العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

للباحثين‬‬‬ في الاقتصاد الإسلامي

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

››ببليوغرافيا:

إنّ ممّا يلفتُ نظرَ الباحثِ عنايةَ البعضِ بالمخطوطاتِ؛ كـ (عناوينِها، أماكنِ وُجودِها، وانتقالِها مِن مكانٍ لآخَرَ في مكتبات العالم)، كما يلفتُ نظري شخصٌ التقيتُه يحفظُ بضعَةَ أبياتٍ مِن الشعرِ يقول أنّها كُتِبَتْ على غلافِ إحدى المخطوطاتِ النادرةِ في "فاس" ونحوِ ذلك، خَلَتْ مِن أيِّ معنى مُفيدٍ سِوى ما ذُكِرَ.

وأيضاً بين الحينِ والآخَر يلفتُ نظري باحثٌ يحفظُ أسماءَ بعضِ الكتبِ المؤلَّفةِ في مجالِ الاقتصادِ عن (نهايةِ العالَم، ونهايةِ أمريكة، وانهيارِ الاقتصادِ الرأسماليِّ، وحجْمِ الفقرِ في العالَم) ونحوِ ذلك.

لقد قيَّمْتُ هذه "الظاهرةَ المعرفيةَ" مع أحدِ الأساتذةِ في فترةٍ مُبكرةٍ من مسيرَتي العلميةِ؛، فكان له رأيٌّ آخرُ عندما قال: "اهتَمّْ بالعِلمِ.. كثيرٌ من هؤلاءِ يَعرِفُونَ العناوينَ وَهُمْ أشبهُ بالببليوغرافيا"، يقصدُ (قائمةَ المصادرِ، أو فِهرسَ المراجعِ).

أجل: فقَد أعطاني هذا التقييمُ الفرصةَ لتقييمِ أيِّ ظاهرةٍ معرفيةٍ من حيثُ مدى تحقيقِها للقيمةِ المضافةِ.

مِن المهمِّ للباحثِ أن يعرفَ على وجهِ الدِّقَّةِ (الأسماءَ، والكتبَ، والجِهاتِ الموثوقِ بها في التخصص)؛ لِتكونَ مَرجِعاً آمناً للبحثِ العلميِّ؛ لكنْ ليس مِن المهمِّ إطلاقاً أن يكونَ الباحثُ نسخةً من "أمينِ المكتبةِ".

قد يقعُ الباحثُ الجديدُ ضحيَّةً لبعضِ (الأسماءِ، والمصادرِ، والجهاتِ غيرِ الموثوقِ بها علمياً)، أو (أنّها على الأقلِّ لا تُحقِّقُ القيمةَ المضافةَ من الناحيةِ العلميةِ)، وقبلَ أن يُضيعَ وقتَه وعُمُرَهُ عليه أن يتنبَّه ويبذلَ جهدًا أكبرَ لتوثيقِ تلك الأسماءِ من أهلِ التخصُّصِ المعتبَريِنَ.

››التناسقُ بين المَراجعِ والمعلوماتِ:

تُوثَّقُ المعلومةُ المحاسبيةُ مِن مَرجعٍ في المحاسبةِ، وكذلك المعلومةُ الاقتصاديةُ مِن مَرجعٍ في الاقتصادِ، وكذلك الفقهيةُ من مرجعٍ في الفقهِ، والمصرفيةُ من مرجعٍ في المصارفِ. وإذا كنّا نتحدَّثُ عن الجانبِ الإسلاميِّ ممّا ذُكِرَ فتوثَّقُ المعلومةُ من مرجعٍ في (المحاسبةِ الإسلاميةِ، أو الاقتصادِ الإسلاميِّ، والمصارفِ الإسلاميةِّ)، ولا يَصحُّ توثيقُ المعلوماتِ المحاسبيةِ والمصرفيةِ التقليديةِ من مَرجعٍ ذي تخصُّصٍ إسلاميٍّ. هذا التناسقُ بين المعلومةِ والمصدرِ مُهِمٌّ جِدّاً، ويدلُّ على فهمِ الباحثِ ووعيهِ للتخصُّصاتِ المختلفةِ والمؤلِّفينَ وتخصُّصاتِهم.

››التناسقُ بين معلوماتِ الفصولِ:

يجبُ عند كتابةِ منهجيةِ تقسيمِ الفصولِ في الرسائلِ العلميةِ مراعاةُ أمرينِ:

الأوّل: التوازنُ بين أحجامِ الفصولِ؛ فلا يصحُّ أن يكونَ في الرسالةِ فصلٌ من مائةِ صفحةٍ، وآخرُ من خمسينَ صفحة مثلًا.

الثاني: التناسقُ في منهجِ البحثِ بين الفصولِ؛ فَلَو كنتَ تتحدَّثُ عن دورِ الماليةِ الإسلاميةِ في تلبيةِ احتياجاتِ الاقتصادِ مثلاً فأنتَ تتناولُ (المصارفَ، والتأمينَ، والصناديقَ) على أقلِّ تقديرٍ ما لم تُخصِّصْ. وعندَ المناقشةِ لكُلِّ فَصلٍ أنتَ تتحدَّثُ عن دورِ المصارفِ في تلبيةِ احتياجاتِ قطاعِ (الأفرادِ، والشركاتِ، والحكومةِ) مثلًا. وعليك أن تُتابِعَ بهذه الطريقةِ في الفصولِ الأُخْرى، ولا يَصحُّ أن تقتصِرَ في التأمينِ على دورِ شركاتِ التأمينِ في تلبيةِ احتياجاتِ (الأفرادِ، والحكومةِ) دونَ الشركاتِ. وهكذا في الصناديقِ.

››مشكلةُ البحثِ:

قد يخلو تأليفُ كتابٍ تعليميٍّ من مشكلةٍ بحثيةٍ ظَاهِراً؛ لكنَّه في الحقيقةِ ينطلقُ مِن مشكلةٍ مُهمّةٍ ألا وهِيَ (تبسيطُ العلمِ، وتقديمُه بشكل وافٍ لِكُلِّ المعلوماتِ التي تخصُّ العلمَ كمّاً دونَ نُقصانٍ، وبأسلوبٍ مُبسَّطٍ و مفهومٍ دونَ استشكالٍ، وبِلُغةٍ دقيقةٍ دون خطأٍ، وبمعلوماتٍ مُعمَّقةٍ دون تسطيحٍ، وبمواكبةٍ للمستجدّاتِ بشكلٍ دقيقٍ دونَ أعذارٍ أو استدراكاتٍ)، يُغلِّفُ هذا كلَّه أمرانِ: (غيابُ الحشوِ واللَّغوِ، وعدمُ التكرارٍ). هذه مشكلةٌ بحثيةٌ مُهمَّةٍ ينطلقُ منها تأليفُ مادَّةٍ (علميةٍ تعليميةٍ، أو تدريبيةٍ).

