العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مأساةُ اللاجِئينَ السُّوريينَ وإهدارُ حُقوقِ الإنسانِ

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

أطفأتِ الأزمةُ السوريةُ شمعتَها الرابعةَ، مُنذِرَةً بعامٍ جديدٍ لا يختلفُ عمّا مضى إلّا بالمزيدِ من الشَّتاتِ واللجوءِ، أزمةٌ يُحيي ذِكْراها اللاجئونُ السُّوريونَ في العالَم للعامِ الخامسِ على التوالي وسطَ آمالٍ باليةٍ بالعودةِ إلى بلادهِم، ولا جديدَ يلوحُ في الأُفقِ سِوى الأسوأِ.

ففي الخامسِ عشرَ مِن آذارَ عام 2011 اندلعَت أُولى شراراتِ حربٍ مُدمِّرةٍ أدَّتْ بحسبِ ما تؤُكِّدُه المنظَّماتُ الدوليةُ إلى مقتلِ ما لا يقلُّ عن مائتي ألفِ شخصٍ ونزوحِ أكثرَ مِن عشرةِ ملايين شخصٍ وأجبرتْهُم على الرحيلِ عن بُيوتِهم، بِمَن فيهم حوالَي 4 مليون لجؤوا إلى بلدانٍ مجاورةٍ نِصفُهم مِن الأطفال. وتؤُكِّدُ المؤشِّراتُ كُلُّها أنّ التكاليفَ البشريةَ للأزمةِ السوريةِ ستُواصِلُ نُموَّها مع استمرارِ نُزوحِ السكانِ وزيادةِ جوانبِ الضَّعفِ، واحتمالِ وصولِ  مليون سوريٍّ إضافيٍّ إلى البُلدانِ المضيفةِ الخمسةِ(مصرَ، لبنانَ، العراقِ، الأُردنّ،تركيا) بحُلولِ نهاية ٢٠١٥ .

خمسُ سنواتٍ عِجافٌ قضاها السوريونَ في مخيَّماتِ اللجوءِ، وما زال حلُّها في عِلْمِ الغَيبِ. وما برحتْ أطرافُ النزاعِ ترتكِبُ خُروقاتٍ خطيرةً للقانون الدوليِّ الإنسانيِّ، وانتهاكاتٍ جسيمةً لحقوقِ الإنسانِ؛ بينما يرزحُ السكانُ المدَنيُّونَ تحت وطأةِ العُنفِ بالدرجةِ الأولى.

وقد شهِدَتْ هذه السنواتُ بروزَ قضيَّةِ اللاجِئينَ السوريينَ؛ فهُم يُشكِّلُونَ الآن أكبرَ مجمُوعةٍ لاجئةٍ في العالَم، فقد زادتْ أعدادُهم مِمّا فَرَضَ تحدِّياً خطيراً على الأطرافِ المعنيَّةِ كُلِّها؛ سواءٌ كانتْ بُلداناً مستقبِلةً، أو حتى مُنظَّماتٍ دوليةً  مَعنيَّةً بالتعاملِ مع القضيةِ. وهناك ثلاثةُ أنماطٍ مِن السياساتِ للتعامُلِ مع مُشكلةِ اللاجئينَ وهي الدمجُ المحليُّ في المجتمعِ المضيفِ، والتوطينُ في بلدٍ ثالثٍ، والترحيلُ للبلدِ الأُمِّ.

