العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

كُلُّ اقتِصَادٍ أدرَى بشِعَابهِ (سلوك الاقتصاد إزاء مشكلة اللاجئين)

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

إنَّ المُتأمِّلَ في الواقعِ العالَميِّ يرى تبايُنَ سلوكِ الدُّولِ المُستضيفةِ لللاجئينَ السُّورِيينَ، وكان ذلك على المستويينِ الدولِيِّ والشعبيِّ.

يُمكِنُ التمييزُ بينَ سُلوكَينِ واضِحَينِ للشعوبِ:

-      فشعوبُ بعضِ الدولِ الأوربيةِ أظهرَ فهْماً دقيقاً ووعياً عميقاً فرحّبَ باللاجئينَ؛ بل مِنهُم مَن خرجَ بمُظاهَراتٍ يُطالِبُ حُكوماتِه بضرورةِ حُسْنِ استقبالِ اللاجئينَ.

-      وبعضُ الشُّعوبِ - بما فيهم شعوبٌ عربيةٌ وإسلاميةٌ- لم تفعلْ ذلك؛ بل منهُم مَن تملْمَلَ وشعَروا بثقلِ اللاجئينَ؛ فطالَبوا بترحيلِهم، ومنهُم مَن استغلَّ حاجاتِهم المادِّيَّةَ ببَخْسِهم أجورَ عَملِهم، أو باستِخدامِهم كخَدمٍ في البيوتِ، ومنهُم مَن روّجَ للزَّواجِ مِن بناتهِم بأبْخَسِ المُهور.

أمّا على مستوى الدولِ، فيُمكِنُ التمييزُ بين نوعينِ مِن الدُّولِ:

-        دُولٍ ذاتِ اقتصادٍ ضعيفٍ هزيلٍ يتعيشُ على المِنَحِ والمُساعَداتِ الخارجيةِ؛ فتراهُ مُترنِّحاً غيرَ قويمٍ كأغلبِ الدولِ العربيةِ وبعضِ دولِ أوروبةَ الشرقية؛ حيث عارَضَتْ هذه الدُّولُ دُخولَ اللاجئينَ، أو عَرقلتْ دُخولَهُم بشكلٍ أو بآخرَ؛ بل وحاولَ بعضُها إبعادَهُم. وسمَحَ بعضُها لهُمْ بالعملِ ومنعَ بعضُها ذلك.

-        دولٍ ذاتِ اقتصادٍ قويٍّ متينٍ؛ كتُركيا وألمانيا، سمَحتْ قوَّةُ اقتصادِها ومساحةُ أراضِيها المُتراميةِ والشاسِعِة باستيعابِ مئاتِ الآلافِ مِن اللاجئينَ؛ بل والسماحِ للكثيرينَ منهُم بالعملِ - ولو بأجورٍ مُنخفضَةٍ أحياناً - بينما تُخطِّطُ دُولٌ قويةٌ أُخرى؛ كبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية لاستقبالِ عشرةِ آلافِ لاجئٍ فقط  لكلٍّ منهُما على استحياءٍ.

 

إنّ النوعينِ كِليهِما قد تضرَّرَ واستفادَ مِن اللاجئينَ في آنٍ واحدٍ؛ فأغلبُ اللاجئينَ استجمَعَ ما يملكهُ مِن مُدَّخراتٍ وذهب بها إلى بلادِ اللجوءِ؛ فمنهُم مَن باع بيته، ومنهُم مَن باع أثاثه، ومنهُم مَن فرّ هارباً دونما شيءٍ معه؛ فأخذوا ما خفَّ حَملَه وغلا ثمنُه - مِن ذهبٍ ونقودٍ أجنبيةٍ- فأنفقوها على رِحلاتهِم سَفراً وإقامةً وطعاماً وانتقالاً؛ فأحدَثوا في اقتِصاد بُلدانِ الممرِّ وبُلدانِ اللجوءِ طلباً على سِلعِها وخدماتِها فنشَّطُوا الطلبَ الكُلِّيَّ فيها.

وتميَّزَ النوعُ الثاني مِن تلك الدولِ بتحقيقِ استفادةٍ أكبرَ مِن النوعِ الأوَّلِ- رغمَ الضُّغوطِ الاجتماعيةِ التي سبَّبتْها أعدادُ اللاجئين-؛ فاقتصادُها وبِنيتُها التحتيةُ لديها القدرةُ على ذلك.

