العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تجسيد الابتكارات عن طريق أدوات التمويل الإسلامي

بوعيطة عبد الرزاق

أستاذ مساعد بجامعة محمد البشير الإبراهيمي – برج بوعريريج -الجزائر

إنّ المصارفَ الإسلاميةَ تقومُ بصياغةِ الكثيرِ من الخدماتِ والتسهيلاتِ، وتقومُ بعملياتٍ مختلفةٍ؛ تهدفُ جميعُها إلى تدعيمِ التنميةِ في المجتمعِ، ويأتي الاستثمارُ في مقدمةِ العملياتِ، وللاستثمارِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ طُرُقٌ  وأساليبُ متميِّزةٌ وعديدةٌ تهدفُ كلُّها إلى تحقيقِ الربحِ الحلالِ يُمكِنُ صياغتُها في أدواتِ التمويلِ الإسلاميِّ, وبما أنّ الإبداعَ والابتكارَ هما الركيزةُ الأساسُ لتحفيزِ الاستثمارِ ودفعِ عجلةِ النموِّ للتطوُّرِ والازدهارِ سيركِّزُ على العمليةِ التمويليةِ للابتكارِ والإبداعِ بما يتَّفِقُ ومبادئ الشريعةِ الإسلاميةِ. وبما أنّ لكلِّ قطاعٍ ابتكاراتٌ تُميِّزُه عن القطاعاتِ الأُخرى- سواءٌ من ناحيةِ الوقتِ اللازمِ للتنفيذِ، أو من ناحيةِ حجمِ التمويلِ المطلوبِ، فسيتطرَّقُ الباحثُ إلى عَرضِ العمليةِ التمويليةِ حسبَ حجمِ التمويلِ، والمدّةِ المخصَّصةِ له، وهذا ما تتميَّزُ به أدواتُ التمويلِ الإسلاميِّ.

وانطلاقاً مِن مبادئ الإسلامِ التي تدعُو إلى تحقيقِ مجتمعٍ تكافُليٍّ فقد أُنشأت المؤسساتُ الماليةُ الإسلاميةُ، وجاءتْ فِكرةُ المصارفِ الإسلاميةِ؛ وكلُّ ذلكَ من أجلِ تحريرِ الأمةِ الإسلاميةِ مِن تبعاتِها الاقتصاديةِ، والتركيزِ على الفردِ كمحورٍ للتنميةِ، ولقد أثبتَت المصارفُ الإسلاميةُ أنّ لديها قدراتٍ هائلةً في مجالِ تعبئةِ المدَّخَراتِ وتوظيفِها في مجالاتِ الاستثمارِ المناسبةِ التي تعملُ على تنميةِ الدولةِ وزيادةِ رفاهيةِ شعبِها.

 مِن خلال ما سَبَقَ: كيف تُساهِم ُأدواتُ التمويلِ الإسلاميِّ في تجسيدِ الابتكاراتِ في الواقعِ؟

أوَّلاً: التمويلُ القصيرُ الأجلِ:وتشملُ كُلّاً مِن (المرابحةِ، السَّلَمِ، القرضِ الحسَنِ).

أ-كيفيةُ التمويلِ بالمُرابَحةِ :إنّ كلَّ منتوجٍ- مهما كان نوعُه- لابُدَّ له مِن مُدخلاتِ إنتاجٍ مِن أجلِ إنتاجِه، وعمليةُ التمويلِ عن طريقِ المرابحةِ تُسهِّلُ ذلك لكُلٍّ من المخابرِ والشركاتِ المنتِجة؛ حيث يتوجَّهُ طالبُ السلعةِ التي تُعتبَرُ لديه وسيلةَ إنتاجٍ أو مادّةً أوليةً تتطلَّبُها عمليةُ الإنتاجِ إلى مؤسسةٍ ماليةٍ مُتخصِّصةٍ في توفيرِ الطلباتِ عن طريقِ المرابحةِ للآمرِ بالشراءِ, وبعد توفيرِ السلعةِ من طرفِ المؤسسةِ الماليةِ يتمُّ الاتفاقُ على كيفيةِ التسديدِ الآجلِ أم العاجِل، وهذا ممّا يُوفِّرُ الموادَ المطلوبةَ لطالِبيها في الوقتِ المناسبِ، ويُسهِّلُ عليهم تسديدَ الثمنِ. ولابُدَّ مِن مراعاةِ جانبِ تملُّكِ المؤسسةِ الماليةِ للسلعةِ؛ ممّا ينفي جانبَ الجهالةِ المُفضيةِ للنزاعِ, وأن تكونَ هذه المؤسسةُ الماليةُ مختصَّةً في عمليةِ البيعِ والشراءِ، وأنْ لا يكونَ البيعُ صُوريّاً وأن يكونَ الوعدُ بالشراءِ مِن قِبَلِ طالبِ السلعةِ غيرَ مُلْزمٍ – أي يكونُ وعداً بالشراءِ؛ وليس عقدَ بيعٍ – وسيَقومُ الباحثُ بعَرضِ مختلفِ مراحلِ تنفيذِ المرابحةِ للآمرِ بالشراءِ في الجدولِ التالي:

