العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المخاطر في البنوك الإسلامية / وصف وتحليل

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

 

 

المبحث الثالث: مخاطر الوساطة المالية الإسلامية

تهدف عملية إدارة الأصول والخصوم إلى إنجاح عملية الوساطة المالية التقليدية القائمة على الإقراض والاقتراض من خلال ما يأتي[1]:

1.    تحقيق أفضل عائد على الأموال المتاحة مع مراعاة عنصري السيولة والمخاطرة.

2.    تمكين المؤسسة من مواجهة التزاماتها المالية المتمثلة في السحوبات النقدية، والالتزامات النقدية الأخرى المتمثلة في مصارف.

3.    توفير منافذ استثمار مؤقتة للفوائض النقدية.

4.    زيادة قدرة المؤسسة على الاستفادة من فرص الاستثمار المستجدة من خلال توفير المرونة في تعديل تركيبة المحفظة الاستثمارية.

5.    تحقيق التوازن فيما بين مصادر الأموال, والعمل على خفض تكلفتها أو الحد من زيادتها.

وتزداد معضلة المخاطرة، السيولة، الربحية في الوساطة المالية التقليدية تعقيداً في ظل التركيز على الحسابات الجارية تحت الطلب، والودائع بعائد ثابت كمصدر رئيس لمصادر الأموال الأمر الذي يضع حدوداً على آجال ومجالات الاستثمار ودرجة المرونة التي يمكن أن تكون عليها التوظيفات البنكية.

وليست البنوك الإسلامية بمعزل عن مواجهة هذا النوع من المخاطر، والذي يتمثل في المخاطر الناجمة عن ازدياد السحوبات النقدية على صعيد الحسابات الجارية، بالإضافة إلى الالتزام بدفع مبالغ الودائع الإسلامية القائمة على البيع الآجل مع عوائدها في تواريخ استحقاقها المحددة مسبقاً. ولا شك أن هذا يؤثر بشكل مباشر على برمجة التدفقات النقدية للبنك بما يتلاءم مع طبيعة الحسابات الجارية والودائع الإسلامية الآجلة.

ومن المتوقع أن تكون مخاطر الوساطة المالية الإسلامية أكثر حدة في حالة الخصوم القائمة على العائد المتغير. ويسهم في حدتها ما يأتي[2]:

1.    إن العائد المتغير على الودائع الاستثمارية الإسلامية يؤدي إلى عدم التأكد بشأن القيمة الحقيقية للودائع، ورغبة من إدارة البنك في تخفيض مخاطر الخسارة فإنها ستلجأ في اختيار مجالات استثمار آمنة ذات عائد منخفض, وهذا بحد ذاته يعزز من مخاطر السحب.

2.    إن انخفاض العائد يسهم في مبادرة المودعين إلى اتهام إدارة البنك بالتعدي والتقصير وهذا بحد ذاته يخلق مخاطر الثقة, ويعزز من مخاطر السحب.

3.    إن العائد المتغير قد يعني عدم تحقيق أي عائد على الودائع، وهو الأمر الذي يعزز من مخاطر الثقة ومخاطر السحب، وهو ما يدفع إدارة البنك الإسلامي -بسبب المنافسة التجارية في السوق المصرفية ورغبة في تخفيض مخاطر السحب- إلى تحويل مخاطر عدم تحقيق عائد على الودائع إلى المساهمين، بحيث يتخلون عن جزء من أرباحهم لصالح المودعين في حسابات الاستثمار.

4.    إن هذا الوضع -المترتب على عدم الالتزام بعائد ثابت تجاه أنواع الودائع الاستثمارية في جانب الجذب, والذي تنشأ بموجبه مخاطر ثقة ومخاطر سحب- مرشح في الواقع لإحداث عملية نقل لمخاطر الودائع الاستثمارية إلى الحسابات الجارية وفي ظل تمثيل الحسابات الجارية, لمورد مهم من موارد البنوك الإسلامية في النموذج التطبيقي فإن هذا من شأنه تعزيز مخاطر السحب[3].

على أننا ندرك أن الحسابات القائمة على العائد المتغير تشكل ميزة للبنك الإسلامي من وجهة نظر أخرى, وهي أنها تمتص الاختلالات التي تحدث في جانب الأصول في حال انخفاض العائد أو تحقيق خسائر، غير أن هذه الميزة ليست على إطلاقها كما أسلفنا، فقد تنعكس في مخاطر سحب أو ثقة أو تحويل مخاطر إلى المساهمين أو نقل مخاطر إلى الحسابات الجارية.

