العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الهندَسةُ الماليَّةُ الإسلاميَّةُ في السُّنَّةِ النَّبويِّة

إيمان ملالة

ماجستير في الاقتصاد الإسلامي

محمد زواري فرحات

ماجستير في الاقتصاد الإسلامي

إنَّ  الإسلامَ الحنيفَ دِينٌ ونظامُ حياةٍ؛ فيه مِن القواعِدِ الراسخةِ والركائزِ المتينةِ المتعاضِدَةِ و المتكاملةِ( اعتِقاداً وأخلاقاً، تعبُّداً و تعاملاً)، وجعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمّداً المصطفَى صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ القُدوةَ العُظمى والأسوةَ الحسنةَ لنا في شؤونِ الحياةِ العامَّةِ و الخاصَّةِ، وقدَّمَ لنا صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ المثلَ الأعلى في المجالاتِ كافّةً؛ فالرَّسولُ مُحمَّدٌ صلّى اللهُ عليه وسلَّم دعا إلى الإبداعِ والابتكارِ لِحلِّ المشاكلِ الماليةِ، وإشباعِ الحاجاتِ الاقتصاديةِ للمسلمينَ في إطارِ القواعدِ والضوابطِ الشرعيةِ، كما حثَّ على إيجادِ حُلولٍ في القطاعِ الماليِّ باعتبارِ أنّ الإسلامَ الحنيفَ أقرَّ قاعدةً"الأصلُ في المعاملاتِ الإباحةُ"، والتي تقومُ على تركِ الحريَّةِ للتعامُلِ بالأموالِ بما يتلاءمُ وأحكامَ الإسلامِ ووفقاً للطريقةِ التي تضمَنُ السرعةَ والفاعليةَ، وتضمنُ المرونةَ الكافيةَ للتأقلُمِ مع كلِّ عصرٍ؛ف"المسلِمُ ابنُ بيئتِه وتربيتهِ وعَصرِه".

ومِن هُنا يُمكِنُ إيرادُ التساؤلِ الآتي:

 هل في سُنَّةِ نبيِّنا المصطفى صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه أصلٌ للهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ؟

أوَّلاً: مفهومُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ وخصائِصُها:

تتركَّبُ الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ من ثلاثِ كلماتٍ: "الهندسة" و"المالية" و"الإسلامية"؛

والهندسةُ تُعرَّفُ لغةً بأنّها: (التصميمُ، والإنشاءُ على أُسُسِ علميةٍ[1])، والماليةُ لغةً هي:(ما يُنسَبُ إلى المالِ ويتعلَّقُ به[2])، أمّا الإسلاميةُ فهِيَ مِن المشهورِ بالعلمِ، وبذلك تكونُ الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ من الناحيةِ اللغويةِ:(التصميمُ، والإنشاءُ وفقَ أُسُسٍ علميةٍ لكُلِّ ما يتعلَّقُ بالمالِ وفقَ ضوابطِ الشريعةِ الإسلاميةِ).

ولا يختلفُ مفهومُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ في الاصطلاحِ عنه في اللغةِ؛ حيث تُعرَّفُ الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ بأنّها: (مجموعةُ الأنشطةِ التي تتضمَّنُ عملياتِ التصميمِ، والتطويرِ، والتنفيذِ لكُلٍّ من الأدواتِ و العملياتِ الماليةِ المبتَكَرَةِ؛ بالإضافةِ إلى صياغةِ حلولٍ إبداعيةٍ لمشاكلِ التمويلِ في إطارِ ضوابطِ الشريعةِ الإسلامية[3])، وبالتالي تتضمَّنُ الهندسةُ الماليةُ الإسلامية العناصرَ التاليةَ:

·      ابتكارَ أدواتٍ ماليةٍ جديدةٍ.

·      ابتكارَ آلياتٍ تمويليةٍ جديدةٍ.

·      ابتكارَ حُلولٍ جديدةٍ للإدارةِ التمويليةِ.

·      موافقةَ الابتكاراتِ الماليةِ للشريعةِ الإسلاميةِ؛ أيّ التزامَها بالمصداقيةِ الشرعيةِ.

فالهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ ترتَكِزُ على الابتكارِ، وهذا الأخيرُ لا يُرادُ به مجرّدُ الاختلافِ عن السائدِ؛ بل لابُدَّ أن يكونَ هذا الاختلافُ مُتميِّزاً إلى درجةِ تحقيقِه لمستوىً أفضلَ من الكفاءةِ والمثاليةِ؛ لهذا لا بُدَّ كذلكَ أن تكونَ الأداةُ أو الآليةُ التمويليةُ المبتكَرةُ تُحقِّقُ ما لا تستطيعُ الأدواتُ والآلياتُ السائدةُ تحقيقَه[4]هذا من جِهَةٍ، أمّا مِن جِهَةٍ أُخرى فإنَّ الابتكارَ في الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ هو ابتكارٌ حقيقيٌّ يظهرُ من خلالِ أنّ التنوُّعَ في منتَجاتِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ تنوُعٌ حقيقيٌّ؛ حيث أنَّ كلَّ أداةٍ من أدواتِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ لها طبيعةٌ تعاقديةٌ وخصائِصُ تُميِّزُها عن غيرِها من الأدواتِ الأُخرى، وهذا مِن منطلَق أنَّ المقصودَ بالهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ هو ما يُلبِّي مصلحةً حقيقيةً للمتعامِلينَ الاقتصادِيينَ في الأسواقِ.

وتتميَّزُ الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ بأنّها تجمعُ بين المصداقيةِ الشرعيةِ والكفاءةِ الاقتصاديةِ، والمرادُ بالمصداقيةِ الشرعيةِ أن تكونَ منتجاتُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ موافقةً لأحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ أكبرَ قَدْرٍ مُمْكِنٍ، مع تجنُّبِ الخلافاتِ الفقهيةِ قدرَ المستطاعِ، بالإضافةِ إلى تقديرِ واحترامِ ضوابطِ المعاملاتِ في الاقتصاد الإسلاميِّ العظيمِ.

أمّا الكفاءةُ الاقتصاديةُ فهيَ الأساسُ في قُدرتِها على تلبيةِ الاحتياجاتِ الاقتصاديةِ؛ حيث ينبغي لمنتَجاتِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ أن تكونَ ذاتَ كفاءةٍ اقتصاديةٍ عاليةٍ يُمكِنُ من خلالِها  تحقيقُ مقاصدِ المتعاملينَ بأقلَّ قَدرٍ مُمكِنٍ من التكاليفِ الإجرائيةِ أو التعاقديةِ؛ لأنّ تسارعَ وتيرةِ الحياةِ الاقتصاديةِ المعاصرةِ والتقدُّمِ التِّقنيِّ في عالَمِ الاتصالاتِ والمعلوماتِ يتطلَّبُ تطويرَ أساليبِ التعامُلِ الاقتصاديِّ إلى أقلّ حدٍّ مُمكِنٍ من القيودِ والالتزاماتِ[5].

 وحتى تُحقِّقَ منتجاتُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ الكفاءةَ الاقتصاديةَ ينبغي دراسةُ الاحتياجاتِ التمويليةِ بدِقَّةٍ، وربطُ الاحتياجِ الحقيقيِّ بالتمويلِ النقديِّ؛ للتوصُّلِ إلى منتجاتٍ تُلبِّي مختلفَ الاحتياجاتِ، وتُساهِمُ في حلِّ المشكلاتِ التمويليةِ.

ثانياً: أُسُسُ الهندسةِ الماليةِ الإسلامية:

تتضمَّنُ منتجاتُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ بعضَ الأُسُسِ؛ هذه الأُسُسُ تؤكِّدُ المصداقيةَ الشرعيةَ لهذه المنتجاتِ من خلالِ مطابقتِها لأحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ بما يؤدِّي إلى ثقةِ العملاءِ بها، ويجعلُها تحظَى بالقَبولِ العامِّ، وتتمثَّلُ هذه الأُسُسُ في:

تحريمِ الرِّبا والغَرَرِ:يُقصَدُ بالرِّبا لُغةً "الزيادةُ"، و اصطلاحاً  "الزيادةُ في غيرِ مقابلةِ عِوَضٍ مَشروعٍ"[6]، وأدلَّةُ تحريمِه كثيرةٌ منها قولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة، 275)، وأمّا مِن السُّنَّةِ النَّبويّةِ فقد بيَّنَتْ أنّ(الرِّبا مِن الكبائِر) وأنَّ(اللعنةَ تلحَقُ مَن يأكُلُهُ، ومَن يَطعَمُه، ومَن كتَبَه، ومَن يشهَدُ عليه) ودليلُ ذلك ما رواهُ مسلمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه قال:"لَعَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيهِ، وقال: هُمْ سَواءٌ "(رواه مسلمٌ)