 

 

جدول رقم (1): مراحلُ تنفيذِ المرابحةِ للآمرِ بالشراءِ:

2مرحلة الشراء

1مرحلة الوعد و الإجراءات

 تعاقد المصرف مع بائع السلعة؛

 تسليم وحيازة المصرف للمبيع؛

 الأفضل تأمين المبيع وتحمل مخاطر إهلاكه؛

 تقديم العميل طلب الشراء؛

 دراسة المصرف لبيانات العميل؛

 دراسة المصرف للسلعة المطلوبة؛

 إبرام الوعد بالشراء، أو اتفاقية التفاهم تتضمن وعداً بالشراء؛

 تقديم دفعة متقدمة ضماناً للجدِّية؛

4مرحلة التسليم / التنفيذ

3مرحلة البيع

 تسليم المعقود عليه إلى العميل؛

 تحرير إذن التسليم للمعقود عليه إلى العميل.

تعاقد المصرف مع العميل و يتضمن:

 تحديد ثمن المبيع في العقد؛

 تحديد هامش الربح؛

 تحديد شروط العقد؛

 تحديد الضمانات المطلوبة؛

 

5مرحلة التحصيل

 بدء المصرف بتحصيل الأقساط؛

 في حالة تعثُّر العميل عن السِّداد:

 إذا كان مُماطِلاً يؤخذ منه الحقُّ، مع التعويض الكامل للمصروفات والأضرار الفعلية كافّةً؛

 إذ أثبت أنه معسر ولا يملك أي شيء يؤجر أو يباع فنظرة إلى ميسرة.

المصدر: (علي محي الدين القره داغي)، الموجز في الصيرفة وعمليات التمويل والاستثمار الإسلامي وأخلاقيات العمل المالي الإسلامي , حقيبة طالب العلوم الاقتصادية، دار البشائر الإسلامية، ط1، مجلد 09، لبنان، (2010م)، ص 567 -568.

ب- كيفيةُالتمويلِ بالسلَمِ:بيعُ السلَمِ من البيوعِ المستثناةِ مِن "بيعِ ما لا يَملِكُ"، ولا بُدّ مِن تعجيلِ كلِّ الثمنِ مع تأجيلِ السلعةِ المطلوبةِ، وهذا البيعُ يُوفِّرُ كلّاً مِن المالِ والوقتِ؛ إذ يُمكِنُ للمبدعِ، أو المبتكِر بيعُ منتوجِه قبلَ أن ينتجَ وبالوقتِ الكافي المحدَّدِ مِن طرفِه، وهذه خاصِّيَّةٌ مميَّزةٌ جِدَّاً لأدواتِ التمويلِ الإسلاميِّ.

الخطواتُ العمليةُ للتمويلِ بالسلَمِ:

يُوضِّحُ الشكلُ التالي الخطواتِ العمليةَ التي تُطبِّقُها المصارفُ الإسلاميةُ للتمويلِ بالسلَم:

 

 

 

شكل رقم ( 1 ) : الخُطواتُ العمليةُ للتمويلِ بالسلَمِ:

المصدر: (سكينة غواس), أدوات التحليل المالي في العارف الإسلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد، جامعة سكيكدة، الجزائر، (2006)، ص42.

