العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دور صناديق الثروة السيادية في الاقتصاد العالمي

كنزة جمال

طالبة سنة ثالثة دكتوراة - كلية العلوم الاقتصادية، التجارية وعلوم التسيير/ جامعة 20 أوت 1955- سكيكدة- الجزائر

لقد ظهرتْ- في ظلِّ التطوُّرِ الذي يشهدُه النظامُ الماليُّ العالَميُّ- صناديقُ تُعرَفُ بـ"صناديقِ الثروةِ السياديَّةِ"، وهي عبارةٌ عن صناديقَ تكمُن مهمَّتُها في تسييرِ وإدارةِ مختلفِ الثرواتِ والاحتياطاتِ الماليةِ للدولِ؛ حيث تقومُ الدولُ بإنشاءِ هذه الصناديقِ لأهدافٍ اقتصاديةٍ؛ فهِيَ صناديقُ حكوميةٌ تعودُ مِلكيَّتُها للدولةِ، وتتكوَّنُ من أصولٍ ماليةٍ يتمُّ تمويلُها بالفوائضِ الماليةِ للدولةِ.

قامتْ مختلفُ الدولِ بإنشاءِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ لعدَّةِ أسبابٍ تختلفُ هذه الأسبابُ باختلافِ أهدافِ كلِّ دولةِ ومصادرِها؛ ولكنْ عُموماً: فإنّ هذه الصناديقَ تُحقِّقُ أهدافاً اقتصاديةً، وتسمحُ في حالةِ وجودِ اختلالاتٍ في إيراداتِ الدولةِ بتغطيةِ العجزِ الماليِّ لها؛ فهي تهدفُ إلى المحافظةِ على الفوائضِ الماليةِ الكبيرةِ التي تمتلكُها هذه الدولُ وزيادةِ عوائدِها.

نشأتْ "صناديقُ الثروةِ السياديةِ" في فترةِ الخمسينياتِ من القرنِ الماضيِ- وبالتحديدِ سنة 1953م بالكويت-؛ لكنَّها شهدتْ تطوُّراً ونُموّاً كبيراً خلالَ السنواتِ العشرين الأخيرةِ؛ فأغلبُ "صناديقِ الثروةِ السياديةِ" في العالَم أنشئتْ في السنواتِ القليلةِ الماضيةِ.

لقد أصبحَت "صناديقُ الثروةِ السياديةِ" تكتسبُ أهميةً كبيرةً ومتزايدةً في النظامِ النقديِّ والماليِّ الدوليِّ؛ وذلك راجِعٌ إلى تأثيرِها على الاستقرارِ الماليِّ والتدفُقاتِ الرأسماليةِ في أنحاءِ العالَم كافَةً؛ أيّ: تجنُّبِ الوقوعِ في الأزماتِ الماليةِ التي تُمثِّلُ اضطراباً حادّاً ومُفاجِئاً؛ فـ"صناديقُ الثروةِ السياديةِ" قامتْ بِدَورٍ كبيرٍ للحدِّ من آثارِ الأزماتِ الماليةِ والانتكاساتِ التي شهدتْها الأسواقُ الماليةُ العالَميةُ في الآونةِ الأخيرةِ.

أوَّلاً: ماهيَّةُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ وأهميَّتُها:

لقد أصبحَ الدَّورُ المتنامي لصناديقِ الثروةِ السياديةِ في الأسواقِ الماليةِ معروفاً على المستويَينِ (الدوليِّ، والعالَميِّ)، ومع تنامي أهميَّتِها على الساحةِ الماليةِ الدوليةِ ستحاوِلُ الباحثةُ التعرُّفَ على ماهيَّتِها وأهميَّتِها.

وهي تعبيرٌ عن ارتفاعِ الفائضِ التجاريِّ والإيراداتِ من صادراتِ الموادِ الأوليةِ لبعضِ الدولِ.

مفهومُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ:لقد زاد -في السنواتِ الأخيرة- الاهتمامُ بصناديقِ الثروةِ السياديةِ حولَ العالَمِ رغمَ أنّ نشأتَها وظهورَها ليس جديدً؛ فقَد تمَّ إنشاءُ أوَّلِ صندوقِ ثروةٍ سياديةٍ سنةَ 1953 م بالكويت؛ ولكنَّ تطوّرَ ارتفاعُ (عددِها، وحجمِها) في السنواتِ العشرين الماضية؛ ونظراً لهذا الاهتمامِ قُدِّمَتْ لصناديقِ الثروةِ السياديةِ عِدَّةُ تعاريفَ مختلفةٍ ستُحاوِلُ الباحثةُ التطرُّقَ لأهمِّ هذه التعاريفِ كما يلي:

تعريفُ صندوقِ النقدِ الدوليِّ: عرَّفَها بأنّها "صناديقُ استثمارٍ عامَّةٍ، تتميَّزُ هذه الصناديقُ بثلاثِ مميزاتٍ رئيسيةٍ وهي1: (١) صناديقُ الثروةِ السياديةِ مملوكةٌ أو مُراقَبةٌ مِن طرفِ الدولة؛ (٢) تُسيِّرُ هذه الصناديقُ أصولاً ماليةً على المدى الطويلِ؛ (٣) تهدفُ سياسةُ استثمارِ هذه الصناديقِ إلى بلوغِ أهدافٍ مُحدَّدةٍ؛ مثل: (التوفيرِ للأجيالِ القادمةِ، تنوُّعِ الناتجِ المحليِّ الخامِّ)، وأيضاً تهدفُ إلى تحقيقِ التوازنِ الاقتصاديِّ.