أمَّا الغَرَرُ فيعني لُغةً "الخَطَرَ والجَهالةَ"، واصطلاحاً هو "ما شُكَّ في حُصولِ أحدِ عِوَضيهِ، أو مقصودٌ مِنه غالباً"[7]، وقد "نَهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن بيعِ الغَرَرِ"، وهذا الحديثُ الشريفُ عامٌّ يشملُ  البيوعَ كلَّها التي يدخلُها الغَرَرُ.

حُرِّيَّةُ التعاقُدِ:والمقصودُ بِحُرِّيَّةِ التعاقدِ إطلاقُ الحريةِ للأعوانِ الاقتصادِيينَ في أن يَعقدُوا في العُقودِ ما يَرونَ، وبالشروطِ التي يَشترِطونَ غيرَ مُقيَّدِينَ إلّا بقيدٍ واحدٍ وهو ألّا تشتمِلَ العقودُ على أمورٍ نَهى عنها الشرعُ الإسلاميُّ[8].

التيسيرُ ورفعُ الحَرَجِ:ويُرادُ به "أنْ تكونَ الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ مِن غيرِ عُسْرٍ أو حَرَجٍ"، أيّ بِلا مَشقَّةٍ، ونجدُ في مجالِ المعاملاتِ القاعدةَ مُطَّرِدةً؛ حيث جعلَ اللهُ سُبحانه وتعالى بابَ التعاقُدِ مفتوحاً أمامَ العبادِ، وجعلَ الأصلَ فيها الإباحةَ، ولم يَضَعْ مِن القيودِ إلّا تلك التي تمنعُ الظلمَ أو تُحرِّمُ أكلَ أموالِ الناسِ بالباطلِ[9].

الاستِحسانُ والاستِصلاحُ (المصالِحُ المُرسلَةُ):والاستحسانُ: هو ما يَستحسِنُه المجتهِدُ بعقلِه مِن غيرِ أن يُوجَدَ نصٌّ يُعارِضُه أو يُثبِتُه؛ بل يرجِعُ فيه إلى الأصلِ العامِّ وهو جَريانِ المصالحِ التي يُقرِّها الشرعُ، أمّا المصالحُ المرسلةُ فتعني: الأخذَ بكلِّ أمرٍ فيه مصلحةٌ يتلقَّاها العقلُ بالقَبولِ، ولا يَشهدُ أصلٌ خاصٌّ من الشريعةِ بإلغائِها أو اعتبارِها؛ فالمصلحةُ المرسلَةُ التي تُناطُ بها أحكامُ الشريعةِ الإسلاميةِ هي المصلحةُ المرسلةُ التي فيها المحافظةُ على مقصودِ الشارعِ[10].

التحذيرُ مِن بَيعَتَينِ في بَيعةٍ واحدةٍ:تقومُ الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ على أساسٍ آخرَ، وهو النهيُ عن بَيعَتَينِ في بيعةٍ واحدةٍ، والذي يقتضي "تناولَ عقدِ البيعِ لُزوماً بَيعتَينِ على أن يتمَّ منهُما إلّا واحدة"[11]، وقد "نَهى رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن بَيعَتَينِ في بَيعةٍ". وصُورُ هذا البيعِ متنوِّعةٌ يدخلُ فيها بيعُ العِينَةِ وهو أن يشتريَ شيئاً مِن غيرِه بثَمنٍ مؤجَّلٍ، ويُسلِّمُه إلى المشتري، ثمَّ يشتريهِ قبلَ قبضِ الثمنِ بثمنِ نقدٍ أقلّ من ذلك القَدرِ[12]، وهو بيعٌ يُرادُ منه اتخاذُ حيلةٍ للقرضِ بالرِّبا .