ج- كيفيةُ التمويلِ بالقرضِ الحسَنِ :لابُدَّ مِن مراعاةِ النقاطِ التالية :

1-      يُفضَّلُ أن يتَّجِهَ التمويلُ بالقروضِ الحسنةِ إلى تمويلِ المشاريعِ متناهيةِ الصغرِ التي تضعفُ إنْ لم تنعَدِمْ مواردُها الذاتيةُ؛ فضلاً عن عدمِ قُدرتِها على التوجُّهِ للمؤسساتِ الرسميةِ للتمويلِ للحصولِ على ما تحتاجُه و هي تمثِّلُ نسبةً كبيرةً جِدَّاً من إجماليِّ المشاريعِ، و تعملُ في الأنشطةِ الاقتصاديةِ كافّةً.

2-      ترتيباتُ توفيرِ التمويلِ اللازمِ للإقراضِ والوضعِ القائمِ لتوفيرِ التمويلِ اللازمِ لإقراضِ المشروعاتِ؛ إذ يعتمِدُ بشكلٍ عامٍّ على ما تُخصِّصُه الحكومةُ بعضَ البنوكِ فقط؛ لذا توجَدُ فجوةٌ تمويلية ٌكبيرةٌ؛ لذلك يجبُ إدخالُ البُعدِ الدينيِّ في توفيرِ التمويلِ اللازمِ للقُروضِ الحسنةِ، و العملِ بواسطتِه على حَفزِ المواطنينَ و المؤسساتِ التمويليةِ لتوفيرِ هذا التمويلِ؛ من خلالِ عدَّةِ أساليبَ، وتوعيةِ المواطنينَ القادِرينَ بأهميَّةِ القروضِ الحسَنةِ(دينيَّاً، و اقتصاديّاً، و اجتماعيَّاً).

3-      يُمكِنُ اتِّباعُ أسلوبِ التمويلِ شبهِ الرَّسميِّ الذي تتوسَّطُ فيه منظمةٌ أو مؤسسةٌ متخصِّصةٌ بين (المقترِضينَ والمقرضينِ)؛ إمّا مِن خلالِ المنظَّماتِ المهنيةِ، أو اتحاداتِ الإنتاجِ، أو مِن خلالِ وكالاتِ الائتمانِ، أو بيوتِ تمويلِ متخصِّصةٍ وهي أساليبُ تتَّبَعُ في الدولِ المتقدِّمةِ؛ مثل (بيتِ التمويلِ الأمريكيِّ الذي يتبعُ الأساليبَ الإسلاميةَ في التمويلِ)؛ حيث تقومُ هذه المؤسساتُ بجَذْبِ الأموالِ اللازمةِ للإقراضِ بما لها مِن قُدرةٍ تنظيميةٍ و مؤسسيةٍ، ثمَّ تقدِّمُها في صورةِ قروضٍ حَسنةٍ للمؤسساتِ[1].

ثانيا: كيفيةُ التمويلِ متوسِّطِ الأجلِ وذلك بكلٍّ مِن (الإجارةِ، والاستصناع)

أ-كيفيةُ التمويلِ بالإجارةِ : يُمكِنُ للمبتَكِرِ أنْ يكونَ "مُؤجِراً" ،كما يُمكِنُ أن يكون "مستأجِراً".

وقد صَدرَ قرارٌ رقم: 110 (4/12) بشأنِ هذا الموضوعِ من طرفِ مجلسِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ في دورتِه الثانية عشرَ بالرياضِ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ من:  (23 إلى 28 سبتمبر 2000م) نصَّ على[2]:

ضابطُ الصُّوَرِ الجائزةِ و المَمنوعةِ:

1-      ضابطُ المنعِ: أن يَرِدَ عقدانِ مختلفانِ في وقتٍ واحدٍ، على عينٍ واحدةٍ في زمنٍ واحدٍ.

2-      ضابطُ الجوازِ: وجودُ عقدَينِ منفصلَينِ يستقلُّ كلٌّ منهُما على الأخرِ زماناً؛ بحيث يكونُ إبرامُ عقدِ البيعِ بعدَ عقدِ الإجارةِ، أو وجودُ عقدٍ بالتمليكِ في نهايةِ مُدَّةِ الإجارةِ والخيارُ يُوازي الوعدَ في الأحكامِ. أن تكونَ الإجارةُ فعليةً وليستْ ساترةً للبيعِ.

