العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تَغيُّرُ قِيمَةِ العُمْلَةِ وأثرُها على سِدادِ الدُّيونِ

د. عمر خالد الزعبي

دكتوراه في المعاملات المالية والقانون

تَغيُّرُ قِيمَةِ العُمْلَةِ وأثرُها على سِدادِ الدُّيونِ

د. عُمَرُ الزُّعبيُّ

إن من أهمَّ المشكلاتِ الاقتصاديةِ المعاصرةِ مسألةَ تغيُّرِ قيمة النقود؛ فقد كثُرَ الخلافُ في تحديد معناها، وإبرازِ الحلول لمعالَجة آثارِها؛ لأنَّها ترتبطُ بالفرد ارتباطاً وثيقاً، ويُرافق ذلك تأثيرٌ كبيرٌ وخطيرٌ على القوَّة الشرائيةِ للنقد؛ حيث تضْعُفُ هذه القوَّةُ وتقلُّ؛ ممّا يؤدِّي إلى رُخْصِ النقودِ، ممّا حدا بعُلماءِ الشريعةِ الإسلاميةِ الأجلَّاءِ إلى عَرضِ حلٍّ إسلاميٍّ لمعالَجة هذه المسألةِ، وبيانِ الحُلول المستمدَّةِ من الفِقه الإسلاميِّ العظيمِ لمعرفةِ وُجهةِ الحقِّ في الدُّيونِ الثابتةِ في الذِّمّةِ والتي تتعرَّضُ للانخفاضِ في قِيمَتِها وما يترتَّب عليها من آثارٍ تُفضي إلى الخلافِ والمنازعةِ.

فكثيراً ما يُقرِضُ المرءُ غَيرَه مبلغاً من المال إلى أجلٍ مُعيَّنٍ رِفقاً به، ومعونةً له، وتلبيةً لحاجتِه، وتفريجاً لِكُربَتِه، فإذا ما حلَّ أجلُ الوفاءِ - ولم يدفعِ المدينُ ما عليه مِن دَينٍ، وماطلَ في السـِّدادِ حتى دفعَه للمُقرِضِ - يجدْ عندئذٍ المقرِضُ أنّ هذا المبلغَ الذي عاد إليه أقلَّ أو أكثرَ من المبلغ الذي دفعَه له قرضاً من حيث قوتُه الشرائيةُ يومَ أقرضَه، وهذا الأمر مُهمٌّ جِداً وبالغُ الخُطورةِ في هذا العصرِ، عِلماً بأنّ مبادئ هذا الأمرِ وأُسُسَه موجودةٌ ومعروفةٌ في تعاملِ المسلمينَ وفِقههِم منذ أكثرَ من ألفِ عامٍ مضى، وللفقهاءِ قديماً في ذلك آراءٌ ونظراتٌ دقيقةٌ وعميقةٌ وجديرةٌ بالعناية بها، والإفادِة منها.

آراءُ العلماءِ في تغيُّرِ قيمةِ العملةِ وأثرِها على الدَّيْنِ

إنّ الدَّيْنَ الثابتَ في الذِّمَّةِ إنْ كان نُقوداً فطرأ عليها تغيُّرٌ عند حلولِه، ففي هذه الحالة التي فيها تغيٌّر لقيمةِ النقدِ غَلاءً أو رُخصاً بعد ما ثبتَ في ذِمَّة المدينِ بدلاً في قرضٍ أو دَينٍ، فقد اختلفَ الفُقهاءُ فيما يلزمُ المَدينِ أداؤه على ثلاثةِ أقوالٍ:

القولِ الأوَّلِ: قولِ جُمهورِ الفقهاءِ:

وحاصلِه أنّ الواجبَ على المدينِ أداؤه هو القرضُ نفسُه الثابتُ في الذِّمَّةِ دونَ زيادةٍ أو نُقصانٍ، وليس للدائن سِواه.

جاء في «بدائع الصنائع » في الكلام على تغيُّر قيمة دَين القرض ما نصُّه: « ولو لم تكْسـدْ ولكنها رَخصتْ أو غَلَتْ فعليه ردُّ مِثْلِ ما قَبَضَ »([1]).

