العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مشكلات القياس في ظل فساد النقد وكساده

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

إنّهُ لا يُتصوَّرُ أيُّ قياسٍ إلِّا خلالَ فترةٍ من الزمنِ؛ حيث تتمُّ عمليةُ القياسِ بينَ تاريخَينِ للحصولِ على تغيُّرِ الشيءِ المُقاسِ، والتغيُّر يكونُ إمّا (زيادةً، أو نُقصاناً).

وأفسدَ الشيءَ أبارَهُ وهذا خِلافُ صلاحِه، أمّا كسادُ الشيءِ فهُو عدمُ نفادِه وهو خِلافُ نَفَاقِه؛ فالسوقُ الكاسِدَةُ هي السوقُ البائرةُ، والكسادُ هو شكلٌ من أشكالِ الفسادِ، والفِعلانِ كِلاهُما: "فَسَدَ وكَسَدَ" لا يكونانِ إلّا مَنسوبَينِ لفاعلٍ، فيُقالُ: (أفسدتُه، وأفسدَه، وأفسدَوه)، كما يُقال (أكسدَه القومُ وأكسدُوه) وما شابَه؛ فالفسادُ - عُموماً- لا يكونُ فِعلاً ذاتيّاً؛ بل لابُدَّ له مِن فاعلٍ يفعلُه، فـ"الأصلُ في الأشياءِ التوازنُ والصّحَّةُ"، فالخالقُ تعالى يقول: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) ﴿١٩﴾ الحجر، أمّا تدخُّلُ الإنسانِ بغيرِ وجهِ حقٍّ فمُفسِدٌ للأشياءِ؛ لذلك يقولُ المولى عزَّ وجلَّ: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ﴿٤١﴾ الروم. وظَهَرَ الشيءُ بانَ، وظَهَرَ فسادُ الشيءِ بانَ عدمُ صلاحِه، وهذا فِعلُ بعضِ الناسِ وشِرارِهم، وقد نَسَبَ اللهُ تعالى الفسادَ لِفعلِ فِرعونَ الذي ادّعى الإيمانَ بعدما أيقنَ أنّه غارقٌ لامحالةَ: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ﴿٩١﴾ يونس.

 كما يُعتبَرُ بَخسُ الناسِ أشياءَهم فساداً؛ بل هو فسادٌ في الأرضِ لِما له مِن نتائجَ سيِّئةٍ؛ لقولِه تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ﴿١٨٣﴾ الشعراء. و"التلاعُبُ بوزنِ الأشياءِ حَرفُها عن التوازنِ وهذا فسادٌ"؛ فالبائعُ الذي يتلاعبُ بالميزانِ هو بائعٌ مُفْسِدٌ، والذي يغشُّ المِكيالَ هو بائعٌ مُفسِدٌ، وكذلك مَن يتلاعبُ بميزانِ الأشياءِ؛ لِيبْخَسَ الناسَ حُقوقَهُم مُفسِدٌ عائثٌ في الأرضِ، ويشملُ ذلك المحاسبَ والشريكَ المؤتمن (أسماه المالكية بالشريك المدير). ولمّا كانت النقودُ سِلعاً وسيطةً مَهمَّتُها وزنُ أشياءِ المتبادِلينَ بالعدلِ؛ ف(إنّ التلاعبَ فيها فسادٌ ومُفسِدٌ للتعاملِ بين الناسِ، ومُضيعٌ لحقوقِهم، وفاعِلُها فاسِدٌ مُفْسِدٌ)كـ (فرعونَ وأمثالِه)، يقولُ اللهُ تعالى على لسانِ سيِّدنا شُعيبٍ عليه السلامُ: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖوَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٨٥﴾ هود.

ولمّا كانَ (العدلُ قطبَ الإسلامِ ومِحورَه)، و"العدلُ هو نقيضُ الظلمِ" الذي طلبَ مِنّا نبيُّنا مُحمَّدٌ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تجنُّبَه؛ فقالَ في روايةٍ لِجابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه: "اتَّقُوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ".