المبحث الرابع: مخاطر صيغ التمويل الإسلامية[4]

1. مخاطر التمويل بالمرابحة المصرفية (المرابحة للواعد بالشراء):

المرابحة في صورتها المصرفية تواجه مخاطر أقل منها في صورتها العادية، ومن أهم الإجراءات التي أدت إلى تخفيض المخاطر في المرابحة المصرفية ما يأتي:

1.    الوعد الملزم بشراء البضاعة بالتكلفة مضافاً إليها الربح المتفق عليه، وبهذا الإجراء يتم تحييد مخاطر تقلبات أسعار السلع وتقلبات أسعار الصرف.

2.     هامش الجدية لتعويض البنك عن النقص في تكلفة السلعة عليه في حال نكول العميل عن الوعد.

3.    خيار الرد بالشرط بين البنك والمورد، ويستخدمه البنك في حال نكول العميل عن وعده.

4.    فرض غرامات تأخير لردع المدينين المماطلين تصرف في وجوه الخيرات ولا يستفيد منها البنك.

وبالرغم من ذلك لم تزل بعض المخاطر التي لا تنفك عن المرابحة منها:

1.    مخاطر تجارية: وتتعلق باحتمال تلف بضاعة المرابحة قبل بيعها على الواعد بالشراء، ويمكن أن تغطى بالتأمين التعاوني على البضاعة.

2.    مخاطر ائتمانية أو مخاطر الطرف المقابل: وتتعلق بعدم السداد. وهذه يجب أن تغطى بالضمانات الكافية والملائمة.

3.    مخاطر سيولة: وتتعلق بعدم القدرة على تسييل الدين بأقل من قيمته، لأنه لا يجوز بيع الدين إلا حوالة بقيمته الاسمية , وفي هذه الحال لا يوجد الدافع لدى الآخرين لشراء تلك الديون. وهذه يجب أن تغطى بالمصادر البديلة للحصول على السيولة فضلاً عن أن بعض المؤسسات المالية ابتكرت طرقاً لتوريق تلك الديون بإنشاء ديون على نفسها من خلال عمليات تورق ثم إحالة دائنيها بموجب عمليات التورق على المدينين لها بموجب عمليات المرابحة.

4.    مخاطر سعر الفائدة حيث لا يمكن تغيير هامش المرابحة بعد الدخول في العقد في حال تغيرت أسعار الفائدة خلال فترة الأجل.

2. مخاطر التمويل بالسلم المصرفي (السلم المدعوم بسلم موازٍ):

يهدف السلم الموازي إلى بيع سلعة مشتراة بعقد سلم أصلي وبهذه الطريقة يتم تجنب مخاطر السوق ومخاطر التلف المترتبة على الملكية إلى أدنى حد ممكن، غير أنه لا يمكن تجنب نوعين من المخاطر هما:

1.    مخاطر الائتمان أو الطرف المقابل: فمن المحتمل عدم الالتزام بتسليم السلعة المشتراة سلماً في مواعيدها لعوامل خارجة عن إرادة البائع فضلاً عن مخاطر عدم القدرة على السداد التي تحول دون إمكانية قيام البائع بالوفاء بالتزاماته في العقد الأصلي عن طريق شراء سلعة السلم من السوق.

2.    مخاطر السوق: وتنشأ هذه المخاطر نتيجة للفصل بين عقد السلم الأصلي وعقد السلم الموازي حيث إن عدم الالتزام بالعقد الأول لا يعفي البنك من الالتزام بالعقد الثاني. وبالتالي فإن البنك سيقوم بشراء السلعة المبيعة في عقد السلم الموازي من السوق، ويواجه في هذه الحال مخاطر تقلبات الأسعار في السوق وعدم ملاءمتها للثمن المحدد في عقد السلم الموازي.

3.    مخاطر سيولة: وتتعلق بأن السلعة المشتراة في عقد السلم الأصلي لا يمكن بيعها قبل قبضها لأنها دين، ويمكن تخفيض هذه المخاطرة عن طريق السلم الموازي ببيع سلعة مطابقة لها في المواصفات مع مراعاة تواريخ التسليم، بل إنه يمكن للبنك أن يجعل البضاعة في عقد السلم الأصلي وهي دين له رهنا أو ضماناً للوفاء بالتزاماته في عقد السلم الموازي، وذلك استناداً إلى رأي بعض الفقهاء الحنابلة في جواز أن يكون الرهن ديناً. كما يمكن أن يحيل المشتري وهو دائن له في عقد السلم الموازي على البائع وهو مدين له في عقد السلم الأصلي بضوابط حوالة الدين لكن مسألة الحوالة تحتاج إلى مزيد من التأمل فلم يتسنَ لي التحقق من عدم وجود اعتراض شرعي عليها.