تعريفُمعهدِصناديقِالثروةِالسياديةِ:الصندوقُالسياديُّعبارةٌعنصندوقِاستثمارٍحُكوميٍّ مُكَوَّنٍمنأصولٍماليةٍعلىغرارِالأسهُموالسنداتِوغيرِهامنالأدواتِالمالية؛عِلماًأنّمواردَ الصندوقِتتشكَّلُمن(فائضِميزانِالمدفوعاتِ،أوالموازنةِالعامّةِ، أونواتجِعملياتِالخوصصة،أوإيراداتِ الصادراتالسلعية)،ووفقاًلهذاالتعريفِفإنّصندوقَالثروةِالسياديةِلايتضمَّنُ صناديقَالتقاعدِالحكوميةِ والشركاتِالاقتصاديةَالمملوكةللدولةِ،بالإضافةِإلىاحتياطاتِالصرفِالمدارةِمِنقِبَلِالسلطاتِالنقديةِوالمستعملَةلتحقيقِأهدافِالسياسةالنقدية2.

تعريفُ مُنظَّمةِ التعاونِ والتنميةِ الاقتصاديةِ: صناديقُالثروةِالسياديةِعبارةٌعن:مجموعةٍ منالأصولِالماليةِالمملوكةِوالمدارةِبـ(طريقةٍمباشرةٍ،أوغيرِمباشرةٍ(منطرفِالحكومةِ؛لتحقيقِأهدافٍ وطنيةٍوالمموَّلةِ؛إمّابـ(احتياطاتِالصرفِالأجنبيِّ،أوصادراتِالمواردِالطبيعيةِ،أوالإيراداتِالعامَّةِللدولةِ،أوأيَّةِمداخيلَأُخرى. 3*

تعريفُ وزارةِ الخِزانةِ الأمريكية:عرَّفَت صناديقَ الثروةِ السياديةِ بأنّها "صناديقُ استثمارٍ حكوميةٍ تُموَّلُ من احتياطاتِ العُملاتِ الأجنبيةِ للدولِ المالكةِ؛ ولكنَّها تُدارُ بصفةٍ منفصلةٍ عن احتياطاتِ العملاتِ الأجنبيةِ، وتهدفُ إلى الربحِ؛ من خلالِ الاستحواذِ على حِصَصٍ في أسهُم الشركاتِ الأجنبية".4

صناديقُ الثروةِ السياديةِ هي صناديقُ مملوكةٌ مِن قِبَلِ الدولةِ، تستثمرُ الدولةُ من خلال هذه الصناديقِ في الأسهُم والسندات، هذه الاستثماراتُ لديها منظورٌ طويلُ الأجلِ، وعادةً ما تهدفُ إلى دعمِ الشركاتِ المحليةِ والدولةِ عندما ستحتاجُ الأموالَ5.

الحقيقةُ: إنّ صناديقَ الثروةِ السياديةِ هي مكتسباتٌ مهمّةٌ، واختياراتُ الاستثمارِ متعدِّدةٌ جِدَّاً حسبَ الصناديقِ وحسبِ الدولِ التي تُراقبها؛ ففي معظمِ الأحيانِ تمتنعُ هذه الصناديقُ عن الاستثمارِ في مؤسسةٍ مُعرَّضةٍ للخطرِ من أجلِ تقليلِ احتمالاتِ الخسائرِ؛ فهي تستثمرُ بشكلٍ رئيسٍ في المؤسساتِ الإستراتيجيةِ التي تساعدُ في النموِّ الاقتصاديِّ للدولةِ، ويُوجَدُ حاليَّاً أكثرُ من 50 صندوقِ ثروةٍ سياديةٍ ناشطٍ في العالَم6.

يُمكِنُ تعريفُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ على أنّها: "عبارةٌ عن صناديقَ مملوكةٍ ومُسيَّرةٍ من طرفِ الدولةِ تقومُ بتسييرِ ثرواتٍ واحتياطاتٍ ماليةٍ للدولةِ، وتعملُ على تحقيقِ مجموعةٍ من الأهدافِ الماليةِ والاقتصاديةِ؛ من خلالِ الاستثمارِ في أصولٍ ماليةٍ، وتختلفُ مصادرُ هذه الصناديقِ باختلافِ خُصوصياتِ ومصادرِ كلِّ دولةٍ.

الفرقُ بين صناديقِ الثروةِ السياديةِ ومختلفِ الهيئاتِ الماليةِ في الدولة:

تتميَّزُ صناديقُ الثروةِ السياديةِ عن غيرِها من الهيئاتِ الماليةِ الأُخرى في الدولةِ من حيثُ أنّها:7

1.   تتميَّزُ عن البنكِ المركزيِّ من حيث أهدافُها؛ فهي تسعى للاستثمارِ، لا لإدارةِ السياسةِ النقديةِ والمصرفيةِ للدولةِ.

2.   تتميَّزُ عن صناديقِ المعاشاتِ العموميةِ من طريقةِ الحصولِ على مواردِها، بالإضافة إلى أنّ صناديقَ الثروةِ السياديةِ تهدفُ إلى تمويلِ الأجيالِ القادمة.

3.   تتميَّز كذلك عن المؤسساتِ العموميةِ؛ فهذه الأخيرةُ تأخذُ شكلَ مؤسساتٍ تجاريةٍ تخضعُ للقانونِ التجاريِّ، أمّا صناديقُ الثروةِ السياديةِ فهي صناديقُ استثمارٍ، وتقومُ المؤسساتُ العموميةُ أساساً في إنتاجِ السلعِ والخدماتِ، أمّا صناديقُ الثروةِ السياديةِ فتستثمرُ في أصولٍ مالية.

 أنواعُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ:

هناك عدَّةُ تصنيفاتٍ لصناديقِ الثروةِ السياديةِ؛ غيرَ أنّ تقريرَ الاستقرارِ الماليِّ العالَميِّ الصادرِ عن صندوقِ النقدِ الدوليِّ في أكتوبر 2007 م يُشيرُ إلى أنّه يُمكِنُ تمييزُ، وتصنيفُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ حسبَ الغرضِ الرئيسِ من تأسيسِها إلى خمسةِ أنواعٍ ألا وهي8:

صناديقُ الاستقرار: يتمثَّلُ هدفُها الأساسُ في حمايةِ الميزانيةِ العامَّةِ للدولةِ والاقتصادِ كَكُلٍّ، مع تحقيقِ استقرارِ سعرِ صرفِ عُملاتِها مقابلَ تقلُّباتِ ميزانِ المدفوعاتِ والناتجِ عن تقلُّباتِ أسعارِ الموادِ الأوليةِ (النِّفط).