وقد وجاءَ فعلُ (ظلم) وتصريفاتُه ٣١٥ مرَّةً في كتابِ اللهِ تعالى؛ فحرَّمَ اللهُ تعالى الظلمَ أيّاً كان (نوعُه، ومَصدرُه ومُصدِّرهُ)؛ بل أحلَّ العُدوانَ على الظالمينَ فقال عزَّ وجلَّ: (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) ﴿١٩٣﴾ البقرة؛ لذلك فإنَّ ردَّ ظُلْمِ فسادِ النقودِ وكسادِها أمرٌ لا غِنىً عنه؛ بل يقعُ على أولئك الظُّلّامِ ما يقعُ على الأعداءِ؛ فـ "المالُ من الضرورياتِ، والاعتداءُ عليهِ كالاعتداءِ على النفسِ" فكِلاهُما فيه الحياةُ وبه؛ لذلك لابُدَّ مِن رفعِ الظلمِ عمَّنَ بُخِسَ حقُّهُ بفسادِ النقدِ بينَ المُتبادِلينَ بردِّ الحقِ الصحيحِ لصاحبِه. وقد "نهَى نبيّنا مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كَسْرِ سِكَّةِ المسلمينَ"؛ لأنّ في كسرِها تضييقاً على المتبادِلينَ؛ حيث يقلُّ عَرضُ النقودِ المتداوَلةِ فيزدادُ سِعرُ صَرفِها تُجاهَ غيرِها من النقودِ، وتتغيَّرُ موازينُ التبادُلِ بين الناسِ، وكذلكَ بينَ الأسواقِ؛ فتميلَ الكِفَّة يَمنةً أو يَسرةً وتتخلخلُ الحقوقُ وتتلاشى. فإنْ كانَ تغيُّرُ عَرضِ النقودِ نتيجةَ ظروفٍ طبيعيةٍ وبسببِ حالةِ الأسواقِ فهذا أمرٌ مقبولٌ، وإنْ كان بفعلِ فاعلٍ فهذا منهيٌ عنه، فمِنَ الناس من يسحبُ النقودَ المعدِنيةَ مِن السوقِ لِيصهَرَها ويأخُذَ معدِنَها الذي يُساوي أكثرَ مِن قيمتِه السُّوقيَّةِ كنَقدٍ، وهناكَ مَن يحتكِرُ نوعاً من النقودِ؛ لِيُغلِي سِعرَها مُستغلِّاً بعضَ الظروفِ الاستثنائيةِ التي تفرضُها حروبٌ، أو (سياساتٌ نقديةٌ وماليةٌ واقتصاديةٌ غيرُ سليمةٍ). ومِن تلك السياسات:

- سياساتٌ نقديةٌ غيرُ سليمةٍ؛ كـ (تطبيقِ الرِّبا في المعاملاتِ، أو ما يُسمّى بـ "الفائدة الرِّبويَّة")؛ حيث يُنظَرُ للمالِ كسلعةٍ فيباعُ ويُشترى بثمنٍ كما تُباعُ السِّلَعُ في الأسواقِ؛ فالتاجرُ الذي يشتري التفاحَ بمائةٍ سيبيعُه بمائةٍ وعشرةٍ؛ لِيُحَقِّقَ ربحاً نتيجةَ عملٍ إضافيٍّ بذلَهُ كـ (نَقلِه، أو إعادةِ تغليفِه، أو إدخالِه في عملياتٍ صناعيّةٍ مُحدَّدةٍ)؛ لكنَّ هذا القياسَ لا يصحُ في المالِ؛ لأنّه وسيطُ تبادُلٍ، والوسيطُ ينبغي عليه أنْ يكونَ حِياديَّاً؛ لذلكَ لا يصحُّ تدخُّلُ البنكِ المركزيِّ - وأصلُ فِكرتِه أنّه بنكُ الحكومةِ التي تمثِّلُ مصالِحُ الناسِ- فيبيعُ ويشتري النقودَ بفارقٍ يمثِّلُ- برأي المَدرسةِ النقديةِ- رِبحاً أوَّليَّاً يُسمّى (اللايبور أو السايبور) وما شابَهه مِن تسمياتٍ تخصُّ كلَّ سُوقٍ بسُوقِه. ثمَّ تتبعُه المصارفُ التجاريَّةُ - أي الرِّبويَّةُ - بإعادةِ إقراضِ المالِ للناسِ المُحتاجِينَ له بعائدٍ يفوقُ مُعدَّلَ (اللايبورLIBOR)؛ لكسبِ مَزيدٍ مِن الرِّبا المُحرَّمِ؛ فـ "المالُ لا يلدُ المالَ بنفسِه دونَ تثميرِ فاعلٍ"، والمالُ دورُه لا يَعدو عن وسيطِ تبادُلٍ بين السلَعِ والخَدماتِ في السوقِ.

