العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

شجاعةُ التغييرِ تغييرُ الشُّجْعانِ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

بعد خمسةَ عشرَ عاماً من النجاحِ المستمرِّ أعلنت شركةُ (غووغل) وهي في أوجِ نجاحاتِها عن تغييرِ اسم شركتِها الأُمِّ وشعارِها، ذلك الشعارَ الذي ملأ الدنيا وشغلَ الناسَ طيلةَ فترةِ وُجودِها؛ بل صارَ مفهوماً وصورةً؛ فالناسُ تُعبِّرُ به عن كلمةِ (بحث أو Search) فيقولونَ لبعضِهم (غووغلها) ويقصدُونَ (ابحثْ عنها).

لقد أعلنَ مُلَّاكُ شركةِ (غووغل) رسمياًعن شركتِهم الجديدة (ألفابت) في خُطوةٍ تُعيدُ هيكلةَ أعمالِها بشكلٍ شامل؛ وسينضَوي العملاقُ (غووغل) تحتَ مِظلَّتها كغيرِه من الشركاتِ والمشاريع التابعة. 

قال الشريكُ المؤسِّسُ (لغووغل - لاري بيج) في رسالةِ التغيير: "إنّ شركتَنا تُبلي بلاءً حسناً اليومَ، لكنَّنا نُؤمِنُ أنَّه بمَقدُرِونا جعلَها أكثرَ تنظيماً وشفافية؛ لذلك قرَّرنا أن نُنشِئ شركةً جديدةً".

أي أنّ إعادةَ الهيكلة لم يكُن سببُه اندماجُ أو تدهورُ الوضعِ الماديِّ أو التنافسيِّ؛ بل هو نابعٌ من قوةِ هدفِها التنظيمِ والشفافية. ولو صوَّرنا القرارَ كمنحنىً رياضيٍّ؛ لكان منحنىً مُتزايداً بمُعدَّلٍ مُتزايدٍ بعدما كان مُتزايداً بمُعدَّلٍ مُتزايدٍ أيضا!! *

حقاً إنّها لشجاعة ملفتة للنظر.

لقد هدَفتِ الهيكلَةُ الجديدة إلى إيجادِ وتشغيلِ شركاتٍ مُزدهِرةٍ عبر قادةٍ مُبرزينَ ومُستقلِّينَ. أيّ: أنّ مِحورَ عُمدةِ التغيير له مرتكزانِ:

1.   توفيرُ رئيسٍ تنفيذيٍّ قويٍّ لكلِّ شركةٍ تابعة، والقائدُ المستَهدَفُ قائدٌ مُبرَّزٍ في الوسطِ ومستقلٌّ أيّ: ليس من المُوظَّفينَ القدامى نفسُهم(لغوغل) عِلماً أنّ هذه الشركةَ ليس لديها إلّا المُميَّزينَ عالَمياً.

2.   إدارةُ المُخصَّصاتِ الماليةِ بصَرامَةوهذا ما ألمحَ إليه الشريكُ المؤسِّسُ صراحةً في كلمتِه؛ فالضبطُ الماليُّ والمحاسبيُّ شرطٌ لازمٌ للحُكم على الكفاءة.

أمّا (غووغل) التي وقعَ عليها التغييرُ، ورغم هذا التغييرِ الضخم، فإنّها ما فتِئتْ تتطلَّعُ لتحقيق مزيدٍ مِن الطُّموحِ في  المشاريع الكُبرى، وتحسينِ حياة أكبرِ عددٍ من الناس، أيّ: أنّها لم ولن تتراجعَ، وهذا فهمٌ دقيقٌ وإدراكٌ عميقٌ لأولئكَ الناس، فرغمَ تراجُع دورِها من شركةٍ قابضةٍ إلى شركةٍ تابعةٍ، لكنّها تنوي العودةَ للعملَقة من جديدٍ. ويا للأسفِ فإنّ كثيراً من الإداريينَ في بلادنا المترَّهلَةِ لا يستوعبونَ تغييراً كهذا؛ فأيُّ إداريٍّ كبيرٍ تنالُه شُبهة التغييرِ يُحارَبُ بكلِّ قساوةٍ لعدمِ تحريكِه مِن مكانِه ولو أدّى ذلك لخرابِ ما قام بإعمارِه؛ بل ويا للأسفِ يبني كثيرٌ من الإداريينَ الكبار لنفسِه امبراطوريةً فاشيةً يجلبُ لها مَن هو إمَّعةُ ليُحافِظَ على ولائِه ونَعمائِه انتظاراً لاستخدامِه في ساعةِ تغييرٍ مُفاجئةٍ. والأصلُ الأصيلُ أنّ الكبيرَ يكبرُ دوماً؛ بل هو يُمثلُ قاطرةً لغيرِه، تقصدُه الشركاتُ والمناصبُ قصداً للاستفادةِ من خِبراتِه - هذا إنْ كان مُخلِصاً في ما سبقَ من أعمالٍ قام بها -.