ثالثاً: مبادئُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ:

تقومُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ على مجموعةٍ من المبادئِ وهي:

مبدأُ التوازُنِ:يقتضي هذا المبدأُ تحقيقَ التوازنِ بين مختلفِ الحوافِزِ الإنسانيةِ ما يتعلَّقُ منها ب(المصالحِ الشخصيةِ، المصالحِ الاجتماعيةِ، تحقيقِ الربحِ، الأعمالِ الخيريِة، المنافَسةِ، التعاونِ)؛ فالشريعةُ الإسلاميةُ وضَعتِ الجميعَ في إطارٍ مناسبٍ[13]، فهذا المبدأُ يعملُ على تحقيقِ التوازُنِ بين مختلفِ الأطرافِ المشاركةِ في العمليتَينِ (التمويلية، والاستثمارية).

مبدأُ التكامُلِ:يَحكُمُ هذا المبدأُ تطويرَ منتجاتِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ؛ حيث يجمعُ بين تكامُلِ المصالحِ الشخصيةِ مع الاعتباراتِ الموضوعيةِ، وبين تفضيلاتِ الزمنِ والمخاطرةِ، وبين توليدِ الثروةِ الحقيقيةِ[14]؛ فضلاً عن كونِه يقومُ على وجودِ تكاملٍ بين الاقتصادَينِ (النقديِّ والحقيقيِّ).

مبدأُ الحلِّ:يتمثَّلُ هذا المبدأُ في "أنّ الأصلَ في المعامَلاتِ الماليةِ الحِلُّ؛ إلّا ما خالفَ نصَّاً، أو قاعدةً شرعيةً"؛ فهذا المبدأُ هو أساسُ الابتكارِ الماليِّ بشرطِ (التزامِ هذا الأخيرِ بدائرةِ الحلالِ، والابتعادِ عن دائرةِ الحَرامِ)، فضلاً عن كونِ هذا الابتكارِ في مصلحةِ المجتمعِ، ويُحقِّقُ مقاصِدَ الشريعةِ الإسلاميةِ وفي إطارِ القواعدِ والضوابطِ التي شَرَعَها الشارعُ الحكيمُ.

مبدأُ المناسَبةِ:يقتضي هذا المبدأُ تناسُبَ العقدِ مع الهدفِ المقصودِ منه؛ حيث يكونُ العقدُ مناسباً وملائماً للنتيجةِ المطلوبةِ من المعاملةِ، وهذا يعني أنّه لابُدَّ من ملائمةِ الشكلِ للمضمونِ، وتوافُقِ الوسائل ِمع المقاصدِ؛ فالصورةُ تُعَدُّ أساساً مقبولاً لتقويمِ المنتَجِ ما لم تتعارضْ مع الحقيقةِ عملاً[15]، وهذا هو مدلولُ القاعدةِ الفقهيةِ"العِبْرةُ للمقاصدِ والمعاني للألفاظِ والمباني".

رابعاً: مناهجُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ:

يُمكِنُ توضيحُ أساسِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ من خلالِ حديثِ رسولِ اللهِ صلِّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسنَةً لَهُ أجرُها وأجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعدَه مِن غَيرِ أنْ ينقصَ مِن أُجوِرهِم شَيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيِّئةً كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عمِلَ بها مِن بَعدِه مِن غيرِ أنْ ينقُصَ مِن أوزارِهمْ شيءٌ"( رواه مُسلمٌ) ، فهذا الحديثُ الشريفُ يُشيرُ إلى الابتكارِ وإيجادِ الحلولِ للمُعضِلاتِ المختلفةِ الماليةِ وغيرِ الماليةِ- طالما كانتْ في مصالحِ العبادِ-، وفي الوقتِ نفسهِ نبَّهَ الحديثُ إلى خُطورةِ الابتكارِ الضَّارِّ غير المشروعِ[16].

ويُمكِنُ تطويرُ منتجاتِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ؛ إمّا عن طريقِ (المحاكاةِ، أو الابتكار)، وذلك كالآتي:

منهجُ المُحاكاةِ:

يقومُ منهجُ المحاكاةِ على تقليدِ المنتجاتِ الماليةِ التقليديةِ؛ من خلالِ توسيطِ السلعِ، وإدراجِ بعضِ الضوابطِ الشرعيةِ عليها؛ حيث تكونُ نتائجُه محدَّدةً مسبقاً، ويؤدِّي الآثارَ نفسّها التي يؤدِّي إليها المنتجُ التقليديُّ، ومِن أبرزِ مزايا هذا المنهجِ السهولةُ والسرعةُ في تطويرِ المنتجاتِ الماليةِ، فهو لا يتطلَّبُ الكثيرَ من الجهدِ والتطويرِ؛ بل مجرَّدَ متابعةِ المنتجاتِ الرائجةِ في السوقِ وتقليدِها[17].