فإن احتاجَ الناسُ بيعَ هذا الوسيطِ وتبديلِه بوسيطٍ آخَرَ اشترطَ نبيُّنا صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لذلكَ ضابطِ (القبْضِ في المجلسِ) لمنعِ تداولِه كغَيرِه من السلعِ؛ حتّى لا يُؤدِّي ذلك الصرفُ إلى ضخِّ نقودٍ في السوقِ، فهذا عَرضٌ للنقودِ يتناسبُ وزمنَ التأجيلِ فيه؛ فيكونُ تغييراً لِكميَّتِه المَعروضةِ M2دونَ سببٍ حقيقيٍّ، وهذا ما يُؤدِّي إلى تضخُّمٍ مؤذٍ  بين الناسِ. وكذا هو فِعلُ الرِّبا المُحرّمِ؛ حيث يعترفُ أصحابُ المدرسةِ النقديةِ بمعدَّلٍ سنويٍّ للفائدةِ - سعرِ بيعِ المالِ-؛ فتراهُم يُجدِّونَ السيرَ في احتسابِ القيمةِ الحاليَّةِ والقيمةِ المستقبليَّةِ له، فإنْ بلغَ المُعدَّلُ مَثلاً ١٠٪ فإنّ زيادةً سنويةً واقعةً في التكاليفِ يُقابلُها اعترافٌ بنقصِ قيمةِ النقودِ؛ حتّى تتلاشى قيمتها بعدَ عشْرِ سنواتٍ - كما في مِثالِنا المَذكورِ-.

- سياساتٌ ماليةٌ غيرُ سليمةٍ: كفَرضِ الضرائبِ على الأعمالِ والناسِ؛ حيث تزدادُ التكاليفُ دونَ مُسوِّغٍ حقيقيٍّ فترتفعُ الأسعارُ دونَ وجْهِ حقٍّ، وتنخفضُ القوَّةُ الشرائيةُ للنقودِ ويكونُ تضخُّماً في السوقِ؛ بسببِ هذا الفعلِ الذي يُقصَدُ منه تمويلُ الإنفاقِ الحكوميِّ المُستساغِ، بينما يكونُ ضابطُ الكفاءةِ بأن  تفهمَ الحكوماتُ وتتدبَّرَ إيراداتٍ تخصُّها مِن أعمالٍ مُجْديةٍ، وألّا تتوسَّعَ في التوظيفِ والإنفاقِ على أعمالِها التي تتمثَّلُ برعايةِ مصالحِ الناسِ.

- سياساتٌ اقتصاديةٌ غيرُ سليمةٍ: كالتي تؤدِّي إلى رفعِ الأسعارِ وحُصولِ التضخُّمِ المُفسدِ للأسعارِ؛ وذلك بالسماحِ بالاحتكاراتِ، وتطبيقِ أنظمةِ الحِصَصِ (الكوتا) وما شابَهها لِفئةٍ مِن الناسِ دونَ غيرِهم دونَ وجْهِ حقٍّ.

وعلى أيِّ حالٍ لابُدَّ مِن التفريقِ بين عِبارَتي العُملةِ والنقدِ؛ فيُقالُ عن النقدِ المحليِّ عُملةٌ، ويُقالُ عن النقدِ العالَميِّ نقداً، والفارقُ بينهُما هو مدى الاعترافِ؛ فالأوَّلُ الاعترافُ به محليٌّ، والثاني يَحظى باعترافٍ عالَميٍّ، ومثالُ ذلكَ الليرةُ السوريةُ والدولارُ الأمريكيُّ مثلا. وقد حظِيَت العُملةُ الصينيَّةِ مُؤخَّراً باعترافٍ عالَميٍّ بعدما دخلَت رسميّاً في تقييمِ حقوقِ السحبِ الخاصَّةِ الدوليةِ؛ فصارتْ نقداً باعترافِ أكبرِ المؤسَّساتِ النقديةِ العالَميةِ.

وقد تناولَ كثيرٌ من الفقهاءِ مسائلَ فسادِ النقودِ وكسادِها كـ (الإمامِ مُحمَّد بنِ حسنٍ الشيبانيِّ الحَرستانيِّ الأصلِ، والإمامِ أبي جَعفرٍ الدمشقيِّ) وغيرِهما، وعليه فقَد تغيَّرَت أحكامُ التعاملِ بالنقودِ باختلافِ طبيعتِها، الذي مَردُّه فسادُ الحُكَّامِ والناسِ على حَدٍّ سواءِ.

فالنقودُ يُمكِنُ الاستغناءُ عنها بالتبادُلِ العَينيِّ أو السِّلَعيِّ وهو ما يُسمّى بـ (المُقايضةِ)، وهذه  حالُ الأسواقِ القديمةِ جِدّاً؛ لكنَّه تبادلٌ لا ينقضي حالُه؛ فحتّى أعتى الأسواقِ حاليَّاً تُعنى بالتبادلِ السِّلَعيِ وتمارِسُه بما يُسمّى Swapوهو تبادلُ المقايَضةِ نفسُه المعروفُ والمُمارَسُ في أقدمِ أسواقِ البَشرِ.

