العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

بناءُ رأسِ المالِ الفِكْرِيِّ في المَصارِفِ الإسلاميَّةِ؛ سبيلٌ لِتطويرِ الهنَدسَةِ الماليَّةِ الإسلاميَّةِ

خديجة فوقي

أستاذة مساعدة بالملحقة الجامعية بمغنية، جامعة أبي بكر بلقايد- تلمسان- الجزائر

لقد استطاعتِ المصارفُ الإسلاميةُ بعدَ أزمةِ الرّهنِ العقاريِّ أن تبلُغَ مكانةً مرموقةً على المستوى المصرفيِّ العالَميِّ؛ بسببِ عدم تأثُّرِ مُنتجاتِها بتداعياتِ الأزمةِ؛ فأصبحتْ مُنتجاتُها محلَّ طلبٍ عالَميٍّ، ولاقتْ رَواجاً كبيراً غيرَ مسبوقٍ، مِمّا جعلَ العديدَ منَ المصارفِ التّقليديةِ تتحوّلُ نحوَ المصرفيةِ الإسلاميةِ سواءٌ بشكلٍ كُلِّيٍّ أو جُزئيٍّ، وهو ما يعني اشتدادَ حِدَّةِ المنافسةِ على المصارفِ الإسلاميةِ، فبَعدَ أن كان التنافسُ فيما بينَها،دخلَ طرفٌ آخرُ بخلفيةٍ ربويةٍ إلى حَلَبةِ التنافسِ.

والحقيقةُ التي لا تخفى على أحدٍ اليومَ، هي جملةُ التغيُّراتِ المتسارعةِ التي يشهدُها العالَمُ على مستوى  الأصعدةِ كافّةً وخاصَّةً العلميةَ والتكنولوجيةَ والاقتصاديةَ منها، وهو ما يجعلُ بيئةَ الأعمالِ غيرَ مُستقِرَّةٍ، وكونُ المصارفِ الإسلاميةِ تعملُ في هذه البيئةِ غيرِ المستقِرَّةِ فإنّ بقاءَها واستمراريتَها مَرهونانِ بما تُنتِجُه من مُنتَجاتٍ ماليةٍ إسلاميةٍ.

إنّ الصناعةَ المصرفيةَ الإسلاميةَ اليومَ في خَطرٍ يُهدِّدُ سُمعتَها، ومِن ثمَّ مستقبلَها بسبَبِ إساءةِ استعمالِها مِن طرفِ بعضِ المصارفِ الإسلاميةِ، جرَّاءَ الجهلِ بكيفيةِ تطبيقِ بعضِ صِيغِها، وجرَّاءَ مُحاكاةِ مُنتجاتِها للمنتجاتِ الماليةِ التقليديةِ، وكذا جرّاء اللجوءِ إلى بعضِ منتجاتِ الهندسةِ الماليةِ التقليديةِ للتحوُّطِ من المخاطرِ في ظلِّ غيابِ استراتيجيةٍ فعَّالةٍ لتطويرِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ.

وفي ظلِّ ما تقدَّمتِ الباحثةُ بسَردِه بدايةً، يكونُ أمامَ المصارفِ الإسلاميةِ اليومَ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى مَهمَّةُ فَرْضِ بقائِها، وذلك بابتكارِ منتجاتٍ ماليةٍ إسلاميةٍ جديدةٍ تُحقِّقُ لها ميزةً تنافسيةً، ولا يكون ذلك إلّا بتطويرِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ كمَدخِلٍ من مَداخلِ الإبداعِ الإداريِّ في المصارفِ الإسلاميةِ، وإنّ الحاجةَ إلى تطويرِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ تستدعي تركيزَ الاهتمامِ على أحدِ أهمِّ مُتطلَّباتِها ألا وهو بناءُ رأسِ مالٍ فكريٍّ.

