العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الدَّفْعَةُ القادِمَةُ مِن مَلحَمَةِ الدُّيونِ العَالَميَّةِ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

كتبَ رئيسُ تحريرِ مجلَّةِ الايكونومست، (مينتون زاني بيدويس)، في افتتاحيةِ عددِ نوفمبر ٢٠١٥م: عن وقائِع الدُّيونِ واصِفاً إيَّاها بأنّهاقصةٌ لا تنتهي.

نَشرْتُ في الشهرِ الثامِنِ من عام ٢٠٠٨ م- وهو شهرُ انفجارِ فُقاعةِ أزمةِ الائتمانِ العقاريِّ - كتاباً أسمَيتُه: (ضوابطَ الاقتصادِ الإسلاميِّ في مُعالَجةِ الأزماتِ الماليَّةِ العالَميَّة)، وقد أعادتْ طِباعَته ثلاثةُ دُورِ نَشرٍ، كما اتصلَ بروفسور من جامعةِ ليدز في بريطانيا لأجلِ النشرِ المُشترَكِ؛ لخَّصْتُ فيه أسبابَ الأزمةِ الماليةِ العالميةِ من وجهةِ نظرِ الاقتصادِ الإسلاميِّ، وأرجعتُها حسبَ رأييَّ إلى ستَّةِ أسبابٍ أربعةٌ منها تتعلَّقُ بالدَّينِ، وهي:

التعاملُ بالرِّبا، التوسُّعُ في الدَّينِ، تداولُ الرُّهونِ، إشهارُ الإفلاسِ،الإفسادُ، والتوسُّعُ في الإنفاقِ، وأوضَحتُ فيه أنّ العالَمَ يَدورُ في حَلقةٍ مُفرَغةٍ لن يخرجَ منها - رغمَ تطوُّرِ مَدارسِه الاقتصاديةِ، وسَعَةِ علومِ مُفكِّريهِ وعُلمائِه وحَذاقتِهم الرِّياضيَّةِ والإداريةِ؛ فأسبابُ المشكلةِ كامنةٌ لم يتمَّ إنهاؤها بالشكلِ الصحيح. وتعرَّضْتُ في الكتابِ للحلولِ الأوروبيةِ ولخطَّةِ الحكومةِ الأمريكيةِ الإنقاذيةِ والتي اعتمدتْ على تسكينِ المشكلةِ وإعادةِ الاقتراضِ، وقلنا حينَها: أنّ كُرَةَ الثلجِ إنْ هدأَ تدحرُجُها فإنّها لن تقفَ وستُتابِعَ قفزاتِها من مكانٍ لآخرَ.

وبعدَ أربعةِ سنواتٍ من وقوعِ المؤسساتِ الماليةِ العالميةِ في الأزمةِ الماليةِ، وتدخُّلِ الحكوماتِ لإنقاذِها - مع كونِها هي المذنبَ الأساسَ والرئيسَ فيها -، فقد وقَعَتِ الحكوماتُ نفسُها في الأزمةِ الماليةِ، فطالَتِ الأزمةُ دولاً أوربيةً وغيرَ أوربيةٍ شارفتْ على الإفلاسِ، ولعلَّ مثالَ اليونانِ مازالَ شاهداً أمامَ الناسِ.

ومنذُ بِضْعَةٍ أيّامٍ قرأتُ افتتاحية الايكونومست لعددِ نوفمبر ٢٠١٥ م والذي احتلَّ عنوانُها غلافَ المجلَّةِ الشهيرةِ بـ (وقائعِ الدُّيون) والتي وصفَها بأنّها: (قِصَّةٌ لا تنتهي)، فإذا نحنُ أمامَ حلَقةٍ مُفرَغةٍ لا مَخرَجَ منها ما دامتِ الأسبابُ موجودةً.

