العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الجانِبُ العَمليُّ للماليَّةِ الإسلاميَّةِ وكيفيَّةُ اختيارِ وإدارةِ المَشاريعِ داخِلَ البُنوكِ الإسلاميَّةِ

عماد محمد الشخشير

باحثٌ ومُتخصِّصٌ في الماليَّةِ المَصرِفيَّةِ الإسلاميَّةِ

لا شكّ أنَ وجودَ أكثرَ مِن 275 بنكاً إسلاميّاً حولَ العالَمِ- فضلاً عن أكثرَ مِن ٣٠٠ بنكاً تقليديّاً- يُقدِّمونَ الخدماتِ المصرفيةَ الإسلاميةَ يُؤشِّرُ إلى المرتبةِ الرفيعةِ التي وصلتْها الصيرفةُ الإسلاميةُ، والتي تنمو باطِّرادٍ وبنِسَبٍ تتجاوزُ ضِعْفَ نسبةِ نموِّ البنوكِ التقليديةِ. ولعلَّه مِن الملائمِ في هذا الصَّدَدِ الإشارةِ إلى أنَ نتائجَ دراسةٍ مُستقلِّةٍ قُدِّمَتْ مُؤخَّراً خلال المؤتمرِ العالَميِّ للمصارفِ الإسلاميةِ والمنعقدِ في البحرينِ العامَ الفائتَ بيَّنَتْ أنّ البنوكَ الإسلاميةَ تنمو بنسبةِ ٢٠٪ سنوياً؛ في حين تنمو البنوكُ التقليديةُ بنسبةٍ لا تزيدُ عن ١٠٪ سنوياً، وهو أمرٌ يُمكِنُ ردُّهُ إلى نجاحِ المصارفِ الإسلاميةِ في إقناعِ شريحةٍ واسعةٍ من العملاءِ على مستوى العالَم بأهميةِ المنتجاتِ التي تُقدِّمُها وبِمُواكَبَتِها للعصرِ، إضافةً إلى موثوقيتِها وموائمتِها لمقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ التي يُشكِّلُ مُعتنِقُوها نحوَ مليارٍ ونصف المليار مسلمٍ.

إنَّ البنوكَ الإسلاميةَ ورغمَ الفترةِ الزمنيةِ التي لا تُعتبَرُ طويلةً نسبيَّاً في انطلاقتِها- والمتمثِّلَةَ في ثلاثةِ عُقودٍ مِن الزمنِ-، استطاعتْ أن تحقِّقَ قفزاتٍ كبيرةً؛ بحيث فَرضَتْ نفسَها في التداولاتِ الماليّةِ العالَميَّة وهي في الوقتِ نفسِه بقيتْ ضمنَ نطاقِ المفاهيمِ التي تحرصُ عليها؛ ألا وهي إعمارُ الأرضِ، وتنميةُ المجتمعاتِ وفقَ مُقتَضى مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ الغرَّاءِ.

والتي ترى بأنّ رؤوسَ الأموالِ المستخدمةِ في اختيارِ وإدارةِ المشاريعِ (يُتاجَرُ بها لا فيها). كما أنّ الأصلَ في الشريعةِ القرآنُ الكريمُ وهو ما تستندُ إليه المصارفُ الإسلاميةُ في مبدَأي التنميةِ وإعمارِ الأرضِ وإدراةِ المشاريعِ والمتمثِّل في قولِه تعالى: "هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ ذَلُولاً فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإليهِ النُّشُورُ" سورة الملك آية: ١٤.

إنَّ تبنِّي فكرةِ تنميةِ المشاريعِ وتفعيلِ العملياتِ الإنتاجيةِ مِن خلالِ المصارفِ الإسلاميةِ يُعزِّزُ مبدأَ النماءِ والبناءِ ويتجلَّى في أبهى صُورِه من خلالِ اعتمادِ المصارف الإسلاميةِ بشكلٍ رئيسٍ على مبدأِ الإنتاجيةِ في المعاملاتِ مع المتعاملينَ وليس الإقراضِ فقط؛ حيث باتتِ المصارفُ الإسلاميةُ معروفةً باستثماراتِها الموثوقةِ في مختلفِ المشاريعِ، وحُسنِ إدارتِها، وجَودةِ اختياراتِها للمحافظِ التمويليةِ النظيفةِ؛ الأمرُ الذي مكَّنهَا وفقَ مبادىء الاقتصادِ الإسلامي مِن حلِّ إشكالِ المالِ، وتردُّدِه بين الخيريةِ والفتنةِ والابتلاء.