أوَّلاً:الهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ كمَدخلٍ للإبداعِ الإداريِّ في المصارفِ الإسلاميةِ:

تهتمُّ الهندسةُ الماليةُ باعتبارِها مصدراً للإبداعِ بابتكارِالأدواتِ الماليةِ الحديثةِ، وأدواتِ إدارةِ المخاطرِ بالشكلِ الذي يضمنُ لمنظَّماتِ الأعمالِ التخطيطَ لمستقبلِها وخدمِة أهدافِها، وكذا ضمانِ المردودِ الإيجابيِّ للاقتصادِ الوطنيِّ ككُلٍّ؛ من خلالِ تطويرِ أسواقِ رأسِ المالِ، وإمدادِها بمختلفِ الأدواتِ والآلياتِ التمويليةِ التي تُحقِّقُ أهدافَ المتعامِلينَ جميعاً.

1)تعريفُ الهندسةالماليةِالإسلاميةِ:

الهندسةُالماليةالإسلامية ( Financial Engineering Islamic) يُقصَدُبأنَّها مجموعةُ الأنشطةِ التي تتضمَّنُ عملياتِ التصميمِ والتطويرِ والتنفيذِ لِكُلٍّ من الأدواتِ والعملياتِ الماليةِ المبتكرةِ؛ بالإضافة إلى صياغةِ حلولٍ إبداعيةٍ لمشاكلِ التمويلِ وكلُّ ذلكَ في إطارِ مُوجِّهاتِ الشرعِ الحنيفِ، وتتضمَّنُ هذه الهندسةُ العناصرَ التاليةَ:

- ابتكارَ أدواتٍ ماليةٍ جديدةٍ.

- ابتكارَ آلياتٍ تمويليةٍ جديدةٍ، من شأنِها تخفيضُ التكاليفِ الإجرائيةِ لأعمالٍ قائمةٍ؛ مثل:التبادلِ م ن خلال الشبكةِ العالَميةِ والتجارةِ الإلكترونيةِ.

- ابتكارِ حلولٍ جديدةٍ للإدارةِ التمويليةِ؛ مثل إدارةِ السيولةِ، أو الدُّيون، أو إعدادِ صيغٍ تمويليةٍ لمشاريعَ مُعيَّنةٍ تُلائمُ الظروفَ المحيطةَ بالمشروعِ، أو ابتكارِ استراتيجيةٍ جديدةٍ لإدارةِ المخاطرِ.

- أن تكونَ الابتكاراتُ المشارُ إليها سابقاً- سواءٌ في الأدواتِ، أو العملياتِ التمويليةِ- مُوافِقةً للشرعِ مع الابتعادِ بأكبرِ قَدْرٍ مُمكِنٍ عن الاختلافاتِ الفقهيةِ؛ حتى تتميَّزَ بالمصداقيةِ الشرعية([1]).

2) مُحدِّداتُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ: تتمثَّلُ مُحدِّداتُ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ فيما يلي:

·    خُلُوِّ المُنتَجِ مِن الرِّبا والغَررِ والجهالةِ:

إنَّ الركيزةَ الأولى التي يُبنى عليها الاقتصادُ الإسلاميُّ -ومن ثَمَّ البنوكُ الإسلاميةُ؛ وبالتالي الابتكارُ الماليُّ- هي تحريمُ الرِّبا؛ فهي شرطٌ أساسٌ وضروريٌّ في المعاملاتِ الماليةِ القائمةِ والمستحدثةِ، والأدلَّةُ من الكتابِ الكريمِ  والسُّنَّةِ الشريفةِ كثيرةٌ،ويكفي التأكيدُ على إجماعِ الفقهاءِ والعلماءِ بحُرمةِ الرِّبا؛ لِمَا تجرُّه مِن أضرارٍ على الأفرادِ والاقتصاد الوطنيِّ.