وقد شهدَت النقودُ تغيُّراتِ بحسبِ المكانِ والزمانِ؛ فالبلادُ الشاطئيةُ تنظرُ للملحِ على أنَّه نقدٌ لِما لَه مِن رَواجٍ واعترافٍ بينَ سُكَّانِ تلك البلادِ، ويُنظَرُ للتمرِ في البلادِ الصَّحراويةِ على أنَّه كذلك، ويُنظَرُ للحيواناتِ كـ (الإبلِ، والماشيةِ) في البلادِ التي تشتهِرُ بالرعي، واجتهَدت بعضُ الحضاراتِ باختراعِ نُقودٍ من (الحَجرِ، وأوراقِ الشجرِ، والمعادِن)؛ بل وجعَلوا لها نُقوشاً تخصُّها لتمييزِها بين الناس.

ثمَّ التفتَ الناسُ للمَعدِنينِ البرّاقَينِ الذَينِ جعلَ اللهُ فيهِما الثمنيَّةَ خِلقَةً فلا تبلَى ثمنيَّتُهما أبدَ الدهرِ، وقد أشارَ القُرآنُ الكريمُ لذلكَ في قِصَّةِ أصحابِ الكهفِ: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) ﴿الكهف: ١٩﴾، فالورِقُ أي الفِضَّةُ بقِيَ معهُم كلُ فترةِ نومهِم في الكهفِ والبالغة (٣٠٩ سنوات)؛ لقولِه تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) ﴿٢٥﴾ الكهف. والمَعدِنانِ الثمينانِ هما الذهبُ والفِضَّةُ، حافظَ الذهبُ على مكانتِه تاريخيَّاً وتخلَّفَتِ الفِضَّةُ عنه؛ لذلك عَرَفَ المسلمونَ النقودِ من الذهبِ والفضَّةِ فسمَّوها دنانيرَ ودراهِمَ، ثمَّ بفسادِ الحُكَّامِ و الأمراءِ والناسِ ولأغراضِ التوسُّعِ في عرضِ النقودِ، صارتْ أغلبُ النقودِ مِن الذهبِ والفضَّةِ بعدما خلطُوها بمعادِنِ(النحاسِ، والحديدِ، والنيكلِ)، ثمَّ صارَ أغلبهُا مِن غيرِ الذهبِ والفضَّةِ، ثمَّ صارَت فُلوساً أيّ: ليس فيها شيءٌ من الذهبِ والفضَّةِ، ثمَّ عرفَ الناسُ النقودَ الورقيةَ ثمَّ المصرفيةَ، ولن تستقِرّ حالُ الناسِ على حالٍ، وقد بدأ رواجُالنقودِ الإلكترونيةِ في هذه الأيام؛ ومنها (البيتكوين)، ولكلِّ نوعٍ من تلكَ النقودِ ما يَضبِطُه.

وعليه تغيَّرتْ أحكامُ النقودِ ولم تستقرَّ على حالٍ؛ فالإمامانِ (أبو حنيفةَ النعمان والشافعيُّ المطلبيُّ) - رحمَهُما اللهُ تعالى- قالا في المِثليَّةِ؛ أيِّ: إذا استدانَ شخصٌ مِن آخرَ مبلغاً قدرُه ١٠٠٠)فعليهِ أن يُعيدَ مِثلَهُ) أيّ: ليس وحداتِ ال ١٠٠٠ المقترَضةِ نفسِها؛ بل مِثلَها(، ثمَّ تغيَّرت أحوالُ النقودِ وتغيَّرَ صرفُها، وبما أنّ "النقدَ وسيلةٌ لا غايةً في التبادلِ بينَ الناسِ فقد وجب المحافظة على العدلِ بالمحافَظةِ على حقوقِ الناسِ"؛ لذلك نجدُ أنّ القاضي أبا يُوسُفَ وهو الطالبُ المُجِدُّ عند الإمامِ الأعظمِ أبي حنيفةَ  قد حكَمَ بالثمنيَّةِ ليُقيمَ العدلَ بينَ المُتخاصِمينَ، ولم ينظُرْ للمثليةِ فراعَى العدلَ ولم يُراعِ حُكْمَ أستاذِه أبي حنيفةَ النُعمانِ، وكذلك فعلَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ حسنٍ الشيبانيُّ وهو الطالبُ المُجِدُّ كذلكَ عند أستاذهِ أبي حنيفةَ النعمانِ فقال بالثمنيَّةِ عندَ (فسادِ النقدِ، أو كسادِه). فماذا يفعلُ الدائنُ بالنقودِ إذا أتاه مَدينُه يستوفيهِ دَينَهُ بمِثلِها وقد فسَدَتْ قِيمتُها ولم تَعُدْ تُمثِّلُ القيمةُ نفسُها التي كانت تمثِّلُه مِن قِيَمٍ - أي من سِلَعٍ وخَدماتٍ وبضائع؟

