العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

كيف للمخدرات الاصطناعية لها أن تهدد ثلثي سكان الدول العربية؟

د. ابراهيم بدران

دكتوراة في الصحة العامة

إنّ شعبيةَ الإنترنت والانتشارَ الواسعَ للشيشةِ أوجدَ الظروفَ المثاليةَ؛ لكثرةِ وباءِ المخدّراتِ الاصطناعيةِ في الدولِ العربيةِ؛ ف(فُتاتُ الأوراقِ من الماريجوانا، والتبغِ المقطَّرةِ بالموادِ الكيميائيةِ مع الرائحةِ الحامِضَةِ الملفوفةِ في الورقِ والمستخدَمةِ للتدخينِ بواسطة الأنبوبِ، أو النرجيلة (الأركيلة). القنَّب الاصطناعي : هو واحدٌ مِن المخدِّرِ الحديثِ الأكثرُ خُطورةً.

إنّ الأرقامَ التقديريةَ التي تُبيِّنُ عددَ مُدمِني الماريجوانا الاصطناعيةِ في الشرقِ الأوسط لا تُعرِّضُها وكالةُ مكافحةِ المخدّراتِ الدوليةِ ولا الأُممِ المتحدِّة ولا المنظماتِ الدوليةِ الأُخرى. وفقاً للتقديراتِ؛ فإنّ عددَ مستخدمِيها المحتمَلِينَ 80-100 مليون شخص (ثلثُ سكَّانِ العالِم العربيِّ)، ومستخدمِيها الحقيقيينَ - يصل إلى 20 مليون نسمة، وهو ما يُعادِلُ عددَ سكَّانِ سوريةَ.

الإنترنت والشيشةُ:

يقولُ اللهُ سُبحانَه وتعالى في القرآنِ الكريمِ:(يُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عليهِمُ الخَبائثَ) ولا يشكُّ إنسانٌ عاقِلٌ أن (الدخانَ، والقاتَ،والنرجيلةِ والحشيشَ) أنّها موادُّ فيها مِن الضَّرَرِ والداءِ والوباءِ ما فيها، وأنّ مَن يتعاطاها هو مُرتكِبٌ للحرامِ، ومنتسبٌ وسالكٌ سلوكَ أهلِ الإجرام والانحرافِ. الماريجوانا يُمكِنُ أن تُسبِّبَ التسمُّمَ، أيّ حالةً مِن التعبِ والاكتئابِ، وتضعُ الشخصَ في عالَمٍ وهميٍّ. ولو لم يحدثْ كلُّ هذا، سيشْعُرُ المسلمُ بالشهوةِ تُجاهَ الموادِ القَذِرَةِ والضّارّةِ. وهذا في حدِّ ذاتِه مُحرَّمٌ. ومع ذلك؛ فإنّ تدخينَ (الشيشةِ، أو النرجيلةِ) مندرجٌ ضمنَ التقاليدِ الثقافيةِ الشعبيةِ في الشرق الأوسط. وبالتأكيد فإنّ التُّجارَ يستفيدونَ من ذلك.

في أوائلِ القرنِ 21 بدأ انتشارُ الخلطاتِ العشبيةِ للتدخينِ في العالَم بسُرعةِ الطاعونِ (herbal smoking blends)، أو أعشابِ البُخورِ (herbal incense). في البداية، كانت المتعةُ غيرَ مؤذيةٍ لعددٍ مَحدودٍ من الناسِ، في حين أنّ شَرِطةَ مكافحةِ المخدّراتِ في مختلفِ البلدانِ كانت تلاحظُ عدداً من المركَّباتِ الكيميائيةِ من نوعِ القنَّب الصناعيِّ. ومع ذلك "المركَّبات الاصطناعية" تسبِّبُ ضرراً أكبرَ على الصحةِ من المؤثِّراتِ العقليةِ التي هي مِن أصلٍ نباتيٍّ.