وتُعرِّفُ اتفاقيةُ الأممِ المتحدةِ لِشؤونِ اللاجئينَ عام 1951 اللاجئَ بأنَّه: كلُّ شخصٍ يُوجَدُ نتيجةَ أحداثٍ وقعتْ؛ مثل الحروبِ، أو الكوارثِ، أو اضطراباتٍ، أو بسببِ تعرُّضِه لخوفٍ ما يُعرِّضُه للاضطهادِ بسببِ عِرقِه، أو دِينِه، أو جِنسيَّتِه، أو انتمائِه إلى فئةٍ اجتماعيةٍ مُعيَّنةٍ، أو بسببِ آرائِه السياسيَّةِ، ولا يستطيعُ هو أو لا يُريدُ بسببِ ذلك الخوفِ أن يستظلَّ بحمايةِ بلدِه. أو: هو كلُّ شخصٍ لا يمتلِكُ جنسيةً ويُوجَدُ خارجَ بلدِ إقامتِه، ولا يستطيعُ أوَّلاً العودةَ إليها***.وحدَّدتِ الاتفاقيةُ شروطاً مُعيَّنةً لِمَن يدخُل ضمنَ تعريفِ اللاجئ؛ وهي الإقامةُ، أو الوجودُ الفعليُّ خارجَ حدودِ بلدِ المنشأ، وجودُ خوفٍ حقيقيٍّ له ما يُسوِّغُه من الاضطهادِ في دولةِ المنشأ بسببِ العِرقِ، أو الانتماءِ القوميِّ، وعدمِ إمكانِ العودةِ إلى الوطنِ، أو انعدامِ الرغبةِ في العودةِ إلى الوطنِ لدى الشخصِ المعنيِّ وبالتالي: لا تنطبقُ كلمةُ لاجئٍ على مَن لم تتوفَّرْ فيه هذه الشروطُ. ومع تفاقُمِ مشكلةِ اللاجئينَ في مختلفِ أنحاءِ العالم جاء بروتوكول 1967 بهدفِ إزالةِ الحدودِ الزمنيةِ والجغرافيةِ التي حدَّدتْها اتفاقيةُ 1951 في تحديدِها لمن يستحقُّ طلبَ اللجوءِ، ومَن يقعُ على كاهلِ مفوضيَّةِ اللاجئينَ الاهتمامُ بهم، ويوجدُ حتى الآن 141 دولةً مُوقِّعةً على الاتفاقيةِ والبروتوكول، بالإضافةِ إلى 4 دولٍ مُوقِّعةٍ على الاتفاقيةِ فقط، و3 دُولٍ على البروتوكولِ فقط.

ويُعاني اللاجئونَ السوريونَ من أوضاعٍ إنسانيةٍ صعبةٍ، ويعيشونَ في مخيّماتٍ مزدَحمةٍ ولدَى المجتمعاتِ المضيفةِ في خمسِ دولٍ.

وبحسبِ بياناتِ الأممِ المتحدةِ للشؤونِ الإنسانيةِ؛كانت مصرٌ- وحتى أواخر عام ٢٠١٤،تستضيفُ ١٤٠ ألفَ سوريٍّ وتُكافِحُ الوزاراتُ والهيئاتُ الحكوميةُ لزيادةِ إمكانِ حصولِ اللاجئينَ السوريينَ الذين يعيشونَ خارجَ القاهرةِ والإسكندريةِ على الخدماتِ (القانونيةِ، والنفسية،  والاجتماعية) وخدماتِ حمايةِ الأطفالِ.

ويُكافِحُ العراقُ لتلبيةِ حاجاتِ أكثرَ مِن ٢٫١ مليون نازحٍ داخليّاً، و ٢٢٠ ألفِ لاجئٍ سوريٍّ. ويستضيفُ إقليمُ كردستانَ العراق معظمَ هؤلاءِ اللاجئينَ ونحو نصفِ النازحينَ داخليّاً؛ مِمّا يُشكِّلُ زيادةً بنسبة ١٠ في المائة في عدد سُكَّانِه. ومِن بين هؤلاءِ اللاجئينَ والنازحينَ، نحو ٦٤ في المائةِ نساءٌ وأطفالٌ لديهِم حاجاتٌ مُعيَّنةٍ إلى الحماية، و ٢٢ في المائة شباباً ذكوراً يُكافِحونَ للحصولِ على فُرَصِ التعليمِ، أو العملِ. وينطوي هذا المزيجُ على المزيدِ مِن المنافسةِ على الإسكانِ، وفُرَصِ العملِ والخدمات.