وبعدَ الحلَقتَينِ السابقتَينِ المُشارِ إليهما؛ أي حلقةِ أزمةِ المَصارفِ، ثُمَّ حلقةِ أزمةِ الحكوماتِ؛ (وخاصة الأمريكية والأوروبية)، يرى (مينتون): أنّ الحلقةَ الثالثةَ للديونِ تقفُ حاليَّاً عندَ دُولِ الأسواقِ الناشئةِ؛ فيُحلِّلُها ويَنقدُها ويُفنِّدُها قارئاً الأحداثَ باستراتيجيةٍ مُميَّزةِ، ومِن ثمَّ ينتقلُ للتنبُّؤِ بالحلقةِ الرابعةِ؛ حيث ستعودُ كُرَةُ الثلجِ أدراجَها إلى حلقتِها الأُولى لتتابِعَ تدحرُجَها في حلقةٍ مُفرَغةٍ ومفزعةٍ؛ لأنَّ مزيداً من تباطؤِ النموِّ يترافَقُ مع كرةِ الثلجِ التي يزدادُ حجمُها ويقلُّ دورانُها كما هي حالُ دورانِ العَجلاتِ الصغيرةِ والكبيرةِ؛ فالصغيرةُ تدورُ مسرعةً لتقطعَ المسافاتِ القليلةِ، بينما الكبيرةُ منها تدورُ ببطئٍ لكنَّ أثارَها أكبرُ وأشدُّ إيلاماً. ولا يبدو أنّ العلاجَ المرتَقبَ من بنكِ الاحتياطيِّ الفيدراليِّ في رفعِ أسعارِ الفائدةِ سيُقدِّمُ حلَّاً سِحريّاً؛ لأنَّ الرِّبا هو سببٌ آخرُ كما أسلفْنا في كتابِنا من الأسبابِ التي أدَّتْ لحصولِ الأزمةِ الماليةِ.

فكيفَ سارَتْ وقائعُ الدَّينِ برأي (مينتون)؟

هناك دورةٌ لكلِّ ثلاثِ فتراتٍ من الدَّينِ، تبدأُ الدورةُ الأُولى بفيضانِ رأسِ المالِ عبرَ الحدودِ، وخفضِ معدَّلاتِ الفائدةِ، وحفزِ نموِّ الائتمانِ. وبما أنّ وفْرَةَ المدَّخراتِ العالميَّةِ الموجودةِ في أمريكة، أكثرُها من آسية، قد غُسلِتْ في مساكنِ الرَّهنِ العقاريِّ، وأدَّتْ إلى نتائجَ كارثيةٍ، بينما المدَّخَراتُ الألمانيةُ في منطقةِ اليورو ساعدتْ في تمويلِ التوسُّعِ التضخُّميِّ في المساكنِ الأيرلنديةِ، وكذلك في الإنفاقِ العامِّ اليونانيِّ. ثمَّ وبسببِ خفضِ أسعارِ الفائدةِ إلى أدنى مستوياتِها التاريخيةِ تحوَّلَتِ الفُقاعاتُ الغنيَّةُ في العالَم، ليتغيّرَ اتِّجاهُ تدفُّقِ رؤوسِ الأموالِ؛ حيث تدفَّقَتِ الأموالُ من البلدانِ الغنيَّةِ إلى البلدانِ الأكثرَ فقراً. وصاحبَها حلقةٌ أُخرى تتمثَّلُ بزيادةِ الاقتراضِ بسرعةٍ كبيرةٍ، وكثيرٍ من هذه الديونِ أخذتْها شركاتٌ لتمويلِ مشاريعَ طائشةٍ، أو لشراءِ أصولٍ مُتضخِّمةٍ.

فارتفعَ الدَّينُ في الأسواقِ الناشئةِ من ١٥٠٪ من الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ في عام ٢٠٠٩ م إلى ١٩٥٪، وارتفعت دُيونُ الشركاتِ من أقلّ من ٥٠٪ من الناتج المحلِّيِّ الإجماليِّ في عام ٢٠٠٨م إلى ما يَقرُبُ من ٧٥٪، وارتفعتْ نسبةُ الدَّينِ إلى الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ في الصينِ بما يَقرُبُ من ٥٠ نقطةٍ مئويةٍ في السنواتِ الأربعِ الماضيةِ.

لكنَّ بوادِرَ انتهاءِ الازدهارِ الحاليِّ يُوشِك على الانتهاء! ومِن ذلك تباطؤُ النموِّ الصينيِّ، وضَعفُ أسعارِ السلعِ الأساسيةِ، وعليه: سيكونُ الأفقُ ضبابيَّاً رغمَ قوَّةِ الدولارِ واتِّجاهِ أسعارِ الفائدةِ الأمريكيةِ نحوَ الارتفاعِ لتأمينِ رؤوسِ أموالٍ رخيصةٍ. ونتائجُ ذلك تؤكِّدُ هذه الرؤيةَ.