صناديقُ الأجيالِ القادمة: تهدفُ إلى تحويلِ الأصولِ غيرِ المتجدِّدةِ إلى حافظةِ أصولٍ مُتنوِّعة.

صناديقُ التنميةِ:تهدفُ إلى تمويلِ مشاريعَ ذاتِ أهدافٍ (اقتصاديةٍ، واجتماعيةٍ)؛ وذلك لزيادةِ الناتجِ المحليِّ الخامِّ.

صناديقُ احتياطاتِ طوارئِ التقاعُدِ الطارِئَة:تُغطِّي**تُغطى هذه الصناديقُ (من مصادرَ)؛ بخلافِ (اشتراكاتِ الأفرادِ في معاشاتِ التقاعدِ) التزاماتِ التقاعُدِ الطارئةِ غير المحدَّدةِ في الميزانيةِ العامَّةِ للدولة.

شركاتُ استثمارِ الاحتياطاتِ:تُدرَجُ أصولُها في الأغلبِ ضِمْنَ فئةِ الأصولِ الاحتياطيةِ في البنكِ المركزيِّ.

الدَّورُ التنمويُّ لصناديقِ الثروةِ السياديةِ وأهميَّتُها في النظامِ الماليِّ العالَميِّ:

لقَد أصبحتْ صناديقُ الثروةِ السياديَّة- على الساحة المالية الدولية- محلَّ اهتمامٍ، ومِن ثَمَّ انتباهاً متزايداً، ونُفسِّرُ ذلكَ أوَّلاً: بـ(التزايُدِ السريعِ لحجمِها)، وثانياً: بـ(ظهورِ عدَّةِ صناديقَثروةٍ سياديةٍ جديدةٍ على مستوى العالَم)، وإثْرَ أزمةِ الرهنِ العقاريِّ أدّى ذلك وساهَم في تحويلِ الأنظارِ إلى هؤلاءِ المتعامِلِينَ الجُدُدِ في النظامِ الماليِّ الدوليِّ9.

تزدادُ أهميةُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ كعنصرِ مشاركةٍ في الأسواقِ الماليةِ العالَميةِ؛ خاصَّةً وأنّه يُقدَّرُ إجماليُّ موجوداتِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ حولَ العالَم بأكثرَ مِن 07 تريليون دولار في وقتِنا الحاليِّ- حسبَ تقريرِ مؤسسة (SWF Institute)المتخصِّصةِ في دراسةِ استثماراتِ الحكوماتِ والصناديقِ السياديةِ في آخِرِ تقريرٍ لها والصادرِ في بداية سنة 2015م؛حيث يُعتبَرُ صندوقُ التقاعدِ الحكوميِّ النرويجيِّ أكبرَ صندوقٍ سياديٍّ في العالَم بقيمةٍ تُقدَّرُ بـحوالَي 863 مليار دولار، ثُمّ يأتي في المرتبةِ الثانيةِ جهازُ أبو ظبي للاستثمارِ بقيمةٍ تُقدَّرُ بـحوالَي 773 مليار دولار، أمّا في المرتبةِ الثالثةِ فيأتي صندوقُ الثروةِ السياديةِ للملكةِ العربيةِ السعوديةِ؛ وهو صندوقُ الأصولِ الأجنبيةِ لمؤسسةِ النقدِ العربيِّ السعوديِّ (ساما) بقيمةٍ تُقدَّرُ بـحوالَي 757 مليار دولار، والجدولُ التالي يُقدِّمُ أكبرَ 20 صندوق ثروةٍ سياديةٍ في العالَم حسبَ تقريرِ مؤسسة (SWF Institute):

الجدول رقم 01:أكبر 20 صندوق سياديٍّ في العالَم حسبَ تقريرِ مؤسسة (SWF Institute):

الرتبة

الدولة

صندوق الثروة السيادية

أصول الصندوق

(مليار دولار)

01

النرويج

صندوق التقاعد الحكومي

863

02

الإمارات العربية المتحدة

جهاز أبو ظبي للاستثمار

773

03

المملكة العربية السعودية

صندوق الأصول الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي

757.2

04

الصين

شركة الصين للاستثمار

652.7

05

الصين

شركة سايف للاستثمار

567.9

06

الكويت

الهيئة العامة للاستثمار

548

07

الصين

محفظة الاستثمار التابعة لمؤسسة النقد بهونغ كونغ

400.2

08

سنغافورة

شركة حكومة سنغافورة للاستثمار

320

09

قطر

هيئة قطر للاستثمار

256

10

الصين

الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي

240

11

سنغافورة

تيماسيك القابضة

177

12

استراليا

صندوق المستقبل الاسترالي

95

13

الإمارات العربية المتحدة

مجلس أبو ظبي للاستثمار

90

14

روسيا

الصندوق الاحتياطي الروسي

88.9

15

كوريا الجنوبية

شركة كوريا للاستثمار

84.7

16

روسيا

صندوق الرفاه الوطني

79.9

17

كازاخستان

محفظة الاستثمار التابعة لهيئة الأوراق المالية بكازاخستان

77.5

18

الجزائر

صندوق ضبط الموارد

77.2

19

كازاخستان

صندوق كازاخستان الوطني

77

20

الإمارات العربية المتحدة

مؤسسة دبي للاستثمار

70

 

المصدر:http://www.alborsanews.com/2015/03/17

من خلالِ الإحصائياتِ السابقةِ حولَ صناديقِ الثروةِ السياديةِ يُمكِنُ القولُ أنّه: تتمثَّلُ أهميَّتُها في كونِها أصبحتْ مؤشِّراً إيجابيّاً فعّالاً في النظامِ الماليِّ الدوليِّ؛ فهي تُقلِّلُ من انعكاساتِ الأزماتِ الماليةِ العالَميةِ على اقتصادِ الدولِ، وتعملُ أيضاً على معالجةِ الاختلالاتِ والعجزِ في الميزانيةِ العامةِ للدولةِ.

