ليستْ غاية الأمّةِ مادِّيَّةً بحتةً، وهناكَ من المصالِح العامَّة والخدماتِ الاجتماعيةِ التي تُؤدِّيها الدولةُ نفسها، كـ(المعارفِ) وسِواها، لا سبيلَ إليه إلّا بتجميدِ طائفةٍ من الأموالِ والعقارِ؛ لتكونَ مراكزَ للعلمِ والثقافةِ، ويُنفَقَ عليها عِوضاً عن أن تُستغَلَّ؛ لأنّ المحذورَ الاقتصاديَّ في تجميدِها، يُقابِلُه نفعٌ أعظمُ منهُ في الأغراضِ العامَّة التي تُجمَّدُ، أو تُنفقُ الأموالُ في سبيلِها.

·      إنّه غيرُ ملائمٍ لحُسنِ إدارةِ الأموالِ؛ لانتفاءِ المصلحةِ الشخصيةِ في نُظَّار الأوقافِ، فلا يَهتمُّونَ في إصلاحِ العقاراتِ الموقوفةِ فتخربِ.

ويُرَدُّ مِثلُهذا المحذورِفي أعمالِ الدولةِ وعُمّالها، وفي الوصايةِ على الأيتامِ؛ فكلٌّ من عُمَّالِ الدولة، وكذا الأوصياءِ، لا يَعملُونَ لِمَصلحةٍ شخصيةٍ تُحفِّزُهُم على (الإتقانِ والإصلاحِ). والقائِمونَ على إدارةِ أملاكِ الدولةِ ليسَ لهُم في حُسنِ (إدارتِها وإصلاحِها) منفعةٌ شخصيةٌ ماديةٌ، تنقصُ بتقصيرِهم، وتزدادُ بعنايتِهم. ومع ذلكَ لا يصحُّ الاستغناءُ عن أن تقني الدولةُ أملاكاً، وتُوظِّفَ في أعمالِها الماليَّة وغيرِها عُمَّالاً، وكذا لا يستغني عن نَصبِ الأوصياءِ؛ ولكن (يجبُ حُسْنُ الانتقاءِ) في هؤلاءِ جميعاً؛ بحيث يُنتَخبُ للعملِ القويُّ الأمينُ الذي يشعرُ ضميرُه بالواجبِ والتَّبِعَةِ. ومِن وراءِ ذلك (إشرافٌ، وحِسابٌ، وقضاءٌ). وهذا ما أوجبَهُ التشريع الإسلاميُّ الحكيمُ في إدارةِ شؤونِ الأوقافِ ومَن يتولّونَها.

·      إنّه يُورثُ التواكُلَ في المستحِقِّينَ الموقوفِ عليهِم؛ فيقعُدُ بهِم عن العملِ المنتجِ اعتماداً على مواردِه الثابتةِ. وهذا مخالفٌ لمصلحةِ المجتمعِ.

 فيقالُ مِثلُذلكَفي الميراثِ؛ فإنّ كثيراً مِمّنْ يَرِثُونَ أموالاً جمَّةً، يتواكَلُونَ عن الأعمالِ التي أفادَ بها مُورِّثوهُم ما خلَّفوه لهُم مِن ثروةٍ، وينصرفونَ إلى الصرْفِ والتبذيرِ، عن الجِدِّ المنتجِ والتوفيرِ، ولم يَصلُحْ هذا سَبباً لعدمِ الإرثِ. ولو لم يكُنِ المالُ الموقوفُ وقْفاً؛ لأصبحَ إرثاً وداهمَنا فيه المحذورُ نفسُه.

ولا يخفَ على عاقلٍ فَطنٍ ما لنظامِ الوقفِ في الإسلامِ الحنيفِ من (منافعَ علميةٍ وخيريةٍ) ما يجلُّ عن التقديرِ.

كما أنَّ هناكَ مصالِحَ عامَّةً أُخرى غيرَ مادِّيَّةٍ، لها شأنٌ كبيرٌ في الوزنِ التشريعيِّ.