3. مخاطر التمويل بالاستصناع المصرفي (الاستصناع الأولي والاستصناع الموازي):

يهدف عقد الاستصناع الموازي أو عقد المقاولة مع المقاول إلى تنفيذ الالتزامات التي نشأت على البنك في عقد الاستصناع الأولي مع العميل، ويقوم التطبيق على أساس دفع الثمن نقداً في عقد المقاولة, بينما يتم تأجيل الثمن للعميل في عقد الاستصناع. وقد أدى تطبيق البنوك للاستصناع المصرفي إلى تخفيض درجة المخاطر السوقية في هذا النوع من التمويل من خلال نقل آثار تقلبات الأسعار على تنفيذ عقد المقاولة إلى العميل في عقد الاستصناع الأولي. وتواجه البنوك في هذا النوع من التمويل المخاطر الآتية:

1.    مخاطر الائتمان أو الطرف الآخر: وتتعلق هذه المخاطر بمخاطر التسوية أو عدم القدرة على التسليم من قبل المقاول في عقد الاستصناع الموازي، أو بمخاطر عدم السداد من قبل العميل في عقد الاستصناع الأولي. ولتجنب هذه المخاطر يجب تغطيتها باختيار ملائم للمقاول، وبالضمانات الكافية مقابل دين الاستصناع.

2.    مخاطر السيولة: وتتعلق بعدم جواز بيع الدين في ذمة عميل الاستصناع إلا حوالة بقيمته الاسمية. وهي من نوع مخاطر تسييل الدين في دين المرابحة، فينطبق عليها ما ذكر هناك بشأن التوريق المستند إلى التورق.

4. مخاطر التمويل بالإجارة المصرفية (الإجارة مع الوعد بالتمليك):

يهدف التمويل بالإجارة المصرفية أو بالإجارة مع الوعد بالتمليك إلى تمليك منفعة العين للعميل الواعد بالاستئجار مع وعد بتمليكه العين في نهاية تلك المدة.

وقد أدى تطبيق الإجارة المصرفية القائمة على الوعد الملزم بالاستئجار مع هامش الجدية والوعد بالتمليك إلى تخفيض مخاطر الإجارة المصرفية مقارنة بالإجارة التشغيلية أو الإجارة غير المصرفية، وبوجه خاص مخاطر السوق المتعلقة بتقلبات الأسعار سواء قبل الإجارة على الواعد بالاستئجار أو قبل تمليك العين المؤجرة للمستأجر. أما الإجارة التشغيلية التي تقوم على تملك البنوك للأصول ثم البحث عن مستأجرين لها فتواجه مخاطر تقلبات الأسعار.

غير أن الإجارة المصرفية لم تزل تواجه أنواعا من المخاطر أهمها:

1.    مخاطر تجارية: وتتعلق بمخاطر تلف الأصل المعد للإيجار أو المؤجر. وهذه يمكن تغطيتها عن طريق التأمين التعاوني على الأصل.

2.    مخاطر ائتمانية: وتتعلق بمخاطر عدم السداد لإيجارات المدة المتبقية. وهذه يمكن تغطيتها بالقيمة السوقية للأصل المؤجر الذي يمكن استرداد حيازته في حال التأخر في السداد. وتواجه هذه المخاطر أيضاً الإجارة التشغيلية فيما يتعلق بمخاطر عدم السداد لإيجارات الفترة المتبقية من مدة الإجارة ويمكن تغطيتها بالقيمة السوقية للأصل المؤجر الذي يمكن استرداد حيازته.

5. مخاطر التمويل بالعائد المتغير : الوكالة والمشاركة والمضاربة المصرفية:

تقوم صيغ التمويل بالعائد المتغير -على أساس الوكالة في الاستثمار مقابل أجر أو المضاربة بحصة من الربح أو المشاركة برأس المال مقابل حصة من الربح- في صورها الأصلية على أساس أن يضع البنك ماله تحت تصرف الطرف الآخر، لاستثماره وتحقيق الأرباح المرجوة من خلال هذا الاستثمار. وجميع هذه الصيغ تعد من قبيل عقود الأمانة بمعنى أن الطرف الآخر أمين في تصرفه لا يضمن رأس المال المسلم له فضلاً عن عائده. وبالتالي تواجه هذه الصيغ بصفة حادة المخاطر الأخلاقية من قبل الطرف الآخر، والتي تنعكس في صورة مخاطر ائتمانية من قبيل مخاطر عدم السداد أو مخاطر التسوية. وتنشأ هذه المخاطر بسبب نقص المعلومات أو ضعف الكفاءة الفنية والبشرية لدى المصارف وهو من نوع المخاطر التشغيلية.