3-      أن يكونَ ضمانُ العينِ المؤجَرةِ على المالكِ لا على المستأجِر؛ وبذلكَ يتحمَّلُ المؤجِرُ ما يلحقُ العينَ مِن ضَررٍ غيرِ ناشئٍ من تعدِّي المستأجرِ، أو تفريطِه، ولا يُلزَمُ المستأجرُ بشيءٍ إذا فاتَت المنفعةُ.

4-      إذا اشتملَ العقدُ على تأمينِ العينِ المؤجَرةِ؛ فيجبُ أن يكونَ التأمينُ (تعاونيَّاً إسلاميَّاً) لا (تجاريَّاً)، ويتحمَّلُه المالِكُ المؤجِرُ وليس المستأجِر.

5-      يجبُ أن تُطبَّقَ على عقدِ الإجارةِ المنتهيةِ بالتمليكِ أحكامُ الإجارةِ طوالَ مدةِ الإجارةِ، و أحكامُ البيعِ عند تملُّكِ العَينِ.

6-      تكونُ نفقاتُ الصيانةِ غيرِ التشغيليةِ على المؤجِرِ لا على المستأجِر طوالَ مدَّةِ الإجارةِ. واللهُ سُبحانَه وتعالى أعلمُ.

ب-كيفيةُ التمويلِ بالاستِصناعِ:

يُؤدِّي الاستصناعُ دوراً مُهمَّاً في الحياةِ العمليةِ؛ بفضلِ هذا العقدِ يستفيدُ الصانعُ الذي يُقدِّمُ صَنعتَهُ وخِبرتَهُ، والمستصنِعُ الذي يحصلُ على ما يرغبُ فيه حسبَ ذَوقِه ومصلحتِه وفقَ المقاييسِ المناسبةِ لهُ، والفنونِ التي يتصوُّرها ويتأملُ الحصولَ عليها.

يُعتبَرُ الاستصناعُ للمصارفِ الإسلاميةِ خُطوةً رائدةً لتنشيطِ الحركةِ الاقتصاديةِ في البلدِ؛ وذلك إمّا بكونِه "صانعاً أو مُستصنِعاً"[3] :

1- أمّا كونُه "صانعاً"؛ فإنّه يتمكَّنُ على أساسِ عقدِ الاستصناعِ من دُخولِ عالَمِ الصناعةِ والمقاولاتِ بآفاقِها الرحبةِ؛، ك(صناعةِ السفنِ والطائراتِ، وإنشاء البيوتِ والطرقِ)، وغيرِ ذلك؛ حيث يقومُ المصرفُ بذلك من خلالِ أجهزةٍ إداريةٍ مختصةٍ بالعملِ الصناعيِّ في المصرفِ؛ لتصنعَ الاحتياجاتِ المطلوبةَ للمستصنِعينَ.

2- أمّا كونُه "مستصنِعاً"؛ فبتوفيرِ ما يحتاجُه المصرفُ من خلالِ عقدِ الاستصناعِ مع الصناعِيينَ والذي يُوفِّرُ لهم التمويلَ المبكِر، ويضمَنُ تسويقَ مصنوعاتِهم، ويزيدُ من دخلِ الأفرادِ؛ ممّا يزيدُ من رخاءِ المجتمعِ بتداولِ السيولةِ الماليةِ بين أبناءِ البلدِ.

3- وهناك حالةٌ ثالثةٌ، وهي أن يكونَ المصرفُ"صانعاً ومستصنعاً" في الوقتِ نفسِه، وهو ما يُسمَّى بالاستصناعِ الموازي ؛ وصورتُه أن يُبْرِمَ المصرفُ عقدَ استصناعٍ بصفتِه "صانعاً" مع عميلٍ يريدُ صنعةً معيَّنةً، فيجري العقدُ على ذلك، و تتعاقدُ المؤسَّسةُ (المصرفُ) مع عميلٍ آخرَ؛ باعتبارِها "مستصنِعاً"، فتطلبُ منه صناعةَ المطلوبِ بالأوصافِ نفسِها. وهناك شروطٌ يجبُ توفُّرُها في الاستصناعِ الموازي؛ لئلا يكونَ حيلةً إلى الرِّبا وهي[4]:

§      أن يكونَ عقدُ المصرِفِ مع المستصنِع منفصلاً عن عقدِها مع الصانعِ.

§      أن يمتلكَ المصرفُ السلعةَ امتلاكاً حقيقيَّاً، ويقبضُها قبلَ بيعِها للمستصنِع.