وكذلك فقد جاءَ الإمامُ ابنُ سُحنون رحمهُ اللهُ - وهو مالِكيُّ المذهبِ- بمِعيارٍ ضابطٍ يُماثلُ ضابطَ الإمامِ الشيبانيِّ فقالَ بـ "الثمنيّةِ عندَ الجائِحَةِ"، وفي العصرِ الحاليِّ اعتبَرَ الإمامُ الفقيهُ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيَّه- حفظَه اللهُ - (وهو مالِكيُّ المذهبِ) التغيُّرَ إذا بلغَ الثلُثَ؛ حيث يجبُ التعويضُ. أمّا الإمامُ المُحقِّقُ ابنُ عابدينَ- رحمه اللهُ- (وهو حنفيُّ المذهبِ)  فأضافَ الصلحَ بين الدائنِ والمَدينِ؛ لِيُحافِظَ على التراضِي بينُهما بوصفِهما مُتبادِلينِ. وقد حصلَ التراضي في عقدِ مجلسِ بيعِهما، لذلك ف(حَريٌّ بهما إقامةُ العدلِ بينهُما في مجلسِ السِّدادِ بالإبقاءِ على التراضي للمُحافظةِ على حُسْنِ التعاملِ بينَ الناسِ )؛ فـ "الإحسانُ صفةٌ لازمةٌ للمسلمِ"، وفيها بُعدٌ اجتماعيٌّ أمرَ اللهُ تعالى به فأوصى الدائنَ بإنظارِ المُعسرِ فقالَ عزَّ وجلَّ: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ۚوَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖإِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٨٠﴾ البقرة، و (الإيسارُ يكون بإمهالِه زَمناً، أو بالوضعِ عنه كمّاً)؛ فقد رَوى عبدُ اللهِ بنُ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنه أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمّا أجلى يَهودَ بني النضيرِ قالوا: إنّ لنا دُيوناً لمْ تحِلَّ فقال: ضَعُوا وتعجَّلُوا. ورَوى أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنه: كانَ لِرَجُلٍ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ سِنٌّ مِن الإبلِ فجاءَ يتقاضاهُ، فقال: أعطُوه، فطلَبوا فلم يَجدِوا إلّا سِنًّا فوقَ سِنِّهِ، فقال: أعطُوه، فقالَ: أوفَيتَنِي أوفاكَ اللهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: (إنَّ خيارَكم أحسنُكم قضاءً)، فانقلبت الزيادة في الدَّين مِن رباً مُحرَّمٍ إلى إحسانٍ؛فالأُولى كانت في مجلسِ العقدِ، والثانيةُ كانت في مجلسِ السِداد وشتّانَ شتّانَ ما بينَ الحالةِ الأولى والحالةِ الثانيةِ.

ويُعتبَرُ حديثُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (لا ضررَ ولا ضِرارَ) الحاكمَ في ذلكَ كُلِّه، فإنْ وقعَ الضَّررُ فالواجِبُ أنّ "الضَّرَرَ يُزالُ"، وما أصابَ أحدَ أطرافِ التبادُلِ من ظُلمٍ وجبتْ إزالتُه، فإنْ عَجَزَ الباغي عن ردِّ الحقِّ لِمَن بُغِيَ عليه فقَد أدخَلَ نفسَه في شيءٍ عظيمٍ؛ إلّا أن يُسامِحَ صاحِبُ الحقِّ بحقِّه كلِّهِ أو بعضِه نُزولاُ عندَ قولِ اللهِ تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ… ﴿٢٨٦﴾ البقرة، فلرُبَّما كان المَطلُ مردُّه النسيان والخطأ، أمّا إن كان عن غنىً فهو ظُلمٌ لقولِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم: (مَطلُ الغنيِّ ظُلمٌ).وأمّا إن كان سببُه أخذَ أموالَ الناسِ بالباطلِ وبنيّةٍ سيئةٍ، فقَد دعى عليه صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم قائلاً: (مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى اللهُ عنهُ، ومَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافَها أتلفَهُ اللهُ).

و"المالُ في التشريعِ الإسلاميِّ أوسعُ من النقدِ"، فقَد عرَّفَه الغزاليُّ تعريفاً شاملاً في إحيائِه فقالَ هو: "عبارةٌ عن أعيانِ الأرضِ وما عليها ممّا ينتفعُ به، وأعلاها الأغذيةُ ثمَّ الأمكنةُ التي يأوي الإنسانُ إليها وهي الدُّورُ، ثمَّ الأمكنةُ التي يَسعى فيها للتعيّشِ كـ (الحوانيتِ، والأسواقِ، والمَزارعِ)، ثمَّ الكسوةُ، ثمَّ أثاثُ البيتِ وآلاتُه، ثمَّ آلاتُ الآلاتِ، وقد يكونُ في الآلاتِ ما هو حيوانُ كـ (الكلبِ آلةِ الصيدِ)، و(البقرِ آلةِ الحِراثةِ)، و(الفرسِ آلةِ الركوبِ في الحربِ)". أمّا المالُ بمعنَى النقودِ؛ فقد رأى الغزاليُّ أنّ اللهَ تعالى خلقَ الدنانيرَ والدراهمَ حاكِمَين ومُتوسِّطينَ بينَ سائرِ الأموالِ؛ حتى تُقدّرَ الأموالُ بهِما، والنقدُ لا غَرضَ فيه وهو وسيلةٌ إلى كلِّ غَرضٍ.