لذلك على سبيل المثال: فإنّ معدَّلَ وفياتِ المدخِّنينَ بسببِ المخدّراتِ الاصطناعيةِ أعلى مِن المدمِنينَ على الموادِ الأفيونيةِ، وفي أغلبِ الأحيانِ يكونونَ تحتَ تأثيرِ حالاتِ الاضطراباتِ النفسيةِ. هذا وفْقاً لمعلوماتِ إداراتِ مكافحةِ المخدراتِ في مختلفِ الدولِ ومكتبِ الأُممِ المتحدةِ المعنيِّ بالمخدّراتِ وتهريبِ المخدّراتِ.

لقد قامَت المنظَّمةُ غيرُ الحكوميةِ الرابطةِ العالَميةِ "العقلُ مِن دُونِ المخدّرات،" بدراسةِ مشكلةِ الإدمانِ على المخدّراتِ في 23 دولةٍ عربيةٍ- وخاصَّةً في دُولِ الخليجِ- وأجرَتِ التجرِبةَ. وبعد العديدِ من الاعترافاتِ عن تعاطي المخدراتِ الاصطناعيةِ من المشاركينَ المحتملِينَ في البرنامجِ الخيريِّ "العالَمُ بحاجةٍ إليكَ!" طلبَ الموظَّفونَ لَدينا مِن المواقعِ العربيةِ الأكثر شعبيةً خلائطَ التدخينِ من العلاماتِ التجاريةِ الأكثر شُيوعاً.وقد حاولت المحلّاتُ التجاريةُ على الإنترنت إقناعَنا أنّ مُنتجاتِها لا تحتوي على مركَّباتٍ كيميائيةٍ مثلJWH-018)، HU-210، K2) وما شابَه ذلكَ؛ ولكَّنها باعَت لنا "المركَّباتِ الاصطناعية".

المُخَدِّرُ الذي يُستَصعِبُ اكتشافُه:

بعد تدخينِ جُرعةٍ واحدةٍ من القنَّبِ الاصطناعيِّ يشعرُ المستهلكُ ب(الارتباكِ في الوعي، والنشوةِ الخفيفةِ، والاسترخاءِ، والهلوسةِ)؛ ولكنّ تأثيرَ المخدّراتِ لا يدومُ أكثرَ من (15-30) دقيقة. ومِن بين الآثارِ الجانبيةِ – (البارانويا، وفقدانُ النومِ والشهيةِ، والسلوكُ العدوانيُّ، والتهيُّجُ والاكتئابُ). وقد يحدثُ في الحالاتِ الشديدةِ  (تعطيلُ الجهازِ العصبيِّ المركزيِّ والدماغِ)، كما يَحدُثُ الفشلُ في الجهازِ التنفسيِّ باستثناءِ الموتِ.

مِن الصعبِ أن تُحدِّدَ استخدامَ الأدواتِ والتِّقنياتِ المألوفةِ ما إذا استعملَ الشخصُ المخدّراتِ الاصطناعيةَ أمْ لا. إنَّ طريقةَ فَحصِ المخدّراتِ في العالَمِ العربيِّ لا تختلفُ عن طُرقِ البلدانِ الأُخرى: المشتبَهُ بهِ يَمرُّ بفحصِ البولِ؛ وبذلك يتمُّ الكشفُ عن وجودِ المخدِّرِ أمْ لا؛ لكنّ الفحصَ المعتادَ لا يُبيِّنُ وجودَ المخدّراتِ الاصطناعيةِ في الدَّمِ -حتّى لو كان الشخصُ في حالةِ سُكْرٍ و الإشاراتُ الخارجيةُ كافّةً واضحةً جِدّاً-.

يتلقّى المشاركونَ العِلاجَ المجانيَّ في البرنامجِ الخيريِّ "العالَمُ بحاجةٍ إليكَ!" في المركزِ الطبِّيِّ للدكتور ِ"نزار الييف" الذي يقعُ في عاصمةِ الجمهوريةِ القرغيزية - بيشكيك. قبل المعالجةِ؛ فإنَّهُم يَمرُّونَ بفُحوصاتٍ ضروريةٍ ويقولونَ للأطبَّاءِ عن الموادِّ المخدَّرةِ التي كانوا يستخدمونَها كلَّ يومٍ، والتي استخدمُوها بشكلٍ دوريٍّ. وشهِدُوا الموظَّفينَ التابعينَ للرابطةِ العالَميةِ أنّ فحصَ البولِ للمُشاركينَ في البرنامجِ الذين اعترفُوا بالإدمانِ على المخدّراتِ الاصطناعيةِ لمْ يَظهَرْ لديهِم أيُّ أثرٍ ليؤكِّدَ كلامَهُم. مع الأخذِ بعينِ الاعتبارِ في حالةِ تعاطي (الماريجوانا أو الحشيشِ) يعملُ الفحصُ بشكلٍ دقيقٍ.