إنّ رُؤيةَ مُلَّاكِ شركة (غووغل) لم تولد فجأة؛ بل رسمَها مؤسِّسُوها منذُ أحدَ عشرَ عاماً، مُدرِكينَ أنّ الشركاتِ تميل بمرور الوقت إلى التعوُّدِ على تكرارِ أعمالِها والاكتِفاءِ بإحداثِ تغييراتٍ تدريجية. ولمّا كان هذا لا ينفعُ أبداً  في قطاعِ التكنولوجيا؛ لأنّ الأفكارَ الثوريةَ هي مَن يُحدِّدُ مناطقَ النموِّ الكبيرةِ المستقبليةِ، فإنّ ذلك يُحتِّمُ الخروجَ من وضعيةِ الراحةِ والدَّعَةِ باستمرارٍ؛ بل إلى الأبد.

وهذا معناهُ: أنّ المُؤسِّسينَ فَهمُوا بيئتَهم وأدركُوا مخاطِرها ورسمُوا التصوُّراتِ الصحيحةَ ونفَّذُوها في حينها بجُرأةٍ وشجاعةٍ. ويا للأسف فإنَ شركاتِنا ومَصارفنا مُتعبَة بأغلبِ مُلّاكِها الذين لا يرونَ أبعدَ مِن أرنبةِ أُنوفِهم، وإن شمُّوا رائحةَ النجاحِ مالُوا إلى وضعيةِ الراحةِ والدَّعة. لذلك تجِدُهُم لا يخطُر ببالِهم اختيارَ قادةٍ مُبرِّزينَ مُستقلِينَ ؛بل تراهُم يبحثونَ عن مُديرينَ يأتمرونَ بأهوائِهم، ويَسهلُ كسبُ ولائِهم ومن  ثَمَّ طاعتهم؛ بل هناكَ مُديرونَ تنفيذيونَ لا تستطيعُ مجالسُ الإدارةِ تحريكَهم ولا تغييرَهم وكأنَّهم خُشُبٍ مُسنَّدةٌ. والأمثلةُ كثيرةُ على ذلك لكن لن نستفيدَ من ذكرِ الحالاتِ نفسِها، ويكفي لمعرفةِ تلك الشركاتِ والمصارفِ تتبعُ مسيرتَها التنموية ونتائجَ أعمالِها غير المُشجِّعةِ، وعلى كلِّ حالٍ ما يَهمُّنا هو الدرسُ المستفادُ.

هذا من ناحية، ومِن ناحيةٍ ثانية:

قرَّرتِ اليابانُ افتِتاحَ أوَّلِ مدرسةٍ ثانويةٍ افتراضيةٍ في العالَم للتعليمِ عبر الإنترنت؛ حيثُ يُشاركُ الطلابُ في الدروسِ بشخصياتٍ و رسومٍ مُتحرِّكة، فلا يحتاجونَ للحُضورِ إلى المدرسةِ إلّا مرَّةً واحدةً كلَّ ستَّةِ أشهُرٍ للامتحان.

وأمّا من ناحيةٍ أُخرى:

قرَّرت تركيا إنشاءَ أوّلِ كُلِّيةِ طِبٍّ افتراضيةٍ في العالَم، وهذا مُغايرٌ لقواعدَ يعتقِدُها أغلبُ الناسِ - خاصّة الخبراءَ منهُم - أنّها لا تصحُّ؛ فاختصاصُ الطِّبِّ البشريِّ اختصاصٌ تطبيقيٌّ لا يُمكِنُ إلّا أن يكونَ بالتعليمِ الحُضوريِّ التقليديّ.

وترى الجامعةُ التركيةُ -صاحبةُ الفكرةِ- أنّ ذلك سيُعزِّزُ قُدرَة الأطبَّاء على إجراءِ العملياتِ الجراحيةِ في بيئةٍ افتراضيةٍ فهي ستُنشِئ مركزَ مُحاكاةٍ طِبِّيٍّ، وكلية طِبٍّ افتراضيةٍ، وذلك لتدريبِ الأطبَّاء على إجراءِ مختلف أنواعِ العملياتِ الجراحيةِ افتراضيا. وستُجرى العملياتُ الجراحيةُ على جُثَّةٍ افتراضيةٍ أو مريضٍ افتراضيٍّ باستخدامِ نظَّاراتٍ ثلاثيةِ الأبعاد. وذلك لم يكُن فجأةً؛ بل بعدَ أن طوَّرتِ الجامعةُ طاولةَ تشريحٍ مصنوعةٍ من أليافٍ كربونيةٍ، يُمكِن تزويدُها بأجهزةِ التصويرِ الإشعاعية، وأجهزةِ التصوير الأُخرى؛ بحيث تُتيحُ إمكانَ تدويرِ الجُثَّةِ ومنحِها الزاويةَ المطلوبة.

حقاً هذه تغييراتٌ شُجاعةٌ يقوم بها الشُّجعان..