§   أن يتحمّلَ المصرفُ - نتيجةَ إبرامِه عقدَ الاستصناعِ بصفتِه "صانعا ً"- تبعاتِ المالكِ كافّةً، ولا يحقُّ له أن يُحوِّلَها إلى العميلِ الآخَر في الاستصناعِ الموازي.

ج - الخُطواتُ العمليَّةُ للتمويلِ بالاستصناعِ:

يتمُّ التمويلُ بالاستصناعِ من خلالِ المراحلِ التالية[5]:

§      يتقدَّمُ العميلُ للمصرفِ بطلبِ صنعِ سلعةٍ معيَّنةٍ بِمُواصفاتٍ مُحدَّدةٍ؛

§      يقومُ المصرفُ بدراسةِ طلبِ العميلِ؛

§   يتمُّ إبرامُ عقدِ الاستصناعِ بين المصرفِ والعميلِ (العقدِ الأولِ)، ويلتزمُ المصرفُ بصنعِ السلعةِ وتسليمِها في الأجلِ المحدَّدِ؛

§   يتقدَّمُ المصرفُ إلى الصانع ِ(الطرف الآخر) بطلبِ صنعِ السلعةِ بالمواصفاتِ المحدَّدةِ في العقدِ الأوَّلِ، وهو ما يُعرَفُ ب"الاستصناع الموازي"، ويلتزمُ الصانعُ بتصنيعِ هذه السلعةِ وتسليمِها في الأجَلِ المحدَّدِ- شرطَ أن تكونَ قبلَ الموعدِ المتَّفَقِ عليه في العقدِ الأولِ، والمبرَمِ بين المصرِفِ والعميلِ-؛

§   يستلَّمُ المصرفُ السلعةَ من الصانعِ في الوقتِ الذي اتُّفِقَ عليه، ثمَّ يقومُ بتسليمِها للعميلِ في الأجَلِ المحدَّدِ (في العقدِ الأول)؛

§   يقومُ العميلُ بتسديدِ ثمنِ السلعةِ، ويتضمَّنُ الثمنُ تكلفةَ الصنعِ مضافاً إليها هامشُ الربحِ.

ثالِثاً: كيفيةُ التمويلِ طويلِ الأجَلِوالتي تتمثَّلُ في المضارَبةِ والمشاركةِ بأنواعهِما المختلفةِ:

أ- كيفيةُ التمويلِ بالمضارَبةِ: تُعتبَرُ المضارَبةُ أداةً تمويليةً ممتازةً جِدَّاً بالنسبةِ للمبتكِر أو المبدِع؛ حيث يُمكِنُه تطبيقُ  ابتكاراتِه وإبداعاتِه كافّةً وإخراجُها من المخابِر والدفاتِر إلى السوقِ؛- حتى وإنْ لم يكُنْ لديهِ أيُّ مبلغٍ من المالِ-؛ ولكنْ لابُدّ له أنْ يستثمِرَ جهدَه كلَّه؛ حتى لا يُقَصِّرَ في الأمانةِ الموكَلَةِ إليه؛ لأنّه إن ثبَتَ عليه التقصيرُ فسوفُ لن يَخسَرَ جهدَه فحَسْب؛ وإنّما تقعُ عليه الخسارةُ المادِّيةُّ أيضاً.

وقد اعتمدَت المصارفُ الإسلاميةُ تطبيقاً خاصَّاً لعقدِ المضاربةِ، يقومُ على مفهومِ المضاربةِ المشتركةِ، والتي تُطبَّقُ كالتالي[6]:

الخُطوةُ الأُولى: يجري فيه تجميعُ مدَّخراتِ أصحابِ رؤوسِ الأموالِ بصورةٍ انفراديةٍ لدى المصرفِ، و يُبْرِمُ معهُم المصرفُ عقداً يُحدِّدُ فيه مدَّةَ المضاربةِ وكيفيةَ توزيعِ الأرباحِ و شروطَها، وكلَّ ما يتعلَّقُ بعقدِ المضاربةِ من أحكامٍ.