ومِن أمثلةِ هذا المنهجِ ما رُويَ عن ابنِ عبّاسٍ قالَ: قَدِمَ رَسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ وَهُمْ يُسلِفُونَ في الثمارِ السَّنَةَ والسَّنَتَينِ فقالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (رواه مسلمٌ) ، فهذا العَقدُ هو محاكاةٌ للعقدِ الذي كان سائداً قبلَ بعثةِ المصطفى صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

والسَّلَمُ هو أحدُ أنواعِ الدَّينِ، والدَّينُ هو عبارةٌ عن كُلِّ معاملةٍ كان أحدُ العِوَضينِ فيها نقداً والآخَرُ في الذِّمَّةِ نسيئةً، والسَّلَمُ كذلكَ؛ لأن المُسَلَمَ يكونُ نقداً والمسلَمُ فيه ثابتٌ في الذِّمَّةِ؛ فالسَّلَمُ يشتركُ مع القرضِ في أنّ كُلّاً منهُما إثباتُ مالٍ في الذِّمَّةِ بمبذولٍ في الحالِ، وإنّما جازَ السَلَمُ لتحقيقِه للمصلحةِ؛ بشرطِ أن يكونَ قَدْرُه معلوماً بكيلٍ أو وزنٍ أو غيرهِما مِمّا يُضبَطُ به[18]؛ أي أنْ يكونَ المسَلَمُ فيه معلومَ (النوعِ، والصِّفةِ، والمقدارِ)، وأن يكونَ الثمنُ معلوماً حالَ العقدِ مقبوضاً في المجلسِ، وأن يكونَ الأجَلُ بالنسبةِ للمُسلَمِ فيه معلوماً[19].

والحِكمةُ مِن تَشريعِ السَّلَمِ هي تحقيقُ مصلحةِ المتعاقدَينِ البائعِ وهو المسْلَمُ إليهِ والمشتري وهو المسَلِمُ؛ بحيث يستفيدُ البائعُ من الثمنِ المعجَّلِ لتغطيةِ حاجاتِه الماليةِ؛ سواءٌ لنفقتِه الشخصيةِ، أو للإنفاقِ على نشاطِه الإنتاجيِّ، وأمّا المشتري فيحصلُ على السلعةِ المشتراةِ التي يُريدُ المتاجَرةَ بها في الوقتِ الذي يُناسِبُه ويستفيدُ مِن رُخْصِ السعرِ؛ لأنَّ بيعَ السلَمِ أرخصُ عادةً أو غالباً من الشراءِ الحاضِر، وبالتالي فإنَّ السَّلَمَ عبارةٌ عن عقدٍ من عقودِ الاستثمارِ، وصيغةٍ مِن صِيَغِ التمويلِ يتمُّ بمَوجبِها التمويلُ بالشراءِ المسبَقِ؛ لتمكينِ البائعِ من الحصولِ على التمويلِ اللازمِ، وبهذا يكون عقدُ السلَمِ أداةً صالحةً للتمويلِ وإزالةِ الهمومِ والتخلًّصِ من الاقتراضِ بفائدةٍ ودفعِ الحرجِ والمشقَّةِ لتوفيرِ الإنتاجِ والإمدادِ بالسيولةِ النقديةِ[20].

إذنْ فليستْ كلّ منتجاتِ الهندسةِ الماليةِ التقليديةِ غيرِ مناسبةٍ للتمويلِ الإسلاميِ؛ ف"الحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ أنّى وجَدَها فهُوَ أحقُّ بها"، ولكن يجبُ التمييزُ بين اقتباسِ ما يتلاءمُ مع فلسفةِ التمويلِ الإسلاميِّ ومَبادئِه، وبين مُحاكاةِ الأساسِ الذي تقومُ عليه المنظومةُ التقليديةُ[21].