إنَّ المصارفَ الإسلاميةَ العاملةَ - وفقاً للإحصائياتِ التي صدَرتْ خلالَ السنتَينِ الماضيتَينِ- بيَّنَتْ بعضَ الأرقامِ التي صدرتْ بخُصوصِ أعمالِ تلكَ المصارفِ، وأنّ المحفظةَ التشغيليةَ للمشاريعِ تتراوحُ بين ٦٥٠-٧٠٠ مليار دولارٍ أمريكيٍّ، ومِن المتوقَّعِ أن يصلَ الرقْمُ إلى تريليون دولارٍ خلال العامَينِ المقبِلَينِ.. ومن خلال أعمالِ المؤتمرِ العالَميِّ للمصارفِ الإسلاميةِ المنعقدِ في العام ٢٠١٣ في سنغافورة، والذي حملَ عُنوان " النموُّ المستقبليُّ للتمويلِ الإسلاميِّ في آسيا والعالَم " صرَّحُ الكثيرُ مِن المشاركينَ في أعمالِ المؤتمرِ تصريحاتٍ حولَ التطوُّرِ الذي سجَّلَتْه هذه الصناعةُ وآفاقُ النجاحاتِ والنموُّ في الصناعةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ. هذا وقد توقَّعَ صُندوقُ النقدِ الدوليِّ أن يصلَ مُعدَّلُ النموِّ الاقتصاديّ في قارتَي آسية وأفريقية إلى ٥.٧٪ خلال العامِ الحاليِّ، وهي نسبةٌ أعلى ممَّا سجَّلَتْه العديدُ مِن الاقتصاداتِ المتقدِّمة. إنّ هذا النموَّ الاقتصاديَّ في دول آسية وأفريقية صاحَبَه نموٌّ في صناعةِ تمويلِ المشاريعِ ضمنَ الصبغةِ الإسلاميةِ، ومِن المقرَّرِ أن يصلَ السوقُ العالَميُّ لخدماتِ التمويلِ الإسلاميِّ إلى مِحفَظةٍ تُقدَّرُ ب ١.٦ تريليون دولارٍ أمريكيٍّ بنسبةِ نموٍّ سنويٍّ تُقدَّرُ ب ٢٠٪ مُقارَنةً ما هي عليه في الأعوامِ السابقةِ ممّا يعكِسُ قُفزةُ واسعةً عن حجمِ السوقِ البالغِ نحو ١٥٠ مليار دولارٍ أمريكيٍّ عنه في منتصفِ التسعينياتِ.

إنَّ أنشطةَ ومشاريعَ المصارفِ الإسلاميةِ -تَعزَّزَ موقِفُها في العالَم من خلالِ مسيرتِها وأعمالِها التي تتميَّزُ بمعاييرِ إفصاحٍ وشفافيةٍ عاليتَينِ مُدعَمَة بهيئاتِ رقابةٍ شرعيةٍ- أثبتتْ بما لا يدعُ مجالاًللشكِّ بأنّها مصارفُ تسعى إلى الابتعادِ عن النمطِ الاستهلاكيِّ في معاملاتِها؛ لذا فهي لا ترغبُ بأن تكونَ مجرَّدَ أداةٍ لتسهيلِ الاستيرادِ، وتحويلَ المجتمعاتِ الإسلاميةِ إلى مجرَّدِ وجهةٍ لِسِلَعٍ كماليَّةٍ أو مُستوردةٍ من الأولى؛ بل تُوجِّه تمويلَ إنتاجِها في البلدانِ الإسلامية؛ وذلك عبرَ تشجيعِ الصناعاتِ الوطنيةِ والمقاصدِ الائتمانية الأُخرى.

إنّني أعتقدُ بأنّ دخولَ المصارفِ الإسلاميةِ إلى السوقِ المصرفيةِ المغربيةِ مستقبلاً بشكلٍ فعَّالٍ سيكون له فوائدُ كبيرةٌ على صعيدِ الاقتصادِ الكُلِّيِّ لَديكُم؛ حيث أنّ هذه المصارفَ- وبحسبِ مبادئِها وتوجُّهاتِها- ستسعى بكلِّ جَهدٍ مُمكِنٍ إلى تمويلِ الكثيرِ من القطاعاتِ الحيويَّةِ في الاقتصادِ المغربيِّ، وتهيئةِ المشاريعِ المنشودةِ.