فبعضُ دوراتِ الدُّيونِ انتهتْ بأزمةٍ ورُكودٍ؛يشهدُ على ذلك كارثةُ الرَّهنِ العقاريِّ واحتضارِ منطقةِ اليورو على حدٍّ سواء.
وتجلَّتْ نتائجُ أُخرى بتباطؤِ النموِّ، وتوقُّفِ المُقتَرضِينَ عن الإنفاقِ وتباطُؤِ المُقرِضينَ عن تغطيتِهم؛ ممّا سيؤدِّي إلى تراجعِ ازدهارِ الائتمانِ في الأسواقِ الناشئةِ. كما تباطأتْ وتيرةُ نموِّ الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ في البلدانِ ذاتِ المَديونيةِ المرتفعةِ للقطاعِ الخاصِّ بأكثرَ من ٢٠٪ من الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ بنحوِ ثلاثٍ نقاطٍ مئويةٍ وسطياً في السنواتِ الثلاثِ بعدَ وُصولِ الاقتراضِ إلى ذُروتِه.

أمّا مقدارُ الألمِ المنتظَرِ فيعتمِدُ على العواملِ المحليَّةِ؛ كأثرِ تعديلاتِ سعرِ الصرفِ التي حدثتْ على حجمِ احتياطياتِ بُلدانِها.

وبناءً عليهِ يرى (مينتون): أنّ وضعَ الاقتصاداتِ الناشئةِ سيكونُ في واحدةٍ من فئاتٍ ثلاثٍ:

تتضمَّنُ الفئةُ الأُولى الدولَ التي سيعقبُ فترةَ ازدهارِ ائتمانِها آثارٌ سيِّئةٌ في المدى الطويلِ؛ كـ (كوريةَ الجنوبيةِ وسنغافورة)؛ وبشكلٍ مؤثِّرٍ على الاقتصادِ العالميِّالصين التي لا يزالُ لديها دفاعاتٌ قويةٌ لحمايتِها من هجرةِ رؤوسِ الأموال؛ فهي لديها فائضٌ ضخمٌ في حسابِها الجاري، واحتياطِيها من النقدِ الأجنبيِّ الذي بلغَ ٣.٥ تريليون في أكتوبر، ما يُعادِلُ ثلاثةَ أضعافِ دُيونِها الخارجيةِ. ولدى صنَّاعِ السياساتِ القُدرةُ على إنقاذِ المُقترضِينَ ضِمنَ حدودٍ مُحدَّدةٍ. والشركاتُ التي قد تُفْلِسُ بسببِ تعثُّرِ قُروضِها الفاشلةِ ستتراكَمُ في ميزانياتِ البنوكِ، وكلُّ هذا سيُضعِفُ النموَّ، وقد يُنبئُ بأزمةٍ حادَّةٍ.

لأجلْ ذلك الخطرِ يُنظَرُ إلى بُلدانِ الفئةِ الثانيةِ بأنّها تلك التي تفتقِرُ إلى الوسائلِ نفسِها لإنقاذِ المُقتَرِضينَ الفاشِلينَ أو لحمايتِها من هروبِ رُؤوسِ الأموالِ.

يُمكِنُ تمييزُ ثلاثِ اقتصاداتٍ كبيرةٍ في هذه الفئةِ:
نموُّ سوقِ سنداتِ الشركاتِ في البرازيل منذ عام ٢٠٠٧م، وبسببِ عَجزِ حسابِها الجاري وذلك معناه أنّها تعتمِدُ على رأسِ مالٍ أجنبيٍّ؛ يضاف لذلك الشللِ السياسيِّ فيها، وعدمِ المُرونةِ الماليةِ مما لن يُحقِّق طمأنةَ المُستثمِرينَ.

