العدد الحالي: أيار/ مايو 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تغيير قيمة النقد من منظور الاقتصاد الإسلامي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لقد وَسِعَ الفقهُ الإسلاميُّ حاجاتِ الناسِ على مرِّ العُصورِ واختلافِ الأمكنةِ، وإنَّ سببَ هذه الصلاحيةِ أنَّ الأصلَ في هذا الفقهِ الرَّبَّانيِّ هو تحقيقُ العدلِ وإقامتِه، وهو مبدأُ لا مَحیدَ عنه؛ فالعدلُ مطلوبٌ بینَ الأطرافِ جميعاً؛ سواءٌ أكانَ الطرفُ شريكاً أم حكومةً.

إنَّ أصلَ النقودِ والأثمانِ هما الذهبُ والفضَّةُ، يقولُ حُجَّةُ الإسلام الغزاليُّ - رحِمَه اللهُ-: "مِن نِعَمِ اللهِ تعالى خلقُ الدراهمِ والدنانيرِ، وبهِما قوامُ الدُّنيا وهُما حَجَرانِ لا مَنفعةَ في أعيانِهما؛ ولكن يُضطرُ الخلقُ إليهِما (إحياء علوم الدين: ٤/٩٦)، وقد ذَهبَ الغزاليُّ إلى استثناءِ المنافعِ كـ (مَنفعةِ الزينة)؛ وذلك لأنَّ أهمِّيةَ كونهِما أثماناً خِلقةً أكبرُ بكثيرٍ من كونهِما حُليَّاً وجواهرَ للزينةِ؛ فأغلبُ الناسِ يتَّخِذونُهما زِينةً إلى جانبِ استِخدامهِما مَخزناً للقِيَمِ، فيبيعونَها عند اللزومِ، كما لم يتطرَّقِ الغزاليُّ لدخولِ هذينِ المَعدِنينِ بعضَ الصناعاتِ؛ لأنَّ ذلك لم يَكُنْ مُتاحاً بكَثرةٍ في زَمنِه.

ولم تَمنعْ شريعةُ الإسلامِ من اتِّحاذِ الناسِ غیرَ هذينِ المعدِنينِ كنقدٍ يتعارفونَ علیه؛ بل تركَتْ ذلك لِمَصالحِهم، وقد ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثِ الأصنافِ السِّتَّةِ سِلعاً رائجةً تُمثِّلُ أثماناً يتعاملُ بها الناسُ في بُلدانِهم كـ(المِلحِ) بوصفِه السلعةَ الرائجةَ في البلدانِ المُشاطِئة، و(البُرِّ والشعيرِ) في البلدانِ الزراعيةِ وهكذا، فقال: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعِيرُ بالشعِيرِ، والتمْرُ بالتمْرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سوَاءً بِسَواءٍ، يدًا بِيَدٍ، فإذَا اخْتَلَفَت هذهِ الأصْنَافُ فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ، إذَا كانَ يدًا بِيَدٍ (صحيح مسلم).

وشرَع أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ اتِّخاذَ جُلودِ بعضِ الحيواناتِ كـ(الإبلِ)؛ لِيجْعَلَ مِنها نَقداً، أوقفَه في ذلك عدمُ تطوُّرِ الصناعةِ في حِينِه لتمييزِ ذلك الجلدِ تمييزاً غيرَ قابلٍ للتقليدِ بسهولةٍ، قالَ رَضِيَ اللهُ عنه: "هَمَمْتُ أنْ أجعلَ الدراهمَ مِن جُلودِ الإبلِ، فقِيلَ له: إذاً لا بعيرَ، فأمسكَ (فتوح البلدان، البلاذري، ص ٦٥٩).

ونهَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن هَتْكِ جُزءٍ من كتلةِ النقدِ الذي تعارفَ علیهِ الناسُ لِما في ذلكَ من تضييقٍ عليهِم وعلى مصالحِهم، كـ(تزویرِه وغِشِّه)، وعبَّرَ عن ذلك بـ (كسْرِ النقد) وأسماهُ (سِكَّةَ المسلمين). روى علقمةُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيِّ عن أبیه قال: "نَهَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن كَسرِ سِكَّةِ المسلِمينَ الجائزةِ بينَهُم؛ إلَّا مِن بأسٍ". وفي روايةٍ أُخرى: "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى أنْ تُكسَرَ سِكَّةُ المُسلِمينَ الجائزةُ بَيْنَهم؛ إلَّا مِن بأسٍ أنْ يُكسَرَ الدِّرهمُ فيُجعَلَ فِضَّةً أو يُكسَرَ الدِّينارُ فيُجعَلَ ذهَباً".

والكسرُ هُنا قد یكونُ بـ (قطعِ) أو (قَرضِ) جزءٍ من أطرافِ النقدِ، أو يكونُ بـ (تشويهِ وقَرضِ نقشِ السكة) لإخراجها من كونها من المسكوكات، أو يكون بـ (إذابةِ المَعدِن)الذي يتكوَّنُ منه النقدُ فيخرجَ عن كونِه نقداً متعارفاً علیه، وقد يكون الكسرُ بـ (ضخِّ نقودٍ مُزيَّفةٍ أو مَغشوشةٍ) كما يفعلُ بعضُ المُحتالِينَ والسُّرَّاقِ، وقد يكونُ بِـ (ضخِّ نقودٍ سليمةٍ) تُفْسِدُ أسعارَ صَرْفِ النقودِ المحليةِ، (كما سنرى لاحِقاً). إن هذه التصرَّفاتِ كافةً تضيّقُ على الناسِ أعمالَهُم؛ لأنَّ كمیَّةَ النقدِ المتداوَلةِ تصبحُ أقلَّ من حاجاتِهم فيَصيرُ نادراً؛ ويرتفعُ سِعرُه نسبةً للأسعارِ التي تُقاسُ بها السِّلَعُ والخدماتُ، ومِن ثَمَّ ترتفعُ أسعارُ الأشیاءِ المَقیسةِ، ويتشكَّلُ التضخُّمُ الاقتصاديُّ. وقد حصلَ ذلك في مختلفِ العصورِ، ومازالَ يتكرَّرُ، والدافعُ لذلك هو طَمَعُ بعضِ الناسِ وحُكَّامِهم سَعياً لتحقيقِ رِبْحٍ على حسابِ عامَّةِ الناسِ.

إنَّ تخفیضَ قیمةِ النقدِ (قیاساً على ما سبَقَ بيانُه) یكونُ بتخفیضِ سعرِ صَرفِه، وهذا عملٌ(غیرُ جائزٍ)؛ لِما فيه مِن ضَرَرٍ وإضرارٍ؛ فانخفاضُ سعرِ الصرفِ مقابِلَ باقي العُملاتِ فيهِ ضَررٍ واضحٍ، وفي الأعمِّ الأغلبِ ما يكونُ مؤشِّراً لِبَدْءِ أزمةِ صَرفٍ مُزمِنَةٍ؛ حيث يكونُ ذلك عندَ ارتفاعِ عجزِ المِيزانيةِ، فيتمُّ تمويلُ العجزِ عن طريقِ إيجادِ (خلق) النقودِ، فـ(تنخفضُ القيمةُ الحقيقيةُ لسعرِ الصَّرفِ، ويتدهورُ ميزانُ المَدفُوعاتِ).