إنّه وتبعاً لما ذَكَرْتُ ومِن بابِ الأمانةِ أن بين أنَّه وفي الأشهُرِ القليلةِ الماضيةِ صرَّحَ السيِّدُ رئيسُ البنكِ الإسلاميِّ للتنمية السيِّد / أحمد مُحمَّد علي في مدينة الرباط أنّ البنكَ يودُّ فِعليَّاً إنجازَ برنامجٍ لتمويلِ المشاريعِ الصغيرةِ بالمغربِ الشقيقِ؛ وذلك بالتعاونِ مع مصارفَ مغربيةٍ ومؤسَّساتٍ ماليَّةٍ تهتمُّ بتمويلِ هذا النوعِ من المشاريع، وهناك مباحثاتٌ تمَّتْ بهذا الصدَدِ ما بين إدارةِ البنكِ ورئاسةِ الحكومةِ المغربيةِ مفادُها: أنّ البنكَ على أتمِّ الاستعدادِ للاستثمارِ في مشاريعِ التمويلِ الأصغرِ لقطاعِ المستثمِرينَ في مجالِ(الفلاحةِ والصناعةِ والتجارةِ) وذلك بمُجرَّدِ صدورِ النظامِ المصرفيِّ الجديدِ الخاصِّ بالصيرفةِ التشاركيةِ والمصارفِ التي تسيرُ وفقاً للأحكامِ الشرعيةِ في تعامُلاتِها. ويضعُ البنكُ الإسلاميُّ للتنميةِ في حُسبانِه الأهميةَ البالغةَ التي يكتسبُها تمويلُ المشاريعِ نظراً لاحتضانِه عدداً مُهمَّاً من صغارِ المستثمِرينَ في المجالِ الصيرفيِّ الإسلاميِّ. هذا ونُفيدُكُم عِلماً بأنّ البنكَ الإسلاميَّ للتنميةِ قد منحَ قرضاً للمغربِ بقيمة 1.8 مليار دِرهَمٍ مغربيٍّ أواخرَ يناير الماضي؛ وذلك بهدفِ إنجازِ مشروعَينِ مُهمَّينِ:

المشروع الأوّل: تزويدُ منطقتَي " أكادير واشتكو ىيت باها " بالماءِ الصالحِ للشُّربِ.

المشروع الثاني: تطويرُ قطاعِ زراعةِ الزيتونِ لصالحِ صغارِ الفلّاحينَ.

وهذا إنّ دلّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على نظرةِ واستراتيجيةِ البنكِ الإسلاميِّ للتنميةِ وإدراكِه بأهميةِ تمويلِ مثلِ تلكَ المشاريعِ.

نُذَكِّرُ بأنّه يُوجَّهُ حاليَّاً أكثرُ مِن ٦٠٠ مؤسَّسةٍ مصرفيةٍ وتمويليةٍ إسلاميةٍ تعملُ في ٧٥ دولةٍ حولَ العالَم؛ حيث ما زال عددُ هذه المؤسَّساتِ ينمو بقوَّةٍ مُقارَنةً بالمؤسَّساتِ الماليةِ التقليديةِ- خُصوصاً في أعقابِ الأزمةِ الماليةِ العالَميةِ-؛ حيث أنَّ نُموَّ سوقِ الصكوكِ الإسلاميةِ بلغَت إصداراتُه نحوَ ١٤٠ مليار دولارٍ عام ٢٠١٣. ولا شكَّ في أنّ آفاقَ النموِّ للصناعةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ في تمويلِ المشاريعِ فرَضَتْ فُرَصَاً تمويليةً مُتاحةً و مُهمَّةً أمامَ البنوكِ الإسلاميةِ؛ لتحقيقِ مزيدٍ من الارتقاءِ- خاصَّة وأنّ التمويلَ الإسلاميَّ الذي يستندُ إلى مبادىِء المساواةِ والعدالةِ ليس محصوراً بالمسلمينَ فقط-؛ بل إنّ هذا التمويلَ متاحٌ لخدمةِ الاقتصادِ العالَميِّ. كما أؤكِّدُ على الدورِ المهمِّ والحسَّاسِ الذي تقومُ به البنوكُ الإسلاميةُ في تمويلِ مشاريعِ البِنيةِ التحتيَّةِ لاقتصادياتِ العالَم في ضوءِ النموِّ السُّكانيِّ في هذه البلدانِ، إضافةً إلى فُرصِ النموِّ المتاحةِ لديها في ضوءِ وجودِ فوائضَ ماليةٍ في دولِ المنطقةِ المصدِّرةِ للنِّفط، إضافةً إلى تمويلِ المشاريعِ الصغيرةِ والمتوسطةِ؛ نظراً لأهميةِ الدَّورِ الذي تقومُ به هذه المشاريعُ في التنميةِ الاقتصاديةِ. وإنّ مُجمَلَ ذلك يستندُ إلى مبدأِ المشاركةِ في الربحِ والخسارةِ، ويرتكزُ على توجيهِ تمويلِ المشاريعِ نحوَ القطاعاتِ الحقيقيةِ في الاقتصادِ بعيداً عن المضارباتِ الماليةِ التي لا يترتَّبُ عليها أيُّ مساهمةٍ في الإنتاجِ الحقيقيِّ مِن السِّلَعِ والخدماتِ.