وتكمنُ أهميةُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ أيضاً في: أنّها تهدفُ إلى تمكينِ الحكوماتِ من تنويعِ الاستثماراتِ خارجَ الاقتصاداتِ الوطنيةِ، والبحثِ عن آفاقِ عائداتٍ مُثيرةٍ للاهتمامِ في أماكنَ أُخْرى وبطريقةٍ مختلفةٍ، وضمانِ المحافظةِ على الثروةِ للأجيالِ القادمةِ وتنميتِها؛حيث تلعبُ صناديقُ الثروةِ السياديةِ دوراً مُهمَّاً، ومُتشعبَّاً على الساحةِ المحليةِ والعالَميةِ؛ فهي تؤثِّرُ على الاقتصادِ والتنميةِ سواءٌ كان ذلك بـ(النسبةِ للدولِ المالكةِ لها، أو الدولِ المستقبلةِ لها)، بالإضافةِ إلى ذلك فهيَ تقومُ بِدَورٍ رئيسٍ في استقرارِ النظامِ الماليِّ العالَميِّ.

دَورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في التنميةِ:

تقومُ صناديقُ الثروة السيادية بِدَورٍ مهمٍّ في التنميةِ؛ فهي تُساعِدُ في العادةِ على تمويلِ المشاريعِ ذاتِ الشِّقَّينِ (الاجتماعيِّ، والاقتصاديِّ) والتي يُمكِنُ أن تُعزِّزَ نموَّ الناتجِ المحتملِ في الاقتصادِ المعنيِّ؛ فلها دورٌ على اقتصادِ الدُّولِ المالكةِ لها والدولِ المستقبلَةِ لها؛ حيث يُمكِنُ أن يُمارسَ التأثيرَ الموازنَ لصناديقِ الثروةِ السياديةِ بطُرُقٍ مُتنوِّعةٍ؛ فعلى المستوى الوطنيِّ أعطتْ هذه الأخيرةُ للسلطاتِ العموميةِ القُدرةَ على تسييرِ مداخلِ رؤوسِ الأموالِ مع حلِّ المشاكلِ الهيكليةِ المستمرَّة، الأمرُ الذي مكَّنَها مِن دَعمِ النموِّ الاقتصاديِّ لبعضِ الدولِ الناميةِ، أمّا على المستوى الدوليِّ؛ فبسببِ (حجمِها المعتبَرِ، واستراتيجياتِها في الاستثمارِ على المدى الطويل)، أصبحتْ صناديقُ الثروةِ السياديةِ قادرةً على توفيرِ السيولةِ والاستثمارِ "عكسَ التيارِ" لمساعدةِ الأسواقِ العالَميةِ في فتراتِ الأزمةِ الاقتصادية10 .

ويختلفُ دَورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ حسبَ (الغرضِ الذي أُسِّسَتْ من أجلِه، ونوعِها).

دَورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في تنميةِ اقتصادِ الدولِ المالكةِ لها:

يتمثَّلُ دورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في تنميةِ الاقتصادِ بالنسبةِ للدولِ المالكةِ في النقاطِ التالية:

1.   تؤدِّي دورَ الاحتياطِ بالنسبةِ للدولِ المالكةِ لها؛ وذلك بتحويلِ جُزءٍ من عوائدِها لصالِح الأجيالِالقادمةِبعدَ نُضوبِ الموادِ الأولية.

2.   سماحِها بتنويعِ مصادرِ الناتجِ المحليِّ الخامِّ بتطويرِ أنشطةٍ جديدةٍ كما هي حالُ صناديقِ (أبو ظبي، دُبيّ) بتطويرِها لـ(لسياحةِ، وصناعاتِ التسليةِ، والأنشطةِ الأُخرى المرتبطةِ بالموادِ الأولية).

3.   تقومُ بدَورٍ في توفيرِ مواردَ دائمةٍ ومنتظمةٍ للدولِ المالكةِ لها تكونُ غيرَ مرتبطةٍ بالموادِ الأوليةِ التي مهما بلغَ مخزنُها تبقى قابلةً للنُّضوب.

4.   تقومُ بِدَورٍ رئيسٍ في تغطيةِ اختلالاتِ وعجزِ الميزانيةِ العامةِ في حالةِ انخفاضِ أسعارِ الموادِ الأوليةِ كما حَدَثَ في الفتراتِ الأخيرة.

5.   المساهمةُ في تحقيقِ مَزيدٍ من الاستقرارِ الاقتصاديِّ في الدولِ المنتميةِ إليها؛ وذلك بتنويعِ الاقتصادِ بالتوسُّعِ في الأنشطةِ غيرِ النِّفطيةِ-خاصَّة بما يعملُ على تقليصِ الاعتمادِ على وارداتِ السِّلَعِ الاستهلاكية-، ومِن ثَمَّ تأثيراتِ التضخُّمِ المستوردِ.

دَورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في تنميةِ اقتصادِ الدولِ المستقبلةِ لها:

أمّا بالنسبةِ للدولِ المستقبلةِ يُمكِنُ التطرُّقِ لِدَورِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في النقاطِ التالية:

1.   المساهَمةِ في تنميةِ الدولِ المستقبلةِ لاستثماراتِ الصناديقِ؛ بتمويلِ الهياكلِ القاعِديةِ، وهذا ما دفعَ رئيسَ البنكِ العالَميِّ إلى الاقتراحِ على هذه الصناديقِ استثمارَ 1%مِن أصولِها في المؤسساتِ الإفريقيةِ بالتعاونِ مع البنك.

2.   المحافظةِ على الوظائفِ التي تُوفِّرُها الشركاتُ بدَعمِها لرؤوسِ أموالِ الشركاتِ المتعثِّرة.