- قد يقومُ بذلكَ أناسٌ مِن تُجَّارٍ وما شابَه؛ كـ(سماسرةِ الصرفِ، أو تُجَّارٍ مُضاربينَ يشترونَ ويبيعونَ العُملاتِ، أو يُمارِسُه صنَّاعٌ يُذيبونَ النقودَ المَعنيَّةَ، وهذا يُشابِهُ في الأثرِ فعلَ تدخُّلِ البنكِ المركزيِّ (مُمثلِ الحُكومةِ واللاعبِ الأساسِ في تحديدِ سعرِ الصرفِ) في تعويمِه للنقدِ؛ حيث يتدخَّلُ للتأثيرِ على سعرِ الصَّرفِ وتغييرِه بأدواتٍ تخصُّه كـ(استخدامِ احتياطياتِه النقديةِ ببَيعِ العُملاتِ الأجنبيةِ لحمايةِ سعرِ الصرفِ، أو بتحريكِ سعرِ الفائدةِ، أو مُراقبةِ سعرِ الصرفِ، أو اتِّباعِ سياسةِ تَعدُّدِ أسعارِ الصرفِ، وكلُّ ذلك يُسمَّى بـ (التعويمِ غيرِ النظيفِ).

- فإذا عدَّلَتِ السلطاتُ النقديةُ (مُمثَّلَةً بالبنكِ المركزيِّ) أسعارَ صَرفِها على أساسِ مستوى ما تملِكُه من احتياطياتٍ ذهبيَّةٍ ونقودٍ أجنبيَّةٍ، أو حسبَ رصيدِ ميزانِ مدفُوعاتِها المحلِّيِّ؛ لحمايةِ مصالِح مواطنِيها - باستِثناءِ استخدامِ سعرِ الفائدةِ لِحُرمةِ الرِّبا على الجميع-؛ فذلكَ قد يكونُ مقبولاً لأغراضِ حمايةِ الصالحِ العامِّ؛ لكنَّ هذه السياساتِ تحتاجُ (بيئةً) تُتيحُ توفُّرَ معلوماتٍ اقتصاديةٍ كافيةٍ أمامَ قطاعِ الأعمالِ، وإلّا فستكونُ الإشاعاتُ مصدرَ معلوماتِهم التي تجعلُ السلطاتِ النقديةِ غيرَ مُتحكِّمةٍ بآثارِ سياساتِها. وفي الأحوالِ كافَّةً لا يجبُ أن تهدفَ هكذا تعديلاتٍ إلى تحقيقِ رِبحيَّةٍ للبنكِ المركزيِّ؛ لأنّ ذلك غيرُ مقبولٍ، فهو بنكٌ مُحايدٌ تملكُه الحكومةُ نيابةً عن الناس. ويُشارُ في هذا المقامِ أنّ الاحتياطياتِ من النقدِ الأجنبيِّ وبخاصَّة الدولارَ الأمريكيَّ لم يَعُدْ يُمثِّلُ قِيمتَه ذهَباً؛ بل صار دَيناً في ذمَّةِ الاحتياطيِّ الفيدراليِّ الأمريكيِّ بعدَ توجُّهِه لإصدارِ النقودِ من الدولاراتِ على المكشوفِ دونَ (غِطاءٍ ذهبيٍّ) لِيَسُدَّ النقصَ الحاصلَ لديهِ إثْرَ الأزمةِ الماليةِ العالميةِ ٢٠٠٨ م وما تلاها.

- وقد تستخدمُ السلطاتُ النقديةُ (التعويمَ الحُرَ) الذي يسمحُ لقيمةِ العُملاتِ بالتغيُّرِ (صُعوداً وهُبوطاً) حسبَ حالةِ الأسواقِ، وهذا نظامٌ يسمحُ للسياساتِ الاقتصاديةِ بالتحرُّرِ من قيودِ سعرِ الصرفِ، وهذه هي الحالُ الأفضلُ والأكثرُ عَدلاً.

إنَّ التخفيضَ يؤدِّي إلى آثارٍ عديدةٍ منها:

-       تآكلُ مُدَّخَراتِ الناسِ الذین یدَّخِرونَ نُقودَهُم التي أصابَها التخفيضُ، فتكونُ أذیَّتُهم بمقدارِ التخفيضِ والكميَّةِ التي يملكونَها. فيفقدونَ جُزءاً ممّا يملكونَ جرّاءَ ذلك فتمثِّلُ النقودُ التي بحَوزتِهم كميَّاتٍ أقلَّ مِن (السِّلَعِ والخدماتِ) قبلَ التخفيضِ.