إنّ الدورَ الفعَّالَ الذي يقومُ به التمويلُ الإسلاميُّ للمشاريعِ وما يتبعُه مِن تعزيزٍ للاستقرارِ الماليِّ الذي أصبحَ مِن المواضيعِ المهمَّةِ في أعقابِ الأزمةِ الماليَّةِ العالَميةِ ودرجةِ الاندماجِ العاليةِ في التمويلِ الإسلاميِّ مع الاقتصادِ الحقيقيِّ، وضرورةِ توجيهِ الابتكاراتِ في منتجاتِ التمويلِ الإسلاميِّ لخدمةِ الاقتصادِ الحقيقيِّ بعيداً عن أنشطةِ المضارَبةِ عاليةِ المخاطرِ، وعليه: لا بُدّ مِن توجيهِ النشاطِ المصرفيِّ الإسلاميِّ ضمنَ إطارِ تطبيقِ معايير حوكمةٍ تأخذُ بالاعتبارِ حمايةَ المستهلكِ والبيئةِ والمجتمعِ. مع الإشارةِ إلى استطاعةِ البنوكِ الإسلاميةِ في آسيةَ وأفريقيَّة النهوضَ بذلك؛ خُصوصاً في ضوءِ ما تُوفِّرهُ فُرَصُ الاستثمارِ المتاحةِ أمامَها مِن تحقيقِ عوائدَ جيِّدةٍ تسمحُ لها بالاهتمامِ بموضوعِ خدمةِ البيئةِ والمجتمعِ.

لقد استطاعتِ المصارفُ الإسلاميةُ في الوقتِ المعاصرِ اختيارَ وإدارةَ تمويلِ العديدِ من المشاريع ِالصغيرةِ؛ مثل: بنكِ التمويلِ المصريِّ السعوديِّ، وبنكِ فيصلٍ الإسلاميِّ السودانيِّ وأثبتتْ نجاحَها.

ويُعدُّ بنكُ التمويلِ المصريِّ السعوديِّ أحدَ المصارفِ الإسلاميةِ، وقد قامتِ وبالتنسيقِ مع صُندوقِ الضمانِ الاجتماعيِّ بمصرَ بنشاطٍ لتمويلِ المشاريعِ الصغيرةِ وذلك من خلالِ: 

·               تخصيصِ بعضِ فُروعهِ لتمويلِ تلكَ المشروعاتِ الصغيرةِ والمتوسطةِ.

·               استخدامِ صيغةِ المشاركةِ المتناقِصَةِ المنتهيةِ بالتمليكِ لتمويلِ تلكَ المشاريعِ.

·               استخدامِ صيغةِ التأجيرِ مع الوعدِ بالتملُّكِ لتمويلِ تلك المشاريعِ.

·               إعدادِ دليلِ إجراءٍ تمويليٍّ لتلك المشاريعِ.