أمَّا الغَرَرُ فيُعتبَرُ أيضاً مِن أهمِّ الضوابطِ التي يجبُ أن تُؤخَذَ بعينِ الاعتبارِ عند ابتكارِ وتطويرِ المنتجاتِ الماليةِ الموافقةِ لأحكامِ المعاملاتِ الماليةِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ ذلك أنَّه يحملُ مِن عدمِ اليقينِ، وعدمِ الدِّقَّةِ في شروطِ العقدِ ما يضرُّ بمصالحِ الأطرافِ المتعاقدةِ ويخدمُ مصلحةَ طرفٍ على حسابِ طرفٍ آخرَ([2]).أمّا الجهالةُ فهي ضدُّ العلمِ، ويستعملُ الفقهاءُ لفظَ الجهالةِ فيما إذا كان الجهلُ مُتعلِّقاً بخارجٍ عن الإنسانِ كمَبيعٍ ومُؤجَرٍ وثَمنٍ ونحوِ ذلك من الأشياءِ([3])، ويُعتبَرُ تجنُّبُ الجهالةِ ضابطاُ ضرورياً لابُدَّ وأن يُؤخَذَ بعينِ الاعتبارِ عندَ ابتكارٍ مُنتجٍ جديدٍ.

·    الأخذُ بقاعدة "الغُنْمُ بالغُرْمِ":

ويُقصَدُ بهذه القاعدةِ: أنَّ الحقَّ في الحصولِ على الربحِ يكون بقَدْرِ تحمُّلِ المشقَّةِ (كالمخاطرِ والخسائرِ)، وباعتبارِ عميلِ المصرفِ شريكاً له في أعمالِه، فإنَّ الحقَّ في الربحِ (أيِّ الغُنْمِ) يكونُ بقَدْرِ الاستعدادِ لتحمُّلِ الخسارةِ (أيّ الغُرْمِ)، وتُعتبَرُ هذه القاعدةُ الأساسَ الفكريَّ للمعاملاتِ الماليةِ كُلِّها القائمةِ على صيغةِ المشاركةِ أو المعاوضةِ؛ فالمتعاملُ مع المصرفِ الإسلاميِّ يكون شريكاً في الربحِ والخسارة([4])؛ فلا تقعُ الخسارةُ إنْ حَدثَتْ على طرفٍ واحدٍ كما في نظامِ الفائدةِ وهي مُنتهى العدلِ بطرَفَي المعاملةِ.

ثانياً:واقعُ المنتجاتِ الماليةِ الإسلاميةِ وسبُلُ تطويرِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ:

إنّ أهمَّ ما تشكو منه الصناعةُ المصرفيةُ الإسلاميةُ اليومَ- والذي كان سبباً لانحرافِها عن الأهدافِ التي انطلقتْ مِن أجلِها في أواخرِ القرنِ الماضي-، هو مُحاكاتُها لنظيرتِها التقليديةِ في الهندسةِ الماليةِ، وهو ما جعلَ المنتجاتِ الماليةَ الإسلاميةَ محلَّ انتقاداتٍ واسعةٍ، والمحاكاةُSimulationيُقْصَدُ بها أن يتمَّ تحديدُ النتيجةِ المطلوبةِ من منتجِ الصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ سَلَفاً، وهي عادةً النتيجةُ نفسُها التي يُحقِّقها المنتجُ التقليديُّ.

إنّ هذا الأمرَ له أثرٌ خطيرٌ على سُمعةِ الصناعةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ ومستقبلِها؛ فبالرغمِ من أنّ محاكاةَ المنتجاتِ الماليةِ التقليديةِ لا يتطلَّبُ كثيراً من الجهدِ والوقتِ في البحثِ والتطويرِ؛ إلاّ أنّها تُلقي بظلالِها الفاسدةِ، وتتركُ آثاراً سلبيةً كثيرةً على الصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ، وهو ما يجبُ الاحترازُ منهُ من خلال البَدءِ في تطويرِ وابتكارِ منتجاتٍ ماليةٍ إسلاميةٍ مُستقلَّة بذاتِها.