-       تضرُّرُ أسعارِ سِلَعِ وخدماتِ البلدِ الذي انخفضَ نقدُه؛ حيث:

✴   تنخفضُ قيمةُ السلعِ والخدماتِ المنتجةِ محليَّاً تُجاهَ باقي العُملاتِ لانخفاضِ (قیمةِ المِعیارِ) الذي تُسعَّرُ به الأشیاءَ ممّا یجعلُ المیزانَ التجاريَّ (لبلدِ تلك العُملةِ) في حالةِ فائضٍ تُجاهَ تلك السلعِ والخدماتِ؛ بسببِ (التوجُّهِ نحوَ التصديرِ) - فيما إذا كانَ البلدُ مُنتِجاً، ولدَیهِ مِیزاتٌ تنافسیَّةٌ- ومثالُ ذلكَ: الصراعُ المستمِرُّ بین (الیوان الصینيِّ والدولار الأمریكيِّ). وهذا ما جعلَ المنتجاتِ الصينيةَ ذاتَ قُدرَةٍ تنافسيَّةٍ سِعريَّةٍ عاليةٍ في السوقِ الأميركيةِ؛ لأنَّ تلك السياسةَ (خفّضَتْ سِعرَها) ممَّا (زادَ من عَجْزِ الميزانِ التجاريِّ الأميركيِّ مقابلَ فائضِ الميزانِ التجاريِّ الصينيِّ) فَزادَ الاحتياطيُّ النقديُّ الصينيُّ.

✴   ترتفعُ أسعارُ السلَعِ والخدماتِ المستوردةِ (في بلدِ تلك العُملةِ)؛ لارتفاعِ سعرِ صَرْفِ شرائِها بالعُملاتِ الأجنبيةِ؛ ممَّا يُسبِّبُ سلسلةَ ارتفاعاتٍ في الأسعارِ المحلِّيَّةِ فيكونُ ذلك عامِلاً في إيجادِ تضخُّمٍ مؤذٍ.

✴   ترتفعُ أسعارُ السلعِ والخدماتِ المنتجةِ محلِّيَّاً تُجاهَ باقي العُملاتِ إذا لم يتمكَّنْ أصحابُها من تصديرِها؛ لأنَّهُم يرغبونَ بتعويض: (أ) ارتفاعِ بعضُ مكوِّناتِها المستورَدةِ من الخارجِ، (ب) تعديلِ مستوى الأسعارِ للمحافظةِ على: (ثرواتِهم)، و(مستوى معيشتِهم)برفعِ أسعارِ سِلعِهم وخدماتِهم المحلِّيَّةِ حيث تسمحُ بذلك ظروفُ العَرضِ والطلبِ، إذا كانت تلك السِلع والخدماتٍ غير مرنةٍ؛ كـ(الخُبزِ، والحاجاتِ الأساسيةِ، واختفاءِ أيةِ بدائلَ لها)؛ وبذلك يكونُ تخفیضُ سعرِ الصرفِ مؤذٍ للناسِ، ویُسبِّبُ ضرراً لهُم.

إنَّ تسعیرَ النقدِ (المحلِّي) یخضعُ لشروطِ التسعیرِ نفسِها في الفقهِ الإسلاميِّ؛ فـ(الأصلُ تركُ الأشیاءِ تعومُ حسبَ حاجاتِ الناسِ والظروفِ المحیطةِ دونَ تدخُّلٍ مُخِلٍّ بشروطِ التبادُلِ)؛ لقولِه صلّى اللهُ علیهِ وسلَّم: "دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بعضَهُم مِن بَعضٍ" (صحيح ابن حِبَّان). و"التعويمُ الحُرُّ سياسةٌ تنتمي لقواعد التسعير".