ورغم أن المشاركة المتناقصة تعد تطبيقا مصرفياً للمشاركة وهي تعطي الطرف الآخر حق شراء حصة البنك بشكل متزايد خلال فترة محددة حتى يستحوذ على كامل مشروع الشراكة. غير أنها لا تزال تنطوي على النوع نفسه من المخاطر آنفة الذكر فيما يتعلق بالحصص التي لم يتم شراؤها بعد من قبل الطرف الآخر.

أما التطبيق المصرفي لهذه الصيغ فقد قلل من هذه المخاطر إلى الحد الأدنى من خلال تقييد الطرف الآخر في تنفيذ استثمار متفق عليه وهو في الغالب يكون عن طريق شراء بضائع وبيعها مرابحة للواعد بالشراء، وفي هذه الحال تعد المخاطر التي تواجه هذه الصيغ جميعاً من نوع مخاطر المرابحة ولا تتفرد بمخاطر أخلاقية خاصة.

والجدير بالذكر أن التوظيف بالعائد من خلال هذه الصيغ في صورها الأصلية يعد ميزة للبنوك الإسلامية مقارنة بالبنوك الإسلامية وفقاً للصيغة النظرية للبنوك الإسلامية والتي تفترض تأسيس حسابات الودائع على أساس هذه الصيغ وفي الوقت نفسه تأسيس عمليات التوظيف على هذه الصيغ أيضاً مما يعني أن أي اختلال في جانب التوظيف سيتم امتصاصه في جانب الجذب من خلال تخفيض في مبالغ الودائع لأنه لا يوجد التزام بعائد محدد لأصحاب الودائع. لكن يختلف الأمر في الصيغة التطبيقية للبنوك الإسلامية، فالحسابات الجارية أو تحت الطلب القائمة على القرض الحسن بدون فوائد تشكل مورداً أساسياً لأموال البنوك الإسلامية، وهذه لا يمكنها امتصاص الاختلالات في جانب التوظيف لأن الأموال مضمونة على البنك.

 

قائمة المراجع

1.    أيوفي-1، معايير المحاسبة والمراجعة والضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، البحرين1999.

2.    أيوفي-2، المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، البحرين2005.

3.    بودي، خالد بودي، إدارة الأصول والخصوم في المصارف الإسلامية، مجلة المستثمرون، يناير 2005.

4.    خان، طارق الله خان، حبيب أحمد، إدارة المخاطر، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، 2003.

5.    السويلم، سامي السويلم، البحث عن أدوات مبتكرة لمعالجة المخاطر، ندوة إدارة المخاطر في الخدمات المصرفية الإسلامية، المعهد المصرفي، مؤسسة النقد العربي السعودي، 42-25 فبراير 2004.

6.    شابرا، محمد عمر شابرا، طارق الله خان، الرقابة والإشراف على البنوك الإسلامية.

7.    الشاهد، سمير الشاهد، البنوك الإسلامية وتحديات بازل 2، ندوة إدارة المخاطر في الخدمات المصرفية الإسلامية، المعهد المصرفي، مؤسسة النقد العربي السعودي، 42-25 فبراير 2004.

8.    الصوا، علي محمد الحسن الصوا، "مخاطر التأمين الإسلامي.. الواقع والمنشود"، المؤتمر السادس للمؤسسات المالية الإسلامية، الكويت، 2006.

9.    القري، محمد علي القري، المخاطر في صيغ التمويل المصرفي الإسلامي، ندوة إدارة المخاطر في الخدمات المصرفية الإسلامية، المعهد المصرفي، مؤسسة النقد العربيالسعودي، 42-25 فبراير 2004.



[1]بودي.

[2]أيوفي-1.

[3]خان، ص 132.

[4]المرجع الفقهي الأساسي للمعلومات الشرعية هو "المعايير الشرعية" الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. وتم الاستناد أيضاً في بعض الأفكار إلى كل من: القري، خان، الشاهد.