ومِن المُفيدِ تتبُّعُ سلوكِ الفاروقِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه في معالجتِه للقياسِ عند التضخُّمِ وفسادِ النقودِ، أو كسادِها ؛لِنبنِيَ عليه حُلولَنا. فمِمّا حصلَ من أحداثٍ اقتصاديةٍ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ غَلَتِ الإبلُ (وهي مقدارُ الدِّيَةِ التي حدَّدَها صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، ورَخصَتِ الدراهمُ والتي يُسدَّدُ فيها الثمنُ- أحياناً - وهذا ما يُسمَّى بالأدبيّاتِ الاقتصاديةِ المعاصرةِ بالتضخُّمِ، فـ "النقودُ لا تمثِّلُ كميةَ السلعِ والخَدماتِ نفسها التي كانت تُمثِّلُها سابِقاً" فكيف كانَ سلوكُ الفاروقِ رضيَ اللهُ عنه وهو صاحِبُ الفضلِ العظيمِ في نُشوءِ وقيامِ الاقتصادِ الإسلاميِّ كـ (عِلْمٍ ومُمارَسة) بعد فضلِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وصاحبِه الصِّدِّيقِ أبي بكرٍ رضيَ الله عنه؟

لقد ذكرَ عُبَادَةُ بْنِ الصَّامِتِ في جُزءٍ من حديثٍ طويلٍ: (إِنَّ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ: … وَقَضَى فِي دِيَةِ الْكُبْرَى الْمُغَلَّظَةِ ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، وَقَضَى فِي دِيَةِ الصُّغْرَى ثَلَاثِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةً وَعِشْرِينَ ابْنَةَ مَخَاضٍ وَعِشْرِينَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا، ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَانَتْ الدَّرَاهِمُ فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِبِلَ الْمَدِينَةِ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ حِسَابُ أُوقِيَّةٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ، ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ وَهَانَتْ الْوَرِقُ فَزَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَلْفَيْنِ حِسَابَ أُوقِيَّتَيْنِ لِكُلِّ بَعِيرٍ، ثُمَّ غَلَتِ الْإِبِلُ وَهَانَتْ الدَّرَاهِمُ؛ فَأَتَمَّهَا عُمَرُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حِسَابَ ثَلَاثِ أَوَاقٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ قَالَ: فَزَادَ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَثُلُثٌ آخَرُ فِي البَلَدِ الْحَرَامِ، قَالَ فَتَمَّتْ دِيَةُ الْحَرَمَيْنِ عِشْرِينَ أَلْفًا، قَالَ فَكَانَ يُقَالُ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنْ مَاشِيَتِهِمْ لَا يُكَلَّفُونَ الْوَرِقَ وَلَا الذَّهَبَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ مَا لَهُمْ قِيمَةُ الْعَدْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، (مسند أحمد:٢١٤١٧).

يقول نصُّ الحديثِ: (فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِبِلَ الْمَدِينَةِ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ حِسَابُ أُوقِيَّةٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ) ويُقصد عادةً بالأواقِ والدراهمِ الفضَّة، أيّ: أنّه - رضيَ اللهُ عنه- أعادَ احتسابَ الدِّيةِ بالنقدِ الثمينِ (الذي جعلَ اللهُ فيه الثمنَ خِلقَة) نسبةً للإبلِ (أي السلعةِ الرائجة) الذي هو أصلُ مقدارِ الدِّيةِ؛ فحافَظَ عُمَرُ- رضيَ اللهُ عنهُ- على توازنِ المِثليِّ والثمنيِّ فأعادَ القيمةَ إلى ما يُمثلُه مِن مَعدِنٍ ثمينٍ، ثمَّ نسبَه للسلعِ الرائجةِ وهي الإبلُ، فكانت ٦٠٠٠ درهم؛ حيث أنّ كلَّ رأسِ إبلٍ واحدةٍ تُعادِلُ أوقيةً واحدةً من الفضَّة.وعليه قرَّرَ زيادةَ الديةِ بمقدارِ الثُلُثِ.