3.   خفضِ نسبةِ البطالةِ في الدولِ المستقبلَة.

4.   المساهمةِ في زيادةِ تكاملِ الاقتصادِ العالَميِّ، وزيادةِ المشاركةِ، ورَبطِ المصالِح.

أهميةُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في النظامِ الماليِّ العالَميِّ:

رغمَ الدورِ الفعَّالِ لصناديقِ الثروةِ السياديةِ في تنميةِ الاقتصادِ فلا يُمكِنُ إغفالُ أهميَّتِها في النظامِ الماليِّ العالَميِّ؛ حيث استقطبَ دورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ آراءَ (متعدِّدةً، ومتضاربةً)؛ فقد أبدَت شخصياتٌ سياسيةٌ مرتبطةٌ بسلطاتِ وهيئاتِ مراقبةٍ لبعضِ الدولِ قلقلَها اتجاهَ تأثيرِ هذه الصناديقِ على الأسواقِ الماليةِ الدوليةِ؛ فقَد كان مشكوكاً فيها بشكلٍ خاصٍّ من اتِّباعِ بعض التوجُّهاتِ السياسيةِ التي مِن شأنِها تهديدَ الأمنِ الداخليِّ للدولِ، وعليه: فقَد فرضَ ناقِدُو الصناديق هذه إخضاعَ نشاطاتِ هذه الأخيرةِ إلى متطلَّباتٍ أكثرَ بخصوصِ الشفافيةِ ولإطارٍ تنظيميٍّ أكثرَ صرامةً.

وفي المقابلَ فإنّ مُؤيِّدي صناديقِ الثروةِ السياديةِ يعتبرُونها في الوقتِ نفسِه (استثماراتٍ شرعيةً، وذاتَ خِبرةٍ)؛ والتي  مصادرُ تمويلِها وحدَها تُميِّزها عن مُسيِّري الأصولِ التقليدية؛ فهُمْ يُشيرونَ لدورِها المفيد ِكـ(شركاءَ على المدى الطويلِّ، ومساهمِينَ في رأسِ أموالِ المؤسسات)، كما أظهروا أنّ المساهمةَ الحاليةَ لرؤوسِ أموالِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في الهيئاتِ الماليةِ قد قامتْ بدورٍ كعاملِ استقرارٍ لها بالمفهومِ الحركيِّ11.

إنّ لصناديقِ الثروةِ السياديةِ أهميةً كبيرةً في النظامِ الماليِّ العالَميِّ- خاصَّةً مع كِبَرِ حجمِ أصولِها-؛ فهي تقومُ بحلِّ مشكلةِ السيولةِ في الأسواقِ الماليةِ العالَميةِ؛ عن طريقِ توفيرِ رؤوسِ أموالٍ كبيرةٍ في شكلِ (استثماراتٍ، وتمويلاتٍ طويلةِ الأجلِ للمؤسساتِ والهيئاتِ التي تحتاجُ إليها)؛ وبذلك فهِي تُساهِمُ في تحقيقِ استقرارِ النظامِ الماليِّ العالَميِّ12.

ثانياً: دراسةُ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ وآثارِها:

لقد عانى الاقتصادُ العالَميُّ منذ نهايةِ سنة 2008 م أزمةً ماليةً حادَّةً هزَّتِ النظامَ الماليَّ العالَميّ واقتصادياتِ العديدِ مِن الدولِ في العالَم - خاصةً في (أمريكةَ، وأوروبةَ) ظهرتْ الأزمةُ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ وعُرِفَتْ بأزمةِ الرهنِ العقاريِّ.

تعريفُ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ وجذورها: شهدَ العالَمُ العديدَ من الأزماتِ الماليةِ منذ بدايةِ القرنِ العشرينِ، وتُعرَّفُ الأزمةُ الماليةُ على أنّها: "اضطرابٌحادٌّومُفاجئٌفيبعضِ التوازناتِالاقتصاديةِيتبعُهانهيارٌفيعددٍمنالمؤسساتِالمالية، ثمَّتمتدُّهذهالانهياراتُوالتغيُّراتُإلىالأنشطةِوالقطاعاتِالاقتصاديةِالأُخْرى"13.

تُعتبرُ الأزمةُ الماليةُ العالَميةُ الأخيرةُ، أو ما يُعرَفُ بـ(أزمةِ الرهنِ العقاريِّ) مِن أكثرِ الأزماتِ الماليةِ التي شهدَها العالَم حِدَّةً بعدَ أزمةِ الكسادِ الكبيرِ، إنّالأزمةَالماليةَالحاليةَلَمتظهرْبشكلٍواضحٍحتّىسنة 2008م؛ إلّاأنّهابدأتتتكوَّنُداخلَ الاقتصادِالأمريكيِّمنذعام2000 م؛ حيثانخفضتْأسعارُالفائدةِبشكلٍكبيرٍلتصلَإلىأقلّمن 01%، كماتزامنَذلكمعانفجارِفُقاعةِشركاتِالانترنت،ثمَّأخذتْقيمةُالعقاراتِترتفعُ،وارتفعتْ معهاأسهُمُالشركاتِالعقاريةِالمسجلَّةبالبورصةِبشكلٍمستمرٍّ-سواءٌفيالولاياتِالمتحدةِ،أوفيغيرِها مندولِالعالم-مقابلَانخفاضِالأسهُمفيالقطاعاتِالاقتصاديةِالأُخرىبمافيهاقطاعاتُ)التكنولوجيا، والاتصالاتِالحديثة)،الأمرُالذيأدّىإلىإقبالِالأمريكيين) أفراداً،وشركاتٍ)علىشراءِالمساكنِ والعقاراتِبهدفِالاستثمارِطويلِالأجلِ،وزادتوفقاًلذلكعملياتُالإقراضِمنقِبَلِالبنوكِ،وازدادَ التوسُّعُوالتساهُلُفيمنحِالقروضِالعقاريةِللأفرادِمنذَويالدخولِالمنخفضةِوغيرِالقادرينَعلى السِّدادِ،والمسمَّاةِبالقروضِ" الرديئةوذلكدُونَالتحقُّقِمِنقُدرتِهمعلىالسِّداد.