وجـاء في «كشّاف القِناع » ما نصُّه: « إنّ الفُلوسَ إنْ لم يُحرِّمها _ أي يمنعُ السطانُ المعاملةَ بها _ وَجَبَ ردُّ مِثلِها غلتْ أو رخصتْ أو كسدتْ »([2]).

وذَكَرَ السُّيوطيُّ رحمهُ اللهُ تعالى في رسالته ما نصُّه: « وقد تقرَّرَ أنّ القرضَ الصحيحَ يُردُّ فيه المِثلُ مُطلقاً، فإذا اقترضَ منه رِطلَ فلوسٍ فالواجبُ ردُّ رطلٍ من ذلك الجنسِ؛ سواءٌ زادتْ قيمتُه أو نقصتْ، أمّا في صورة الزيادة؛ فلأنّ القرضَ كالسَلَمِ، وأمّا في صورة النقصِ فقـد قال الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ولو أقرضَه نقداً فأبطلَ السلطانُ المعاملةَ به فليس له إلَّا النقدُ الذي أقرضَه، نصَّ عليه الإمامُ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ تعالى، فإذا كان هذا مع إبطالِه فمَعَ نقصِ قيمتِه مِن بابِ أولى »(3).

القولِ الثاني: قولِ الحنفيةِ وعليه الفتوى:

وهو أنـّه يجبُ على المدينِ أن يؤدِّي قيمةَ النقدِ الذي طرأ عليه الغَلاءُ أو الرُّخصُ يومَ ثُبوتـِه في الذِّمَّةِ من نقدٍ رائجٍ؛ ففي البيعِ تجبُ القيمةُ يومَ العقدِ، وفي القرضِ يومَ القبضِ(4).

القولِ الثالثِ: قولِ المالكيةِ في وجهٍ عندهُم:

هو أنَ التغيُّرَ إذا كان فاحِشاً فيجبُ أداءُ قيمةِ النقدِ الذي طرأ عليه الغلاءُ أو الرُّخصُ، أمّا إذا لم يكن فاحِشاً فالمِثلُ.

جاء في حاشية الرهوني (5/121):« وينبغي أن يُقيّد ذلك بما إذا لم يكثُر ذلك جِدّاً، حتّى يصيرَ القابضُ له _ أي للقرضِ _ كالقابضِ لما لا كبيرَ منفعةٍ فيه؛ لوجودِ العِلّةِ التي علَّل بها المخالِفُ »

القولِ الرابع: آراءِ العُلماءِ المعاصِرينَ:

ذهب إلى أنّ التسديدَ يكون بالقيمةِ لا بالمثلِ _ استِناداً إلى الرأي المالكيِّ الذي سبقَ أن بيّنّاه _ وأنّ التعويضَ يكونُ بالثُّلُثِ قياساً على الجائحةِ في الثمار؛ لأنّ الجائحةَ أمرٌ خارجٌ عن إرادةِ المتعاقِدينَ، وليست مِن فعلِ أحدٍ حتى يرجعَ عليـه الدائنُ إن شاءَ؛ لأنّ المسؤولَ الأوّلَ عن التغيُّرِ في القيمةِ للنقودِ هو الدولةُ.

يقول الدكتور مُحمّد القري: « إنّ الحكومةَ هي المسؤولُ الأوَّلُ عن التضخمِ، فوجَبَ عليها هي تعويضُ المتضرِّرينَ »(4).

ويقول الدكتوران متولي وشحاته: « إنّ الرأيَ المعوَّلَ عليه هو وجوبُ قيمةِ الفُلوسِ لا عَدَدُها؛ حيث إنّه يتمشّى مع اعتبارِ القيمـةِ الجاريـةِ الحقيقيةِ؛ بمعنى أن لا يتجاهلَ التغيُّراتِ في قيمةِ النقودِ؛ بل يأخذَها في الحُسبانِ عند معالجةِ آثارِ تغيُّراتِ مستوى الأسعارِ العامِّ»(5).

ويقول الدكتور محمّدُ الأشـقر:« بأنّ المقرضينَ عليهم الرجوعُ إلى القيمـةِ يـومَ القبضِ فـي القرضِ »(6).