وإذا ما أمعنَّا وأنعَمنا النظرَ في صُورِ الوقفِ التي تمَّتْ، أمكَنْ أن نتبيَّنَ جليَّاً (مقاصدَ الوقفِ ومَراميه الإنسانيةَ والاجتماعيةِ) على النحْوِ الآتي[16]:

·      تحقيقِ الأمنِ الغذائيِّ للمجتمعِ المسلمِ. ويتَّضِحُ ذلك في (تصدُّقِ أبي طلحةَ رضيَ اللهُ عنهُ بنخيلِه، وجَعْلِ ثمارِها للفقراءِ من أهلِ قرابتِه)، وفي (البئرِ التي وقفَها عثمانُ) رضيَ اللهُ عنهُ على عامَّة المسلمينَ.

·      إعدادِ القوَّةِ والوسائلِ الضروريةِ لِجَعلِ الأمَّةِ قادرةً على حمايةِ نفسِها والدفاعِ عن دِينها وعقيدتِها.

ويتَّضِحُ هذا مِن (وَقْفِ خالدِ بن الوليدِ رضيَ اللهُ عنهُ سِلاحَه في سبيلِ اللهِ تعالى.

·      نشرِ الدعوةِ إلى اللهِ، وإقامةِ المساجدِ؛ لتيسيرِ إقامةِ شعائرِ الدينِ، وتعليمِ أبناءِ المسلمينَ.

·      ويتَّضِحُ هذا من تأسيسِ (مسجدِ قُباء والمسجدِ النبويِّ)، وجعلِهما مركزَينِ للعبادةِ والتعليمِ، وتنظيمِ العملِ الاجتماعيِّ.

·      توفيرِ السكنِ لأفرادِ المجتمعِ. ويتَّضِحُ ذلك من أوقافِ عَددٍ من الصحابةِ الكرامِ التي تمثَّلَتْ في الدُّورِ والمساكِن التي حُبِسَتْ على (الضيفِ، وابنِ السبيلِ، أو على الذُّرِّيّةِ).

·      نشرِ رُوحِ (التعاونِ، والتكافلِ، والتآخي) التي تجعلُ المجتمعَ كالبُنيانِ المرصوصِ يَشُدُّ بعضُه بعضَاً.

·      إيجادِ مصادرَ قارَّةٍ لتمويلِ حاجاتِ المجتمعِ، وإمدادِ المصالِح العامَّة والمؤسَّساتِ الاجتماعيةِ بما يلزمُها من الوسائلِ للاستمرارِ في أداءِ رسالتِها؛ وذلك لأنّ المواردَ التي قد تأتي مِن (الزكاةِ، أو الهِباتِ) ليستْ قارَّةً، أمّا الوقفُ فإنَ (أصولَه وأعيانَه) تبقى أبداً؛ إلّا في حالاتٍ خاصَّةٍ؛ ولذلكَ فـ(مَنافِعُه لا تنقطِعُ).

تفعيلُ دَورِ الوقفِ الإسلاميِّ في تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ في الدولِ العربيةِ

ممّا سبقَ بيانُه يتبينُ:أنّ المجتمعاتِ الإسلاميةَ اليومَ هي في أشدِّ الحاجةِ إلى إحياءِ دَورِ الوقفِ في حياتِها؛ لِما كانَ لهُ من الإسهاماتِ العظيمةِ والآثارِ (الاجتماعية، والاقتصاديةِ، والثقافيةِ) المتنوِّعةِ؛ حيث أسهمَ في (التقدُّمِ العلميِّ والتكنولوجيِّ، وتوفيرِ الخدماتِ الأساسيَّةِ من "صحّةٍ، وإسكانٍ، وعلاجٍ" وغيرِها. علاوةُ على الأثرِ الماليِّ المهمِّ والحيويِّ على ميزانيةِ الدولةِ، وتخفيفِ الكثيرِ من الأعباءِ عنها).