1)واقعُ المنتجاتِ الماليةِ الإسلاميةِ:يُمكِنُ أن نعرضَ واقعَ المنتجاتِ الماليةِ الإسلاميةِ من خلال النقاطِ التالية([5]):

-   ضَعفُ قناعةِ العملاءِ بالمنتجاتِ الماليةِ الإسلاميةِ يجعلُ المصرفيةَ الإسلاميةَ محلَّ شكٍّ وريبةٍ؛ مِمّا يُنْذِرُ ببَدءِ فقدانِ عُملائِها -خاصَّةً الذين لا يُشكِّلُ الوازعُ الدينيُّ لديهم الدافعَ الأكبرَ للتعامُلِ مع هذه المصارفِ-.

-   تحوّلُ الضوابطِ الشرعيةِ إلى تكلفةٍ إضافيةٍ؛ ممّا ينْجرُّ عنه تحميلُ المصارفِ الإسلاميةِ العميلِ هذه التكلفة، وهو ما يؤدّي في النهايةِ إلى ارتفاع ِكُلفةِ المنتجاتِ الماليةِ الإسلاميةِ المقلِّدة مُقارنةً بالمنتجاتِ الماليةِ التقليديةِ.

-   إنّ المنتجاتِ الماليةَ التقليديةَ كانت وليدةَ مشاكلَ وأمراضِ الصناعةِ التقليديةِ؛ فتمَّ ابتكارُها لمعالجةِ ذلك، ومنه فإنّ مُحاكاةَ هذه المنتجاتِ يستلزِمُ التعرُّضَ للمشكلاتِ نفسِها، وهو ما سيجعلُ مآلَ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ في النهايةِ مآلِ نظيرتِها التقليديةِ نفسَه.

-   إنّ تقليدَ ومحاكاةَ المنتجاتِ الماليةِ التقليديةِ يجعلُ الصناعةَ الماليةَ الإسلاميةَ مُهدَّدةً بفُقدانِ شخصيَّتِها؛ حيث تغدو تابعةً بالجملةِ للصناعةِ التقليديةِ، مُتأثِّرةً بالمشاكلِ التي تعترِضُها وتُحدِثُها، وهكذا يتحوَّلُ هدفُها من وسيلةٍ لحلِّ المشكلاتِ الاقتصاديةِ التي يُعاني منها العالَمُ اليومَ، إلى مُشاركٍ في إيجادِ المشاكلِ والأمراضِ.

2) سُبُلُ تطويرِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ:

يُمكِنُ تلخيصُ أهمِّ السُّبُلِ لبناءِ وتطويرِ الهندسةِ الماليةِ الإسلاميةِ فيما يلي ([6]):

-      تفعيلِ دَورِ الرقابةِ الشرعيةِ في عمليةِ تطويرِ المنتجاتِ والمتابعةِ المستمرَّةِ لعملياتِ التنفيذِ.

-   العملِ على تجميعِ الجهودِ وتضافُرِها لوضعِ معاييرَ شرعيةٍ مُوحَّدَةٍ للصناعةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ؛ وهذا مِن شأنِه أن يُقدِّمَ رُؤيةً واضحةً للضوابطِ الشرعيةِ للمنتجاتِ الماليةِ الإسلاميةِ، ويُعزِّزُ ثقةَ الجُمهورِ والمساهِمينَ بها.

-   تشجيعِ البحثِ العلميِّ، وتخصيصِ عوائدَ ماليةٍ من أرباحِ المنتجاتِ الماليةِ لأغراضِ الدراساتِ والبحوثِ العلميةِ التي تهدفُ لتطويرِ هذه المنتجاتِ.

-   العملِ على إنشاءِ سوقٍ ماليةٍ إسلاميةٍ تضمنُ مؤسَّساتِ الصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ تسويقَ منتجاتِها من خلالِها.

-   تأسيسِ وتفعيلِ دورِ مؤسَّساتِ البِنيةِ التحتيةِ في الصناعةِ الماليةِ الإسلاميةِ؛ مثل: مجلسِ الخدماتِ الماليةِ الإسلاميةِ، والمجلسِ العامِّ للمصارفِ والمؤسَّساتِ الماليةِ الإسلاميةِ وغيرِها في مجالِ التطويرِ والابتكارِ.