فـ(الغَلاءُ والرُّخْصُ ليس مَمنوعاً كلُّه؛ بل ذلك مُرتبطٌ بأسبابِ نُشوئِه؛ ويرى القاضي المُعتزليُّ عبدُ الجبَّار (ت ٤١٥ هـ= ١٠٢٤ م) أنَّ أسبابَ الرُّخصِ قد تعودُ لـِ:

๏     كثرةِ الشيء: كـ(الوفْرَةِ) مَثلاً.

๏     زیادةِ العَرضِ: وذلك إذا احتاجُوا إلى متاعٍ آخرَ فباعُوا الشيءَ فَرخصَ، وكذلك إذا تلفِتِ البهائمُ فازدادَ عَرْضُ علفِها. وبذلك تطرَّقَ لـ(أثرِ الجوائحِ، وأثرِ تبدُّلِ عاداتِ وأذواقِ المستهلِكینَ).

๏     قِلَّةِ الحاجة: كـ(نُقصانِ الطلب) بسببِ الاكتفاءِ، أو (تغیُّرِ عاداتِ وأذواقِ) المستهلِكینَ.

๏     قِلَّةِ المُحتاجِینَ: كـ(الوباءِ والهلاكِ)؛ أيّ: بسببِ انخفاضِ عددِ السكَّان.

بینما ردَّ القاضي أسبابَ الغلاءِ لـ(عواملِ السوقِ، أو بفعلِ فاعلٍ)، فعوامِلُ السوق:

๏     قِلَّةُ الشيءِ مع الحاجةِ إلیه.

๏     كثرةُ المُحتاجِینَ إلیه.

๏     زیادةُ الحاجةِ والشهوةِ: لأسبابِ (عدمِ الإشباعِ)، أو تغیُّرِ عاداتِ الاستهلاكِ كـ(التَّرَف).

๏     الخوفُ من تركِ تحصیلِه: كـ(العاملِ النفسيِّ، وتوقُّعاتِ المستهلكینَ).

أمَّا التي تعودُ لِفعلِ فاعلٍ: فقد تكونُ من عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ (ظروفٌ خارجةٌ عن الإرادةِ- آفةٌ سماؤيةٌ-)، أو بفِعلِ الأئمَّةِ (عواملَ سیاسیَّة)، أو بسببِ أربابِ المنتَجاتِ (عوامل اقتصادیَّةٍ كـ(الاحتكار).

إنَّ التسعیرَ سیاسةٌ اقتصادیةٌ استثنائیةٌ یتمُّ استخدامُها عندَ وقوعِ الاحتكارِ، وفي حالتِنا هذه: احتكارُ النقدِ هو المقصودُ، والتسعيرُ سیاسةٌ تلجأُ إلیها بعضُ وحداتِ السوقِ، فإذا ما وقعُوا في الاحتكارِ تمَّ التسعیرُ عليهِم بُغيةَ رفعِ الظروفِ المُصطنَعَةِ لِمَنعِ الضَّرَرِ عن مصالِح الناس، فإذا ما ارتفعَ الاحتكارُ توقَّفَتِ سياسةُ التسعیرِ؛ لانتِهاءِ ظروفِ التلاعُبِ بالعَرضِ والطلبِ.

وهذه هي (مَهمَّةُ مُحتسِبِ السوقِ) أيِّ: البنكِ المركزيِّ في حالتِنا؛ حيث يتدخَّلُ بالرقابةِ لمنعِ التلاعُبِ بـ(ظروفِ العَرضِ والطلبِ، وتركِ الأمورِ حسبِ حاجاتِ الأسواقِ الطبيعيةِ)، فيزيدُ عَرْضُه (أي ضَخُّه) للنقودِ إنْ ازدادَ الناتجِ المحلِّيُّ والضِّدُّ بالضدِّ، ويمتصُّ السيولةَ بوسائلَ (غيرِ سياسةِ الفائدةِ الرِّبويةِ لِحُرمَتِها) كـ(استخدامِ صناديقِ الاستثمارِ والصكوكِ) مَثلاً.