 وتتزايدُ أهمِّيّةُ الوقفِ والحاجةُ إليهِ في العصرِ الحاضِر يوماً بعدَ يومٍ مع تزايُدِ الطلبِ على الخدماتِ العامَّةِ وتنوُّعِها من جهةٍ، وعَجْزِ السُّلطاتِ عن مُواجَهةِ هذه الطلباتِ من جهةٍ أُخرى. وقد تنبَّهَتْ بعضُ الدولِ الإسلاميةِ اليومَ إلى هذا الدورِ المهمِّ للوقفِ في الحياةِ العامَّةِ، وفي تنميةِ المجتمعاتِ ومعالجةِ مُشكلاتِها؛ فأخذتْ كثيرٌ من الهيئاتِ والمؤسَّساتِ (الحكوميةِ والأهليةِ) في تبنِّي بعضِ المشروعاتِ الوقفيَّةِ لأعمالِ الخيرِ (داخلَ وخارجَ) تلك الدولِ.

ولتفعيلِ دَورِ الوقفِ في تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ للمجتمَعِ نُوصي بما يلي: -

1.   نشرِ الوعي بين أفرادِ المجتمعِ عامَّةً والموسِرينَ خاصَّةً، وتعريفهِم بـ(أنّ الوقفَ قُربةٌ إلى اللهِ تعالى، وأنّه مِن الصدقةِ الجاريةِ). وإظهارِ الدَّورِ الرائدِ الذي أسهَم به الوقفُ في تطوُرِ وتقدُّمِ المجتمعِ الإسلاميِّ، ويكونُ ذلك مِن خلالِ:

·      تفعيلِ وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ (المرئيِّ منها والمقروءِ والمسموعِ) في هذا المجالِ.

·      إصدارِ نشراتٍ تعريفيةٍ تُوضِّحُ المجالاتِ التي مِن الممكِنِ مُساهمةُ الوقفِ فيها.

·      عَقدِ اللقاءاتِ والمؤتمراتِ بين فترةٍ وأُخرى، يتولّى فيها علماءُ الفقهِ الإسلاميِّ وعلماءُ التربيةِ مناقشةَ هذا الموضوعِ وما يَجِدُّ فيه، وبحثَ الوسائلِ والسُّبلِ التي تُسهِّلُ عمليةَ الاستفادةِ من الأموالِ الوقفيةِ في مجالِإيجادِ (فُرَصِ العملِ وتمويلِ المشاريع).

·      التعريفِ بالمجالاتِ التي مِن الممكِن أن يُسهِمَ الوقفُ فيها.

2.   توسيعِ مفهومِ الوقف لدى عامَّة الناسِ؛ لكي لا ينحصِرَ في بعضِ الأوجُهِ التقليديةِ، وبيانِ ما قدَّمَهُ الوقفُ قديماً وما يُمكِنُ أن يُقدِّمَهُ مُستقبَلاً في مجالاتِ الحياةِ كافّةً لاسيّما الاجتماعيةَ للمسلمينَ في أمورِ دينِهم ودُنياهُم.

3.   وضعِ الإجراءاتِ واللوائحِ المنظَّمةِ لعمليةِ الوقفِ في المجالاتِ المختلفةِ؛ بحيث تكونُ الصورةُ واضحةً تماماً أمامَ الواقِفينَ؛ ممّا يُبصِّرُ الواقفَ عند إرادتِه الوقفَ في هذا المجالِ. خاصَّةً وأنّ الأوقافَ النقديةَ تحتاجُ إلى نظامٍ خاصٍّ بها يُبيِّنُ طُرُقَ تسجيلِها والهيكلَ الإداريَّ المطلوبَ لهذا التسجيلِ، وتوثيقِ جهةِ الانتفاعِ بها، وتحديدِ المتطلَّباتِ النظاميةِ لأغراضِ الرقابةِ.

4.   دراسةِ وحَصرِ الاحتياجاتِ والمشاريعِ التي يُمكِنُ الإنفاقُ عليها من الأموالِ الوقفيةِ، وترتيبِها وفقَ أولوياتٍ مُعيَّنةٍ وضوابطَ مُحدَّدةٍ.

5.    تشجيعِ الجمعياتِ القائمةِ على الأوقافِ، وتسهيلِ مهامِّها، ودعمِ نشاطاتِها التأسيسيةِ، ومتابعةِ أعمالِها من قِبَلِ الجهاتِ الحكوميةِ، ومحاولةِ تحديثِ نُظُمِ إدارتِها والرقابةِ عليها.