والأُردنّ تستضيفُ ٦٢٠ ألفَ لاجئٍ من سوريةَ؛ أيّ: ما يُعادلُ نحوَ ١٠ في المائة مِن عددِ سكَّانِها؛ منهُم ما يُقدَّرُ ب ٧٠ ألفِ طفلٍ ليس لديهِم إمكانُ الحصولِ على تعليمٍ. واستوجَب الضغطُ المتنامي على الخدماتِ العامَّةِ الضروريةِ زيادةً كبيرةً في الإنفاقِ العامِّ، وهو ما اُضطَرَ الحكومةَ إلى السعي إلى تمويله من خلال المِنَحِ الخارجيةِ. ومن المتوقَّعِ أن يرتفِعَ عددُ اللاجئينَ النازحينَ من سوريةَ في الأردنّ إلى نحو ٧٠٠ ألفٍ  بنهاية ٢٠١٥.

واستقبلَ لبنانُ - وهو بلدٌ بلغ عددَ سكَّانِه قبلَ الأزمةِ نحو ٤ ملايين نسمةً - أكثرَ من ١٫٢ مليون  لاجئٍ مُسجَّلٍ من سورية بين عام ٢٠١١ ونهايةِ عام ٢٠١٤. وعلى الرغمِ من سِجِلِّ لبنانَ الحديثِ الحافلِ بالصراعاتِ السياسيةِ والعسكرية، والضغوطِ على البِنيةِ التحتيةِ؛ فإنّه أبقى على حُدودِه مفتوحةً، وهو البلد الذي يستضيفُ أعلى نسبةٍ في العالَم؛ من حيث عددُ اللاجئينَ إلى عدد السكانِ. وأرهقَت هذه العواملُ صمودَ البلدِ وتعافيَه مِن الآثارِ الاقتصاديةِ والسياسية والاجتماعية، وأثقلتْ على إنفاقِه العامِّ، وتضاعفَتِ البطالةُ مرَّتينِ. ومِن المتوقَّعِ أن يصلَ عددُ اللاجئينَ السوريينَ المسجِّلينَ في لبنانَ إلى ١٫٥  مليون لاجئٍ بنهاية ٢٠١٥.

وتستضيفُ تركيا، جارُ سورية الأكبرُ من حيث عددُ السكانِ، ما يُقدَّرُ ب ١٫٦ مليون سوريّ(منهم مليون واحدٌ مُسجَّلونَ كلاجئينَ) مُوزَّعينَ على المناطقِ الحضَرية و ٢٢ مخيَّماً. ويُتوقَّع أن يرتفِعَ  عددُ السوريين في تركيا إلى ١٫٧ مليون بنهاية ٢٠١٥. وهناكَ تحدِّيَّاتٌ للاستجابةِ لحاجاتِ قطاعِ التعليمِ؛ حيث تُشيرُ التقديراتُ إلى أنّ ٧٠ في المائةِ مِن الأطفالِ السوريينَ البالغِ عددُهم ٥٥٠ ألفاً غيرُ مُلتَحِقينَ بالتعليم، وفي قطاعِ الصحة؛ حيث أفادتِ العياداتُ عن زيادةٍ بنسبةِ  40-٣٠ بالمائة في عبءِ المرضى الذينَ تستقبِلُهُم.

وتأتي تُركيا في مُقدِّمَةِ الدولِ المستضيفةِ للاجئينَ السوريينَ من حيث المخيماتُ، كما أنّه لا يُوجَدُ مخيَّمٌ رسميٌّ بلبنانَ نتيجةَ السياسةِ هناك. وتتمُّ إدارةُ المخيماتِ في الأردنّ من خلال الدعمِ المقدَّمِ مِن قِبَلِ المفوضيَّةِ السامية للأممِ المتحدةِ لشؤونِ اللاجئينِ ودولِ مجلسِ التعاون. كما تقومُ حكومةُ إقليمِ كُردستان العراق بإدارةِ المخيَّماتِ عن طريقِ الدعمِ المقدَّم من المفوضيَّة ومؤسَّساتِ المجتمعِ المدنيّ. وسمحتِ العراقُ للاجئينَ بالعملِ خارجَ المخيَّم على عكس الأردنّ التي لا تسمحُ بذلك بتاتاً.