إنّ الفارقَ بين سلوكِ الفريقينِ، هو وضعُ الأسبقيةِ للقرارِ السياسيِّ أو الاقتصاديِّ، ببُعدٍ استراتيجيٍ أو تكتيكيٍ.

فالرؤيةُ السياسيةُ التي يَشوبُها طعمُ البرامجِ الانتخابيةِ وتكتيكاتها يُمثِّلُها قولُ المُرشَّحُ الجُمهوريُّ (دونالد ترامب) الأوفرَ حظَّاً للانتخاباتِ الرئاسيةِ الأمريكيةِ الذي صرَّحَ على قناةِ (سي بي إس إن(: "إنّ ما تفعلُه المُستشارةُ الألمانيةُ (انجيلا ميركل) مِن أجلِ طالبي اللجوءِ ضربٌ مِن الجُنونِ".

وقال: إنّه لا يُحِبُ حركاتِ الهجرةِ، ولا يُحبُّ الوافدينَ. وتوقَّعَ أن يكونَ هناكَ اضطراباتٍ في ألمانيا؛ فما فعلتْه (ميركل) في ألمانيا ضربٌ مِن الجنون". وتناسى أنَّه مِن أصلٍ مُهاجرٍ.

أمّا الرؤيةُ الاستراتيجيةُ الاقتصاديةُ فيُمثلُها وزيرُ الاقتصادِ الألمانيِّ (زيجمار جابرييل) الذي يرى: أنّ زيادةَ الإنفاقِ الحكوميِّ على اللاجئينَ مِن شأنِه العملُ كحُزمةِ تحفيزٍ لأكبرِ اقتصادٍ في أوروبةَ.

لِذلكَ لا غرابةَ أنّ تُخطِّط ألمانيا لاستقبالِ مليونٍ ونصفِ مليونٍ مِن اللاجئينَ، وأن تُنفِقَ عليهم؛ فهيَ مهما أنفقتْ لا يعدلُ شيئاً على ما أنفقتهُ الدُّولُ الأمُّ لأولئك؛ لذلكَ هي تُعيدُ تهيئةَ أصولٍ بشريةٍ أتتْها مَجّاناً دونَ أيِّ تكاليف؛ بل حتّى لم تنفقْ على نقلِهم؛ بل هُمْ مَن فعلَ ذلك. وبما أنّ ألمانيا واقتصادَها هو القلبُ النابضُ والمُحرِّكُ للاقتصادِ الأوربيِّ؛ فقد استحقَّت ألمانيا قيادةَ الاقتصادِ الأوربيِّ بجَدارةٍ أمامَ قلَّةِ حيلةٍ وفهمِ الدولِ التي عارضَت وصولَ اللاجئينَ، ومنعتهُم وضربتهُم وسجنتهُم؛ ففَهْمُ هذه الدولُ ذات الموقفِ السلبيِّ لا يصلُ إلى مستوى التفكيرِ الألمانيِّ الاقتصاديِّ وحنَّكتْهُ بعدُ؛ لذلك لابُدَّ مِن أن يكونَ الناسُ بعضُهم لبَعضٍ سُخريَّاً، يقولُ اللهُ تعالى في مُحكَمِ آياتهِ في سُورةِ الزُّخرف:( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) ﴿٣٢﴾.

وأضافَ(جابرييل) للصّحفيينَ في برلين:" عندما يتعلَّقُ الأمرُ باللاجئينَ فإنّ مِلياراتِ اليورو التي نُخطِّطُ لاستِثمارِها في التعليمِ ورياضِ الأطفالِ والمدارسِ سيكونُ لها أثرٌ بالطبعِ كحُزمةِ تحفيزٍ صغيرةٍ". ثم أردفَ: "لكنَّ هذا الأمرَ سيلعَبُ دوراً العامَ القادمَ وليس هذا العام".