هذا وتكمنُ أهميَّةُ المشاريعِ المموَّلةِ مِن البنوكِ الإسلاميةِ بشتّى مُستوياتِها في تحقيقِ التنميةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ وبصفةٍ خاصَّةٍ علاجَ مشكلةِ البطالةِ؛ حيث يُعدُّ التمويلُ للمشاريعِ عن طريقِ صيغِ التمويلِ الإسلاميةِ مناسباً لتمويلِ تلك المشاريعِ، والمنبثقُ من صيغِ البيوعِ ومبدأِ المشاركةِ في الربحِ والخسارةِ. هذا ويُقدِّمُ المنتجُ الإسلاميُّ منظومةً مِن الصيغِ التمويليةِ للمشاريعِ التي تتناسبُ وظروفَ المشاريعِ؛ مثل: الإجارةِ، والمشاركةِ، والسلَم و الاستصناعِ، والمرابحةِ، والبيعِ.

إنّ دعمَ صناعةِ تمويلِ المشاريعِ مِن قِبَلِ البنوكِ الإسلاميةِ سيكونُ ميداناً مُهمّاً من ميادينِ عملِ المصارفِ الإسلاميةِ؛ خصوصاً وأنّ المجالَ يبدو واسعاً وكبيراً أمام هذه الصناعةِ؛ لأنّها تنمو وتتطوَّرُ في وقتٍ قياسيٍّ، ولعلَّه مِن المناسبِ التذكيرُ بأنّ قيامِ قطاعٍ صناعيٍّ متطوِّرٍ في أيِّ بلدٍ مرهونٌ إلى حدٍّ بعيدٍ بالتسهيلاتِ المصرفيةِ المتوافرةِ، وقُدرَةِ المصارفِ العاملةِ على تكييفِ تعامُلاتِها مع خصائصِ اقتصادِ هذا البلدِ دون أن تفقدَ هذه المصارفُ خصائصَها وضماناتِها التي تُعتبَرُ عامِلاً حيويّاً لاستمرارِ نشاطاتِها وفعالياتِها. وفي هذا المجالِ ربّما سيكونُ مِن المجدي اللجوءُ إلى خيارِ الصكوكِ الإسلاميةِ مِن أجلِ تحقيقِ هذه الغايةِ التنمويةِ المهمَّة وفي هذا الصَّددِ يُمكِنُ الاستعانةُ بتَجرِبةِ السوقِ الخليجيةِ التي تُؤشِّرُ إلى أنّ سوقَ الصكوكِ الإسلاميةِ فيها قد حقَّقَ نُموَّاً سريعاً وغيرَ مسبوقٍ. والدليلُ على ذلك نجاحُ عملياتِ الاكتتابِ في عددٍ من عملياتِ المصارفِ الإسلاميةِ خلالَ السنتَينِ الماضيتَينِ بشكلٍ منقطعِ النظيرِ إلى درجةِ أنّ هناك بعضُ عملياتِ الاكتتابِ استقطبَتْ ثلاثةَ أضعافِ قيمةِ الاكتتابِ المطلوبةِ، وقد كان مِن المثيرِ للاهتمامِ أنّ الطلبَ على هذه الصكوكِ لم يكُنْ فقط مِن قِبَلِ الجهاتِ الإسلاميةِ؛ بل إنّ مؤسَّساتٍ وجِهاتٍ كثيرةً شاركتْ بكثافةٍ في عملياتِ الاكتتابِ تلك، الأمرُ الذي يؤشِّر على الموثوقيةِ ونسبةِ المخاطرِ القليلةِ التي تتميَّزُ به عملياتُ تمويلِ إصدارِ الصكوكِ الإسلاميةِ، ومِن الأمثلةِ على ذلك البحرينُ؛ حيث حقَّقَتْ عائداً من إصدارِ صكوكِ إيجارٍ إسلاميةٍ بقيمةِ ١.٣ مليار دولارٍ، كما أصدرتْ قَطَرُ صكوكاً إسلاميةً بقيمةِ ٧٠٠ مليون دولارٍ، أمّا على مستوى دولِ الخليجِ عُموماً فقد وصلتْ قيمةُ الصكوكِ الإسلاميةِ إلى أكثرَ مِن ٤ ملياراتِ دولارٍ وذلك وفقاً لتقريرٍ صادرٍ عن شركة Towers & Hamilins INT..