ويتعرَّضُ اللاجئونَ السوريونَ إلى انتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوقِ الإنسانِ منذ البَدءِ برحلةِ اللجوءِ حتى الوصولِ إلى المخيَّم، أو المكانِ الذي يلجؤون إليه. والمطلوبُ هو تقديرُ حقوقِ اللاجئينَ السوريينَ، التي تتلخَّصُ في توفيرِ الحمايةِ من الإعادةِ القسْريةِ إلى سورية؛ حيث سيتعرَّضونَ فيه لخطرِ الاضطهادِ، أو انتهاكاتٍ خطيرةٍ لحقوقِ الإنسان. وهذا ما يُعرَفُ بمبدأِ(عدمِ الإعادةِ القسْريةِ) الذي يُعتبَرُ الأساسَ الذي بُنيَ عليه قانونُ اللاجئينَ. كما تتضمَّنُ حقوقُ اللاجئينَ الحمايةَ من التمييزِ، والحقَّ في العملِ، والسكَن، والتعليمِ، والحمايةِ مِن العقوبةِ على دخولِ بلدٍ بصُورةٍ غيرِ مشروعةٍ، والحقِ في حُريَّةِ التنقُّلِ، والحقِّ في الحصولِ على وثائقِ هُويَّةِ ووثائق سَفَرٍ.

اللاجئونَ السوريونَ في الأغلبِ، مَفجُوعونَ هاربِونَ مِن القتل، والاعتقال، والإبادةِ ، ويحمِلونَ صدماتِهم ومشاكلَهم واحتياجاتٍ كثيرةً؛ بَدءاً مِن (الطعام، والشراب، والمأوى، والملبَس، إلى الأمانِ، والحمايةِ، والاستقرارِ، وانتهاءً بالتعليمِ، والثقافةِ، والتربية). والأهمُّ إحساسُهم بالخوفِ والحاجةِ إلى الحمايةِ؛ أنَّهم يحتاجونَ لدَعمٍ يوميٍّ كبيرٍ- خُصوصاً في وجودِ الجرحى والمصابِينَ- وفي افتقارِهم إلى الظروفِ السليمةِ للغذاءِ والصّحةِ.

إنّ الشروطَ الحياتيةَ للسوريينِ المقيمينَ بالمخيَّماتِ وخارجَها سيِّئةٌ جِدَّاً،كما أنَّهم يعيشونَ تحت ظروفٍ صعبةٍ في منازلَ يستأجِرونَها، ويتكدَّسُ بها أعدادٌ كبيرةٌ منهم. وبالنسبة للذين أنفقوا ما أحضرُوه معهُم من نقودٍ؛ فبالرغمِ من أنَّهُم حصلُوا على أعمالٍ تُعينُهم على توفيرِ احتياجاتِهم الأساسيةِ،إلّا أنَّ الأجرَ الذي يحصلونَ عليه قليلٌ للغايةِ مقارنةً بالأجورِ  السائدةِ في السوق، وهذا ما يعني استغلالَهم مِمّا يجعلُهم لا يُلبُّونَ احتياجاتِهم إلّا بصُعوبةٍ قُصوى. وقد كشفت دراسةٌ مشتركةٌ أجرتْها منظَّمةُ العملِ الدوليةُ مع مؤسَّسة فافو عن أثرِ تدفُّقِ اللاجئينَ السوريينَ على سوقِ العملِ الأردنيِّ أنّ العمَّالَ السوريينَ على استعدادٍ لقَبولِ أجورٍ أدنى وظروفِ عملٍ أقسى مقارنةً بنظرائهِم الأردنيينَ، وأنَّهُم يُنافِسونَ الأردنيينَ في بعضِ القطاعاتِ، ويُؤدُّونَ إلى زيادةِ عدد العمّالِ في القطاعِ غيرِ المنظَّمِ. وأظهر تقريرُ مفوضيَّةِ الأممِ المتحدةِ لشؤونِ اللاجئينَ المعنيَّة بشؤونِ اللاجئينَ السوريينَ في لبنانَ أنّ 55 بالمائة من اللاجئين يعيشونَ في ظلِّ ظُروفٍ غيرِ آمنةٍ، ويتوزَّعونَ بين كراجاتٍ للسيارات، أو مستودعات أو محلَّاتٍ تجاريةٍ، أو مخيَّماتٍ عشوائيةٍ.