ومعبدايةِعام  م2006 وحدوثِحالةٍمنالتشبُّعِالتمويليِّالعقاريّارتفعتْأسعارُالفائدةِلتصلَإلى 25.5%،وأصبحَالأفرادُالمستفيدينَمنالقروضِمُتدَنيَّةَالجَودةِغيرَقادرينَعلىسِدادالأقساطِالمستحقَّةعليهم،وازدادالأمرُسُوءاًبانتهاءِفترةِالفائدةِالمثبتَةالمنخفضةللقروض،وازدادتْمُعدَّلاتُ حجزِالبنوكِلعقاراتِمَنلميستطيعواالسِّدادِ؛لتصلَإلىحوالَي 93 %، وفقَدَأكثرُمن2 مليونأمريكيٍّ

مِلكيَّتَهُملهذهالعقاراتِ،وأصبَحوامُكبَّلِينَبالالتزاماتِالماليةِطيلةَحياتِهم14.

أسبابُ الأزمةِ الماليةِ العالميةِ الأخيرة:

تعودُ أسبابُ الأزمةِ الماليةِ الأخيرةِ إلى مجموعةٍ من الأسبابِ نذكرُ أهمَّها في النقاطِ التالية15:

- التوسُّعِ في الائتمان: عندماتوافرتِالأموالُلدىالبنوكِالأمريكيةِفيبدايةالقرنِالحاليِّتوسَّعَتْهذهالبنوكُفيمنحِالائتمانِدونَ تطبيقِقواعدِوضوابطِمنحِالائتمانِالمعروفة.

- مَنحِ القروضِ العقاريةِ الرديئة:خلال الفترةِ 2005 م إلى غاية2008 م توسَّعَتْ شركاتُالتمويلِالعقاريِّ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةبشكلٍغيرِطبيعيٍّفيمنحِالقروضِالعقاريةِ،ورهنِالمنازلِالتي يشتريهاالأمريكيونَبقروضٍبلغتْفيبعضالحالاتِ100%منقيمةِالعقارِودونَدراسةِ التأكُّدِمنمقدرةِالمشتريعلىالسِّداد.

- المؤسساتِ الماليةِ:يُقصَدُبالمؤسساتِالماليةِ(البنوكُ،وشركاتُالتأمينِ، وشركاتُالتمويلِالعقاريِّسوق رأسالمال، وشركاتالتوريق،وشركاتِالتخصيم)، ورغمَ الدورِ الأساسِ الذي تقومُ بِه هذه المؤسساتُ الماليةُ في اقتصادِ أيِّ دولةٍ؛ إلّا أنّها لمتكنْتخضعْفيالولاياتِالمتحدةوبعضِالدولِ الأوربيةلرقابةٍكافيةٍمنالجهاتِالرقابية.

- تراجعِ الاقتصادِ الأمريكيِّ:حيث شهدَ الاقتصادُ الأمريكيُّ خلالَ الفترةِ(2000 م إلى غاية 2008  م) تراجعاً كبيراً؛ ممّا جعلَه لا يستطيعُ أن يصمدَ ليواجِهَ الأزمةَ في بدايتِها ممّا جعلَها تتفاقَمُ.

- توريقِ العُملاتِ والأسهُمِ والسنداتِ:ظهرَ في السنواتِ الأخيرةِ ما يُعرَفُ بـ(التوريق) والمقصودِ بها إصدارُ أوراقٍ أُخرى وليس أصولاً عينيةً، وهذا ما زادَ من حِدَّةِ الأزمة.

- ضَعفِ القيودِ على أسعارِ الفائدة:حيث تمَّ تحريرُ أسواقِ الائتمانِ العقاريِّ؛ الأمرُ الذي أدّى إلى زيادةِ القروضِ الأُخرى عاليةِ الخطورةِ، وبعدَ ذلك تمَّ رفعُ سعرِ الفائدةِ؛ فارتفعَتْ كلفةُ القروضِ، وأصبحَ سِدادُها أمراً صعباً، ومع امتناعِ الأفرادِ عن السِّدادِ انهارتْ أسعارُ العقاراتِ؛ ممّا أدّى إلى انهيارِ مؤسساتٍ ماليةٍ كثيرةٍ في العالَم.

- ارتفاعِ المُعاملاتِ خارجَ الأسواقِ المنظَّمة:وهي عملياتٌ خارجَةٌ عن نطاقِ التحكُّمِ؛ لأنّها لا تظهرُ في القوائمِ الماليةِ للبنوكِ والمؤسساتِ الماليةِ الأُخرى.

آثارُ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ:

أدَّتِ الأزمةُ الماليةُ العالَميةُ الأخيرةُ إلى إحداثِ آثارٍ وتداعياتٍ مسَّتِ الجوانبِ والمستوياتِ كافّةً في مختلفِ دولِ العالَم، كانت بدايةُ آثارِها على مستوى الاقتصادِ الأمريكيِّ، ثمَّ انتقلَت إلى الاقتصادِ العالَميِّ؛ فحسبَ صندوقِ النقدِ الدوليِّ انخفضَ مُعدَّلُ النموِّ العالَميِّ إلى 05% عام 2007م، وستُحاوِلُ الباحثةُ التطرُّقَ إلى أهمِّ هذه الآثارِ حولَ مختلفِ دولِ العالَم:

- حيث شَهِدَ الاقتصادُ الأمريكيُّ انكماشاً ملحوظاً على مدارِ العام 2008م،فظهرتْ هذه الآثارُ جَليَّةً في مُعدَّلاتِ البطالةِ؛ حيث وصلَتْ مُعدَّلاتُ البطالةِ إلى 6.1%، وهو المعدَّلُ الأعلى في خمسِ سنواتٍ في سبتمبر 2008م؛ حيث قامَ أصحابُ العملِ بالاستغناءِ عن ما يقرُب من 605,000 وظيفة منذ بَدءِ الشهرِ الأوَّلِ من هذا العام، وقد انعكسَت هذه الصورةُ السلبيةُ على سوقِ الأوراقِ الماليةِ في صورةِ انخفاضاتٍ حادَّةٍ في أسعارِ الأسهُمِ والسنداتِ.