مَنهجُ الأصالةِ والابتِكارِ:                  

يستهدفُ منهجُ الابتكارِ والأصالةِ إيجادَ مُبتَكَراتٍ ماليةٍ إسلاميةٍ؛ من خلال البحثِ عن الاحتياجاتِ الفعليةِ للعملاءِ، والعملِ على تصميمِ المنتجاتِ المناسبةِ لها شرطَ أن تكونَ مُتوافِقةً ومبادئَ الشريعةِ الإسلاميةِ، وهذا منهجٌ يتطلَّبُ دراسةً مُستمرَّةً لاحتياجاتِ العملاءِ، والعملَ على تطويرِ الأساليبِ التِّقنيَّةِ والفنِّيَّة اللازمة لها؛ وذلك لضمانِ الكفاءةِ الاقتصاديةِ للمنتجاتِ الماليةِ، ولا ريبَ أنّ هذا المنهجَ أكثرُ كلفةً من التقليدِ والمحاكاةِ؛ لكنَّه في المقابلِ أكثرُ جدوىً وأكثرُ إنتاجيةً[22].

ومِن المواقفِ التي استعملَ فيها النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ منهجَ الابتكارِ لحلِّ المشاكلِ المتعلِّقةِ بالاقتصادِ والمالِ؛ فعَن أبي سعيدٍ الخُدريِّ وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُما أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ استعملَ رجُلاً على خَيبرَ فجَاءَهُ بتَمْرٍ جَنيبٍ فقالَ له رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَكُلُّ تَمْرِ خَيبرَ هكذا، فقالَ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ إنّا لَنأخْذُ الصَّاعَ مِن هذا بالصَّاعَينِ والصَّاعَينِ بالثلاثةِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "لا تَفْعَلْ بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيباً" (رواهُ البُخاريُّ).

والملاحَظُ في هذا الموقفِ عدَّة عِبَرٍ؛

 أوَّلُها: أنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عندما عرَضَتْ عليه المشكلةُ وهي استبدالُ السلعةِ الرديئةِ بالجديدةِ، لم يُبادِرْ أبداً رسولُ اللهِ إلى المنعِ؛ لأنّ ذلكَ سيُعطِّلُ جانباً كبيراً من المعاملاتِ الماليةِ في السوقِ الإسلاميةِ؛ بل قدَّمَ البديلَ لذلك حتّى لا يتحرَّجَ الناسُ في مُعاملاتِهم؛ فقد كان بإمكانِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه أنْ يمنع مثل هذه المعاملةِ لأنّ حياةَ الناسِ لا تتوقَّفُ عليها حتَّى يَضطَرَ رسولُ اللهِ إلى عَرْضِ البدائلِ لها، وإنَّما أرادَ أن يَعلِّمَ أُمَّتَه ضرورةَ توفيرِ الحلولِ في شتّى المجالاتِ.

تظهَرُ من خلالِ هذه الأمثلةِ وغيرِها أهميةُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ في عصرِ النُّبوةِ في إيجادِ حلولٍ إبداعيةٍ لمشاكلِ التمويلِ الموجودةِ آنذاك؛ حيث حَرصَ الرسولُ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على توفيرِ صِيَغٍ تمويليةٍ فعَّالةٍ تعملُ على إنماءِ الاقتصادِ، وتقومُ على تضافُرِ عواملِ الإنتاجِ؛ خاصَّةً عُنصُرَي (رأسِ المالِ، والعملِ)، وتتلاءمُ وأحكامَ الإسلامِ مثل: تحريمِ ومحاربةِ الاحتكارِ وصورِ الممارَساتِ غيرِ الشرعيةِ الخاطئةِ في النشاطِ الاقتصاديِّ مِن غِشٍّ وتدليسٍ...، وحرصاً أيضاً مِنهُ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على ضمانِ توفيرِ تمويلِ مستقرٍّ وحقيقيٍّ، ومِن موارِدَ موجودةٍ أصلاً في النشاطِ الاقتصاديِّ؛ وهذا ما يؤدِّي إلى تحقيقِ استثمارٍ حقيقيٍّ يُساهِمُ في بناءِ مجتمعٍ منتجٍ باستمرارٍ يعملُ على توفيرِ حدِّ الكفايةِ لِكُلِّ فردٍ من أفرادِه.