وقد حاول الآلافُ منهُم الوصولَ إلى أوروبة عبرَ المخاطَرة بحياتِهم في عُبورِ طُرقٍ بريَّةٍ، أو بَحريَّةٍ بعد أن دفعوا كلَّ ما يملكونَ مِن مُدَّخراتٍ للمُهرِّبينَ. وقد فشلَ عددٌ كبيرٌ منهم في الوصولِ. أمّا الذين نجحُوا في ذلك؛ فهم يُواجهونَ عِداءاً مُتزايداً، ويُنظرُ إليهم كلاجئينَ على أنَّهم يشكِّلونَ جُزءاً من المخاوفِ الأمنيَّةِ في جوٍّ من الهلعِ المتزايدِ.

وقد أسفرَ الصراعُ في سورية عن مُعاناةٍ بالغةٍ للأولادِ والبناتِ السوريينَ مِن الأعمارِ كافةً؛ سواء جسدياً، أو نفسياً. وهناك أطفالٌ تعرَّضُوا للإصابةِ، أو القتلِ بطلقاتِ القنَّاصة، أو الصواريخ، أو القذائف، أو تساقُطِ الحُطامِ عليهم. وقد مرُّوا بتجربةِ الصراعِ والدَّمارِ والعُنفِ بصورةٍ مباشرةٍ. ويُمكِنُ أن تستمِرَّ تلك الآثارُ النفسيةُ المترتِّبةُ على مثلِ تلك التجَّارِ بالمروِّعةِ لفترةٍ طويلةٍ، بما يضرُّ بقُدراتِهم ومهاراتِهم  الاجتماعية.

وفي كُلٍّ مِن الأُردنَّ ولبنانَ يعملُ أطفالٌ صغارٌ تصلُ أعمارُهم إلى سبعِ سنواتٍ لساعاتٍ طويلةٍ مقابلَ أجرٍ ضئيلٍ، وفي بعض الأحيانِ في ظروفٍ يتعرَّضُونَ فيها للخطرِ والاستغلالِ.ورغم أنّ بعضَ الفتياتِ يعمَلْنَ بصورةٍ خاصَّةٍ في الأعمالِ الزراعيةِ والمنزليةِ،إلّا أنّ الأولادَ يُشكِّلُونَ أغلبَ الأطفالِ العاملينَ. وتُعدُّ الضرورةُ الماليةُ الأساسَ تماماً لجميعِ حالاتِ عملِ الأطفال. وفي بعض العائلاتِ لا يستطيعُ الآباءُ إيجادَ عَملٍ،ولا يكسبونَ ما يكفي لدعمِ عائلاتِهم،أو يكونونَ غيرَ قادِرينَ على العملِ لعوائقَ جسديةٍ، أو قانونية، أو ثقافية. ويقعُ عبءٌ هائلٌ على عاتقِ الأطفالِ العاملينَ؛ فالبعضُ يتعرَّضُ لإساءةِ المعاملةِ في محلِّ العمل، أو للقيامِ بأنشطةٍ غيرِ مشروعةٍ، أو يقعونَ في مشكلاتٍ تتعارضُ مع القانونِ.