لكنّ الغلاءَ استمرَّ بالصعودِ؛فكانَ سُلوكُه بأن (زَادَ أَلْفَيْنِ حِسَابَ أُوقِيَّتَيْنِ لِكُلِّ بَعِيرٍ) بأن أصبحَتِ الدِّيةُ ٨٠٠٠ درهم ما يُعادِلُ ٢ أوقيةٍ من الفضَّةِ مقابلَ كلِّ رأسٍ.

ومع هذا كُلِّهِ؛ استمرَّ الغلاءَ صُعوداً (فَأَتَمَّهَا عُمَرُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حِسَابَ ثَلَاثِ أَوَاقٍ لِكُلِّ بَعِيرٍ) فزادَ الديةَ ١٢٠٠٠ درهم ما يُعادِلُ ٣ أواقٍ من الفضِّةِ مقابلَ كلِّ رأسٍ. فكانَ مقدارُ الزيادةِ الثلثَ. ثمّ استقرّتِ الدِّيةُ عند ٢٠٠٠٠ درهم.

وفي الاقتصادِ المعاصرِ نَقيسُ التضخُّمَ بالأرقامِ القياسيَّةِ فنجعلُ سَنةً للأساسِ (س.) أيّ لأساسِ القياسِ، ثمَّ تُقاسُ السنواتُ اللاحِقةُ عليها، فيتمُّ اعتمادُ سلعةٍ أو سِلعٍ أساسيةٍ يتمُّ القياسُ عليها  بين فتراتِ الحسابِ، مثال ذلك، الجدول التالي:

فأسعارَ ٢٠٠١ تفوقُ أسعارَ ٢٠٠٠ بـ٣٣٪، وأسعارَ ٢٠٠٢ تفوقُ أسعارَ ٢٠٠٠ بـ٢٠٠٪، وهكذا. فكيف يتمُّ السِّدادُ؟

لقد وضعَ الفاروقُ رضيَ اللهُ عنهُ ضوابطُ الصرفِ بين النقودِ المِثليّةِ (السلعيّة) وبين النقودِ الثمنيةِ (الأثمانِ مِن ذَهبٍ وفضَّةٍ وما شابهما) آخذا بعين الاعتبارِ التضخُّمَ الحاصلَ في الاقتصادِ للحفاظِ على مصالحِ الأفرادِ؛ لِيُحقِّقَ العدلَ الذي تنشدُه شريعةُ الإسلامِ العظيمِ بين العبادِ كافةً؛ فرسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم شّرعَ، وصَحابتُه رِضوانُ اللهِ عليهِم استندُوا لذلكَ التشريعِ وراعَوا الفوارقَ؛ فرسولُ الرَّحمةِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَصَدَ العدلَ وسَلكَ لتحقيقِ ذلك مَسلكَه الصحيحَ في تحديدِ الضوابطِ الشرعيةِ والواقعيةِ بينَ العبادِ التي تحقِّقُ مصالِحَهُم، وفهمَ الفاروقُ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ ذلك كلَّه؛ فـ (حافَظَ على الغايةِ المشرُوعةِ والوسيلةِ المشروعةِ)مع أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يشرحْها له بهذِه الطريقةِ المفصلةِ؛ لكنَّها "عظمةُ المُعلّمِ والمُتعلِّمُ"، إنّها مَدرسةُ العظماءِ، فـ "الذكاءُ طبعُهم، والعدلُ هدفهُم، والرسالة منهجُهم، ولا يخشونَ في اللهِ لومةَ لائمٍ؛ لذلك ازدهَرتْ تلك الفترةُ بمعدَّلاتٍ متزايدةٍ؛ ففي زمنٍ قصيرٍ جِدّاً نقلوا الأمّةَ مِن الأُمِّيَّةِ والجهلِ والنزاعِ إلى الرِيادةِ، والقيادةِ، فاتحينَ ناشرينَ للعلمِ بفُنونِه كافّةً.

يتبيَّنُ في ختامِ هذا الحديثِ أهميّةُ فعلِ الفاروقِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه: (يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ قَوْمٍ مَا لَهُمْ قِيمَةُ الْعَدْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)؛ حقّاً إنّه تطبيقٌ لسياسةٍ اقتصاديةٍ عَلِمَها مَن علِمَها مِن أهلِ الفهْمِ والعِلمِ والخِبْرَةِ الحياتيَّةِ والاقتصاديَّةِ مَن علمِها، وجَهِلَها مَن جهِلَها مِن أربابِ الجهلِ والضلالِ والمُكابَرَةِ مَن جهلَها أو تجاهلَها؛ حيث لا يُشقُّ على أحدٍ ولا يُكلّفُ ما لا يُطيقُ؛ بل حدَّدَ الفاروقُ الضوابطَ العادلةَ وربطَ بينها؛ فمَن تورَّطَ بقتلٍ خطأ فعليهِ أن يُسدِّدَ إمّا كذا، أو كذا مِمّا لديهِ من أموالٍ ولا حَرَجَ.