إنّ الإنفاقَ على تعليمِ تلك الأصولِ البشريةِ وإعادةِ تأهيلِ البعضِ منهُم ليس تكاليفَ غارقة؛ بل هواستِثمارٌ في الأصولِ والمواردِ البشريةِ، ومهما بلغَ فإنَّه صغيرٌ؛ فهذه المواردُ جاءت مُثقَّفةً مُتعلِّمَةً، وإنّ كثيراً منهُم سريعُ التعلُّمِ - فهم مُميَّزونَ ومُبَرِّزونَ ومَعروفون عالمياً بسُرعةِ تعلُّمِهم وإخلاصِهم فيما لو توفَّرتِ البيئةُ الحاضنةُ لذلك-؛ حيث لا ضياع لِجَهدِ المُجتهدِ، ولا نُكرانَ ولا جُحود. 

وقال(جابرييل): "إنّ زيادةَ الإنفاقِ على اللاجئينَ استثمارٌ في مستقبلِ البلادِ عند أخذ تحدِّي شيخوخةِ المجتمع الذي تُواجِهُه ألمانيا في الحُسبانِ".

وهذا مَربطُ الفرسِ؛ فالاستراتيجيون أصحابُ الرؤى البعيدة نظراتُهم حادَّةٌ وثاقبةُ ودقيقةٌ، وهمْ المَسؤولونَ عن إدارةِ دُفَّةِ البلادِ؛ فالنجاحُ مُمكِنٌ لكنَّ المحافظةَ عليه أمرٌ صعبٌ للغايةِ، ودونَ  أشخاصٍ استراتيجيينَ كهكذا يُديرونَ البلادَ؛ فالأمرُ لا يصحُّ أبداً؛ لذلكَ تبقى حضاراتٍ وتستمِرُّ، وتندثر أخرى، ولا يُعلَمُ أنّها كانت موجودةً أصلاً.

أمّا عن التغيُّرِ السُّكانيِّ والاندماجِ الثقافيِّ فإنَّ التسامُحَ والموضُوعيةَ وتبادلَه ضِمنَ مقياسِ المصلحةِ المتبادلةِ هو أساسُ ذلكَ كلِّه. والقويُّ لا يخشَى الغرقَ في بركةِ ماءٍ، ولا السباحةَ في أعتى المُحيطاتِ. إنّ ما يحصلُ إنّما هو سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللهِ تعالى القائلِ في كتابهِ العزيزِ في سُورةِ الحُجُراتِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾؛ فالأصلُ الأصيلُ أن يتعارَف الناسُ لا أن يتحارَبُوا، أمّا المقياسُ الحضاريُّ للتمايزِ فهو التقى الذي لا يعلمُه إلّا اللهُ تعالى جلَّ في عُلاه.

إنّها سُنَّةُ التدافعِ التي سَنَّها الشارعُ الحكيمُ الكريمُ فقال المولى في سُورةِ البقرة: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ﴿٢٥١﴾.

إنَ ما تعيشُه تركيَا اليومَ و تحياه مِن مَدنيَّةٍ وازدهارٍ تدينُ فيه لأبنائِها الذين هاجَرُوا إلى ألمانيّا إبَّانَ الحربِ العالَميةِ الثانيةِ؛ فعَملُوا هناك وتعلَّموا، ثمَّ عادوا لبلادهِم مع ما تعلَّمُوه لتقومَ البلادَ إلى الحالِ الأفضلِ، ولِتتحَسَّنَ حالُ العبادِ فيها لِما هو أفضلُ وأشرفُ، وهكذا يتدافعُ الناسُ فلا تفسدُ أرضهُم.

وما سيكونُ بِعَونِ اللهِ تعالى وفضلِه، نهضةُ العبادِ لإصلاحِ البلادِ  فتتطورُ أعمالُهم نحو مَزيدٍ من النجاحِ أسوةً بما فعلُه الأتراكُ إثرَ عودتِهم من ألمانيا؛ وبذلك يتعارفُ الناسُ ليتزوَّدوا بالمَعارفِ فيتبادلوا الخِبراتِ فيستفيدَ بعضُهم بعضاً، والأيامُ دُولٌ مِصداقاً لقولِ الله تبارك تعالى: (وتلك الأيامَ نُداوِلُها بينَ الناسِ)؛ فتبقى الشامُ شامةً في عُيونِ الناسِ وصَفوةَ بلادِ اللهِ تعالى.

حماة (حماها الله) بتاريخ ٢ محرم ١٤٣٧ هـ الموافق  ١٥/١٠/٢٠١٥ م