أمّا البحثُ العلميُّ المقدَّمُ لـ(مؤتمرٍ، أو ترقيةٍ، أو درجةٍ علميةٍ) كـ(الماجستيرِ، والدكتوراة) فاتِّصافُه بِما ذُكِرَ شرطٌ ضروريٌّ لكنّه غير ُكافٍ؛ لأنّه ليس بكتابٍ تعليميٍّ فلا تأخذُ الكتابةُ صِفةَ "البحثِ العلميِّ"؛ إلّا إذا انطلقَ الباحثُ من مشكلةٍ تُمثِّلُ "جوهرَ البحثِ" وهِيَ باختصارٍ السؤالُ الجوهريُّ الذي تدورُ حولَه الفصولُ بغرضِ الوصولِ إلى "نتيجةٍ مُحدَّدةٍ" تتضمَّنُ إجابةً له، ولا بأسَ بإلحاقِ المشكلةِ بـ(فرْضيةٍ وفُروضٍ).

أمّا الفرْضيةُ فهي صورةٌ متوقَّعةٌ للنتائجِ، وسيجْري (اختبارُ صِحَّتِها، أو عدمِ صحَّتها) من خلالِ البحث. والفروضُ المسلَّماتُ البحثيةُ التي سيتجنَّبُ البحثُ تناوُلَها لـ(تضييقِ نطاقِ البحثِ، والتفرُّغِ للتعمُّقِ في مناقشةِ المشكلةِ).

فَلَو كنتُ أتحدَّثُ عن "رِبويّةِ النقودِ الورقيةِ" مثلًا؛ فالمشكلةُ هي: هل النقودُ الورقيةُ من الأموالِ الربويةِ؟

والفرْضيةُ التي نهدفُ لاختبارِها هي؛ النقودُ الورقيةُ ليستْ ربويةً، والفصولُ ستدورُ حولَ السؤالِ بهدفِ اختبارِ الفرضيةِ، والنتيجةُ ستكونُ بـ(الإثباتِ، أو النفيِّ) للفرضيةِ، والتوصُّلُ إلى أنّ: (النقودَ الورقيةَ من الأموالِ الربويةِ). والفروضُ مثل: اعتبارِ القياسِ؛ فالبحثً لن يناقشَ مسألةَ الخلافِ في هذه المسألةِ، وهكذا.

››التنوُّعُ والإثراءُ المَرجعيُّ:

تنوُّعُ الوعاءِ المرجعيِّ مُهمٌّ في البحثِ العلميِّ؛ فـ*لا يصحُّ نقلُ الصفحاتِ تِلْوَ الصفحاتِ مِن مَرجعٍ واحدٍ في موضوعٍ ما، ثمَّ الانتقالُ لموضوعٍ آخرَ ومَرجعٍ آخَر، فيبدو الأمرُ تلخيصاً للمعلوماتِ، وليس بحثاً علميّاً. *البحثُ العلميُّ عَرْضٌ لِفكرةٍ من صُنعِ الباحثِ (صياغةً، وتحليلًا، وترتيبًا) يتخلَّلُها نصوصُ تدعمُها، وليس نصوصاً منقولةً يجري الربطُ بينها. *لا يصحُّ تكرارُ الاستشهادِ من مَرجعٍ واحدٍ في موضوعٍ ما، وكأنّه المرجِعُ الوحيدُ في هذا الموضوعِ؛ بل لا بُدَّ من عرضِ الفكرةِ من عدَّةِ مراجعَ، ومِن ثَمَّ ذِكْرُ ما اختصَّ به كلُّ مُؤلِّفٍ من رأيٍّ؛ فإذا ما كنتَ تتحدَّثُ في الوساطةِ الماليةِ الإسلاميةِ فلا بُدّ أن تتناولَ فكرةُ الوساطةِ التقليديةِ من عدَّةِ مراجعَ تقليديةٍ، ثمَّ فكرةُ الوساطةِ الإسلاميةِ من عدَّةِ مراجعَ إسلاميةٍ، ثمّ تنتقلُ لاختلافاتِ الباحِثينَ في رسائلهِم  حول الوساطةِ، أمّا إذا أصبحتَ أسيراً لمرجعٍ واحدٍ يتناولُ الوساطةَ وتنقلُ منه كلَّ ما ذُكِرَ آنفًا فأنتَ مُلَخِّصٌ لبَحثِه ولستَ باحِثًا. *مهما أعجِبتَ بباحثٍ فلا تكُنْ أسيرًا له، ومهما عظُمَ شأنُ مرجعٍ أو باحثٍ في عينكَ فليس هو سِوى رأيٍّ في (عَرْضِكَ البحثيِّ) يتوازى مع الآراءِ الأُخرى؛ من حيث (العرضُ، والتحليلُ، والمناقشةُ)، ولا يصحُّ أن تدَّعي بأنّه المرجعُ الوحيدُ؛ لأنّ مراجِعَه على الأقلِّ شاهدةٌ على خلافِ ادّعائِك.

››العودةُ للمَرجعِ الأصلِ ضرورةٌ بحثيةٌ:

لفتَ نظري قولُ أحدِ الباحثينَ: إنّ القانونَ الفُلانيّ نصَّ في مادَّتِه رقْم كذا على كذا، فعُدْتُ فلمْ أجِدْ شيئًا تحتَ رقمِ المادةِ، وتتَبّعتُ موادَّ القانونِ كاملةً ولم أجِدْ ما ذَكَرَهُ الباحثُ؛ ولكنّ الباحثَ مضى لبناءِ رأيهِ على ما ذَكَرَ. *العودةُ إلى المصادرِ الأصليةِ ضرورةٌ للباحثِ.* النقلُ عن الناقِلينَ نقطةُ ضَعْفٍ في البحثِ والباحثِ، ولا ينبغي اللجوءُ إليه إلّا عند الضرورةِ.

››القيمةُ المضافة:

إنَّ الوصولَ إلى حاجزِ القيمةِ العلميةِ المضافةِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ ليس سهلاً؛ فـ*العديدُ من الأعمالِ المتميِّزةِ تقتصِرُ آثارُها العمليةُ على أن تكونَ نسخةً في قائمةِ الأبحاثِ المتميِّزةِ.* القيمةُ الحقيقيةُ المضافةُ مرحلةٌ متقدِّمةٌ من وعي الباحثِ بالفجواتِ العلميةِ في بِنيةِ الاقتصادِ الإسلاميِّ (نظريّاً، وتطبيقيّاً)، وتركيزِ العطاءِ العلميِّ في سدِّ تلك الفجواتِ، وفقَ منهجيةٍ تُحدِثُ موجةً من التغييرِ على مستوى البحثِ العلميِّ، وتجذبُ الباحثينَ للعملِ في إطارها. ربّما تبدو الكلماتُ صعبةً؛ لكنَّها هاجسُ اليومِ والغدِ، وهي فرصةٌ للعطاءِ المستمرِّ الذي لا ينقطعُ.

1-    أين القيمةُ المضافةُ العلميةُ الحقيقيةُ في بحثِ (ماجستير أو دكتوراة) في عناوينَ مثل هذه.. ؟

(‌أ)        المصارفُ الإسلاميةُ.

(‌ب)    صناديقُ الاستثمارِ الإسلامية.

(‌ج)     صكوكُ الاستثمارِ الإسلامية.

(‌د)       فقهُ المعاملاتِ الماليةِ الإسلاميةِ.

(‌ه)      صيغُ التمويلِ الإسلاميةِ.

(‌و)       عقودُ البنوكِ الإسلاميةِ.

(‌ز)       بطاقاتُ الائتمانِ الإسلاميةِ.

(‌ح)     التأمينُ الإسلاميُّ.

(‌ط)     المرابحةُ للآمرِ بالشراءِ.

