العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المصرفيةُ الإسلاميةُ نموذجٌ لإدارةِ التنميةِ المستديمةِ والأمنِ الاقتصاديِّ

د. محمد فـوزي

دكتوراة فلسفة في الاقتصاد الاسلامي

-      لا يُوجَدُ خلافٌ على أهميةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ المعاصرةِ واستدامةِ صناعتِها لنهضةِ كلِّ مجتمعٍ حديثٍ؛ فهي إحدى صُورِ التطبيقاتِ الحديثةِ لقوانينِ الشريعةِ الإسلاميةِ، ومِن ثَمَّ فإنّ تطويرَها على أيدي خُبراءَ واقتصاديينَ ذَوي طُموحٍ في تأسيسِ نظامٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ أفضلَ يكون شاملاً ومتطوِّراً يُواكِبُ المتغيِّراتِ العالَميةَ المتسارعةَ، ويقومُ بِدورٍ مُهمٍّ في اقتصادياتِ الدولِ وتنويعِ مصادر الاقتصادِ ونُموِّه؛ من خلال زيادةِ مساهمةِ القيمةِ المضافةِ لهذه المؤسساتِ الماليةِ في إجماليّ الناتجِ المحلِّيِّ القوميِّ، وتوفيرِ فُرَصِ العملِ، وتعزيزِ الاستخدامِ الأمثلِ للمواردِ المحلِّيَّةِ، وتلبيةِ احتياجاتِ المجتمعاتِ ( أفراداً - مؤسساتٍ - حكوماتٍ ) من التمويلِ اللازمِ للتنميةِ المستديمةِ، وتسهيلِ المعاملاتِ الماليةِ والمصرفيةِ للفئاتِ كافّةً من الاستثمارِ الأخلاقيِّ الآمنِ المتوافقِ مع الشريعةِ الإسلاميةِ والقائمِ على استبعادِ (الرِّبا - الغَرَر- التعدّي على أموالِ الآخرينَ- المنتجاتِ الضارّة بالمجتمعِ والبيئةِ) وهو ما تفتقِرُه الاقتصادياتُ الغربيةُ الحديثةُ؛ حيث تعتمدُ على مقاييسَ مادِّيَّةٍ بحتةٍ جامدةٍ خاليةٍ من البركة والرِّضا.

-      من أجلِ ذلك اتجهتْ حكوماتُ الدولِ الإسلاميةِ مؤخَّراً لبناءِ أنظمةِ وأدواتِ العملِ المصرفيِّ الإسلاميِّ والمتمثِّلِ في المؤسساتِ الماليةِ من (صيرفةٍ، وتمويلٍ، واستثمارِ وتوظيفِ -الصكوكِ - الأسواقِ المالية - التأمينِ - المؤسساتِ الوقفية - لجانِ وصناديقِ الزكاة..) وأصبح أمراً ضروريَّاً لا يُمكِنُ الاستغناءُ عنه للتخلُّصِ من مصيَدةِ القروضِ المستمرَّةِ، والفوائدِ الدوليةِ المركَّبةِ، ومُشكِلاتِ (الفقرِ والبطالةِ والجهلِ) والعملِ على مصلحةِ شعوبهِم من خلالِ الأخذِ بنُظمِ وأدواتِ الصيرفةِ الإسلاميةِ، وتحقيقِ التنميةِ المستديمةِ، والأمنِ والأمانِ والاستقرارِ ( السياسيِّ- الاقتصاديِّ -الاجتماعيّ ) وسيكونُ ذلك من خلالِ توضيحِ المفهومِ العامِّ للتنميةِ المستديمةِ، والأمنِ الاقتصاديِّ من وجهةِ نظرِ الفكرِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ في ثلاثةِ محاورَ رئيسةٍ:

-       المِحور الأوّل: الأمنِ الاقتصاديِّ ( EconomicSecurity)