وأخيراً وليس آخِراً يقول الدكتور شوقي دنيا: « في ظلِّ الاتِّجاهِ الهبوطيِّ المستمرِ في قيمةِ النقودِ الذي نعيشُه منذُ سنواتٍ عديدةٍ، فإنّ إلزامَ الدائنِ بأخذِ مِثل دَينِه عَدداً سوف يجعلُه يُحْجِمُ عن هذه العمليةِ مع أهميَّتِها، أو يُقدِّمُها في ظلِّ وصفيّاتٍ مُحرَّمةٍ لا يُقرُّها الشرعُ، وإذا كان العلماءُ قد قالوا: إنّ على المستعيرِ أن يتحمَّلَ عِبءَ ردِّ الإعارةِ دون أن يتحمَّلَ المعيرُ شيئاً من ذلك حتّى لا ينصرفَ النّاسُ عن الإعارةِ وهي هامّةٌ، فإنّ قولَنا بالتعويلِ على القيمةِ هو أحقُّ وأولى »([3]).

ومن خلال هذه الآراءِ السابقةِ نصلُ إلى ما قالَه الدكتور علي القره داغي _ بعد أن اعتمدَ رأي بعض المالكية ورأي أبي يُوسُفَ رحمهُ اللهُ تعالى _: « قد وجَدْنا أرضيَّةً ثابتةً، ومنطلقاً للرأي الذي نُرجِّحُه وهو اعتبارُ القيمةِ في نُقودِنا الوَرقيَّةِ بالضوابطِ السابقةِ»(2).

التَّرجيحُ في مسألةِ غلاءِ الأوراقِ النقديةِ ورُخْصِها:

بعدَ عَرضِ آراءِ الفقهاءِ الأجلّاءِ في مسألةِ غلاءِ الأوراقِ النقديَّةِ ورخصِها تحصّلَ معنا أربعةُ آراء هي:

أوّلاً: القولُ بوجوبِ مِثْلِ الأوراق النقدية في كلِّ حالات الرُّخْصِ والغَلاءِ ولو كان التغيُّر فاحِشاً، وذلك على أساسُ قولِ الجمهور كما بيّنّاه سابقاً؛ فإنّ هذا القولَ لم يَعُدْ مُناسِباً لِمقاصدِ الشريعةِ الإسلاميّةِ في حِفظِها لحقوقِ الناسِ، وعدمِ وُقوعِ الضَّرَر على أيٍّ مِن طرَفي العقدِ، وبما أنّ رُخصَ الأوراقِ النقديةِ يفوقُ الدراهِمَ والدنانيرَ المغشوشةَ والفُلوسَ؛ لأنّ الأوراقَ النقدية مُعرّضَةٌ لحالةِ التضخُّمِ الذي قد يجعلُ قيمةِ الوحدةِ النقديةِ مُنخفِضَةً جِدَّاً؛ بحيث تكونُ قيمةُ الوحدةِ يومَ القرضِ تُساوي مئةَ وحدةٍ يومَ الوفاءِ، أو أكثرَ مِن ذلك بكثيرٍ؛ مِمّا يؤدِّي إلى أنّ القابضَ لِدَينِه كالقابضِ لِلاشيءِ.

ثانياً: القولُ بوجوبِ القيمةِ على أساسِ قولِ أبي يُوسُفَ رحمهُ اللهُ تعالى، فهو أقربُ للعدالةٍ؛ لأنّ الأوراقَ النقدية لا قيمةَ لها في ذاتِهـا، وإنّما "العِبْرَةُ بقيمتِها الاصطلاحيةِ"، وبما أنّ الدَّيْن يُقضى على أساسِ المِثل لا القيمةِ، فكأنّ المِثل قد تغيَّرَ عند الغَلاءِ والرُّخصِ؛ لأنّ المقصودَ بِمثل النقود مِثلها في القوة الشرائيةِ يومَ الثبوتِ في الذِّمَّةِ(3).