(‌ي)     الإجارةُ المنتهيةُ بالتمليكِ.

(‌ك)      الاستصناعُ.

(‌ل)      السلَمُ.

(‌م)       الإجارةُ الموصوفةُ في الذِّمَّةِ.

(‌ن)      الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ.

(‌س)    المشاركاتُ في فِقهِ المعاملاتِ المعاصِر.

(‌ع)     المدايناتُ في فقهِ المعاملاتِ المعاصِر.

(‌ف)   الشركاتُ المساهمةُ.

(‌ص)   الخدماتُ في البنوكِ الإسلاميةِ.

(‌ق)     عقودُ الاستثمارِ في البنوكِ الإسلاميةِ.

(‌ر)       الإجارةُ الموصوفةُ في الذِّمَّةِ.

(‌ش)    مقاصدُ الشريعةِ في المعاملاتِ الماليةِ.

وهكذا فإنّ القائمةَ تطولُ، والمشاهداتُ تُؤيِّدُ استمرارَ الاختياراتِ البحثيةِ في هذا الاتجاهِ.

 

2-    الكتابةُ في مِثْلِ هذه الموضوعاتِ قبلَ (ثلاثينَ سنةٍ، أو عشرينَ سنةٍ) ربّما قدَّمَ قيمةً مضافةً نسبيّاً، وهو في الحقيقةِ لا يُقدِّمُ القيمةَ العلميةَ المضافةَ المنشودةَ؛ وإنّما يبدو أقربَ إلى التأليفِ، وجمعِ (الأبوابِ، والفصولِ، والمسائل المتفرقاتِ في الموضوعِ) في عناوينَ تبدو برَّاقةً لِجِدَّتِها.

3-       لكنْ قبلَ(10 سنوات أو 15 سنة) تقريباً لم تَعُدْ تُمثِّلُ هذه العناوينُ أيَّ قيمةٍ علميةٍ مضافةٍ؛ فقَد أصبحَ  داخلَ كُلِّ عنوانٍ مِمّا ذُكِرَ أعلاه عشراتُ (المسائلِ والمشكلاتِ) التي تنتظرُ (البحثَ والإثراءَ)، ويُعَدًّ بحثُها مستقلَّةً قيمةً مضافةً حقّاً. ولكنْ ويا للأسف ما زلْتُ أرى الكثيرَ من العناوينِ المسجلَةِ في أبحاثِ (الماجستيرِ، والدكتوراة) هي مِن نوعِ العناوينِ المذكورةِ أعلاهُ.

4-    أحياناً يكونُ للبيئةِ المحيطةِ دورٌ في ذلكِ؛ لكنْ لا ينبغي الخضوعُ للبيئةِ؛ فعلى سبيلِ المثالِ: تُعتبرُ مِصرُ مَهْدَ انطلاقةِ أوّلِ تجربةٍ في البنوكِ الإسلاميةِ؛ متأخِّرةً نسبيّاً في مجالِ المصرفيةِ الإسلاميةِ بالمقارنةِ بمنطقةِ (الخليجِ، وماليزيا، والسودانِ، والأُردنَّ، وسورية) لكن لا يعني هذا أنْ يبدأ الباحثونَ في (الماجستيرِ، والدكتوراةِ) بِمُجاراةِ البيئةِ المتأخِّرةِ نسبيّاً؛ بل لا بُدّ أن يُواكِبُوا البحثَ العلميَّ دونَ النظرِ للحدودِ الجغرافيةِ، وقد رأيتُ ملامحَ هذا التحدِّي في بعضِ بلادِ المغربِ العربيِّ؛ فرغمَ تأخُّرِ ظهورِ البنوكِ الإسلاميةِ في تلكَ البلادِ فهُناك كثيرٌ من الشواهدِ على أنّ البحثَ العلميَّ يتَّسِمُ بالمواكَبةِ لعَددٍ من المسائلِ الدقيقةِ.

5-    وهناك بديلٌ آخرُ لأبحاثٍ تُحقِّقُ القيمةَ العلميةَ المضافةَ في البيئاتِ التطبيقيةِ المتأخِّرة نسبيَّاً؛ مثل: البحثِ في (العوائقِ، والأسبابِ، ومناقشتِها)؛ فمَثلًا في مصرَ: يمكنُ أن ينصبَّ البحثُ على مناقشةِ فتوى شيخِ الأزهر الدكتور "سيّد طنطاوي"، وكذلك مجمعِ البحوثِ بـ"إباحةِ الفائدةِ المصرفيةِ"؛ من حيث مصداقيتُها من الناحيةِ (القانونيةِ، والشرعيةِ، والواقعيةِ)، ومن حيث أثرُها على فاعليةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ في مِصرَ وجدوى إقامتِها في بيئةٍ شرعيةٍ رسميةٍ تُبيحُ الرِّبا تحتَ مظلَّةِ تصوُّراتٍ خاطئةٍ. وفي المغربِ العربيِّ مثلاً: يجب أن تُواكبَ الأبحاثُ التمهيدَ لإصدارِ القوانينِ، وكذلك الحلولَ للمُعضِلاتِ التي تواجهُ المصرفيةَ الإسلاميةَ في الشرقِ وماليزيا؛ لئلّا تتكرَّرَ السلبياتُ.

››السَّردُ لا يُثْمِرُ عِلماً ولا يُنتِجُ فنّاً:

تُطالِعُنا بينَ الحينِ والآخَر منشوراتٌ من نوعِ السَّردِ، وربّما يتناقلُها الباحثونَ دونَ قراءتِها، ومِن آخر هذه المنشوراتِ قائمةُ البيوعِ المحرَّمةِ والمحرَّماتِ. وهذه المنشوراتُ لا نفعَ فيها؛ لأنّه لا تعودُ إلى منظومةٍ منهجيةٍ، كما لا تُفرِّقُ بين المختلفِ فيه وتخلو مِن التوثيقِ. الأحرى بطلبةِ العلمِ والباحثينَ الكلامُ في التأصيلِ والتفريعِ على الأصولِ لا في السَّردِ؛ فـ"البحثُ المسرودُ ليسَ بعِلْمٍ، ولا يتحصَّلُ بها عِلْمٌ ولا فَنٌّ".

››إقرأ مِن الآخَر:

ينتابُ الباحثَ في كثيرٍ من الأحيانِ همُّ البدايةِ من الأوَّل؛ فإذا قُدِّمَ إلى أمرٍ مثل البنوكِ الإسلاميةِ أرادَ أن يقرأَ أوّل مَن نادى بها، وأوّل بحثٍ فيها، وإذا جاءَ لكتابٍ أرادَ أن يبدأَ مِن أوَّلِه ويَعُدَّ العُدَّةَ لذلك، وفي هذا ربّما مُضيِّعةً للأوقاتِ دونَ تحصيلِ المرادِ، وبالتالي فإنّ مِن فنونِ القراءةِ والتحصيلِ السريعِ أن تبدأ في كلِّ شيءٍ مِن الآخَر، ومِن ثمَّ تعودُ للأوَّلِ.