-      وفقاً لتعريفِ هيئةِ الأُممِ المتَّحدة (United Nations) فإنّ مفهومَ الأمنِ الاقتصاديِّ هو أن يَملِكَ الفردُ الوسائلَ المادِّيةَ التي تُمكِّنُه من أن يحيا حياةً مستقرَّةً وكريمةً متمثِّلةًفي توفيرِ ( الغذاءِ – المأوى المناسبِ - الرعايةِ الصحيةِ - التعليمِ ) وأمّا من ناحيةِ الفكرِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ لا يُمكِنُ أن يتَّصِفَ أيُّ اقتصادٍ لأيٍّ دولةٍ بالفعاليةِ، والكفاءةِ، والعملِ المشترَك ما لم تتوفَّر فيه تدابيرُ وإجراءاتٌ كافيةٌ للتنميةِ المستديمةِ ونظُمٍ جيِّدةٍ من الأمنِ والضمانِ الاجتماعيِّ لمواجهةِ مشكلاتِ الحياةِ، وأن يتكيَّفَ المجتمعُ مع التغيُّراتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ المحيطةِ به ليستطيعَ تنميةَ واستثمارَ ما فضَّلَ اللهُ عليه من الإمكاناتِ والطاقاتِ المادِّيةِ والبشريةِ والاقتصاديةِ؛ لتوفيرِ حياةٍ كريمةٍ له ولذَويه تكونُ أكثرَ أماناً واستقراراً حسب ما وردَ في القرآنِ الكريمِ بقولِه تعالى: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) سورة قريش الآيتان (4,3) فذَكَرَ سُبْحانه وتعالى الجوعَ رمزاً لحاجاتِ البدنِ وهو أشدُّها قَسوةً ( الأمنَ الاقتصاديَّ ) وذَكَرَ الخوفَ رمزاً لحاجاتِ النفسِ (الأمنَ الاجتماعيَّ).

-      المِحورُالثاني: إدارةُ التنميةِ المستَديمةِ (DevelopmentDurableManagement)

-      وفقاً لتعريفِ اللجنةِ العالَميةِ للبيئةِ والتنميةِ (بهيئةِ الأممِ المتحدةِ) لمفهومِ التنميةِ المستديمةِ أنّها: تُمثِّلُ تلبيةَ احتياجاتِ الأجيالِ الحاليَّةِ دون المساومةِ على قُدرةِ الأجيالِ المقبلةِ على الحياةِ والبقاءِ، وهذا يعنى المحافظةَ على المواردِ الطبيعيةِ والمشاركةِ المجتمعيةِ الفعَالةِ للقرارِ مع التوزيعِ المناسبِ والعادلِ للمواردِ والحقوقِ والثرواتِ وفقَ نظامٍ اقتصاديٍّ قادرٍ على إحداثِ فوائضَ ماليةٍ وعلى معرفةٍ فنيةٍ وتكنولوجيةٍ قائمةٍ على أُسسِ الاعتمادِ الذاتيِّ لحُرِّيّةِ الإنتاجِ والاستهلاكِ والتجارةِ والاستثمارِ والتمويل.

-      مفهومُ التنميةِ المستديمةِ حديثُ العهدِ والنشأةِ بدلالاتِه الحرفيةِ فلم يكنْ متداولاً في الاقتصادِ الإسلاميِّ عبرَ فتَراتهِ المتعاقبةِ؛ ولكنْ بالوقتِ نفسهِ لا يعني أنّ الإسلامَ لا يعرفُ التنميةَ أو النموَّ الاقتصاديَّ أو يهتمُّ بهِما؛ وإنّما تمَّ وفقَ مصطلحاتٍ إسلاميةٍ بديلةٍ وعديدةٍ مثل ( الاستخلافِ، والإعمار، والإحياءِ والغِراس) ومعتبراً أنّ الإنسانَ محورُ عمليةِ التعميرِ التنمويةِ، ووسيلةٌ للتنميةِ في آنٍ واحدٍ؛ بِما منحَه اللهُ من قُدراتٍ عقليةٍ وجسديةٍ ومسؤوليةٍ للقيامِ بهذه المهمَّةِ الجليلةِ حسبَ ما جاءَ في القرآنِ الكريمِ بقَولِه تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (هود:٦١) وهذا يدلُّ على تعميقِ الرؤيةِ الإسلاميةِ للنظرِ في أهميةِ التنميةِ للحياةِ الاقتصاديةِ للمجتمعِ، وضرورتِها لعمليةِ الإصلاحِ، والإعاشةِ، وتحسينِ المستويينِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ بالعملِ على توفيرِ السلعِ الضروريةِ، وزيادةِ الدُّخولِ- وفقاً لِما يبذُله أفرادُه من جَهدٍ وعَملٍ بما يكفلُ الحياةَ الكريمة لِبني الإنسانِ.

-       المِحورُ الثالث: دورُ المصرفيةِ الإسلاميةِ في إدارةِ التنميةِ المستديمةِ والأمنِ الاقتصاديِّ

-      إنّ مِن أهمِّ مبادئِ المصرفيةِ الإسلاميةِ عدمَ التعاملِ بالرِّبا أخذاً أو عطاءً ( هو ما تقومُ عليه المؤسسةُ التقليديةُ)؛ ممّا يَفرضُ على المصرفِ الإسلاميِّ ابتكارَ وتطويرَ أساليبَ مصرفيةٍ جديدةٍ قادرةٍ على جذبِ المودِعينَ بمدَّخَراتِهم وأموالِهم، وتأسيسِ وترويجِ الفُرصِ الاستثماريةِ المتاحةِ ( بصورةٍ منفردةٍ أو مشاركةٍ ) بعد التأكُّدِ من سلامتِها من النواحيِ (السُّوقيَّةِ، والفنيةِ، والماليةِ، والتنظيميةِ، والإداريةِ، والشرعيةِ) ووفقاً لضوابطِ الصيرفةِ الإسلاميةِ المتمثِّلةِ في تحقيقِ الأهدافِ التاليةِ تِباعاً:-

1.   أهدافِ نظامِ الاقتصادِ الإسلاميِّ.