وختاماً:

شجَّعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الابتكارِ وحثَّ عليهِ، وبيَّنَ الأُسُسَ التي يُمكِنُ من خِلالها توجيهُ وترشيدُ عمليةِ الابتكارِ الماليِّ بما يُحقِّقُ المصالحَ المرجوَّةَ بكفاءةٍ عاليةٍ. ومِن هُنا تَظهَرُ ضرورةُ الاقتداءِ بالمصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم،َ ومواكبةِ التطوُّراتِ التي تشهدُها الساحةُ الاقتصاديةُ والماليةُ من خلالِ إيجادِ منتجاتٍ ماليةٍ إسلاميةٍ تجمعُ بين المصداقيةِ الشرعيةِ والكفاءةِ الاقتصاديةِ؛ بحيث تُلبِّي الاحتياجاتِ الاقتصاديةَ مع استيفائِها للضوابطِ الشرعيةِ؛ لتُواكِبَ بذلك الحاجاتِ التمويليةَ للأفرادِ والمؤسَّساتِ في العصرِ الراهنِ. هذا ما تمَّ بيانُه بتيسيرِ اللهِ تعالى وتوفيقهِ.



[1]أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصر، دار عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2008م، ص2370.

[2]جبران مسعود، معجم الرائد، دار العلم للملايين، بيروت، ط 7، 1992م، ص845.

[3]لحلو بخاري ووليد عايب، آليات الهندسة المالية كأداة لإدارة مخاطر الصكوك الإسلامية، الملتقى الدولي الأول حول الاقتصاد الإسلامي الواقعة ورهانات المستقبل، المركز الجامعي غرداية، ص03.

[4]عبد الكريم أحمد قندوز، الهندسة المالية الإسلامية، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، المجلد 2، العدد 2، 1428ه-2007م، ص 11.

[5]سامي السويلم، صناعة الهندسة المالية نظرات في المنهج الإسلامي، مركز البحوث، 1421ه-2000م، ص 15.

[6]عبد الله بن سليمان المنيع، بحوث في الاقتصاد الإسلامي، المكتب الإسلامي، مكة المكرمة، ط 1، 1416ه-1996م، ص 257.

[7]نصر سلمان وسعاد سطحي، أحكام المعاملات المالية في المذهب المالكي، ص 32.

[8]صالح مفتاح و ريمة عمري، الهندسة المالية الإسلامية ودورها في تحقيق التنمية المستدامة، الملتقى الدولي حول مقومات تحقيق التنمية المستدامة في الاقتصاد الإسلامي، جامعة قالمة، 03-04 ماي 2012م ، ص ص 230-231.

[9]هناء محمد هلال الحنيطي، دور الهندسة المالية الإسلامية في معالجة الأزمات المالية، المؤتمر العلمي الدولي حول الأزمة المالية والاقتصادية المعاصرة من منظور اقتصادي إسلامي، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، عمان، الأردن، 01-02 ديسمبر 2010م، ص 8.

[10]عبد الكريم أحمد قندوز، مرجع سبق ذكره، ص ص 32-33.

[11]نصر سلمان وسعاد سطحي، مرجع سبق ذكره، ص 34.

[12]عبد الكريم أحمد قندوز، مرجع سبق ذكره، ص33.

[13]لبنى بو الطمين، الهندسة المالية الإسلامية ودورها في تطوير العمل المصرفي الإسلامي التصكيك نموذجا، رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، كلية الشريعة والاقتصاد، ص 29.

[14]بو عافية رشيد، الهندسة المالية كمدخل لتطوير صناعة المنتجات المالية الإسلامية، الملتقى الدولي الثاني حول الأزمة المالية الراهنة والبدائل المالية والمصرفية النظام المصرفي الإسلامي نموذجا، المركز الجامعي خميس مليانة، 05-06 ماي 2009م، ص ص 18- 19.

[15]آمال لعمش، دور الهندسة المالية في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية دراسة نقدية لبعض منتجات المصرفية الإسلامية، رسالة ماجستير، جامعة فرحات عباس سطيف، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، 2011-2012م، ص 92.

[16]عبد الكريم أحمد قندوز، مرجع سبق ذكره، ص 29.

[17]بو عافية رشيد، مرجع سبق ذكره، ص 20.

[18]يحي بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية، 1347ه-1929م، ج 11، كتاب المساقاة والمزارعة، باب السلم، ص 41.

[19]فخري حسين عزي، صيغ تمويل التنمية في الإسلام، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، ط 2، 1422ه-2002م، ص 42.

[20]وهبة الزحيلي، المعاملات المالية المعاصرة، دار الفكر المعاصر، دمشق، سوريا ، ص ص 292-302.

[21]عبد الكريم أحمد قندوز، مرجع سبق ذكره، ص 7.

[22]بو عافية رشيد، مرجع سبق ذكره، ص 20.