أمَّا المصارفُ في ماليزيا فلديها الكثيرُ من الخصومِ الأجنبيةِ، ومُلَّاكُ المنازلِ فيها لديهِم أعلى نسبةِ دَينٍ إلى الدخلِ مِن أيِّ سوقٍ ناشئةٍ كبيرةٍ؛ وهي تحتفظُ بفائضِ عُملاتٍ أجنبيةٍ ضعيفٍ، ويتوقَّعُ تقلُّصُ فائضِ حسابِها الجاري.
أمّا تُركيا فتجمعُ بين عجزٍ في حسابِها الجاري، وارتفاعٍ معدَّلِ التضخُّمِ، وزيادةٍ في الديونِ المقوَّمةِ بالعملةِ الأجنبيةِ التي أصبحتْ أكثرَ إرهاقاً، إضافةً لتراجُعِ لَيرتِها.

تتكوَّن الفئةُ الثالثةمن بلدانِ الأسواقِ الناشئةِ التي قد تكونُ في مشكلةٍ خطيرةٍ، أو أنّها قد ذهبَتْ بالفعلِ للأسوأ.

تبدو الهندُ أكثرَ صحَّةً من أيِّ اقتصادٍ ناشئٍ كبيرٍ.

ويتوقَّعُ أن تجتازَ روسيا ذلك أيضاً، فالروبل خضَعَ لتسوياتٍ أكبرَ مِن أيِّ عُملةٍ رئيسةٍ أُخرى، واقتصادُها يُظهِرُ بوادِرَ للاستجابةِ.

وكذلك يُمكِنُ القولُ عن معاناةِ الأرجنتين وتخبُّطُها المُزمِن مع قليلٍ من ديونِ القطاعِ الخاصِّ؛ لكنّها قد تنجو إنْ فازَ الإصلاحيونَ بانتخاباتِ الرئاسةِ هذا الشهر.

تعتبَرُ هذه البُقعُ ذاتَ جانبٍ أكثرَ إشراقاً؛ بينما يُشيرُ كلُّ شيءٍ لشحوبِ الاقتصادِ العالميِّ حتّى نهايةِ السَّنةِ. ويتوقَّعُ صندوقُ النقدِ الدوليِّ ارتفاعَ معدَّلِ النموِّ في الأسواقِ الناشئةِ في العامِ المقبلِ.

بينما يُشيرُ الدرسُ المستفادُ من دوراتِ الدُّيونِ الماضيةِ إلى سَنةٍ أُخرى من التباطؤِ على الأرجحِ؛ بسبب:

- ضَعفِ الدُّولِ الناميةِ التي تُشكِّلُ أكثرَ من نصفِ الاقتصادِ العالَميِّ (بمصطلَح: القوَّةِ الشرائيَّة).

- انخفاضِ مُعدَّلِ النموِّ في الأسواقِ الناشئةِ الذي يَضْرِبُ كلَاً من أرباحِ الشركاتِ المتعدِّدةِ الجنسياتِ، والتدفُّقاتِ النقدية للمَصدَرينِ.

ثمَّ يُضيفُ (مينتون)حلقةً رابعةً يرى فيها:

أنَّ سببَها (أي هذه الحلقة) هو الاقتصادُ الأوروبيُّ المفتوحُ وهو الأكثرُ تعرُّضاً لضَعفِ الطلبِ في السوقِ الناشئةِ، والذي يُسوِّغُ التسهيلَ النقديَّ هناك.

لكنَّ مُعضِلَة السياسةِ الأميركيةِ الأكثرَ خُطورةً تكمُنُ باختلافِ السياسةِ النقديةِ بينها وبين بقيَّةِ العالم؛ ممّا سيضَعُ ضَغطاً تصاعُديّاً على الدولارِ، وسيضرُّ بالصادِراتِ والمَكاسبِ.

لذلك سيتموَّجُ رأسُ المالِ ثانيةً بحثاً عن المستهلِكِ الأميركيِّ كاختيارٍ جَديدٍ للمُقرِضينَ.

وإذا كان الأمرُ كذلكَ؛ فقد تنتهي أزمةُ الدُّيونِ العالَميةِ بالعودةِ من حيثُ بدأتْ لتعاودَ كُرَةُ الثلجِ تدحرُجَها في حلقةٍ مُفرَغةٍ مُفزِغةٍ.

 

حمَاةُ (حمَاها اللهُ) الثلاثاء بتاريخ 25 من صَفر 1437 هـ المُوافِق 8-12-2015 م