لقد تصدَّى الاقتِصاديُونَ المسلمونَ الأوائلُ لِمثلِ تلك الحالاتِ بسياساتٍ نذكرُ منها: طلبَ ابنِ تیمیَّةَ - رحمَه اللهُ تعالى- مِن القائمِ بأعمالِ السوقِ (والمصرفُ المركزيُّ هو مِن القائِمینَ على السوق) التدخُّلِ: كـ(مَنعِ البائِعینَ الذین تواطَؤوا على أنْ لا یبیعُوا إلّا بثَمنٍ قدَّرُوه أوَّلاً، وكذلك منعِ المُشترِینَ إذا تواطَؤوا على أن یَشترِكُوا فیما یشترِیه أحدُهُم حتّى یهضُمُوا سِلَعَ الناسِ أوّلاً.

وأجازَ (رَحِمَهُ اللهُ) التسعیرَ في حالاتٍ محدَّدةٍ كـ(الأزماتِ، والمجاعاتِ، والاضطرارِ إلى طعامِ الآخرینَ، والاحتِكارِ، والحَصرِ، وحالةِ التواطُؤ بینَ البائِعینَ، أو بین المُشترین).

فكيفَ يكونُ السِّعرُ العادلُ؟

قدَّمَ كلٌّ مِن (ابنِ تيميَّةَ، وأبي جَعفَر الدمشقيِّ) أسلوبَينِ يُساعِدانِ في تحديدِ السعرِ العادل؛

๏     فـ(ابنُ تیمیَّةَ) أوضحَ كیفیةَ معالجةِ تقاطُعِ المصالِح بالتسعیر، بِقَولِه: إذا امتنعَ أربابُ السِّلَعِ مِن بیعِها مع ضرورةِ الناسِ إلیها إلّا بزیادةٍ على القیمةِ المعروفةِ، فهُنا یجبُ علیهِم بیعُها بقیمةِ المِثلِ ولا معنى للتسعیرِ؛ إلّا إلزامُها بـ(قیمةِ المِثْلِ) فیجبُ أن یلتزِمُوها بِما ألزمَهم اللهُ به. أمّا آلیَّةُ تحقیقِ ذلك فیقولُ ابن تیمیةَ رحمَه اللهُ تعالى: “ینبغي على الإمامِ أن یجمعَ وُجوَه أهلِ سوقِ ذلك الشيءِ، ویحضرُ غیرُهم استِظهاراً على صِدقهِم فیسألهُم كیف یشترونَ وكیف یبیعونَ فیُنازِلُهُم إلى ما فیهِ لهُم وللعامَّةِ سِدادٌ حتّى یرضَوا ولا یُجبَرونَ على التسعیرِ”. والرِّضى عاملٌ مُهمٌّ في (زَرعِ الثقةِ والطمأنینة) بین رُوّادِ السوقِ؛ حیث یؤدِّي ذلك إلى الازدهارِ، ونُموِّ التبادُلِ، واستقرارِ الأسعارِ وبالتالي (انتعاشِ الحركةِ التجاریة). أمَّا الضدُّ؛أيّ: إكراهُ البائعینِ على البیعِ بسعرٍ مُعیَّنٍ دونَ النظرِ إلى التكالیفِ فإنّه یؤدِّي إلى “فسادِ الأسعارِ، وإخفاءِ الأقواتِ، وإتلافِ أموالِ الناس”.

๏     أمَّا أبو جَعفر الدمشقيِّ (ت ٣٢٧ هـ = ٩٣٩م) فيَرَى أنَّ (تحدیدَ السعرِ العادلِ، أو سِعرَ المِثلِ، أو القیمةَ المتوسِّطةَ) یخضعُ للمعاییرِ التالیة:

(1)     سؤالِ أهلِ الخِبْرَةِ الثِّقاتِ عن سعرِ ذلكَ في بلدِهم.