الترجيحُ بينَ الأقوالِ السابقة: بناءً على ما مرَّ من تقصٍّ للنصوصِ واستقرائِها وما ذكَرَهُ أكابرُ الفُقهاءُ القُدامى ومدى تنْزيلِ فِقههِم على ظروفِ المعيشة، واعتمادهِم العُرفَ في الأحكامِ المتغيِّرة بتغيُّرِ الزمانِ، واعتبار الواقعِ وما له مِن تأثير في معاملاتِ الناسِ، والوقوفِ على آراءِ العلماءِ المعاصرينَ المبَرِّزينَ ومعرفةِ أدلَّتِهم وتخريجاتِهم في سبيلِ التوصُّلِ إلى العدلِ المأمورينَ به مِن اللهِ سُبحانَه وتعالى، يَرى الباحِثُ: أن يتمَّ تسديدُ القرضِ إذا بلغَ تغيُّراً فاحِشاً بالقيمةِ، ويُقدَّرُ التغيُّرُ الفاحِش إمّا بالرُّبُعِ اسـتِحسَاناً، وإمّا بالثُلُثِ قِياسـاً على الجائحةِ، فعلى المستقْرضِ في ظلِّ ظروفِ التضخُّمِ ردُّ قيمةِ القرضِ يومَ حصلَ عليه، ولا يُجبَرُ المقرضُ على قَبولِ المِثْلِ عند ذلك التغيُّرِ، والأهمُّ مِن ذلكَ كُلِّهِ الصُّلحُ والتراضي، والصُلحُ خيرُ ما يُتوصَلُ إليه ف"الصُّلحُ سيِّد الأحكامِ".

ما الحُلولُ المُقترَحةُ في مسألةِ تغيُّرِ قيمةِ العُملَةِ؟ وعلى أيِّ أساسٍ يُحسَبُ هذا التغيُّرُ؟

بعدَ بيانِ ما سبقَ توصّلَ الباحثُ لنتيجةٍ مفادُها: "أنّ على المقترِضِ أن يؤدِّيَ قيمةَ القرضِ"،وأنَ عليه أن يُبيِّنَ على أيِّ أساسٍ تُحسبُ هذه القيمةُ؟ هل تُحسَبُ قيمةُ القرضِ على أساسِ سِعرِ الذهبِ؟ أم سلَّة السِّلَعِ؟ أم العُملةِ الأكثرِ استقراراً ؟

المُقترَحُ الأوَّلُ:

هو ربطُ الدَّيْنِ عند التعامُلِ على أساسِ سعر العملةِ بالنسبةِ للذهبِ؛ والسببُ في رَبطِ الدَّيْن بالذهبِ هوَ "الثَّباتُ النسبيُّ في قِيمتهِ"([4]).

وأضربُ لذلك مِثالاً لتوضيحِ هذا الحلّ: عندما يُقرِضُ شخصٌ مبلغَ /50.000/ ليرة سورية لشخصٍ آخرَ لمدَّةِ ثلاثِ سنواتٍ، فعلى المقرضِ أن ينظُرَ إلى كمِّيَّةِ الذهبِ التي يُمكِنُ شِراؤها بهذا المبلغِ يومَ قبضِ القرضِ، فيتمّ الإقراضُ على أساسِ ذلك، ويُفضَّلُ أن يقومَ الدائنُ (المقْرِضُ) بشراءِ كميةِ الذهبِ ثم يُسلِّمَها للمَدينِ(المستقْرِضِ)، وكذلك يفعلُ المدينُ (المستقْرِضُ) يومَ الوفاءِ فيشتري كميةَ الذهبِ نفسَها ويُسلِّمَها للدائنِ(المقْرضِ).

وفي لُغةِ الأرقامِ قام الدكتورمُحمَّد الأشقر في كتابِه "بحوثٌ فقهيةٌ في قضايا اقتصاديةٍ مُعاصرةٍ"،(2/272)بمُقارنةٍ بين قيمةِ الذهبِ في عصرِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم وفي عصرنِا الحاضرِ في حسابِ الأنصبةِ فقالَ: « إنَّ القوةَ الشرائيةَ للذهبِ في زمنِ النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم كانت تساوي 100% أو 120% مِمّا هي عليه الآنَ لا أكثرَ؛ لذلك يجبُ العودةُ إلى نظامِ الذهبِ، وهذا لا يعني تحطيمَ النقودِ وإلغاءَها من وظائفِها.