الخُطوةُ الثانيةُ: يقومُ المصرفِ بدراسةِ فُرَصِ الاستثمارِ المتاحةِ وبدائلِها، و تقييمِ المشروعاتِ الإنتاجيةِ المتاحَةِ للتمويلِ، وتحديدِ مدى اتساقِها مع أولوياتِ الاستثمارِ الإسلاميِّ، كما يُجري المصرفُ دراسةَ (الجدولِ، وإمكاناتِ الربحِ، واحتمالاتِ الخسارةِ).

الخُطوةُ الثالثةُ: وفيها تسلَّمُ الأموالُ إلى المستثمِرينَ كُلٌّ على حِدَةٍ، مع تحديدِ شروطِ المضاربةِ معهُم، مع مراعاةِ الدِّقَّةِ في اختيارِ المستثمِرينَ (المضارِبينَ)، والدِّقَّةِ في عَرضِ نِسَبِ الربحِ المقسومةِ.

الخُطوةُ الرابعةُ: وهي المرحلةُ النهائيةُ؛ و فيها تحتَسَبُ الأرباحُ، ويُعادُ رأسُ المالِ؛ فيحصلَ أصحابُ رؤوسِ الأموالِ على النسبةِ المحدَّدةِ في العقدِ عند استحقاقِ الأجَلِ، أمّا المستثمِرونَ فإنَّهُم يحصلونَ على حِصَّتِهم مِن الربحِ على الاتفاقِ المبرَمِ مع المصرِفِ على أن يكونَ نسبةً من الأرباحِ.

أ- كيفيةُ التمويلِ بالمشاركةِ:التمويلُ بالمشاركةِ أحدُ الأشكالِ المتاحةِ أمامَ المصرفِ الإسلاميِ؛ لتوظيفِ أموالهِ, وأمامَ المبتكِرِ؛ لتجسيدِ المشاريعِ الكبرى التي تتطلَّبُ رأسَ مالٍ كبيرٍ؛ وذلك يعني: مساهمةَ كُلٍّ مِن (المصرفِ والعميلِ) في المشروعِ؛ ممّا يترتَّبُ عليه الاستفادةُ من خِبرَةِ المصرفِ في (الإدارةِ، والتسيير،ِ والإشرافِ) وشريكاً في كُلِّ ما يترتَّبُ عليه مِن (ربحٍ أو خسارةٍ).

وعادة ما يكونُ التمويلُ محدَّداً بِمُدَّةٍ مُعيَّنةٍ، ولتنفيذِ مشروعٍ معيَّنٍ، وتكونُ المشاركةُ إمّا في (مشروعٍ جديدٍ)، أو ب(توفيرِ أموالٍ إضافيةٍ للمؤسساتِ القائمةِ)، ويتمُّ تقسيمُ الأرباحِ ب(طريقةٍ متَّفَقٍ عليها مُسبَقاً)، واقتسامُ الخسائرِ ب(صورةٍ تتناسبُ مع المساهمَةِ في رأسِ المالِ)، ويُمكنُ في هذه الحالةِ أن يتدخَّلَ (بنكٌ، أو شركةٌ خاصَّةٌ) في مُمارَسةِ هذا الأسلوبِ في شراكةٍ مع (مشروعٍ صغيرٍ، أو عدَّةِ مشروعاتٍ صغيرةٍ ومتوسطةٍ)؛ حيث يُشارِكُ كُلٌّ مِنها في رأسِ المالِ المملوكِ، ويُمكِنُ أن يُشارِكَ في إدارةِ المشروعِ، ويمتلكَ اقتسامَ (الأرباحِ والخسائرِ) طِبقاً لمساهمتِهم في رأس المال[7].

§   أنواعُ التمويلِ بالمشاركةِ: يُمكِنُ القولُ بأنّ صيغةَ المشاركةِ التي تستخدمُها المصارفُ الإسلاميةُ هي صيغة "شركةِ العنانِ" والتي تُعرَّفُ بأنّها: "شركةٌ بينَ شخصَينِ في شيءٍ خاصٍّ دونَ سائرِ أموالِها، و تقومُ على أساسِ اشتراكِ شخصينِ، أو أكثرَ في رأسِ المالِ والعملِ، وتوزيعِ أرباحِه و خسائِره[8].وهذا التمويلُ يكونُ على شكلينِ أساسَينِ؛ الأوّلِ: المشاركةِ الدائمةِ، والثاني: المشاركةِ المتناقصةِ المنتهيةِ بالتمليكِ.