-   الوصولِ في تكلفةِ الإنتاجِ إلى أدنى مُستوياتِها؛ لتحقيقِ ميزةٍ تنافسيةٍ على مثيلاتِها التقليديةِ.

-   تدريبِ وتأهيلِ العاملينَ في تشغيلِ هذه المنتجات؛ حيث تقومُ خِبرةُ هؤلاءِ الموظَّفينَ بِدَورٍ مُهمٍّ في تقليلِ المخاطرِ، ويؤدِّي فهمُهم الدقيقُ لطبيعةِ المنتَج إلى الاحترازِ من الوقوعِ في المخالفاتِ الشرعيةِ وفهمٍ أكبرَ لمتطلَّباتِ التطوير.

هذه السّبلُ التي ذَكرَتها الباحثةُ آنفاً تتفرَّعُ كلُّها عن سبيلٍ رئيسٍ، لابُدَّ للمصارفِ الإسلاميةِ أن تنْتهِجَه لِتحقُّقِ الإبداعِ والتميُّزِ، هذا السبيلُ هو بناءُ رأسمالٍ فكريٍّ فيها؛ لكنَّ السّؤالَ الذي يُعرَضُ هنا هو: كيف تستطيعُ المصارفُ الإسلاميةُ بناءَ رأسِ مالٍ فكريٍّ على أرضِ الواقعِ؟

ثالثاً: خُطواتُ بناءِ رأسِ المالِ الفكريِّ في المصارفِ الإسلاميةِ:

فيما يلي عَرضٌ لأهمِّ المقتَرحاتِ العمليةِ المهمّةِ والضّروريةِ في بناءِ رأسِ مالٍ فكريٍّ في المصارفِ الإسلاميةِ، والتي هي نَتاجُ أبحاثٍ ودراساتٍ([7]):

1)المَعرفةُ الشّرعيةُ:يُقصَدُ بها معرفةُ المبادئِ والقواعدِ الشّرعيةِ لفقهِ المعاملاتِ الإسلاميةِ، والتي يعتمدُ عليها النشاطُ التمويليُّ والاستثماريُّ والخدمي ُّفي المصارفِ الإسلاميةِ؛ فهي بمثابةِ ضوابطَ شرعيةٍ تحكمُ هذا النشاطَ، ويندرجُ تحتَها ضرورةُ استيعابِ أحكامِ البيوعِ والمعاملاتِ التجاريةِ والماليةِ، ومِن ثمّ طريقة العملِ بصِيَغِ التمويلِ والاستثمارِ الشّرعية؛ذلك أنّ العلمَ بها وفهمَها يُسهِّلُ تطبيقَها على أرضِ الواقعِ.

2) المعرفةُ المصرفيةُ والإداريةُ:

تُمثِّلُ المعرفةُ المصرفيةُ المعرفةَ بقواعدِ العملِ المصرفيِّ التقليديِّ مع استبعادِ ما له علاقةُ بالفوائدِ الرِّبوية، ومن بين المعارفِ الفنِّيَّةِ المطلوبةِ نجدُ: القُدرةَ على تقييمِ المشروعاتِ الاستثماريةِ، وإجراءَ دراساتِ الجدوى الخاصَّةِ بها؛ ليسهُلَ على المصرفِ اتخاذُ القرارِ المناسبِ، والمعرفةَ بكيفيةِ انتقالِ المعلوماتِ، واستخدامَ الأجهزةِ والتكنولوجياتِ، وفنونَ تقديمِ الخدماتِ، ودراسةَ احتياجاتِ العملاءِ وغيرَها من المعرفةِ الضّروريةِ لأداءِ العملِ.