أمّا نحنُ فنعيشُ في بلادٍ تُقدِّمُ التعليمَ الافتراضيَّ بخَجلٍ، وتتمنعُ عن تصديقِ شهاداتٍ صادرةٍ عن مؤسَّساتٍ جامعيةٍ تُقدِّم تعليماً كهذا بحُجَّةِ عدمِ جِدِّيتِه وفعاليتِه، وأخشى أنّ عقلية أولئك المُقرِّرينَ لمصير الناس هي التي صارت غيرَ مُجديةٍ، وغير فعّالةٍ لهذه البيئةِ. خاصَّةً في الوقتِ الذي انطلقَ فيه الآخرونَ نحوَ جعلِ العلومِ التطبيقيةِ تقدَّم افتراضيا؛ بل حتى شهادةَ الثانويةِ صارت افتراضيةً.

حقاً لا شيءَ خارجَ التطوير والتغيير.. ولا يُعقلُ أن نحتجَّ على تلك الدولِ الأكثرِ تقدُّماً وازدِهاراً، ونحنُ الأكثر تخلُّفاً وتراجُعاً في  التراتيبِ العالَمية جميعاً بلا استثناءٍ.

إنّ الأسئلةَ التي تحتاج إجاباتٍ شافيةً هي:

-     هل القضيةُ أنّنا لا نملِكُ الشجاعةَ في التغيير؟

-     هل هناك مَن قتلَ المبادأة في بلادِنا؟

-     هل هناك تفسيرٌ لتخلُّفِنا وتقهقُرنا؟

لقد صَدقَ الصادقُ المصدوقُ صلوات ربِّي وسلامُه عليه الذي قال للأعرابيِّ الذي كرَّر سؤالَه عن الساعة: إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظِرِ الساعةَ، قال: كيف إضاعتُها؟ قال: إذا وُسِّد الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظِرِ الساعةَ (رواه البخاريُّ).

فيا أيها المناطُ التغييرُ بهِم..

يا أيُّها القادة..

لقد ضيَّعتُمُ الأمانة.. أمّا كيف ضيَّعتُمُوها، فإنّكم لم تجعلُوا الرَّجُلَ المُناسِبَ في المكانِ المناسبِ، فحُقَّ على بلادِكُم الخرابُ والدَّمارُ.

أليسَ التخلُّفُ دماراً؟

أليسَ الجهلُ خراباً؟

إنّ أغلبَ التوقُّعاتِ تُشيرُ إلى أنّ عددَ مُستخدمي تكنولوجيا الواقع الافتراضيِّ قد تجاوزا الملايين العديدة مِن المُستخدمينَ وهم بازديادٍ مُطَّرِدٍ، وأنّ حجمَ الإنفاقِ على هذه التِقنيات قاربَ عشرات الملياراتِ من الدولارات الأميركية.السؤالُ الواردُ والمُهمُّ:

-     كيف تغفُلُ حكوماتٌ رشيدةٌ عن هذه التطوُّراتِ؟ فأغلبُ الخُبراءِ الحكوميينَ الأشاوسِ وأصحابِ التخطيطِ والرُّؤى البعيدةِ لا يتفاعلونَ مع التعليم الافتراضيِّ؛ بل يجعلُونه عدوَّهُم، أوليسَ الإنسانُ عدو ما يجهلُ؟بلى. لقد أصابُ الجهلُ أغلبَ القومِ,وأعمى حُبُّ المناصبِ قلوبَهُم. ولا استثني مِن دُولنا العربية إلّا القليلَ النادرَ.

-     كيف تغفُلُ شركات ورجالُ أعمالٍ عن هذه التطوُّراتِ؟ لماذا؟أليس فيكم رجلٌ مثل (لاري بيج)؟ أمْ أنّهم أكثرُ منه مالاً وعِلماً؟ أمْ أنّ شركاتِهم تفوقُ شركة (غووغل) التي هو فيها شريكٌ مؤسِّسٌ؟ ألا يختبى اللص خلفَ أصبعِه لجُبنِه وإجرامهِ؟ رُبَما لا استثني من شركاتِنا العربية ورجالِ أعمالِها إلّا النذر اليسير.

إنّ التكنولوجيا صارت واقعاً يتعاملُ معه الجميعُ ويستفيدُونَ منه؛ فالاتصالاتُ انخفضَت تكاليفُها ولم يَعُدْ ثمَّة داعٍ لكثيرٍ من الأعمالِ المتكرِّرةِ أو اليدويةِ.

تصوَّروا كمْ أسهمَتِ الحكوماتُ الالكترونية في خفضِ تكاليفِ الورقِيَّات؟ وكيف وفَّرتْ أوقاتَ الناس! وتصوّروا كمْ مِن فُرصِ العملِ الجديدة أوجدَتها التِقنية!. إنّنا لو أحسنَّا الاستثمارَ لانخفض الركودُ وانطلقنا نحوَ الازدهارِ. فأينَ الشُّجعانُ الذين يتَّخِذونَ القراراتِ الشجاعةِ؟أينَ هُم أينَ؟

 

حماة (حمَاها الله) ٩-٩-٢٠١٥