§   المشاركةُ الدائمةُ أو المستمرةُ: المشاركةُ الدائمةُ هي التي يدخلُ المصرفُ فيها ك(شريكٍ بالمالِ مع شخصٍ، أو مجموعةِ أشخاصٍ)؛ لإنشاءِ مشروعٍ مُعيَّنٍ، بنِسَبٍ متساويةٍ أو متفاوتةٍ؛ حيث يمتلِكُ كلُّ مشاركٍ حصَّةً مِن رأسِ المالِ بصفةٍ دائمةٍ، و يستحقُّ بمَوجِبها جُزءاً مُعيَّناً من الأرباحِ، كما يتحمَّلُ الخسارةَ إن وقعَت، ويصبحُ الأطرافُ شركاءَ في (المِلكيةِ، والتسييرِ، والرقابةِ) إلى أن يتمَّ إنجازُ المشروعِ، أو تُصفَّى الشركةُ[9].

§   المشاركةُ المنتهيةُ بالتمليكِ: يُعَدُّ التمويلُ بالمشاركةِ المتناقصةِ شكلاً من أشكالِ المشاركةِ التي تُتوَّجُ في النهايةِ بِملكيَّةِ العميلِ للأصلِ أو المشروعِ؛ إذ يتمثَّلُ هذا النوعُ من التمويلِ في قيامِ المصرفِ بتمويلِ مشروعٍ مُعيَّنٍ، ويُوزّعُ صافي نتائجِ أعمالِ الشركةِ على الطرفينِ حسبَ الاتفاقِ، على أن يُوجَّهَ جُزءٌ مِن نصيبِ العميلِ في أرباحِ الشركةِ؛ لتسديدِ أصلِ الدَّينِ، فإذا ما تمَّ التسديدُ على هذا النحوِ آلتْ مِلكيةُ المشروعِ بالكاملِ إلى العميلِ[10].

ج- مزايا التمويلِ بالمشاركةِ: يُمكِنُ ذِكْرُ أهمِّ المزايا كما يلي:

بالنسبةِ للبنكِ الإسلاميِّ:تحقيقُ نشاطاتٍ مُستمرَّةٍ عن طريقِ *استثماراتٍ متوسطةٍ وطويلةِ المدى؛

*الاستفادةِ من أرباحِ المشروعِ؛* المشاركةِ في العملياتِ الإنتاجيةِ؛ *الاستفادةِ مِن خِبراتِ أصحابِ المشروعِ؛ *الاستفادةِ من القيمةِ التجاريةِ للمشروعِ؛ *الاستفادةِ من القيمةِ المضافةِ للأسهُمِ.

بالنسبةِ لأصحابِ الابتكارات: *تقويةُ قُدراتهِم الماليةِ؛ *تلاؤمُ التمويلِ مع نشاطِ المشروعِ؛ *تخفيضُ ضغوطِ وكلفاتِ التمويلِ بها؛ *تقويةُ تنافسيَّتِهم.

بالنسبةِ للمجتمعِ:*تأهيلُ المشاريعِ لمقاومةِ المنافسةِ الدوليةِ؛ *إنقاذُ المشاريعِ المتعثِّرة؛* تطويرُ المجتمعِ وتحقيقُ الرفاهيةِ؛ *إيجادُ فُرَصِ عملٍ إضافيةٍ؛ *ضمانُ الاستقرارِ.

الخاتمة:

تبيَّنَ فيما سبقَ: أنّ أهميةَ التمويلِ الإسلاميِّ للابتكاراتِ نابعٌ من خصائصِ التمويلِ الإسلاميِّ المستمدَّةِ من الشريعةِ الإسلاميةِ، وتبيّنَ كذلكَ أنّ هناك عدَّةَ خصائصَ للتمويلِ الإسلاميِّ؛ والتي أدَّتْ إلى الاختلافِ بين التمويلِ الإسلاميّ عن التمويلِ الربويّ. وقد تمَّ التوصُّلُ إلى:

-إمكانِ إقامةِ وتحقيقِ مشروعٍ ولو بدونِ تمويلٍ ذاتيٍّ؛

- العملُ المصرفيُّ الإسلاميُّ لا يرتكزُ على قاعدةِ"الغُنْمِ بالغُرْمِ" فحسب؛ وإنّما على ضرورةِ حفظِ حقوقِ الأطرافِ كافّةً القائمةِ على المشروعِ حتّى لا يُؤخَذَ مالُ الناسِ بالباطلِ؛

- تضمَنُأدواتُ التمويلِ الإسلاميِّ تشغيلَ المواردِ والطاقاتِ، وتعملُ على تنميتِها وعدمِ تبديدِها؛

- تمويلِ الابتكاراتِ عن طريقِ صيغةِ الاستصناعِ يُعطي دافعاً قوياً؛ لتجسيدِ البحوثِ العلميةِ في الواقعِ.