(2)     مُراعاةِ العادةِ أكثرَ الأوقاتِ المستمرَّةِ؛ حيث تكونُ ظروفُ الاستقرارِ.

(3)     مُراعاةِ الزیادةِ المُتعارَفةِ، والنقصِ المُتعارِف في ظلِّ حالةِ الاستقرارِ؛ فارتفاعُ سعرِ بعضِ السلعِ في بعضِ المواسمِ وانخفاضِها في مواسِمَ أُخْرى أمرٌ طبيعيٌّ كـ(سعرِ اللحمِ، وسِعر البيضِ) مثلاً.

(4)     مراعاةِ الزیادةِ النادرةِ والنقصِ النادرِ، التي تُعبِّرُ عن الاستثناءاتِ والتي تحصلُ بسببِ ظروفٍ غيرِ طبيعيةٍ كـ(الوباء) الذي يُصيبُ المنتَجاتِ أو حتَّى الناسِ.

(5)     ثمَّ يُقاسُ بعضُ ذلك ببعضٍ،

(6)     يُضافُ لذلكَ القياسِ نسبةُ الأحوالِ التي علیها أحوالُ الناسِ في ذلكَ البلدِ من خَوفٍ أو أمنٍ، ومن (توفُّرٍ وكثرةٍ أو اختلالٍ).

وبذلك نَصِلُ للقیمةِ المتوسِّطةِ المعروفةِ عند أهلِ الخِبْرَةِ به.

يقول أبو جَعفَر الدمشقيُّ رحِمَه اللهُ تعالى في ذلك: (إنّ الوجْهَ في تعرُّفِ القیمةِ المتوسِّطةِ أن تسألَ الثِّقاتِ الخَبیرینَ عن سِعرِ ذلك في بلدِهم على ما جَرَتْ به العادةُ أكثرَ الأوقاتِ المُستمرَّةِ، والزیادةَ المُتعارفةَ فیه، والنقصَ المتعارَفَ، والزیادةَ النادرةَ، والنقصَ النادرَ. وقیاسَ بعضِ ذلك ببعضٍ، مُضافاً إلى نسبةِ الأحوالِ التي هُمْ علیها مِن "خوفٍ أو أمنٍ"، ومِن "توفّرٍ، وكثرةٍ، أو اختلالٍ". وتستخرجَ بقریحتكَ لذلكَ الشيءِ "قیمةً متوسِّطةً، أو تستعملَها من ذَوي الخِبرةِ والمعرفةِ والأمانةِ منهم؛ فإنَّ لِكُلِّ بضاعةٍ ولكلِّ شيءٍ ممّا یمكِنُ بیعُه قیمةً، قیمةً متوسطةً معروفةً عند أهلِ الخِبْرَةِ به).

إنَّ الأصلَ في النقد- مهما كانت طبيعتُه- أنَّه سِلعَةٌ، بها تُقاسُ الأشياءُ؛ ليتمَّ تبادلُها، وبها تُحفَظُ القِیمُ؛ لذلك وَجَبَ أن يبقى حیادیَّاً في عملیاتِ التبادلِ، فلا يَدخِلُ هذه العملياتِ بوصفِه سلعةً كغَیره؛ لأنَّ ذلك يُخرجُه عن حیادیَّتِه. فإنْ كانَ لابُدَّ من ذلك فينطبِقُ عليه شروطُ بيعِ الصرف.