- أمّا في أوروبة، فامتدَّ أثرُ الأزمةِ الماليةِ بطبيعةِ الحالِ ليشملَ الدولَ الأُخرى -وعلى رأسِها دولُ الاتحادِ الأوربيِّ-؛ حيث هبطَ الإنتاجُ الصناعيُّ الأوربيُّ في ماي 2008 م بمعدَّل 1.9%، وهو الانخفاضُ الأكثرُ حِدَّةً في شَهرٍ واحدٍ منذُ أزمةِ سعرِ الصرفِ في 1992م، وسَجّلَ الاقتصادُ الأوروبيُّ في الرُّبعِ الثاني مِن العامِ انخفاضاً قدرُه 0.2%، فعلى سبيلِ المثالِ: ارتفعتْ حالاتُ البطالةِ في الاقتصادِ البريطانيِ حسبَ إحصاءاتِ "مكتبِ الإحصاءاتِ القوميةِ إلى 904,900، بزيادةٍ حوالَي 32.500 حالة وذلك في أوت 2008م، بينما شهدَ الاقتصادُ الايرلنديُّ في الربعِ الأوَّلِ من العامِ انكماشاً في إجماليِّ الناتجِ المحلِّيِّ قدرُه 1.5%، وهى السابقةُ الأولى لها منذ عام 1983م، وكذلك انكماشاً قدرُه 0.5% في الربعِ الثاني؛ لتصبحَ بذلك أيرلندا أُولى دولِ الاتحادِ الأوربيِّ دُخولاً في الكسادِ الاقتصاديِّ. وفي أسبانيا فقد نجحَت في تجنُّبِ الانكماشِ في النشاطِ الاقتصاديِّ ولكنَّها – بالرغمِ من ذلك – قد عانتْ من ارتفاعٍ شديدٍ في معدَّلاتِ البطالةِ؛ حيث وصلتْ إلى 9.9%؛ فقد ازدادتْ حالاتُ البطالةِ في الاقتصادِ الإسبانيِّ بنحو 425 ألف حالةٍ عن العام 2007م. وانتقلتْ تلك الظواهرُ الخاصّةُ بالأزمةِ كافّةً بدورِها إلى الدولِ الأُخرى؛ مثل( بلجيكا، والنمسا، وألمانيا، والسويد، والدانمرك) وغيرهِم من الدولِ الأوروبيةِ16.

- وفي آسيا، تأثّرتْ مختلفُ الدولِ بتداعياتِ الأزمةِ الماليةِ العالَمية؛ حيث تضرَّرتِ العديدُ من الدولِ كـ(اليابانِ، والصينِ) التي تُعتبَرُ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ أهمَّ أسواقِها، كما أدّتِ الأزمةُ إلى عدمِ الثقةِ والخوفِ من انهيارٍ نقديٍّ عالَميٍّ، وأدَّتِ الأزمةُ إلى شبهِ إفلاسِ دولٍ مثل (إيسلاندا، وباكستان)17.****

- أمّا بالنسبةِ للدولِ العربيةِ فقَد تأثَّرتْ بِدَورِها بالأزمةِ؛ حيث انخفضتِ التدفُّقاتُ الاستثماريةُ للدولِ العربيةِ نحوَ 50% خلال سنواتِ الأزمةِ- عِلماً بأن هذه الاستثماراتِ تُقدَّرُ بنحْوِ 5% من التدفقاتِ الاستثماريةِ العالَميةِ المباشرةِ حسبَ بياناتِ العام 2007م، وانخفضتْ عائداتُ السياحةِ؛ حيث فقَدتْ دولُ الشرقِ الأوسطِ تدفُّقاتِ السُّيَّاحِ خلالَ العام 2009 م بنسبة 18%، كما انخفضتْ عائداتُ السياحةِ في مِصرَ(على سبيل المثالِ) بنسبةِ 17.3% في الرُّبُعِ الأوَّلِ من العامِ 2008م، أمّا بالنسبةِ لعائداتِ الصادراتِ-خاصَّة عائداتِ دولِ الخليجِ النفطيةِ وعائداتِ دولِ شمالِ أفريقيةَ العربيةِ مِن دولِ الاتحادِ الأوروبيِّ والتي تُشكِّلُ أكثرَ مِن 70% من إجماليِّ الصادراتِ، حسبَ البياناتِ؛ فقَد انخفضتْ عائداتُ الصادراتِ المغربيةِ على سبيلِ المثالِ بنحو 14% في الرُّبُعِ الأوَّلِ من العام 2009م 18.

ثالثاً: موقفُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ مِن الأزمةِ الماليةِ الأخيرةِ:

رغمَ تضارُبِ الآراءِ حولَ موقفِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ بين (مُشكِّكٍ، ومؤيِّدٍ)؛ إلّا أنّه لا يُمكِنُ إغفالُ دورِ هذه الصناديقِ في الحدِّ مِن تداعياتِ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ التي عانى منها العالَمُ في نهايةِ 2008م وأثَّرتْ على مختلفِ دولِ العالَمِ وعلى النظامِ الماليِّ العالَميِّ.

مُساهمةُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في إعادةِ رسملةِ مختلفِ البنوكِ العالميةِخلالَ الأزمةِ الماليةِ العالمية: لقدساهمتِالصناديقُالسياديةُفيإعادةِرسملةِالمؤسساتِالماليةِالمتعثِّرةِ، ويُمكِنُ توضيحُ ذلك مِن خلالِ الجدولِ التالي:

الجدول رقم 02:إعادةُ رسملةِ البنوكِ مِن طرفِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ:

البنك

أصل البنك

اسم صندوق الثروة السيادية

أصل صندوق الثروة السيادية

التاريخ

المبلغ

(مليار دولار)

باركلايس

بريطاني

تيماسك

سنغافوري

25/07/2007

2.05

باركلايس

بريطاني

بنك التنمية الصيني

صيني

25/07/2007

3.08

باركلايس

بريطاني

هيئة الاستثمار القطرية

قطري

31/10/2008

6.94

باركلايس

بريطاني

هيئة الاستثمار القطرية

قطري

31/10/2008

4.84

سيتي غروب

أمريكي

هيئة الاستثمار أبو ظبي

إماراتي

26/11/2007

7.5

سيتي غروب

أمريكي

شركة الاستثمار الحكومية لسنغافورة

سنغافوري

15/01/2008

6.9

سيتي غروب

أمريكي

هيئة الاستثمار الكويتية، الوليد بن طلال

كويتي

15/01/2007

5.6

القرض السويسري

سويسري

هيئة الاستثمار القطرية وآخرون

قطري

16/10/2008

8.71

ميريل لينش

أمريكي

تيماسك

سنغافوري

24/12/2007

4.4

ميريل لينش

أمريكي

- شركة الاستثمار الكورية.

- هيئة الاستثمار الكويتية

- كوري.

- كويتي

15/01/2008

6.6

ميريل لينش

أمريكي

تيماسك

سنغافوري

24/02/2008

0.6

ميريل لينش

أمريكي

تيماسك

سنغافوري

28/07/2008

0.9

مورغان ستانلي

أمريكي

شركة الاستثمار الصينية

صيني

19/10/2007

5.58

يوبي إس

سويسري

شركة الاستثمار الحكومية لسنغافورة

سنغافوري

10/12/2007

9.75

يوبي إس

سويسري

صناديق غير محددة

شرق أوسط

10/12/2007

1.77

يوني كريدي

إيطالي

البنك المركزي الليبي، هيئة الاستثمار الليبي، بنك ليبيا الخارجي

ليبي

17/10/2008

1.61

المجموع

76.83

 

Source : Banque de France, Bilan et perspective des fonds souverains, focus N°01, 28 novembre 2008, P 13.

يُمكِنُ- من خلالِ الجدولِ أعلاهُ- ملاحظةُ أنّه فيظرفِستَّةِأشهُرٍ من بدايةِ الأزمةِ استثمرتْصناديقُ الثروةِ السياديةِماقِيمتُه76.83 ملياردولارفيرأسمالِالمؤسساتِالماليةِ الغربيةِ، ومساعدةِ البنوكِ العالَمية من الإفلاسِ.

دَورُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ في الحدِّ من آثارِ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ:

تقومُ الحكوماتُ بتأسيسِ صناديقِ الثروةِ السياديةِ بهدفِ (توفيرِ أو استثمارِ) فوائضِها الماليةِ، وقد قامتْ هذه الصناديقُ بِدورٍ كبيرٍ في التخفيفِ من آثارِ الأزماتِ الماليةِ عبرَ ضخِّ استثماراتٍ في مشروعاتِ البِنيةِ الأساسيةِ، ودعمِ الموازناتِ، ومنعِ أسواقِ المالِ المحليةِ من الانهيارِ، كما ساعدتْ في التخفيفِ مِن آثارِ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ بضخِّ استثماراتٍ ضخمةً في سنداتِ البلدانِ التي تأثَّرتْ من هذه الأزمةِ19.

وبرزتْ أهميةُ صناديقِ الثروةِ السياديةِ بعدَ عُزوفِ العديدِ من البنوكِ الكبيرةِ في العالَم عن (الإقراضِ، أو رفعِ الفائدة)؛ ممّا جعلَ هذه الصناديقَ تزدادُ، وتتَّجِهُ نحوَ الاستثمارِ في العقاراتِ والطاقةِ والمؤسساتِ الصناعيةِ الكُبرى وكذلك البنوك، بعد أن كانتْ ترُكِّزُ استثماراتِها في مجالِ الأسواقِ الماليةِ فحسب؛ وذلك للتقليلِ من آثارِ الأزمةِ الماليةِ العالميةِ الأخيرةِ، وتُساهِمُ في استقرارِ النظامِ الماليِّ العالَميّ20 .

فلقد استثمرتْ صناديقُ الثروةِ السياديةِ أكثرَ من 85 مليار دولار خلالَ عاميّ(2007 و2008)م في مُساعَدةِ وتمويلِ المؤسساتِ الماليةِ المختلفةِ في البلدانِ المتقدمةِ؛ وذلك جرَّاءَ انعكاساتِ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ التي مسَّتِ الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ، ثمّ انتقلتْ إلى مختلفِ دولِ العالَمِ21.

وفيظلِّالأزمةِلمتتَّجِهالصناديقُالسياديةُإلىالاستفادةِمِنفرصةِتدهورِالأصولِفيالدولِ الصناعيةِ؛-بلعلىالضد من ذلكَ- فقَد أعادَالكثيرُمنهاتوجيهَأموالِهنحوَ(توظيفِها بأقلِّمخاطرةٍ،أوتحويلِها إلىأسواقِها المحلية)، وهذابسببِضَعفِالأداءِفيالدولِالصناعيةِ من جهةٍ،ولاحتياجاتِالتمويلِالمتزايدةِفيدولِهاالأصليةِ بفعلِالأزمةِ من جهةٍ أُخرى؛ فلقَدعملتْصناديقُ كلٍّ من  (قَطر،الكويتِ،روسية)علىدعمِأسواقِهاالماليةِالمحليةِ وهذامادفعَإلىالاهتمامِبدورِهذهالصناديقِفيالأسواقِالماليةِالعالَميةِ؛حيثتزايدَ ذلكبتفاقمِأزمةِالرهنِ العقاريِّفي سنة2008م.

والملحوظُ أيضاً على صناديقِ الثروةِ السياديةِ أنّه خلالَ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ الأخيرةِ