 وعلى سبيل المثالِ: يُمكِنُكَ أنْ تقرأ الكتابَ والبحثَ مِن (فِهرسِه، ثُمّ خاتمتِه، ثمَّ مُلخَّصِه، ثمَّ مُقدِّمتِه) وقد (تُكْمِلُه، أو تهملُه، أو تقرأُ بعضَ فصولِه)، ويمكنُك أن تطَّلِعَ على البنوكِ الإسلاميةِ مَن أحدثَ مقالٍ لباحثٍ موثوقٍ به، ثمَّ تعودُ وحسبَ السَّعةِ في الوقتِ لِتطلِّعَ على أعمالِ الأولين. هذه طريقةٌ تصدُقُ على كثيرٍ من مناشطِ الباحِثينَ.

››لا قيمةَ للتشجيربدون ‏توني بوزان:

تطالِعُنا بين حينٍ وآخرَ صُورٌ تُلخِّصُ العلومَ بطريقِ التشجيرِ، وبعضُها يُلخِّصُ بعضَ المعلوماتِ عن الاقتصادِ والبنوكِ الإسلاميةِ، وأغلبُ هذا التشجير ِكما لو أنّه "ينسَبُ الابنَ لِغَيرِ أبيهِ". هذا النوعُ مِن التشجيرِ (لا قيمةَ له، لا يُفيدُ في التعلُّمِ وفي اختصارِ المعلومة، ولا في سُرعةِ إيصالها). ومسألةُ الألوانِ والخطوطِ شكلٌ لا يُضيفُ شيئًا للمضمونِ(حسبَ وجْهةِ نظرِ الكاتب). التشجيرُ طِبقًا لـ"بوزان" يبدأُ مِن أصلٍ يتفرَّعُ منه فروعٌ ذاتُ صلةٍ، ثمَّ مِن كلِّ فرعٍ فُروعٌ ذاتُ صلةٍ؛ فإنْ لم يكنِ الفرعُ ذا صلةٍ وَجَبَ حَذْفُه. مَن لم يقرأْ "توني بوزان" مِن قبلُ فليقرأْ له الخريطةَ الذهنيةَ عاجلاً غيرَ آجلٍ.

››الربطُ المنطقيُّ والعلميُّ بينَ فصولِ البحثِ:

كثيرٌ مِن الرسائلِ العلميةِ في (الماجستير، والدكتوراة) تبدو فُصولُها ومباحثُها غريبةً عن بعضِها، يجبُ أن يكونَ العنوانُ أباً شرعيّاً لكلِّ الفصولِ مِن أوَّلِ الرسالةِ إلى آخِرها، كما يجبُ أن يكونَ كلُّ فصلٍ أباً شرعيّاً لِمباحثِه، ثمّ كلُّ مبحثٍ أباً شرعيّاً لِمطالبِه، ثمّ المطلبُ أباً شرعيّاً لفروعِه. ويجبُ على الباحثِ أن يُمارِسَ تحديّاً مِن نوعٍ خاصٍّ؛ ألا وهو التضحيةُ بأيِّ (فصلٍ، أو مبحثٍ، أو مطلبٍ، أو فرعٍ) لا يصلحُ أن يكون ابناً شرعياً للأصلِ المنسوبِ إليه. راجع "توني بوزان" قبل أن تضيعَ المزيدَ من الوقتِ ستجدُ أنّ "توني بوزان" بسيطاً؛ لكنّه يمنَحُكَ فنَّ تنظيمِ كلِّ أعمالِكَ البحثيةِ بسهولةٍ. تحتاجُ أن تكونَ أعمالُكَ البحثيةُ نُزْهَةً وليس تحدِّيّاً كالتسلُّقِ على جدارٍ مرتفعٍ من الرُّخامِ. لا بُدّ أن يكونَ الطريقُ مفتوحاً دائماً. وتذكّرْ أنّ:"العقلَ المنظِّمَ هو الذي يفتحُ الطريقَ".

››استثمِر الوقتَ في التعرُّفِ على الواقعِ:

كثيرٌ مِن الجَدَلِ بين طلبةِ العلمِ والباحثينَ إنّما يكونُ في القضايا النظريةِ، وإذا وقعتِ النازلةُ عادوا للجدلِ حولَ القضايا النظريةِ؛ فهيَ لم تُحْسَمْ عِندَهُم. وفي أغلبِ الأحوالِ يكونُ  تصوُّرُهُم للواقعةِ لا يتجاوزُ 10% من تفاصيلِ الواقعةِ، و هذا ليس على مستوى الاقتصادّ الإسلاميِّ والبنوكِ الإسلاميةِ فحسب؛ فلو أنَّ الباحثَ (اغتنمَ وقتَه، واستفرغَ جهدَه) في مسألةٍ واقعيةٍ؛ لحازَ السبْقَ، وفازَ بسَعةِ الاطلاعِ، ورُزِقَ (حُسْنَ الفَهْمِ، وسَدادِ الرأيِّ، وبُعْدِ النظرِ، ودِقَّةِ التوجيهِ). فعلى سبيلِ المثالِ: لو أرادَ باحثٌ ما أن يتناولَ (صكوكَ الإجارةِ المنتهيةِ بالتمليكِ) فالأولى به والأجودُ أن يُخصِّصَ بحثَه في (صكوكِ الإجارةِ المنتهيةِ بالتمليكِ في ماليزيا: دراسةٌ فِقهيةٌ). وهكذا، فعلينا جميعاً اغتنامُ جُلِّ أوقاتِنا في (التعرُّفِ على الواقعِ؛ لِتصوره جيِّداً، وفَهمِه؛ ومِن ثَمَّ للحكمِ عليه). فـ"الحُكْمُ على الشيءِ فرَعٌ عن تصوُّرِه".أما عندما نضيع أوقتنا في كثير من الجدل العقيمِ على المستوى النظريِّ البحت بلا أيِّ تطبيقٍ واقعيٍّ فينتابُنا الكثيرُ مِن الضَّعفِ، وتصبحُ علومُنا غيرَ نافعةٍ ولا مُثمرةً.

››منهجيةُ النظرِ في الاقتصادِ الإسلاميِّو‏فِقْهِ المُعاملاتِ:

يَعتمدُ تناسقُ منهجيةِ النظرِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ وفقهِ المعاملاتِ على ثلاثِ قواعدَ:

1-    "لا مُعاوضةَ على الالتزامِ مُجرَّداً"؛ فلا يجوزُ الأجرُ على التعهُّداتِ مطلقًا، كـ(التعهُّدِ بالاكتتابِ، أو الكفالةِ، أو ضمانِ رأسِ مالِ "المضاربةِ، والمشاركةِ، والوكالةِ من طرفٍ ثالثٍ"، والاختياراتِ في البورصاتِ).

2-    "لا معاوضة على الزمنِ مُجرَّداً"؛ فلا يجوزُ العائدُ على مدِّ (أجَلِ الدَّينِ أو المؤجَّلِ)، والحطيطةِ بالشرطِ.

3-    "لا معاوضةَ على الخطرِ مجرَّداً"؛ فلا يجوزُ العائدُ من (القِمار، والرِّهان) ونحوه؛ مثلِ: (العائدِ من بيعِ المعدومِ، والمجهولِ، وغيرِ المقدورِ على تسليمِه) للغَرَرِ وهو نوعٌ مِن القِمار.