وهنا یتَّضِحُ تماماً لماذا اشترطَ الفقهُ الإسلاميُّ في بیعِ الصرفِ توافرَ شَرطَي (المجلسِ والتقابُض) في الأثمانِ؛ فعَدمُ التقابُضِ: يُعادِلُ عمليةَ الضَّخِّ في السوقِ بنسبةِ (الكميَّةِ وزمنِ التأخيرِ)، وهذا مُفسِدٌ لِسعرِ صرفِ ذلك النقدِ، ويبدُو أثرُه واضِحاً جليّاً على مستوى الاقتصادِ الكُلِّيّ؛ أيّ: إذا سلكَ ذلكَ المسلكَ أغلبُ الناسِ. (للمزيد نموذج عرض النقود من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي، للمؤلف)

إنَّ الاستقرارَ النسبيَّ لسعرِ الصرفِ هو عاملُ جَذْبٍ للمستثمِرينَ؛ لِما يُحقِّقُه من استقرارٍ سِعريٍّ في الاقتصادِ، والتعويمُ الحرُّ يدعمُه:

(أ) تحققُ نموٍّ اقتصاديٍّ إيجابيٍّ، و

(ب) مُعدَّلُ تضخُّمٍ منخفضٍ، و

(ج) رصيدٌ إيجابيٌّ لميزانِ المدفوعاتِ، و

(د) معدَّلُ بطالةٍ منخفضٍ؛ لذلك فإنّ (التعويمَ الحرّ هو الحلُّ العمليُّ لتصحيحِ الخللِ بين العَرضِ والطلبِ)؛ وإلّا فإنّ السوقَ غيرُ النظاميةِ ستأخذُ دورَها لتصحيحِ أيِّ خَلَلٍ، والتصحيحُ قد يمرّ بمراحلَ (مُؤذيةٍ للناسِ، ومُضرَّةٍ بمصالحِهم) وهذا ما يجبُ تجنُّبُه.

وعليه فإنّ تَرْكَ التسعيرِ- التدخّلَ- واللجوءَ إلى تعويمِ سعرِ صرفِ النقدِ تعويماً حُرّاً، مع اللجوءِ إلى التدخُّلِ بإجراءاتٍ مباحةٍ لمنعِ التلاعبِ يُحقِّقُ رعايةَ البنكِ المركزيِّ للأسواقِ للمحافظةِ على ظروفِ عَرضٍ وطَلَبٍ عادلةٍ تُبقيها ضمنَ ما يُسمَّى بـ(الظروفِ الطبيعية). والرعايةُ شأنُ السوياتِ الإداريةِ كافّةً في المجتمعِ، يقولُ رسولُ الهُدى صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه؛ فالإمامُ راعٍ، وهُوَ مَسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرَّجُلُ راعٍ في أهلِهِ، وَهوَ مَسؤولٌ عن رعيّتِه، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زَوجِها، وهيَ مَسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيِّدِه، وهُو مَسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرَّجلُ راعٍ في مالِ أبيه وهو مَسؤولٌ عن رعيَّتِه، فكلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه (صحيح الجامع).

فليتقِ اللهَ عزَّ وجلَّ الناسُ جميعاً على حدٍّ سواء:

•       الموظَّفونَ الحُكوميونَ؛ لأنَّهُم أجراءُ عند حُكوماتِهم ورعاةٌ لأموالِها، والحكوماتُ تعملُ بنظريةِ الوكالةِ عن الناسِ وهي أجيرةٌ عِندهُم،

•       التجَّارُ: كالمصارفُ والمؤسساتُ والشركاتُ والمستثمِرينَ الأفرادِ،

•       المُشترونَ والبائِعونَ، الذين لا يغلبُ على سُلوكِهم امتهانُ التجارةِ.

فجميعُهم رعاةٌ مسؤولونَ، ولابُدَّ أنَّهُم مَوقُوفونَ أمامَ اللهِ عزَّ وجلَّ وهو سائِلُهم عن كلِّ شيءٍ ولو بلغَ مثقالَ ذَرَّةٍ، يقولُ جلَّ في عُلاهُ: (وَقِفُوهُمْ ۖإِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ (الصافَّات)، ويقولُ جلَّ جَلالُهُ أيضاً: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ (الزلزلة).

 

حَماة (حَماها الله) في الأوّل مِن رجب ١٤٣٧ هـ /الموافِق التاسِع من نيسان أبريل ٢٠١٦م