2.   الأولياتِ وفقاً لاحتياجاتِ المجتمعِ الإسلاميِّ.

3.   أهدافِ المؤسسةِ الماليةِ.

4.   تقييمِ الاستثمارِ من النواحي ( الشرعيةِ- السيولةِ - الربحيةِ- المخاطرِ-القيمةِ المضافةِ).

-      يتمُّ هذا الدورُ المنظَّمُ من خلال أهمِّ وسيلةٍ لتحقيقِ الأمنِ والأمانِ والاستقرارِ (السياسيّ- الاجتماعيّ- الاقتصاديِّ) بقدرِ ما تتميَّزُ به من مهامَّ ووظائفَ تتمثَّلُ في:

1.   توفيرِ بديلٍ إسلاميٍّ للمجتمعِ يقومُ على أُسُسِ الشريعةِ بتحريمِ الرِّبا قطعياً، وتسهيلِ المعاملاتِ الماليةِ التي تكفلُ حُسْنَ استثمارِ المالِ وتنميتِه، وحمايتهِ من المخاطرِ، وعدمِ الاكتنازِ، ومحافظةً لأداءِ حقِّ اللهِ في المالِ.

2.   توفيرِ التمويلِ اللازمِ من رؤوسِ الأموالِ لكلٍّ مِن (المستثمِرِ- المؤسَّسةِ - الحكومةِ)، وتدعيمِ القُدرةِ التمويليةِ اللازمةِ للمشروعاتِ ( زراعيةً - صناعيةً - تجاريةً )لإنتاجِ السلعِ والخدماتِ في مختلفِ المجالاتِ والأنشطةِ.

3.   توسيعِ الطاقةِ الإنتاجيةِ في مختلفِ القطاعاتِ، ودفعِ عجلةِ الإنتاجِ والتنميةِ؛ من خلال برامجِ الاستثمارِ المخطَّطةِ والمدرُوسةِ سواءٌ كانت(جديدةً - قائمةً) وبصورةٍ (منفردةٍ - مشاركةٍ).

4.   المساهمةِ في تحقيقِ عدالةِ توزيعِ الثروةِ؛ من خلالِ توفيرِ التمويلِ اللازمِ لصغارِ المنتجِينَ وأصحابِ الخِبراتِ والحِرَفيينَ والمشروعات (صغيرةً - متوسطةً) من خلالِ مبدأِ المزاوجةِ بين رأسِ المالِ والعملِ كمبدأٍ أصيلٍ للمصرفيةِ الإسلاميةِ.

5.   توفيرِ بدائلِ الاستثمارِ الإسلاميةِ المتنوعةِ أمامَ أصحابِ رؤوسِ الأموالِ لاختيارِ مجالِ تنميةِ واستثمارِ المدَّخراتِ والفوائضِ والعوائدِ المتوفِّرةِ محليَّاً وفقَ نظامِ توزيعِ الأرباحِ الذي يتلاءمُ مع كلٍّ منهُم.

6.   تحقيقِ لامركزيةِ التنميةِ في المشروعاتِ الإنتاجيةِ والتنمويةِ بطريقةٍ متوازنةٍ وشاملةٍ في المجتمعِ بتنويعِ مجالاتِ الاستثمارِ، وشمولِها للقطاعاتِ الإنتاجيةِ المتنوعةِ كافّةً، وانتشارِها في أنحاءِ الدولةِ ككُلٍّ.

7.   إنشاءِ المشروعاتِ التي تُساهِمُ في تخفيفِ البطالةِ والفقرِ، وإحداثِ الرَّواجِ الاقتصاديِّ، وزيادةِ الإنتاجِ والدخلِ القوميِّ، وتحقيقِ التكاملِ (السياسيِّ- الاجتماعيِّ- الاقتصاديِّ- العسكريِّ) بينَ العالَم الإسلاميِّ.

8.   المساهمةِ في توفيرِ شبكاتِ الأمان الاجتماعيِّ وبرامجِ التأمينِ التكافليِّ من الدعمِ والتشغيلِ الأمثلِ للمواردِ الماليةِ المتاحةِ.