››ماذا تعني ‏خاتمةُ البحثِ؟

يَختزِلُ بعضُ الباحثينَ الخاتمةَ حتى لا تفي بشيءٍ، وتأتي في صورةٍ تشَوِّهُ العملَ البحثيَّ، وتُبدِّدُ جهدَ الباحثِ، وتنقصُ من قيمتِه العلميةِ فيذهبُ العملُ هباءاً منثوراً . يجبُ أن تشتمِلَ الخاتمةُ على أمرينِ:

1 - مُلخَّصٍ تفصيليٍّ للبحثِ وحسبَ تسلسلِ الفصولِ.

2- النتائجِ التي توصَّلَ الباحثُ إليها؛ بحيث تُغني عن قراءةِ البحثِ.

 كما لا يُنْصَحُ بالتوصياتِ في أيِّ بحثٍ علميٍّ؛ لأنّها من طبيعةِ (المؤتمراتِ، والندواتِ) لا الأبحاثَ العلميةَ؛ فلا يُلزِمِ الباحثُ نفسَه بذلك، وإنْ وَجَدَ حاجةً ملِحَّةً من خلالِ وقوفِه الدقيقِ على الموضوعِ فلتكُنْ مُقتَرَحاتٍ.

››ماذا يعني ‏مُلَخَّصُ البحثِ؟

إنّ بعضَ الباحِثينَ يجعلُ من الملخَّصِ قِصَّةً ولُغزًا. الملخَّصُ يجب أن لا يتجاوزَ 33% من صفحة البحثِ بحجمِ خطٍّ عاديٍّ. ويتضمَّنُ بشكلٍ مباشرٍ هدفَ البحثِ، ومنهجَه في تحقيقِ هذا الهدف، والنتيجةُ الرئيسةُ التي توصَّلَ إليها؛ بحيث يضعُ القارئُ في مضمونِ البحثِ بشكلٍ جوهريٍّ.

››ماذا تعني ‏مقدِّمةُ البحثِ؟

تُعدَّ مُقدِّمةُ البحثِ إعادةَ صياغةٍ للمخطَّطِ المقدَّمِ للموافقةِ على الموضوعِ، وتشملُ بشكلٍ أساسٍ ما يأتي:

1-         أهميةَ البحثِ، والدافعَ لاختيارِه، وتشملُ ضِمناً التعريفَ بموضوعِه.

2-         مشكلةَ البحثِ.

3-         فرضيةَ البحثِ.

4-         فروضَ البحثِ.

5-     الدراساتِ السابقةَ مع المناقشةِ الموضوعيةِ، وتحديدَ مستوى معالجتِها للمشكلةِ محلِّ البحثِ، وتسويغَ ضرورةِ البحثِ؛ وربّما أعودُ لاحِقاً لبعضِ الإرشاداتِ.

6-         إطارَ البحثِ ويقصدُ (الخطَّةَ، أو تقسيماتِ الفصولِ والمباحثِ).

››ماذا تعني ‏خطة البحث؟

تعني (الخطّةُ أو المخطَّط) ما ذكَرناه في المقدِّمةِ في حالتِها الأُولى، وربّما يبدو في المقدَّمةِ نفسُه محسَّناً قليلاً وهو:

أهميةُ البحثِ والدافعِ لاختيارهِ، وتشملُ ضِمناً التعريفَ بموضوعِه.

1-          مشكلةَ البحثِ.

2-          فرضيةَ البحثِ.

3-          فروضَ البحثِ.

4-          الدراساتِ السابقةِ.

ويُضافُ إليها:

5-          قائمةَ المراجعِ والمصادرِ المقتَرحةِ للبحث.

يجب أن تكونَ الخطَّةُ مُقنِعةً بأنّ هناك منطقةَ فراغٍ بحثيٍّ بالمقارنةِ بالدراساتِ السابقةِ، وأنّ البحثَ سيُقدِّمُ قيمةً مضافةً للموضوعِ.

››ماذا تعني ‏الدراساتُ السابقة؟

في كلِّ مخطَّطٍ، أو مُقدَّمةِ بحثٍ لا بُدَّ مِن تخصيصِ فِقرةٍ للدراساتِ السابقةِ. تتناولُ هذه الفِقرةُ الكُتُبَ والأبحاثَ التي تعرَّضَتْ للموضوعِ بشكلٍ مستقلٍّ أو غيرِ مُستقِلٍّ، ويتمُّ العَرضُ على النحوِ الآتي:

1-     عرضِ كلِّ دراسةٍ باختصارٍ؛ من حيثُ موضوعُها المتَّصِلُ بمشكلةِ البحثِ والنتائجِ التي توصَّلَتْ إليها؛بحيث لا يتجاوزُ عرضُ الدارسةِ ثُلُثَ الصفحةِ العاديةِ على سبيلِ المثالِ.

2-     مناقشةِ نتيجةِ الدراسةِ في ضوءِ مشكلةِ البحثِ، وبيانِ أنَّ الدراسةَ ليستْ وافيةً، أو لم تتناولْ مشكلةَ البحثِ؛ بحيث لا تتجاوزُ المناقشةُ ثلاثةَ أسطرٍ؛ ليستكمِلَ عرضَ الدراسةِ، ومناقشتُها نصفَ صفحةٍ من المخطَّطِ.

3-     يتمُّ تجنُّبُ العباراتِ العامَّةِ وغيرِ محدَّدةِ المعنى في مناقشةِ الدارساتِ السابقةِ؛ مثل دراسةٍ قصيرةٍ، أو مِن عدَّةِ صفحاتِ أو لا تتجاوزُ (عشرينَ صفحةً، أو ثلاثينَ صفحةً)، ونحوِ ذلكَ من العباراتِ التي لا تُضيفُ شيئاً علمياً فـ"العبرةُ بجوهرِ الموضوعِ" وليس بعددِ الصفحاتِ.

››تعريفٌ بالمَراجعِو‏الباحِثينَالموثوقِ بهم:

يعتقدُ بعضُ الباحثينَ أنّ مجرَّدَ حُصولِه على مَرجعٍ؛ فإنّه يستحِقُّ أن يكونَ ضمنَ هوامشِ بحثِه، أو في فِهرسِ مراجعِه. الحقيقةُ فإن الكاتبَ قيّمَ جُزءاً كبيراً من البحثِ والباحثِ من مراجعِه؛ بل وربّما أقرأُ البحثَ من هوامشِه ومراجعِه؛ فإمّا أنْ أجِدَ حُسْنَ اختيارِ الباحثِ ووعيَه لهذه النقطةِ فتشرقُ نفسي وقلبي وعينايَ مع الباحثِ للبحثِ عمّا يُضيفُه، أو أجدَ أنّه أساءَ اختيارَ مراجعِه ولم يكنْ واعياً لهذه النقطة؛ فيتولَّد لديَّ شعورٌ بأنْ مَن يضعُ هذه المراجِعَ أنى له أن يمنحنا شيئًا نافعاً.

المراجعُ الموثوقُ فيها باختِصار:

1-           مراجعُ الفقهِ المعتمدةِ القديمةِ.

2-      الموسوعاتُ الفقهيةُ والأصوليةُ المعتمدةُ كاـ(لموسوعةِ الفقهيةِ الكويتيةِ، وموسوعةِ المجمعِ الفقهيِّ).

3-      الفتاوى المجمعيةُ وتشملُ المجامعَ كافّةً في (جُدَّةَ، ومكَّةَ، وأوروبة، وأمريكة، والأزهرِ، والهندِ) ويتبعُها البركةُ.