أمّا المعرفةُ الإداريةُ فهي جزءٌ من نظامِ العمل في المصرفِ، وينبغي أنْ يُدرِكَ الموظَّفونَ فيه كلَّ ما يتعلَّقُ بإدارةِ المصرفِ، وكيف تتمُّ العمليةُ من خلالِ التعرُّفِ على أهدافِ وخططِ المصرفِ؟ وأن تكون مسؤوليةُ وأُسُسُ آليَّةِ الرقابةِ الشرعيةِ معلومةً؛ فمِن خلالِ ذلك تتَّضِحُ معالمُ العملِ لدى الموظَّفِ فلا يَتُوه إذا ما أرادَ الاستفتاءَ في منتجٍ ما، ومن المهمِّ جِدَّاً أيضا أن يُدرِكَ الموظَّفُ الثقافةَ التنظيميةَ ومجموعَ القِيَمِ والعاداتِ السائدةِ في المصرفِ.

2)المَعرفةُ الأخلاقيةُ والسّلوكيةُ:

إنّ العملَ المصرفيَّ الإسلاميَّ هو جزءٌ من نظامٍ عَقَدِيٍّ وتشريعيٍّ ومُعاملاتيٍّ وأخلاقيٍّ مُتميِّزٍ؛ لذلك ينبغي الحِرصُ على غرسِ القيمِ الأخلاقيةِ، وتثبيتِها لدى العاملينَ في المصرفِ،ومِن بين الأخلاقِ والسُّلوكياتِ المطلوبةِ في العملِ المصرفيِّ نَجِدُ: القُدوةَ الحسنةَ وما يتبعُها مِن تشويهِ صُورةِ الإسلامِ (قولاً وفعلاً، الوفاءَ بالعقودِ، إتقانَ العملِ والإخلاصَ فيه، الأمانةَ في أداءِ العملِ، الابتسامةَ وطلاقةَ الوجْهِ، المشورةَ ورُوحَ التعاونِ بين الفريقِ) وغيرَها مِن الفضائلِ المطلوبةِ لِسَيرٍ ناجحٍ وطيِّبٍ للعملِ المصرفيِّ الإسلاميِّ،وقد صاغتْ هيئةُ المحاسبةِ والمراجعةِ للمؤسَّساتِ الماليةِ الإسلاميةِ ميثاقَ العاملينَ بالمؤسَّساتِ الماليةِ الإسلاميّةِ الذي يتضمَّنُ تفصيلاً للقواعدِ الأخلاقيةِ والسّلوكيةِكُلِّها في العملِ المصرفيِّ الإسلاميِّ والتي تشمل: قواعدَ السُّلوكِ الذاتية المؤثِّرة في الأداءِ الوظيفيِّ، قواعدَ السّلوكِ مع أصحابِ حقوقِ الملكيةِ في المؤسّسةِ وأصحابِ حساباتِ الاستثمارِ والعاملينَ فيها، بالإضافةِ إلى قواعدِ السلوكِ مع عملاءِ المؤسّسةِ والأطرافِ الأُخرى ذاتِ العلاقةِ.

1)المَعرفةُ المُرتبطةُ بدَورِ المَصرِفِ الإسلاميِّ اقتصاديَّاً واجتِماعيَّاً:

إنّ ممّا تصبُو إليه المصارفُ الإسلامية- منذ نشأتِها وإلى اليوم- أن تُحقِّقَأهدافاً اقتصاديةً واجتماعيةً؛ غيرَ أنّ ذلك لا يُمكِنُ أن يتجسّدَ على أرضِ الواقعِ ما لم تترسَّخْ ضرورةُ تحقيقِ هذه الأهدافِ في أذهانِ القائمينَ على المصرفِ الإسلاميِّ مِن مُديرِينَ ومُوظَّفينَ، وما لم يُدركْ هؤلاءِ أهميةَ الأدوارِ التي يجبُ أن يقومُ بها المصرفُ الإسلاميُّ لتحقيقِ التنميةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ المنشودةِ.