إنّ انهيارَ سعرِ صرفِ الليرةِ السوريةِ وفسادِه العريضِ؛ بل مشارفتَه على الكسادِ، أدخلَ الناسَ في إشكالاتٍ عديدةٍ، فلا يمرُّ أسبوعٌ إلّا ويأتيني مَن يحتكِمُ لِما ألمَّ به؛ فمعاييرُ المحاسبةِ المحليةِ تشترطُ التسجيلِ والقياسُ بالعملةِ المحليَّةِ لا الأجنبيةِ، ويزيدُ الأمرَ سُوءاً عدمُ العملِ بالأصولِ المحاسبيَّةِ الصحيحةِ؛، فيكتفي الناسُ بما لديهِم مِن خِبراتٍ ليُدخِلُوا بعضَهم بعضاً في حيصَ بيصَ؛ فتتداخلُ الحقوقُ وتتشابكُ، ثمّ بانهيارِ سعرِ الصرفِ يبحثُ كِلاهُما عن مصلحتِه غيرُ آبهٍ بضَررٍ أصابَ غيرَه، أو بظلمٍ حاقَ بهِ، ويحضرُني وصفُ اللهِ تباركَ تعالى لأمثالِ أولئكَ قوله: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّح ۚ)… ﴿١٢٨﴾ النساء، بينما يُوصِي اللهُ تعالى أولئكَ بقولِه: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚوَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ﴿١٢٨﴾ النساء؛ فأين الإحسانُ في العملِ والحسابِ؟ واللهُ خبيرٌ بما يعملُ أولئكَ الناسُ.

ويزدادُ تداخُلُ الأمورِ بانتشارِ العملِ في أكثرَ من بلدٍ؛ فيكونُ التعاملُ بأكثرَ مِن عُملَةٍ، وبتواني الشركاءِ عن المحاسبةِ الدَّوريَّةِ، تزدادُ اختلافاتُهم؛ حيث يظنُّ كثيرٌ منهُم أنّهُم خُبراءُ بالعملِ المحاسبيِّ وهم ليسوا على شيءٍ مِن ذلكَ.

وفي تلك الحالاتِ فإنّ المعيارَ المحاسبيَّ الدوليَّ الثامن المتعلِّقَ بـ (صافي الرِّبحِ، أو الخسارةِ للفترة، والأخطاءُ الجوهريةُ، والتغييراتِ في السياساتِ المحاسبيَّةِ)، وكذلك معيارَ المحاسبةِ الدولي الحادي والعشرين المتعلِّق بآثارِ التغيُّراتِ في أسعارِ صرفِ العُملاتِ الأجنبيةِ لن يُجديهِم نفعاً.

عِندئذٍ لابُدَّ مِن التسديدِ و المقارَبةِ بين الحقوقِ؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سَدِّدُوا وقارِبُوا واستقيمُوا ولنْ تُحصُوا"، ومع هذا وذاك لا بُدَّ مِن المُسامَحةِ بينَ الشركاءِ، قال الحقُّ سُبحانَه وتعالى في كتابه: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ…) ﴿٢٤﴾ ص. لقد صدقَ الفاروقُ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه بقولِه:"لا يبيعُ في سُوقِنا إلّا مَن يَفقَه، وإلّا أكلَ الرِّبا، شاءَ أمْ أبى".فقبل أن يُباشرَ الناسُ أعمالَهم عليهم أن يتفقهوا في دِينهم حتى لا يَقعوا في كبيرةٍ أو صغيرةٍ خشيةَ المحظورِ، يقول الله تعالى: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۖوَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٩٤﴾النحل.

وما يَنبغِي الإشارةُ إليهِ أنَّ (تسويةَ حقوقِ الدائنينَ والمدِينينَ يختلفُ عن تسويةِ حقوقِ الشركاءِ)، فما سبقَ بيانُه سلَّطَ الضوءَ على تسويةِ حساباتِ الدَينِ، أما إن كان الأطرافُ شركاءَ؛ فهم مشترِكون مع بعضِهمُ البعضُ بـ (الغنمِ والغرمِ) و (لا يجوزُ ضمانُ أحدِهم مالَ الآخَرِ إلاّ إن قَصَّر وتَعدّى)، ولكلِّ مسألةٍ من المسائلِ حالٌ يخصُّها في التفصيلِ، وما سَبقَ بيانُه إنما هو ضوابطُ لابدَّ من اعتبارِها ومراعاتِها.

حمَاةُ (حمَاها اللهُ) بتاريخ ١٢ من ربيع الآخر١٤٣٧ هـ المُوافِق ٢٣-٠١-٢٠١٦ م