4-           معاييرُ المؤسساتِ المهنيةِ الدوليةِ.

5-           تقاريرُ المؤسساتِ المهنيةِ المعروفةِ في مجالِها.

6-      المجلَّاتُ والإصداراتُ العلميةُ المحكَّمةُ في مجالِها؛ كـ(مجلَّاتِ وإصداراتِ المعهدَينِ في جُدّةَ، وإسراء).

7-      لاحظِ كلَّ هذا ولم نأتِ على المؤلَّفاتِ الشخصيةِ للدلالةِ على أنّ هناك جهداً جَماعياً يجب أن يُقدَّمَ.

8-      مؤلفاتٌ ذاتُ قيمةٍ علميةٍ كبيرةٍ مستقرةِ الشُّهرةِ في مجالِها وتأتي شُهرتُها مِن مُؤلِّفيها؛ مثل: (فقيهِ عصرِه مصطفى الزرقا، والقانوني عبد الرزاق السنهوري)، ونحوِ ذلك من الجهابذةِ الذين لا يختلفُ عليهم اثنانِ بِصَرفِ النظرِ عمّا توصَّلُوا إليه مِن آراءَ نتَّفِقُ معها أو نختلِفُ.

9-      أبحاثٌ وكتبٌ محكَّمةٌ غالباً لأسماءَ رائدةٍ في تخصُّصِنا الاقتصادِ الإسلاميِّ، ومنهُم على سبيلِ المثال: (نجاة الله صديقي، منذر قحف، محمد أنس الزرقا، معبد الجارحي، عبدالحميد الغزالي، عبدالرحمن يسري ومحمد علي القري). لاحِظ المسألةَ ليستْ سردَ أسماءٍ كما ظنَّ البعضُ ذاتَ يومٍ عندما سَرَدتُ هذه الأسماءَ أضافَ إليها أسماءاً ليسَ لها قيمةٌ علميةٌ بسوءِ فَهمٍ منه للمرادِ؛ ظنَّاً منه بأنّنا نقومُ بحَصرِ مَن كَتَبَ؛ ولكنَّنا في الحقيقةِ نقومُ بحصرِ القيِّمِ مِن الكتبِ والكتابِ. ودائماً ما أوجّه الباحثينَ للاستفسارِ عن المرجعِ وقيمتِه العلميةِ.

10-    أبحاثٌ وكتبٌ لمن اشتهرَ بدقَّةِ فهمِه وتحقيقِه للقيمةِ المضافةِ، وفي مجالِ الاقتصادِ الإسلاميِّ فلا يوثِّقُ منها إلّا ما تُحقِّقه من قيمةٍ مضافةٍ بالمقارنةِ بالرُّوادِ السابقينَ.

››كتابةُ الرسائلِ العلميّةِ:

1-           الابتعادُ عن الأسلوبِ الخطابيِّ في البحثِ العلميِّ:

يجبُ أن تخلوَ الكتابةُ العلميةُ من المقدِّماتِ الطويلةِ التي لا تتضمَّنُ أيَّ قيمةٍ مضافةٍ؛ فقد يكونُ البحثُ في جزئيةٍ دقيقةٍ في الاقتصادِ فتجدُ مقدِّمةَ الباحثِ عن الإسلامِ ومحاسنِه، وقد تبلغُ نصفَ صفحةٍ أو أكثرَ، وهذا قد يحصلُ من البعضِ في مقدِّماتِ الفصولِ، وهو زائدٌ.

 والصحيحُ أن يبدأ بالبسملةِ والحمدِ، والصلاةِ على النبيِّ مُحمّدٍ بصيغةٍ مختصرةٍ، ثم يدخلُ في الموضوعِ. وفي الفصولِ يبدأ بالموضوعِ مباشرةً. كما يجب أن يلتزمَ بالموضوعيةِ، ويتجنَّبَ المبالغةَ ولو بنصفِ كلمةٍ؛ فلا يستخدم كلماتٍ مثل: (جدّاً، كثيراً، أو عظيمٌ، كبيرٌ، الشهير) ونحو ذلك، فكلُّ هذا مِن الأسلوبِ الخطابيِّ الذي قد يصلحُ للإعلامِ، أو مخاطبةِ الجماهيرِ ونحو ذلك، ولا يصلحُ في الأبحاثِ العلميةِ.

2-           الابتعادُ عن تمجيدِ أيِّ باحثٍ

في بعض الحالاتِ يفتتنُ الباحثُ بمرجعٍ فتجدُه ومِن الوهلةِ الأولى قد صبَّ المديحَ للمرجعِ وصاحبِه؛ حتى أنّه يقولُ وهو الأفضلُ، والأجودُ، وهذا -مِن حيث لا يشعرُ الباحثُ- يُؤثِّر على الاقتباسِ بعد ذلكَ وبناءِ رأيهِ المستقلِّ فتجدُ الباحثَ قد افتقدَ شخصيَّتَه وذابَ في عَباءةٍ ذلك الممجَّدِ. يجب الحذرُ من ذلك، ومقاومتُه في المراحلِ الأولى مِن البحثِ والطلبِ؛ فشخصيةُ الباحثِ يجب أن تبقى دائماً بارزةً من خلالِ السيطرةِ على (الاقتباسِ، وتوجيهِه، والاتفاقِ، والاختلافِ معه) دونَ تمجيدٍ شخصيٍّ من أي نوعٍ.

3-           الإشارةُ إلى ‏المراجع في البحثِ

في كثيرٍ من الأبحاثِ يقولُ الباحثُ في متنِ الرسالةِ و(قال الدكتور سعد، والدكتور مسعود وخالفة فضيلة الشيخ أسعد، واتفق معهما معالى الدكتور شريف). هذا لا يصحُّ في الأبحاثِ العلميةِ؛ إلّا في حالات خاصَّةٍ؛ فالقاعدةُ أن يقولَ: وقال بعضُ الباحثينَ، ويُوثِّق َاسمَ الباحثِ مع المرجعِ في الهامشِ. أمّا الحالاتُ الخاصَّةُ؛ فمِثل العلماءِ الأقدمينَ أصحابِ التصانيفِ في مختلفِ العلومِ، أو أصحابِ المقاماتِ العلميةِ العاليةِ من المعاصِرينَ؛ مثل (الزرقا، والسنهوري، وابن عاشور)، وأمثالهم؛ فلو قالَ في المتن مثلا: وذَهَبَ الزرقا، فلا يُعترَضُ عليه.

4-           الشكرُ 

ينشغلُ بعضُ الباحثينَ بشُكْرِ (زوجتِه، ووالدَيه، ومَن له فضلٌ عليه) في البحثِ العلميِّ، لا بأسَ لكنْ لا يكونُ في أيِّ مكانٍ من صُلْبِ البحثِ، وإنّما يكونُ في صفحةٍ خاصَّةٍ بعنوانِ "شُكْرٌ وتقديرٌ" ولا تُعَدُّ مِن البحثِ. أمّا في البحثِ فينَّوهُ في المكانِ المناسبِ بما استفادَه عِلمياً ويُعيدُ الفضلَ لأهلِه. كمَن يضعُ في الهامشِ أنّه استفادَ هذه الفكرةَ من حِوارٍ مع الباحثِ الفلانيٍّ.