وبحسبِ بياناتِ المفوضيَّةِ الساميةِ للأُممِ المتحدةِ لشؤونِ اللاجئينَ؛ هناك أكثرُ مِن 2.4 مليون طفلٍ داخلَ سورية خارجَ المدارس.  ومِن بين اللاجئين؛ فإنّ نصفَ الأطفالِ تقريباً لا يحصلونَ على التعليمِ في المنفى. وفي لبنانَ يفوقُ عددُ اللاجئينَ الذين هُمْ في سِنِّ المدرسة القُدرَةَ الاستيعابيةَ للمدارسِ الرسميةِ كافَةً في البلادِ، وهناك 20 في المائة فقط مِن الأطفالِ السوريينَ يرتادونَ المدارسَ. ويُمكِنُ رؤيةُ أرقامٍ مشابهةٍ في صفوفِ اللاجئينَ الذين يعيشونَ خارجَ المخيَّماتِ في تركيا والأردنّ

وأخيراً: فمُشكلةُ اللاجئينَ ليست مشكلةَ سوريةَ والشرق الأوسط فقط؛ بل هي مشكلةٌ تستدعي تدخُّلاً لعالَمٍ أجمعَ؛حيث إنّ المأساةَ الإنسانيةَ التي يتعرَّضُ لها السوريونَ بسببِ اضطرارِهم إلى الهجرةِ تُعَدُّ مشكلةً تواجِه العالَم أجمعَ؛ فالهجرةُ الجماعيةُ والمأساةُ الإنسانيةُ وصلتْ إلى مرحلةٍ تُشكِّلُ خطراً على أمنِ واستقرارِ المنطقةِ والنظامِ العالَميِّ. وفي هذا الإطارِ فإنّ التفكيرَ بأنَّ حلَّ الأزمةِ السوريةِ يكمُن في دعمِ دُولِ الجوارِ فقط سيؤدِّي إلى تفاقُم  الأزمةِ؛ حيث إنّه يجبُ على أعضاءِ النظامِ الدوليِّ أيضاً أن يقومُوا بدورهِم  في إيجادِ حلٍّ للأزمةِ السورية. ويجب تقديمُ الدعمِ إلى دولِ الجوارِ التي تأثَّرتْ بشكلٍ  كبيرٍ نتيجةَ نُشوبِ الأزمةِ السورية.

وأنّ أيَّ سياسةٍ للتعاملِ مع اللاجئينَ ولا تنوي دمجَهُم لابُدَّ أن تراعي تشريعاً يُجسِّدُ هدفينِ: الأوّلَ: الحدَّ مِن التفاعلاتِ الصراعيةِ في المجتمعِ بين اللاجئينَ والمواطنينَ، وهذا لن يتحقَّقَ إلّا بضمانِ الكرامةِ الشخصيةِ للاجئينَ الشرعيينَ؛ من خلال مَنحِهِم الحقوقَ الكاملةَ للاجئ حتى يخرجَ من البلادِ، والثاني: هو إعطاءُ اللاجئِ غيرِ الشرعيِّ الحقوقَ الأساسيةَ التي لا تهدرُ آدميَّته كإنسانٍ.

أمّا الأمرُ الثاني الذي يجبُ مراعاتُه هو: أنّ اختيارَ الدولِ المضيفةِ لسياسةِ الدمجِ المحليِّ للاجئينَ له شروطُه القانونيةُ، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية بمعنى: توفيرِ الفُرَصِ كافَّةً التي تُتيحُ الحياةَ الكريمةَ للاجئينَ في سياقٍ اقتصاديٍّ يسمحُ لهم بالاعتمادِ على أنفسِهم، وإطارٍ قانونيٍّ متكاملٍ، وإطارٍ ثقافيٍّ يقبلُ التنوُّعَ، كما يتمثَّلُ بعضٌ من هذه الشروطِ في تبنِّي الحكومةِ المضيفةِ لهذه السياسةِ وجودُ إطارٍ كُفءٍ وفعَّالٍ وعادلٍ للتعاونِ بين الدولِ المضيفةِ ودول الشمال تمهيداً لهجرتِهم إلى البلدِ الثالث وفقاً لخططِ المفوضيَّةِ.