وأيضا الوقفُ على تشغيلِ وصيانةِ تلك المؤسَّساتِ؛ سواءٌ (الموقوفة أو الحكومية)؛ وذلكَ بتخصيصِ بعضِ (العقاراتِ، أو المزارعِ، أو المشروعاتِ الاستثماريةِ) للصرفِ على تلك المؤسَّساتِ.

6.   إجراءِ الدراساتِ والأبحاثِ المستمرَّةِ، وتقويمِ التجاربِ التي تقدِّمُ في هذا المجالِ سواءٌ في البلادِ الإسلاميةِ أو غَيرِها للاستفادةِ منها وتلافي ما قد يحدُثُ من سَلبيّاتٍ. مع مراعاةِ الخُصوصيَّةِ الإسلاميةِ لمجتمعاتِنا؛ حيث أنّ (مشروعاتِ الوقفِ والأعمالِ الخيريةِ) في بلادِنا يجبُ أن تنطلقَ من المفهومِ الإسلاميِّ للتنميةِ الذي لا يقتصرُ على الجانبِ المادِّيِّ الدُّنيويِّ فحَسب.



[1]سورة قريش الآيتان (3،4)

[2]سعيد على حسن القليطي، التخطيط الاستراتيجي لتحقيقالأمن الاقتصادي والنهضة المعلوماتية بالمملكة العربية السعودية، مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني، الرياض، 2007

[3]www.ilo.org/public/english/protection/ses/info/publ/economic_security.htm

[4]للتفاصيل،راجع: برنامجالأممالمتحدةالإنمائي،"تقريرالتنميةالإنسانيةالعربية للعام  2009 :تحدِّياتأمنالإنسانفيالبلدانالعربية"، الفصل الخامس، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية2009 م، ص 99 -120.

[5]برنامجالأممالمتحدةالإنمائي،"تقريرالتنميةالإنسانيةالعربية للعام2009 :تحدياتأمنالإنسانفيالبلدانالعربية"،نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، 2009، ص117

[6]المرسيالسيدحجازي، دورالوقففيتحقيقالتكافلالاجتماعي فيالبيئةالإسلامية،مجلةجامعةالملكعبدالعزيزللاقتصادالإسلامي،مجلد(19)،العدد(2)،2006 ،ص60

[7]تعددت عبارات الفقهاء في تعريفه بناء على اختلاف آرائهم في (لُزومه، وتأبيده، ومِلكيته).

فعند الحنفيةِ: هو "حبسُ العَينِ على حُكمِ مِلكِ الواقفِ، والتصّدقُ بالمنفعةِ على جهةِ الخيرِ".

وعند المالكية هو: "إعطاءُ منفعةِ شيءٍ مدَّةَ وجودِه لازماً بقاؤه في مِلك مُعطيه أو تقديراً".

أمّا عندَ الشافعيةِ فهو: "حبسُ مالٍ يُمكِنُ الانتفاعُ به، مع بقاءِ عَينه؛ بقطعِ التصرُّفِ في رقَبتهِ مِن الواقفِ وغيره، على مصرفٍ مُباحٍ موجودٍ تقرّباً إلى اللهِ".

أمّا تعريفُ الحنابلةِ فهو: "تحبيسُ الأصلِ، وتسبيلُ المنفعةِ على بِرٍّ أو قُربةٍ".

وإذا ما نظرنا إلى هذه التعريفاتِ وجَدنا أنها متقاربة وذلك  بالنظرِ إلى جوهرِ حقيقةِ الوقفِ؛ وهي تحبيسُ العًينِ على وجْهٍ من وُجوهِ الخير، ومنعُ التصرُّفِ فيها مِن قِبَلِ المالكِ، ومِن قِبَلِ الموقوفِ عليه معاً. وإنما تستفيدُ الجهةُ أو الجهاتُ الموقوفُ عليها من منافِعها. وإنما اختلفتْ تعريفاتُ الفقهاءِ تبعاً لاختلافِهم في بعضِ الأحكامِ والتفريعاتِ الجُزئية.