››مناقشةُ الرسائلِ العلمية:

1-           دعوةٌللتأمُّلِ وإبداءُ الرأي

يلفت نظري في دعوةٍ لمناقشةِ رسالةٍ علميةٍ أن يُضافَ قبلَ اسمِ المشرفِ، أو أحدِ المناقِشِينَ كلمةُ "معالي"؛ فهل هذا صحيحٌ علمياً؟ هذه دعوةٌ للتأمُّلِ.

حسبَ روحِ المجالِ العلميِّ الأفضلُ أن يُكتفى بالدرجةِ العلميةِ (أستاذ مساعد، أو أستاذ مشارك، أو أستاذ)، أمّا "معالي" فهي رتبةٌ إداريةٌ، ولتقريبِ وجْهِ الاعتراضِ أكثرَ، هل إذا كان الباحثُ برتبةِ معالي، فهل يُقالُ قبلَ اسمه: معالي الطالب؟ هبْ أنّ الطالِبَ رئيس الجمهورية، فهل يُقال: سيادةُ الرئيسِ الطالبِ؟

2-           عرضُ الرسالةِ أمامَ لجنةِ المناقشةِ

عرضُ الرسالةِ العلميةِ أمامَ لجنةِ المناقشةِ ليس ابتكاراً، أو إعادةَ اختراعٍ للعَجَلَةِ، وإنّما هو قراءةٌ لخاتمةِ البحثِ، التي حدَّدْنا مواصفاتِها سابقاً. وكان أبرزَها أن تحتويَ على ملخَّصِ المناقشاتِ وملخَّصِ النتائجِ، في حدودِ الوقتِ المتاحِ والمحدَّدِ في الأغلبِ في المناقشاتِ في حدودِ 20 دقيقة. هذا يستدعي التأكيدَ على ضرورةِ إتقانِ الخاتمةِ بتلكَ المواصفاتِ. ومِن ثَمَّ يكونُ الباحثُ مُرتاحاً ومطمئناً طيلةَ فترةِ انتظارِ المناقشةِ، ولا يرتبكْ لإعدادِ أمرٍ جديدٍ. لم تصلِ التقاليدُ العلميةُ حتى الآنً إلى تُقبَّلِ عَرْضِ الرسالةِ العلميةِ بأيّ وسيلةٍ أُخرى خلافَ القِراءةِ.

3-           غرائبُ أعضاءِ لجنةِ المناقشةِ

شهِدتُ مناقشةً يُخاطِبُ فيها (المشرفُ، أو المناقشُ) الطالبَ بالأستاذِ، وفي مناقشةٍ أُخرى خاطبَ المناقشُ الطالبَ صاحبَ رسالةِ الدكتوراة بالدكتورِ- باعتبارِ ما سيكونُ طبعاً-. هذه ملامحُ للمُجاملاتِ المرفوضةِ في الأوساطِ العلميةِ.

4-           دورُ المشرفِ المفقودِ

لا يمكنُ للمشرفِ أن يُدافعَ عن الآراءِ العلميةِ التي توصَّلَ إليها الباحثُ؛ فهذه مسؤوليةُ الباحثِ؛ ولكن يجبُ عليه أن يدافعَ عن منهجِ البحثِ الذي استخدمَه الباحثُ؛ لأنّ (الدورَ الأساسَ، والقيمةَ المضافةَ) التي يُقدِّمُها المشرفُ إنّما تكونُ في المنهجِ العلميِّ، والنقدِ الموجَّهِ للمنهجِ هو نقدٌ للمشرِف، ومجلسِ القسمِ، ومجلسِ الكُلِّيّةِ، إن كان المنهجُ قد اعتمدَ بالتفصيلِ سابقًا في المخطَّطِ والباحثُ التزمَ به. ولكنَّ واقعَ الحالِ نحن أمامَ بعضِ المشرفينَ يُمارِسونَ مهامَّهُم بشكلٍ معكوسٍ، فيريدونَ من الطالبِ أن يكونَ نسخةً ثانيةً من آراءهِم العلميةِ ومؤلَّفاتهِم، ولا تأثيرَ لهم في المنهجِ العلميِّ المتَّبَعِ

ولا ينبغي للمشرفِ أن ينتقدَ الطالبَ في أيِّ شيءٍّ؛ فقد مضى الوقتُ بالنسبة لهُ، وكان بإمكانِه رفضُ اعتمادِ الرسالةِ مِن قبلُ، وهو إنْ فعلَ فانتقدَ على المِنصَّةِ؛ فإمّا أن يكونَ بِنيَّةٍ غيرِ حسَنةٍ، أو أنّه لم يكنْ يقرأُ وقرأَ قبلَ المناقشةِ،  والأمرانِ كلاهُما لا يُسوِّغانِ له النقدَ. في حالةٍ واحدةٍ فقط يحقُّ له النقدُ وهو أن يجدَ خِلافًا في الرسالةِ عمّا اعتمدَه، وهذا قد يحدثُ نادِراً في ظلِّ ضَعفِ الإجراءاتِ الإداريةِ. وفي حالةٍ أُخرى له أن يوضِّحَ أنّ آراءَ الباحثِ ليستْ مطابقةً لآرائِه وهذا أمرٌ صحيٌّ يُحسَبُ للباحثِ.

5-           المناقشونَ بين العدالةِ والفوضويةِ

يُوزِّعُ المناقشُ درجاتِ الاجتيازِ بين أصلِ الرسالةِ والمناقشةِ.

أمّا أصلُ الرسالةِ فقَد قرأه ووافقَ عليه مُسبقاً، قبل اعتمادِ موعدِ المناقشةِ، والمتبقي فقط هو مناقشةُ الباحثِ حولَ الملاحظاتِ التي دوَّنها والتي في مُجملِها بالتأكيدِ لا تؤدِّي إلى رفضِ الرسالةِ، أو تقليلِ الدرجةِ السابقةِ المعطاةِ على أصلِ الرسالةِ؛ وإنّما تنحصِرُ نتائجُها في (الزيادةِ، أو عدمِها).

مثاللو وزّعَ الدرجاتِ بين 75 بالمائةِ للرسالةِ، و25% للمناقشة، فإنّ النتيجةَ النهائيةَ ستكونُ على الأقلّ 75% في حال كانت نتيجةُ المناقشةِ صِفْراً، ما لم يظهرْ بالطبعِ من المناقشةِ أنّ الباحثَ قد كُتِبَتَ له الرسالةُ بالأجرةِ فيتمُّ رفضُ الرسالةِ بالكُّلِّيّةِ. هذا الإجراءُ المتوقَّعُ والمطابقُ للعدالةِ.

ويا للأسفِ الشديد المناقشونَ على الجانبِ الآخَر نوعان

الأول: لم يقسمْ درجاتِه وجعلَها جميعاً على المناقشةِ، أو أضمرَ في نفسِه أمراً واحداً يُحدِّدُ على أساسِه النتيجةَ مِن عدمِها، وفي الأغلبِ هذا النوع نوى أن يخسفَ بالباحثِ أرضاً، وبئستِ النيةُ تلكَ -وعامَلَهُ اللهُ بما يستحِقُّ ودعواتي للطالبِ بعد تخرُّجِه أن يكونَ شوكةً في حَلْقِ هذا المناقشِ يراهُ في منامِه وقيامِه.