الإنتاجُ والتوزيعُ:

سابقاً، تمَّ إنتاجُ هذا النوعِ مِن المخدّراتِ في الولاياتِ المتحدةِ وأوروبة وشمالِ أفريقية وسيبيريا والصينِ، وكانوا يأتونَ بأعدادٍ كبيرةٍ. إنّ المخدّراتِ الاصطناعيةَ الأكثرَ خَطراً هي المنتجةُ في سيبيريا - قلب روسية، والصينِ. وفي روسية نفسِها، أصبحت المخدّراتُ الاصطناعيةُ آفةً اجتماعيةً حقيقيةً؛ فقد تضاعَفَ عددُ مُدمِني المخدّراتِ، وأصبحتْ أكثرَ خُطورةً مِن الجَمرةِ الخبيثةِ.

ولكنَّ اليومَ اتقنَ تجَّارُ المخدّراتِ المحليةِ هذه التكنولوجيا البسيطةِ: تأتي الموادّ الكيميائيةِ من الصِّين، الماريجوانا - من حقول أفغانستانَ، أو التبغِ الدوحة - من الدولِ العربيةِ. على أراضي الدولِ العربيةِ يتمُّ تصنيعُ المخدّراتِ الاصطناعيةِ في (الأُردنَّ، ومِصرَ، والجزائرِ، والإماراتِ العربيةِ المتحدة). هناك صلةٌ واضحةٌ بين انتشارِ الشيشةِ والمخدّراتِ التي تُباعُ كمادّةٍ مضافةٍ للتبغِ.

في هذه البلادِ يفهمونَ حجمَ التهديدِ الذي يُشكِّلُهُ المخدِّرُ الاصطناعيُّ؛لذلك على سبيلِ المثالِ: في دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ الشخصُ الذي كانت له النِّيَّةُ ليبيعَ أو للاستخدامِ الشخصيِّ يحكمُ بالسجنِ لمدةِ أربعِ سنواتٍ. التوزيعُ على نطاقٍ واسعٍ يُمكِنُ أن يؤدِّي إلى فَرضِ عُقوبةِ الإعدامِ على الجاني. الأُردنَّ تكافحُ إنتاجَ الحشيشِ؛ فالمتَّهَمُ بإعدادِ الخليطِ يُحكَمُ عليه ب 15سنةً مع الأشغالِ الشاقَّةِ وغرامة من (10-)20 ألف دينار.

ومع ذلك فإنّ الإجراءاتِ الصارمةَ لا تُوقِفُ مُهرِّبي المخدّراتِ. تحت غطاءِ المواد للشيشةِ كبديلٍ للنيكوتينِ غيرِ الضارِّ أو الأدويةِ العشبيةِ التي تُحسِّنُ (المِزاجَ والذاكرةَ) يُمكِنُ شراءُ خلائطِ التدخينِ بسهولةِ على شبكةِ الإنترنت. و هذه المتعةُ ليست رخيصةً: يباعُ المخدِّرُ الشهيرُ "جوكر" في الأُردنَّ تقريباً بـ 30 دينار (حوالَي 45$). ولكنْ وفقاً لوكالةِ الأمنِ في الأُردنَّ فإنّ تصنيعَ 100 جم من المنتَجِ يُكلِّفُ ما لا يزيدُ عن 1 دينار. الأرباحُ الزائدةُ الناتجة يمكِنُ أن تذهبَ إلى (شراءِ الأسلحةِ، وتمويلِ التطرفِ والإرهابِ)؛ لذلك قبل أن تُدخِّنَ الشيشةَ تأكَّدْ من أنّها ليستْ مكوَّنةً من المخدّراتِ.