 راجع للتفاصيل: -

وهبة الزحيلي، الأموال التي يصح وقفُها وكيفية صرفِها، ندوة الوقف الخيري، هيئة أبو ظبى الخيرية، الإمارات العربية المتحدة، 30-31/3/1995،ص 2-7

أحمد بن يوسف الدرويش، الوقف: مشروعيته وأهميته الحضارية، ندوة مكانة الوقف وأثره في الدعوة والتنمية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مكة المكرمة، السعودية، 18 ـ 19 شوال 1420، ص 155-158

أحمد أبوزيد، نظام الوقف الإسلامي تطوير أساليب العمل وتحليل نتائج بعض الدراسات الحديثة، متاح فى: http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Wakf/wakf.htm

[8]للتفاصيلراجع: -

ابراهيم محمود عبد الباقي، دور الوقف في تنمية المجتمع المدني ،رسالة دكتوراه، سلسلة الرسائل الجامعية(3)، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، 1427هـ،2006  م، ص  26-30

وهبة الزحيلي، الأموال التي يصح وقفها وكيفية صرفها، ندوة الوقف الخيرى، هيئة أبو ظبي الخيرية، الإمارات العربية المتحدة، 30-31/3/1995،ص 2-7

سلوىبنتمحمدالمحمادي، دورالوقففيتحقيقالتكافلالاجتماعي،بحثمقدمإلىالمؤتمرالثالثللأوقاف بعنوان:الوقفالإسلامي"اقتصاد،وإدارة،وبناءحضارة"، الجامعة الإسلامية، المملكةالعربيةالسعودية، 1430 هـ،2009  م، ص 298-301

محمدسعيدالمولوي، الوقفدرةالتكافلالاجتماعي، مجلةأوقافجامعةالملكسعود،جامعةالملكسعود، العددالأول، السعودية، صفر1430 هـ- فبراير2009 م، ص 29-30

أحمد أبوزيد، نظام الوقف الإسلامي تطوير أساليب العمل وتحليل نتائج بعض الدراسات الحديثة،متاح فى: http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Wakf/wakf.htm

[9] محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، معهد الدراسات العربية العالية، جامعة الدول العربية،1959، ص 7.

[10]عبد الله بن حمد العويسي، الوقف: مكانته وأهميته الحضارية، ندوة مكانة الوقف وأثره في الدعوة والتنمية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مكة المكرمة، السعودية، 18 ـ 19 شوال 1420هـ، ص 122-123.

[11]أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، نظر محمد الفاريابى، كتاب الوصية25، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته3، حديث رقم14(1631)، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض،1426  هـ، ص 770.

[12]للتفاصيل راجع:

محمد بن أحمد الصالح: الوقف وأثره في حياة الأمة،ندوة مكانة الوقف وأثره في الدعوة والتنمية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مكة المكرمة،السعودية، 18 ـ 19 شوال 1420هـ، ص 323.

عجيل جاسم النشمي: بحث أحكام الوقف الخيري في الشريعة الإسلامية، مقدم لندوة الوقف الخيري، هيئة أبو ظبى الخيرية، الإمارات العربية المتحدة، 30-31 /3/1995 م، ص 5.

[13] سلوىبنتمحمدالمحمادي: دورالوقففيتحقيقالتكافلالاجتماعي،مرجع سابق، ص 307.

[14]زيدانمحمد: دورالوقففيتحقيقالتكافلالاجتماعيبالإشارةإلىحالةالجزائر، بحثمقدمإلىالمؤتمرالثالثللأوقاف بعنوان:الوقفالإسلامي"اقتصاد،وإدارة،وبناءحضارة"، الجامعة الاسلامية، المملكةالعربيةالسعودية، 1430 هـ،2009 م، ص 596.

 [15] فؤاد عبدالله العمر: دراسة حول نموذج المؤسسة المعاصرة للوقف: (الإدارة والاستثمار)،مقدم إلى ندوة الوقف في تونس: الواقع وبناء المستقبل، الجمهورية التونسية،28-29 فبراير 2012 م.

[16]راجع:

أحمد أبو زيد، فضل الأوقاف في بناء الحضارة الإسلامية، مجلة التاريخ العربي، العدد 13، جمعية المؤرخين المغاربة، المغرب، شتاء 2000 م. متاح في: نسخة للطباعة