والثاني: قسَم درجاتِه وبقيتْ عليه درجةُ المناقشةِ؛ لكن اختارَ أسلوبُ الاستعراضِ والتقريعِ بالباحثِ، ثُمّ يُفاجأ الجميعُ بأنّ الدرجةَ امتيازٌ، مع (النشرِ، والطبعِ، والتبادُلِ مع الجامعاتِ) والتوزيعِ على مُضيفي الطيرانِ حولَ العالَم، وهذا أيضًا نوعٌ من الفوضويةِ العلميةِ لدى المناقشِ ومدعاةً للتشكيكِ في النزاهةِ والموضوعيةِ، ويُؤسفُني أنْ أقولَ أن هذا كثيرٌ، وأصبح بلا قيمةٍ.

6-           مغازلةٌ غيرُ مشروعةٍ بين المناقشينَ

شهدتْ في إحدى المناقشاتِ أنّ أحدَ المناقشينَ بدأ بمُغازلةِ الآخرِ بموافقتِه على كلِّ ما يقولُ؛ حتى تحوّلَ عمّا لديه مِن ملاحظاتٍ إلى تعزيزِ ملاحظاتِ المناقشِ الآخَر، وهذا أحدُ شخصينِ؛ إمّا متطلِّعٌ لدغدغةِ مشاعرِ المناقشِ الآخَر لِما يَصبُو إليه مِن مصلحةٍ مستقبليةٍ لديه، أو فارغٌ عِلمياً، وهُما مجتمعتانِ فيه على الأغلبِ نسألُ اللهَ أن يَصرِفَه وأمثالَه عن طريقِ الباحثينَ، وأن يُوفِّقَ الباحثينَ لِيكونوا أساتذةً ودكاترة مِلءَ السمعِ والبصرِ، تطرقُ أسماءَهم وألقابَهم أسماعُ وأبصارُ هؤلاءِ المناقشينَ أينما كانوا، وتسبقهُم حيثما اتَّجهوا.

7-           دعوةٌ للتأمُّلِ والمشاركةِ بالرأي حولَ عرضِ الرسالة 

كيف يعرضُ الطالبُ رسالتَه أمامَ لجنةِ المناقشةِ؟ هل يقرأُ وهذا هو المعهودُ؟ أم يقومُ بالشرحِ شفوياً وعلى سبيلِ الإلزامِ كما ذُكِرَ في بعضِ الجامعاتِ التونسية؟ أمْ يعرض بالبوربوينت كما ذُكِرَ في الجامعاتِ الجزائريةِ؟ وهل يكون واقفاً أو قاعداً؟ 

من وجهةِ نظري: أنّ الباحثَ في المناقشةِ في ساعةِ اختبارٍ أمام لجنةِ اختبارٍ، ويظهرُ هذا الاختبارُ في المناقشةِ وليس في العَرض. لجنةُ المناقشةِ لا تحتاجُ للعرضِ مُطلقاً بغرضِ التقييمِ، وإنّما يهمُّها قدرةُ الباحثِ على الإجابةِ على الملاحظاتِ (العلميةِ، والمنهجيةِ، واللغويةِ) التي يُظهِرُها المناقشونَ، وهذه القدرةُ تُظهِرُ مهاراتِ العرضِ والبيانِ كافةً لدى الباحثِ. أيضًا إفهامُ الجمهورِ ليس مِن أهدافِ المناقشة. وكثيرٌ من المناقشاتِ تَحدُثُ دون جمهورٍ. والذي يظهرُ من المشاهَداتِ أنّ عَرضَ الباحثِ مجرَّدَ بروتوكول غيرِ محدَّدِ الهدفِ؛ لذا لو حُذفَتْ فِقرةُ عرضٍ الباحثِ للرسالةِ؛ فإنّه لا يختلُّ شيءٌ من المناقشةِ

بناءً على ذلك لا أجِدُ مُرجِّحاً لوسيلةِ العرضِ وهيئتِه خلافَ القراءةِ قاعداً على طاولةِ الاختبارِ ما دام الهدفُ غيرَ مفهومٍ، ولو حدِّدَ الهدفُ يمكنُ النظرُ في تقييمِ وسيلةِ العَرضِ الأنسبِ.

8-           وهل ينفعُ الإفصاحُ عن المستور؟

في بعضِ الحالاتِ يُلزَمُ الطالِبُ بمنهجٍ وتقسيماتٍ وفصولٍ إضافيةٍ في بعضِ الجامعاتِ العربيةِ لأسبابِ تبدو لُغزاً محيّراً. وفي حالاتٍ يُلزِمُه المشرفُ بأمورٍ؛ فإذا ما حانَ وقتُ المناقشةِ وسألَ المناقشُ عن ذلكَ، فهو أمامَ خِيارَينِ: إمّا أن يُدافِعَ عمّا أُلزِمَ به على أنّه أحدُ اختياراتِه وقناعاتِه، أو أنْ يُفصِحَ بأنه أُلزِمَ به من (المشرفِ، أو مجلسِ القسم). فما الرأي؟

9-           المشرِفُ بين الإفراطِ والتفريط

المشرفُ مديرٌ للجلسةِ يُديرُ الحوارَ، يُوجِّهُ الطالبَ لما فيه مصلحتُه في حالِ تعنُّتِ الطالبِ في الردودِ دونَ معرفةِ العواقبِ، يساندُ الطالبَ في الدفاعِ عن منهجِ البحثِ العلميِّ، لا يُسانِدُ الطالبُ في الدفاعِ عن آرائِه العلميةِ؛ فهذا للطالبِ حِصراً، يتدخَّلُ بوضوحٍ في حالِ وجودِ مغالطاتٍ علميةٍ من المناقِشينَ، ولا يجوزُ له السكوتُ عنها دونَ أن يُحدِثَ أثراً سلبياً على سيرِ المناقشةِ ومصلحةِ الباحث. وقد سبقَ للمشرِف أنْ أقرَّ الرسالةَ واعتمدَ تسليمَها للقسمِ في تاريخٍ سابقٍ، بناءً على تقريرٍ عن الطالبِ والرسالةِ؛ وبالتالي دورُه هنا هو ما ذُكِرَ أعلاه دونَ (إفراطٍ، أو تفريطٍ). لكنّ المشرفَ الذي نتحدَّثُ عنه افتتحَ الجلسةَ بــ(كيلِ المدحِ والثناءِ على الطالبِ، والتغنِّي بالرسالةِ، وذِكْرِ محاسنها)، وأطالَ في ذلك حتّى يظنَّ السامعُ بأنّ الباحثَ قد حقَّقَ المستحيلَ. وبدا المشرفُ كأنّه يُمارِسُ خِداعاً للمناقشينَ، ويريدُ أن يُوجِّهَ ضربةً استباقيةً لهم. هذا دورٌ زائدٌ من المشرفِ، ويُنبِئ عن (تقصيرِ، أو عدمِ استيعابٍ لدَورِه، أو عدمِ ثِقَةٍ مِن وجْهٍ ما). وبعضُ المشرِفينَ يُخالِفُ ما ذُكِرَ أعلاه بالدفاعِ عن الباحثِ في كلِّ شيءٍ، ويحسبُ كلَّ صيحةٍ عليه؛ فهذا يُربِكُ المناقشةَ، ويُؤثِّر سلباً على نتيجةِ الطالب.