الخاتِمةُ:

ما يُمكِنُ أن تخلُصَ إليه الباحثةُ ختاماً هو: أنّ بقاءَ واستمراريةَ نشاطِ الصناعةِ المصرفيةِ الإسلاميةِ، في بيئةِ الأعمالِ المتسّمَةِ بالتغيير، مناطٌ بمدى اهتمامِ القائمينَ على المصارفِ الإسلامية بفكرةِ الإبداعِ مِن أجلِ البقاءِ، والإبداعُ لا يُمكِنُ أن يتحقَّقَ، والهندسةُ الماليةُ الإسلاميةُ لا يُمكِنُ أن تتطوَّرَ ما لم تكنْ هناكَ نظرةٌ استراتيجيةُ(رؤية بعيدة المدى) لأهميةِ رأسِ المالِ الفكريِّ، هذا الأصلُ موجودٌ في المصارفِ الإسلاميةِ كُلِّها؛ لكنه لم يُعطَ حقَّه كأصلٍ استراتيجيٍّ له قيمةٌ كبيرةٌ بإمكانِه أن يصنعَ الفارقَ. هذا وبالله التوفيق.

الهوامشُ:



([1])عبد الكريم أحمد قندوز، إدارة المخاطر بالصناعة المالية الإسلامية، مدخل الهندسة المالية، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، صادرة عن جامعة شلف، العدد9، 2012، ص17.

([2]) خالدي خديجة، طهراوي أسماء،الهندسة المالية و التحوط من المخاطر في الصناعة المالية الإسلامية، مداخلة مقدمة لليوم الدراسي الموسوم ب: Innovation et performance de l’entreprise،جامعة تلمسان، ص4.

([3])نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء، دار القلم، دمشق، سوريا، ط1،1429/2008، ص (167).

([4])محمود حسن صوان، أساسيات الاقتصاد الإسلامي، دار المناهج، الأردن، ط1، 2004، ص (142).

([5])محمد عمر جاسر،  نحو منتجات مالية إسلامية مبتكرة، مداخلة مقدمة في مؤتمر المصارف الإسلامية اليمنية،  تحت عنوان:الواقع وتحديات المستقبل، صنعاء الجمهورية العربية اليمنية، الفترة 20-21مارس2015-ص9.

([6]) المرجع السابق، ص(10-11).

([7]) دربالي سهام، زيتوني عبد القادر،رأس المال الفكري، الحاجة الفعلية للمصارف الإسلامية في ظل اقتصاد المعرفة، مداخلة مقدمة للمؤتمر العالمي التاسع للاقتصاد والتمويل الإسلامي بعنوان: " النمو، العدالة، الاستقرار: من منظور إسلامي"، اسطنبول، تركيا:9-10سبتمبر 2013، ص (18-19).

قائمة المراجع والمصادر:

1) خالدي خديجة، طهراوي أسماء، الهندسة المالية و التحوط من المخاطر في الصناعة المالية الإسلامية، مداخلة مقدمة لليوم الدراسي الموسوم بـ: Innovation et performance de l’entreprise،جامعة تلمسان.

2) دربالي سهام، زيتوني عبد القادر،رأس المال الفكري، الحاجة الفعلية للمصارف الإسلامية في ظل اقتصاد المعرفة، مداخلة مقدمة للمؤتمر العالمي التاسع للاقتصاد والتمويل الإسلامي بعنوان: " النمو، العدالة، الاستقرار: من منظور إسلامي"، اسطنبول، تركيا:9-10سبتمبر 2013.

3) عبد الكريم أحمد قندوز، إدارة المخاطر بالصناعة المالية الإسلامية، مدخل الهندسة المالية، مجلة الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية، صادرة عن جامعة شلف، العدد9، 2012.

4) محمد عمر جاسر،نحو منتجات مالية إسلامية مبتكرة، مداخلة مقدمة في مؤتمر المصارف الإسلامية اليمنية تحت عنوان الواقع وتحديات المستقبل، تنظيم نادي رجال الأعمال اليمني في الفترة 20-21مارس2015- صنعاء الجمهورية العربية اليمنية.

5) محمود حسن صوان،أساسيات الاقتصاد الإسلامي،دار المناهج، عمان، الأردن، ط1، 2004.

6) نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء، دار القلم، دمشق، سوريا، ط1، 1429/2008.