إنّ تنوُّعَ البرامجِ التمويليةِ للمشاريعِ التي تُقدِّمُها البنوكُ الإسلاميةُ يشكِّلُ بيئةً مثاليةً للمُستثمِرينَ الراغبينَ في الانخراطِ بشكلٍ ايجابيٍّ، وبناءَ نشاطاتٍ استثماريةٍ مُجديةٍ مثلاً في المغربِ؛ خُصوصاً وأنّ هذه البنوكَ قد تجتهِدُ وتتَّجِهُ لتأسيسِ محافظَ استثماريةٍ محليةٍ متنوعةٍ. ويُمكِنُ بهذا الصَّدَدِ التذكيرُ بتَجارِبِ العديدِ من البنوكِ الإسلاميةِ التي ابتكرتِ الكثيرَ مِن المنتجاتِ المتوافقةِ مع الشريعةِ الإسلاميةِ، والتي مَكَّنَتِ المستثمِرينَ مِن الحصولِ على عوائدَ مُجزيةٍ؛ ومنها الصكوكُ الإسلاميةُ التي يتمُّ قياسُها بمؤشِّراتٍ مِعياريةٍ مثل مؤشِّر Dow jones؛ وذلك لمتابعةِ أداءِ تلك الصكوكِ الصاردةِ عن البنوكِ والشركاتِ والمؤسَّساتِ الماليةِ الإسلاميةِ. والتي يتمُّ إدراجُها في المؤشِّرِ بهدفِ تفعيلِ فُرَصِ الاستثمارِ المتوافقةِ مع الشريعةِ الإسلاميةِ في أنحاءِ العالمِ كافّةً.

إنّ المصارفَ الإسلاميةَ وكما أظهرتْ مسيرتُها في عشراتِ البلدانِ التي تعملُ فيها هي أداةٌ ضروريةٌ وفعَّالةٌ إذا ما أحسِنَ استغلالُها في ميدانِ تنفيذِ الكثيرِ من البرامجِ والخططِ الاقتصاديةِ الحكوميةِ؛ فهي لا تطمحُ لأنْ تكونَ خارجَ السياقِ المنطقيِّ لحراكِ الاقتصادياتِ الوطنيةِ التي تعملُ فيها؛ بل إنّها تسعى إلى أن تكونَ أداةً تمويليةً مُجديةً وجديرةً في مجالِ الخططِ التنمويةِ ومشاريعِ البناءِ الاقتصاديِّ الكبرى، أو المتوسطة، أو حتى الصغرى منها. وفي هذا المقامِ من المفيد ذكرهُ أنّ المصارفَ الإسلاميةَ تتبنّى كثيراً مِن مشروعاتِها في التمويلِ العقاريِّ والسُّكنى والإيجارِ المنتهي بالتملِك، بالإضافةِ إلى الاحتياجاتِ المناسبةِ للقطاعِ الخاصِّ؛ مثل: تمويلِ المشاريعِ، والتمويلِ الخاصِّ بتجارةِ سلَّةِ العُملاتِ والسنداتِ والأسهُمِ، وهو ما يؤدِّي بالنتيجةِ إلى إيجادِ بيئةٍ مثاليةٍ للعملِ تُساعدُ خططَ الحكومةِ على النجاحِ، وتحقيقِ الأهدافِ المأمولةِ منها بيُسْرٍ وسُهولةٍ.

هذا وتَجدُرُ الإشارةُ إلى مشاركةِ الكثيرِ من المصارفِ الإسلاميةِ في تمويلِ مشاريعَ حكوميةٍ، أو خاصَّةٍ عملاقةٍ في كثيرٍ من دولِ العالَم العربيِّ والإسلاميِّ، وهو ما جعلَ من هذه المصارفِ أحدَ المقوِّماتِ الأساسيَّةِ في النهضةِ الاقتصاديةِ في البلدانِ التي نشطتْ فيها، وأخذت فيها دورَها الفعَّالَ الذي تستحقُّه؛ غيرَ أنّه مِن أكثرِ ما يُمكِنُ أن تُسهِمَ البنوكُ الإسلاميةُ في إيجادِ حلولٍ تمويليةٍ له هو المشاريعُ الصغيرةُ أو المتوسطةُ وهو أمرٌ لا بُدَّ وأن يكونَ له انعكاسٌ كبيرٌ على القاعدةِ الاقتصاديةِ للبلدِ المعنيِّ بالنظرِ إلى أنّه يتوجَّهُ إلى شريحةٍ عريضةٍ من الناسٍ، وبالتالي يُسهِمُ من جانبٍ في خفضِ مُعدَّلاتِ البطالةِ، ومِن ناحيةٍ ثانيةٍ في زيادةِ تسريعِ النموِّ الاجتماعيِّ للناتجِ القوميِّ عبرَ إشراكِ أكبرِ قدْرٍ مُمكِنٍ من الأيدي العاملةِ في دائرةِ الإنتاجِ. وبحسبِ رؤيةِ الباحثِ فإنّ المصارفَ الإسلاميةَ هي الأقدرُ على إيجادِ حلولٍ عمليةٍ لهذه الناحيةِ من التنميةِ بالنظرِ إلى أدواتِ عملِها وضوابطِها وأحكامِها الشرعيةِ، بالإضافة إلى القَبولِ المجتمعيِّ في أوساطِ الناسِ؛ لذا فإنَّ صِيغَ التمويلِ الإسلاميةِ تتَّجِهُ في جانبٍ رئيسٍ مِن أعمالِها:

·      إلى دعمِ تنميةِ المشروعاتِ والمنشآتِ الصغيرةِ والمتوسطةِ الحرفية ِمنها والمهنيةِ، والصناعاتِ الصغيرةِ عبرَ منتجاتٍ مصرفيةٍ مُلائمةٍ تُساعِدُها على النهوضِ والتعافي، وهو ما سيكونُ له أثرٌ بعيدُ المدى؛ سواءً من النواحي الاقتصاديةِ أو الاجتماعيةِ بما يعكسُ الهدفَ النبيلَ الذي تحقِّقُه المصارفُ الإسلاميةُ عبرَ أدواتِها التي أثبتتِ النجاحَ والتفوقَ؛ ممّا دفعَ بمنافِسيها إلى أخذِها بعينِ الاعتبارِ اعتماداً دونَ أيِّ تردُّدٍ.

·      وخِتاماً نخلصُ إلى أنّ تمويلَ المشاريعِ الفعَّالةِ مِن جانبِ البنوكِ والمؤسَّساتِ الماليةِ الإسلاميةِ له الأثرُ الفعَّالُ في تنميةِ عجلةِ الاقتصاد في المجتمعِ، كما أنّ المصارفَ الإسلاميةَ استطاعتْ في الوقتِ الحاضرِ تمويلَ العديدِ من المشاريعِ، ولغاياتِ تفعيلِ عجلةِ ودورِ المصارفِ الإسلاميةِ بالمحافظةِ على هذا الدَّورِ يُوصي الباحثُ بما يلي:

1.   إنشاءِ أدواتٍ مُتخصِّصةٍ لتمويلِ المشاريعِ وبمستوياتِها وأغراضِها كافّةً؛ وخاصَّة الصغرى منها، وإعدادِ كفاءاتٍ مصرفيةٍ مُتخصِّصةٍ في هذا المجالِ.

2.   تخفيضِ مُعدَّلاتِ هامشِ الربحيةِ لدى البنوكِ عند تمويلِ تلك المشروعاتِ من بابِ التكافلِ الاجتماعيِّ، وتفعيلِ عجلةِ الاقتصادِ.

3.   سعي البنوكِ الإسلاميةِ وقيامِها بتمويلِ تلك المشاريعِ الصغيرةِ من مبالغَ مُخصَّصةٍ من حساباتِه الذاتيةِ ومواردهِ، أو نسبةٍ من الحساباتِ الجاريةِ؛ حيث لا تحملُ مصاريفُ أو تكاليفُ باهظةٌ على كاهلِ المصرفِ.

4.   إنشاءِ صناديقَ استثماريةٍ إسلاميةٍ مُتخصِّصةٍ لتمويلِ المشاريعِ الصغيرةِ مُنبثقةٍ عن المصارفِ الإسلاميةِ.

5.   تشجيعِ الهيئاتِ الحكوميةِ والداعمةِ للمصارفِ الإسلاميةِ على تمويلِ المشاريعِ؛ عن طريقِ إصدارِ قوانينَ مُنظِّمةً؛ لذلك ترعاها مؤسَّساتُ النقدِ الحكومية والبنوكُ المركزيةُ.

6.   دعوةِ الفُقهاءِ والعُلماءِ والخُبراء المختصِّينَ إلى ابتكارِ صيغٍ تمويليةٍ إسلاميةٍ غيرِ تقليديةٍ تتناسبُ مع المتغيِّراتِ والمستجِدَّاتِ المعاصرةِ في أنشطةِ تمويلِ المشاريعِ التنمويةِ كافّةً.

 

هذا ما يسَّرَّ اللهُ إعدادَه بعونِه تعالى وتوفيقِه.