وفي هذا يقول الدكتور مُحمّد شبير في كتابه "المُعاملات الماليـة المعاصرة في الفِقه الإسلاميِّ"، (ص160): « القولُ بردِّ المِثل يؤدِّي إلى تضييعِ أموالِ الناسِ وإلحاقِ الظُّلْمِ بهم، والقولُ بردِّ القيمةِ يؤدِّي إلى تحطيمِ النقودِ الإلزاميةِ وحِلِّ الرِّبا الذي تتعامَلُ به البنوكُ الربويةُ وغير ذلك؛ ولذلك لا بُدَّ مِن العودةِ إلى نظامِ الذهبِ وجعلِه مِقياساً للسلعِ والخدماتِ، والعودةُ إلى نظامِ الذهبِ النقديِّ لا يعني تركَ نظامِ الورقِ النقديِّ، وإنّما يُمكِنُ استعمالُه في المبادلاتِ الحاضِرةِ، وأمّا المبادلاتُ المؤجَّلةُ فتكون على أساسِ نظامِ الذهبِ النقديِّ ».

المُقتَرحُ الثاني: التقويمُ بِسَلَّةِ السِّلَعِ:

أيّ الربطُ بينَ الأرقامِ القياسيّةِ ( سلّةِ السلعِ ) أو سلّةِ العُمُلاتِ، وهي أن تُجعَلَ الموادُ الأساسيةُ التموينيةُ المعيشيةُ في (سلّةٍ) وتُخضَع لحساباتٍ يُحسَبُ منها معدَّلُ التغيُّرِ العامِّ حسبَ (الوزنِ والسعرِ) في سنةِ الأساسِ ( السابقِ)، ومِن ثَمَّ مُقارنتِه ب(الوزنِ والسعرِ) في سَنةِ المقارنةِ ( السنةِ موضوعِ الدراسة) وهذا ما يُسمّى (الربطَ بالأرقامِ القياسيةِ)؛ حيث يُرجَعُ فيه إلى معرفةِ السلعِ الأساسيةِ الخاضعةِ إلى عُرفِ كُلِّ بلدٍ إذ يُمكِنُ أن يكونَ الرزُّ في بلدٍ ما مِن السلعِ الأساسيةِ على حين أنّ الحنطةَ هي السائدةُ في بلدٍ آخرَ؛ لذلك يقال مجموعةٌ من السِّلَعِ وهي ( السلَّةُ ).

ومِمّا تَجدرُ الإشارةُ إليه أن يُصارَ إلى هذا التقويمِ إذا اشتُرِطَ في أوَّلِ القرضِ، وتُحدَّدَ السلعُ التي تُقوَّمُ على أساسِها ابتداءً؛ حيث يلحظُ كُلٌّ مِن الدائنِ(المقرِضِ) والمدينِ(المستقْرِضِ) أنّ بدلَ القرضِ إنّما هو القيمةُ الثابتةُ دونَ بديلِها من الورقِ النقديِّ المتغيِّر، وليس في هذا شيءٌ من الربِّا أو شبهةٌ؛ لأنّ الثابتَ في الذمّةِ ثابتٌ مُحدَّدٌ وهو القيمةُ ينوبُ عنه في الصورةِ شيءٌ مُتغيِّرٌ، وهو العُملةُ الورقيةُ، فمَرجِعُها في الحقيقة إنّما هو للثابتِ لا للمُتغيِّر.

المُقتَرحُ الثالثُ:

قد يلجأُ مَن يخشى هبوطَ القيمةِ الشرائيةِ للعملةِ التي يُقرِض بها إلى أن يطلبَ من المدينِ(المستقرضِ) توثيقَ الدَّيْنِ بعملةٍ أُخرى هي أقوى وأكثرُ استِقراراً؛ كمَن يدفع مبلغاً بالليرة السورية قرضاً، ثمّ يُوثِّقُ هذا الدَّيْنَ بالدولار الأمريكيِّ، أو بمقدارٍ مُعيَّنٍ مِن الذهبِ أو الفِضَّةِ، _ كما تبيّنَ في الحلِّ المقتَرحِ الأوَّلِ _ لكنّ هذا غيرُ جائزٍ؛ لأنّه صُرفَ بطريقةِ الاستبدالِ عن المالِ الثابتِ في الذمّةِ عن غيرِ قبضٍ في أحدِ البَدلَينِ، فدافعُ الليرات قد استبدَل عنها _ بعد أن ثبتتْ في ذِمَّةِ المقتَرضِ(المدينِ) _ دولاراتٍ مثلاً، ثمّ لم يَقبِضْها وشـرطُ صِحَّةِ الاستبدالِ" أن يَفترقَ المتصارفانِ وليس بينهُما شيءٌ لحديثِ « لا بأسَ أنْ تأخُذَها بسِعْرِ يومِها ما لمْ تَفْتَرِقا وبينَكُما شيءٌ »أخرجه أبو داودَ، رقم ( 3354 )، والنَّسائيُّ في السنن الكبرى، (4/34) وهو لا يتحقَّقُ في هذه الصورةِ المفروضةِ.

وأمّا لو أجرى الطرفانِ عقدَ الصرفِ أوّلاً بأنْ دفعَ أحدُهما ليراتٍ وصرفَها الآخـرُ دولاراتٍ، ثمّ دفعَ الأوَّلُ الدولاراتِ دَيناً إلى الآخرِ بعد قبضِها لِيَستردَّها حينَ حُلولِ الدَّيْن دولاراتِ، فهذا جائزٌ؛ نظراً لاستِقلالِ عقدِ الصرفِ عن الدَّيْن هنا وتقدُّمِه عليه، فلا يكون في المسألةِ مُصارَفةٌ في الذمّةِ مع تركِ القبضِ

وأرى _مع تحفُّظي على ما أقولُ_ أنه يُفضَّلُ لِمَن يخشى هبوطَ قيمةِ عملةِ الدَّيْن بعد إقراضِها، كالليرة السورية مثلاً، أن يَصرفها في السوقِ بعُملَةٍ أكثرَ استقراراً كالدولارِ، أو الريالِ السعوديِّ , أو الدرهمِ الإماراتي، ثمّ يُقرضَها كذلك، فيكون هذا التصرُّفُ لا شيءَ فيه.

وفي هذه الحالةِ يسهلُ على الدائِن (المقْرِضِ) والمدينِ (المستقْرِضِ) تحديدُ قيمةِ المبلغ المتَّفقِ على قرضِه بما يُعادِلـُه من عُملةٍ أكثرَ استِقراراً. والأسلَمُ أنْ يكونَ القَرضُ بدايةً بالعُملَةِ المُستقِرّة ولا يُقَدَّرَ تقديراً.

والمجمعُ الفقهيُّ في دَورتـه الثامنـةِ أجازَ أن يتَّفِقَ الدَّائِن(المقْرِضُ) والمدينُ(المستقْرِضُ) يومَ السِّدادِ لا قَبلَه على أداءِ الدَّيْنِ بعُملَةٍ مُغايرةٍ لِعُملَةِ الدَّيْنِ إذا كان ذلك بسعرِ صرفِها يومَ السِّدادِ. (قرارات المجمع الفقهي، رقم القرار (79/6/د 8/2).



(1) الكاساني، بدائع الصنائع، (7/242) .

(2) البهوتي، كشاف القناع، (3/301) .

(3) السيوطي، قطع المجادلة عند تغيير المعاملة، (1/97) .

(4) ابن عابدين، محمد أمين، تنبيه الرَقُود في مسائل النقود،( ضمن رسائل ابن عابدين)، (2/58)

(1) دنيا،شـوقي،تقلبات القوة الشرائية للنقود وأثر ذلك على الائتمان الاقتصادي، مجلة المسلم المعاصر، بيروت السنة الحادية عشر، العدد/41/، 1985م .(ص218) .

(2) القره داغي، د.علي محيي الدين، قاعدة المثلي والقيمي في الفقه الإسلامي وأثرها على الحقوق والالتزامات القاهرة، دار الاعتصام، ط1، 1993م،(ص218)

(3) انظر تفصيل ذلك: عفر، محمد عبد المنعم، تقويم للكتابات حول النقود في إطار إسلامي، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، 1414هـ، (ص168) وما بعدها .