العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الرؤية الإستراتيجية لتكوين المفاهيم الصالحة أن تسبق مرحلة إنتاج المفاهيم مرحلة ابتكار المنتجات المالية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

 

الرؤية الإستراتيجية لتكوين المفاهيم الصالحة أن تسبق
مرحلة إنتاج المفاهيم مرحلة ابتكار المنتجات المالية
‫تتحكم ثلاثة أطراف بإنتاج المعارف المالية الإسلامية، هي‬: 
1) ‫المؤسسة المهنية: يُمثلها المؤسسات المالية، ممثلة برؤية مجالس إداراتها المسؤولة عن رسم الاستراتيجيات فيها، وسلوك إداراتها التنفيذية.‬
2) المؤسسة الشعبية: يُمثلها المجتمع في إطار العادات والتقاليد.
3) المؤسسة العلمية: تُمثلها الجامعات ومراكز البحث ورجال الفكر والاقتصاد والقانون.
تقدم المؤسسة المهنية منتجاتها المالية بهدف المنافسة بغية تحقيق منافع للمستفيدين منها (كالعملاء) من جهة، والربح للمنظمين (المؤسسة المهنية) من جهة أخرى، إلا أن كثيراً من تلك المنتجات تحمل في طياتها (دكتاتورية المفاهيم)، لأن أصحابها يسعون إلى نشرها ليكون السوق حبيس مصطلحاتها. وبذلك فإن السوق لن تحركه حقائق المنافسة التي تقودها بيانات الإفصاح والشفافية (أي التغذية الراجعة)، بل تحركها المعرفة الاستبدادية لأصحاب ذلك التوجه، وكأن أصحاب تلك المعارف يَسعون لإنتاج مفاهيم مؤداها تحقق مصالحهم ولو أدت للتشتت والضياع.
ويترب على ذلك تصور مرحلتين متتاليتين لطرح وتسويق المنتجات، هما:
مرحلة ١:‫ وهي مرحلة إنتاج المفاهيم دون قيمة تفاعلية مع الجمهور بسبب تماهي واستعلاء الجهة المبتكرة أو المسوقة، فالاستعلاء حاصل بسبب استبدال ‬المعرفة ‫المتوهمة ‬بالمعرفة ‫الحقيقية. ويتجلى ذلك: (١) بعدم طرح المؤسسة المهنية لمنتجاتها على الجمهور بقصد قياس آرائهم قبل إنتاجها او طرحها النهائي، وهذا تماهي. (٢) ثم بعدم استعدادها لنقاش أو لنقد منتجاتها، وهذا استعلاء. ومؤدى ذلك حدوث انفصال بين الجمهور (المستهدف) صاحب الحاجات، والمؤسسات المالية (المسوقة) لتلك المنتجات المالية. ‬
مرحلة ٢: وهي مرحلة لاحقة للمرحلة الأولى حيث تستحكم المفاهيم في عقول الجمهور، مما يدفع إلى تأليه المعرفة لتتسلط على السوق، وبذلك يُصبح الجمهور داعيةً ومروجاً لتلك المبادئ. وهنا تلعب سلطة المفاهيم دورها في طمس الحقائق وإخفاء توجهها خدمة لتوجهات (ايديولوجيا) معينة، في حين أن النقد البناء يطور المعارف حتى لو أدى ذلك النقد إلى نقضها وإعادة بنائها من جديد. 
‫وبناء عليه، فإن المصطلحات  تمارس على عناصر السوق أمرين:‬
1. ‫تحويل السوق إلى مُروج مُدافع عوضاً عن كونه مُستقصياً مُفنداً، فالمؤسسة المهنية تسعى إلى تقديس مفاهيمها (المنتجة) والدفاع عنها. ‬
2. بعد ذلك تكون‫ مرحلة دمج المصطلحات (‫ذات التوجه) ضمن العادات والتقاليد أمراً ممكناً.‬‬
 