قائمة المراجع :

1-  عبد الحليم عمر، الأدوات المالية الإسلامية للتمويل الحكومي"، ندوة الصناعة المالية الإسلامية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، الإسكندرية،( 15-18 أكتوبر 2000).

2-  علي أحمد السالوس، فقه البيع والاستيثاق والتطبيق المعاصر، مكتبة دار القرآن، ط8، مصر، (2009).

3-  مصطفى محمود محمد، آلية تطبيق عقد الاستصناع في المصارف الإسلامية، بحث مقدم إلى مؤتمر المصارف الإسلامية بين الواقع والمأمول بدبي في الفترة 31( ماي 3 جوان 2009)، الإمارات العربية.

4-  سكينة غواس: أدوات التحليل المالي في العارف الإسلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد، جامعة سكيكدة، الجزائر، (2006 ).

5-  إبراهيم جاسم جبار اليساري، إشكالية تطبيق عقد المضاربة في المصارف الإسلامية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة الكوفة، العراق،( 2009).

6-    شلابي عمار وطيار أحسن, أساليب التمويل الإسلامي كأداة لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة, بحث مقدم للملتقى الوطني التاسع حول أداة سعر الفائدة وأثرها على الأزمات الاقتصادية المنعقد في( 09-10 ماي 2010) بجامعة سكيكدة، الجزائر.

7-  عائشة الشرقاوي المالقي، البنوك الإسلامية بين التجربة والفقه والقانون والتطبيق، المركز الثقافي العربي، المغرب، (2000).

8-  إلياس عبد الله سليمان، تطوير آليات التمويل بالمشاركة في المصارف الإسلامية دراسة حالة الأردن، أطروحة دكتوراة غير منشورة، جامعة اليرموك، الأردن، (2007).



[1]- (عبد الحليم عمر)، الأدوات المالية الإسلامية للتمويل الحكومي"، ندوة الصناعة المالية الإسلامية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، الإسكندرية،( 15-18 أكتوبر 2000)، ص (45-47).

[2]-(علي أحمد السالوس)، فقه البيع والاستيثاق والتطبيق المعاصر، مرجع سابق، ص ( 892،893 ).

[3]- (مصطفى محمود محمد)، آلية تطبيق عقد الاستصناع في المصارف الإسلامية، بحث مقدم إلى مؤتمر المصارف الإسلامية بين الواقع والمأمول بدبي في الفترة 31( ماي 3 جوان 2009)، الإمارات العربية، ص (14،15).

[4]- (مصطفى محمود محمد)، مرجع سابق، ص 16.

[5]- (سكينة غواس): أدوات التحليل المالي في العارف الإسلامي، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد، جامعة سكيكدة، الجزائر، (2006 )، ص (47،48).

[6]- (إبراهيم جاسم جبار اليساري)، إشكالية تطبيق عقد المضاربة في المصارف الإسلامية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة الكوفة، العراق،( 2009)، ص  (99،100).

[7]- (شلابي عمار وطيار أحسن), أساليب التمويل الإسلامي كأداة لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة, بحث مقدم للملتقى الوطني التاسع حول أداة سعر الفائدة وأثرها على الأزمات الاقتصادية المنعقد في( 09-10 ماي 2010) بجامعة سكيكدة، الجزائر, ص356

[8]- (إبراهيم جبار جاسم اليساري)، مرجع سابق، ص 103.

[9]- (عائشة الشرقاوي المالقي)، البنوك الإسلامية بين التجربة والفقه والقانون والتطبيق، المركز الثقافي العربي، المغرب، (2000)، ص 372.

[10]- (إلياس عبد الله سليمان)، تطوير آليات التمويل بالمشاركة في المصارف الإسلامية دراسة حالة الأردن، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة اليرموك، الأردن، (2007)، ص 65.