العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المحاسبُ البليغُ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

المحاسبُ البليغُ

الدكتور سامر مظهر قنطقجي

كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب [1] لمؤلفه شهاب الدين أحمد بن عبدالوهاب النويري (توفي 733 هـ = 1355 م)، يقع في ثمانية أجزاء تناول فيه شؤون الكتابة وصناعتها سواء كتابة الإنشاء أو كتابة شؤون دواوين الحكم أو كتابة الأموال الخاصة بشؤون ودواوين المحاسبة.

يدعي النويري بأنه أول من ألّف مرجعاً محاسبياً متكاملاً في التاريخ الإنساني، ولا يوجد دليل على عكس ذلك، بينما (وللأسف) يُؤرخ العَالَم بأن الإيطالي (لوقا باشيليو) هو أول من أشار للقيد المزدوج عام 1494 م، مع أن الإشارة هي بداية العلم وليست العلم، بينما ذكر النويري فنون المحاسبة وعلومها كما نعرفها اليوم وأقل وأكثر [2]، وقد وصف ما فعله حينئذ قائلاً:

"سألني بعض إخواني أن أضع في ذلك ملخصاً [3] يعلم منه المباشر [4] كيف المباشرة، ويستضيء به في مايسترفعه أو يرفعه [5] من ضريبة وموافرة [6]. فأوردت هذه النبذة إزالة لسؤاله، وتحقيقاً لآماله، وذكرت من صناعة الكتابة ماهو بالنسبة لمجموعها قطرة من بحره اوشذرة من عقود درّها مما لابد للمبتدئ من الإحاطة بعلمه والوقوف عند رسمه، وحين وضعت ما وضعت من هذه الصناعة [7] لم أقف على كتاب في فنها مصنف، ولا انتهيت إلى فصل مترجم بها، أو مؤلف، ولا لمحت في ذلك إشارة، ولا سمعت من لخّص فيها عبارة، ولا من تفوه ببنت شفة ولسان، ولامن صرف ببنان بلاغته في ميادينها العنان، حتى أقتدي بمثاله، وأنسخ على منواله، وأسلك طريقه في الإجادة، وأحذو حذوه في الإفادة، بل وجدتها مقفلة الباب، مسبلة الحجاب، قد اكتفى كل كاتب فيها بعلمه، واقتصر على حسب فهمه [8]. فراجعت فيها الفكرة وعطفت بالكرة بعد الكرة [9]، ثم قرعت بابها ففتح بعد غلقه، ورفعت حجابها ففتق بعد رتقه، وامتطيت صهوتها فلانت بعد جماحها، وارتقيت ذروتها، فظهر للفكرة طريق نجاحها. فشرعت عند ذلك في تأليف ما وضعته، وترصيف ماصنفته، وبدأت باشتقاق تسمية الديوان، ولم سُميّ ديواناً، ثم ذكرت ماتفرع من كتابة الديوان من أنواع الكتابات، و أول ديوان وضع في الإسلام، وسبب وضعه، ثم ذكرت مايحتاج إليه كل مباشر من كيفية المباشرة و أوضاعها، و ما استقرت عليه القواعد العرفية والقوانين الاصطلاحية [10]، وما يرفعه كل مباشر ويسترفعه والأوضاع الحسابية على ما ستقف إنشاء الله تعالى وترجع فيما أشكل من أمورها إليه".

 


[1]النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 8، مطبوعات وزارة الثقافة بمصر، ص 193-194.

[2]للمزيد، راجع رسالة الدكتوراه للدكتور سامر مظهر قنطقجي بعنوان (دور الحضارة الإسلامية في تطوير الفكر المحاسبي)، وكتاب (فقه المحاسبة الإسلامية – المنهجية العامة) لنفس المؤلف، وكلاهما متاح الكترونياً في صفحة المحاسبة من موقع مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية www.kantakji.com.

[3]الملخص هو ما يشرح ويبين كيفية أعمال المحاسبة وأصولها وهذا بمثابة دليل عمل.

[4]المباشر هو المحاسب، والمباشرة هي مباشرة أعمال المحاسبة.

[5]يسترفعه أي يطلبه من المستوى الإداري الأدنى، ويرفعه أي يقدمه لمستوى إداري أعلى.

[6]أي التكاليف والإيرادات.

[7]يبين النويري أن ما كتبه هو أول مرجع محاسبي في العالم، فقد كانت الخلافة الإسلامية ممتدة على أقاليم شاسعة واسعة، ويبدو أنه تقصى ولم يجد من كتب في المحاسبة أو عنها.

[8]انتشر فن المحاسبة على أساس الخبرة التي يتعلمها الممارس من عمله.

[9]الدراسة والتقصي والقراءة المستمرة هي الأدوات الاستنباط التي شكلت المنهج العلمي للنويري.

[10]هذا ما نسميه اليوم GAAPأي المبادئ المحاسبية المقبولة عموماً، فالقواعد العرفية أي المتعارف عليها، والقوانين التي اصطلح عليها أهل المهنة واستقرت بينهم هي بمثابة مجموعة المبادئ المحاسبية السائدة بين صناع المحاسبة.