‫أما المؤسسة الشعبية والمتمثلة بالمجتمع فإنها درجت على ابتكار تعاملاتها ومعاملاتها المالية حسب حاجاتها، لذلك هي تبتكر ما تحتاجه دون مؤسسات ضابطة (كما هو متعارف عليه)، ومعيارها في ذلك أنه طالما تلك المنتجات تحقق مآرب أصحابها ومنافعهم فإنهم يقبلونها ويعملون بها.‬
لذلك تزداد غربة المنتجات التي تطرحها المؤسسات المهنية، ويُساعد على ذلك قوة مكونات السوق التي تتوزع إلى نوعين:
1) قوة العامة، حيث مصدر قوتها كثرة عددها (لا رؤيتها)، مما يُهدد بعدم شيوع تلك المعرفة لعدم تداولها. 
2) قوة الأقلية، حيث مصدر قوتها تسلُّط أفكار مثقفيها، وهي (أقلية ضمن المجتمع) لكن تعاملها مع غيرها من النخب (كالمؤسسة المهنية مثلاً) يعتمد على منطق الاصطفاء، حيث يرى كل منهم أنه على الحق وأنه يُمسك بالحقيقة. 
إن قواعد الصراع (بين النخبة) يحكمه بقاء الأقوى فكرياً بوصفه الأفضل في الإقناع مما يمكنه من اجتذاب أكبر عدد إلى مشروعه الفكري، لذلك تتسلح هذه الفئة بقضيتي النقض والإقصاء كلغة غير تسامحية مع الآخر، مما يحد من النقد والتغيير الذين هما أساس أي عملية تطويرية. 
وإذا أضفنا نظرة العامة للأمور التي تتصف بالجمود، وتتسم عقليتها بالعمومية والبساطة. فإننا نكون أمام (دكتاتورية مفاهيم) لشرائح المؤسسة الشعبية مقابل (دكتاتورية مفاهيم) للمؤسسة المهنية.
عند ذلك ستصطدم (استراتيجيات التسويق) بعوائق يصعب تجاوزها، مما سيُفشل أية استراتيجية توسع ترغب الإدارة في تحقيقها.
 
أما المؤسسة العلمية، والمتمثلة بالجامعات بوصفها المصدر الرئيسي للبحوث وللدراسات المستجدة، ومراكز البحث ورجال الفكر والاقتصاد والقانون ومن في حكمهم. فإن الأصل في هذه المؤسسة أن تكون قاطرة الابتكارات والأفكار الإبداعية لأن دورها هو استشراف المستقبل وتحسس تطور الحاجات وتقديم المنتجات الجديدة أو المجددة لمقابلة تلك الاحتياجات المتغيرة، لذلك لا يصح أن تبتعد هذه المؤسسة عما يجري من حولها. فإجراء البحوث الأساسية وتطويرها يجب أن يتم قبل دخول السوق. لذلك يُلقى على عاتق فريق التسويق (بوصفه عين الصقر) معرفة جديد الأبحاث والدراسات، وعليه أيضاً تحسس التغيرات السوقية لأنه على تماس مباشر مع العملاء، كما يقع على عاتقه المحافظة على المنافسين والعملاء بمواكبة اتجاهات السوق وتحليل احتياجاتهم ورغباتهم.
 
إن نجاح نتائج البحث والتطوير يزيد فرص ارتفاع الأرباح وكسب حصة أكبر في السوق. ولا يتأتى ذلك إلا ببناء نظام فعال لجمع بيانات التغذية الراجعة، والسماح لعناصر السوق بالتفاعل البناء حتى لو أدى ذلك إلى هدم الحقائق وإعادة بنائها، مما يجعلنا أمام نظرة ناقدة متفحصة تتفهم الأمور ولا تقبل تعليلها وفق نمطية ثابتة ورؤية جاهزة، عندئذ نتخلص من (دكتاتورية المفاهيم)  بإنتاج مفاهيم صالحة ومفيدة جرّاء تطبيق سُنَة من سُنَن الله في أرضه ألا وهي سُنَة التدافع تحقيقاً لسُنَة أخرى من سُنَنَه (جلّ وعلا) وهي سنة بقاء ما ينفع الناس وذهاب غيره، وبذلك تتحقق غاية الإعمار المنشودة التي ترافق بقاء البشر وصلاحهم.
الدكتور سامر مظهر قنطقجي
رئيس التحرير 
حماة (حماها الله) بتاريخ ٢٥-٠٨-٢٠١٢