العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

وقفات وتأملات في التَّورق

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

مُحدِّداتُ الاختلافِ في التَّورقِ المنظَّمِ:

التَّورقُ المنظَّمُ أو المصرفيُّ حسبَ تعريفِ المجمعِ هو (أن يشتريَ العميلُ السلعةَ بالأجلِ مِن المصرفِ على أن يقومَ المصرفُ ببيعِها نقداً وكالةً عن العميلِ بغرضِ الحصولِ على النقدِ). وقد صدرَ قرارُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ، والمجمعِ الفقهيِّ لرابطةِ العالمِ الإسلاميِّ بتحريمِ التَّورِّقِ المنظَّمِ في السلعِ الدوليةِ، ولدى متابعةِ ردودِ الفعلِ على قرارِ المجمعِ بين مؤيِّدٍ ومعترضٍ لُوحِظَ الخلطُ في محلِّ النزاعِ في التَّورقِ المنظَّمِ وسببِ التحريمِ، وأرى أن هناك محددات مهمِّةً لمنهجيةِ الحوارِ والاختلافِ في التَّورقِ، وهي على النحوِ الآتي:

1.   مَن يرى حرمةَ التَّورقِ الفرديِّ (وهو شراءُ سلعةٍ بالأجلِ بنيَّةِ بيعِها لطرفٍ ثالثٍ للحصولِ على السيولةِ) فلا شكَّ أنه يرى حرمةَ التَّورقِ المصرفيِّ المنظَّمِ من بابٍ أَولى؛ والسببُ هو أنّ التَّورقَ يُشبِه العِينةَ (وهي شراءُ سلعةٍ بالأجلِ ثم إعادةُ بيعِها لمن اشتريتْ منه بنقدٍ عاجلٍ)، من حيث إنّه تواطؤٌ بينَ البائِع والمشتري للحصولِ على نقٍ معجَّلٍ بنقدٍ مؤجَّلٍ أكثرَ منه، والسلعةُ غيرُ مقصودةٍ للطرفينِ، وهي أهمُّ حُجَّةٍ يستدلُ بِها المانعونَ مِن مانِعوا التَّورقِ بصفة عامَّة، ولا يخفى أنّ القولَ بحرمةِ التَّورقِ الفردِ لهذا السببِ منسوبُ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذِه ابن القيِّم.

2.   إنّ الاستِدلالَ بعدمِ وجودِ القبضِ في السلعِ الدوليةِ أو أنّها مستنداتٌ وأوراقٌ وأنّ السلعَ غيرُ مرئيةٍ للطرفينِ، فتلكَ حُجَجٌ في غيرِ محلِّ النزاعِ؛ لأنّه قد يتحقَّق القبضُ الشرعيُّ الحقيقيُّ أو الحكميُّ، ثُم إنّ عدمَ وجودِ القبضِ الشرعيِّ لا يُؤثِّرُ على حرمةِ ربحِ التَّورقِ فقط، بل ويُؤثِّرُ على حرمتِه في البيعِ بإطلاقٍ.

3.   مَن يرى جوازَ التَّورقِ الفرديِّ ويُحرِّم التَّورقَ المنظَّم ليس له أنْ يستخدمَ حُجَّةَ المانعينَ للتورقِ الفرديِّ في تحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ؛ لأنّه في هذه الحالِ يُناقضُ نفسَه، ويلزمُ مِن استدلالِه أنْ يقولَ بحرمةِ التَّورقِ الفرديِّ أيضاً وهو لا يقولُ بذلكَ. وعليه أنْ يبحثَ عن سببٍ للتحريمِ يخصُّ التَّورقَ المنظَّم وحدَه ولا يشتركُ في هذا السببِ التَّورقُ الفرديُّ الجائزُ.

4.   إنّ الصورةَ النمطيةَ للتورقِ المنظَّمِ في السلعِ الدوليةِ تقومُ على صفاتٍ أبرزُها وجودُ الوكالةِ اللازمةِ (مِن العميلِ للبنكِ بالبيعِ أو التكييشِ) عُرفاً أو شرطاً، وعلى إغلاقِ الحلقةِ بينَ ثلاثةِ أطرافٍ أو أربعةٍ، وعدمِ إمكانِ كسرِ الحلقةِ وخروجِ السلعةِ خارجَها أي إنّ السلعةَ تعودُ بالضرورةِ للبائعِ الأوّلِ ولو مرّت على أطرافِ أُخرى، وهذه تفسيراتٌ كافيةٌ لفهمِ قراراتِ المجامعِ بالتحريمِ، أمّا نيَّةُ الحصولِ على النقدِ المعجَّلِ فليست سبباً كافياً لتحريمِ التَّورقِ الفرديِّ لدى جمهورِ الفقهاءِ، ومِن ثَمَّ لا ينبغي استخدامُها كسببٍ لتحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ.

تحريرُ محلِّ النزاعِ في التَّورقِ المنظَّمِ بين «أيوفي» والمجامعِ الفقهيةِ:

أصدرَ كُلٌّ مِن مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ لرابطةِ العالَم الإسلاميِّ في دورتهِ السابعةَ عشرةَ، ومجمعِ الفقهِ الإسلاميِ الدوليِّ في دورتِه التاسعةَ عشرةَ قراراً بتحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ الذي انتشر لدى العديدِ مِن البنوكِ الخليجيةِ سواءٌ أكانَ في السلعِ المحليةِ أمْ الدوليةِ، كما أصدرت هيئةُ المحاسبةِ والمراجعةِ (أيوفي) المعيارَ رقم 30 يُنظِّمُ أحكامَ التَّورقِ بصفةٍ عامّةٍ.

ونصَّ تعريفُ مجمعِ الرابطةِ للتورقِ المحرَّمِ هو: (قيامُ المصرفِ بعملٍ نَمطيٍّ يتمُّ فيه ترتيبُ بيعِ سلعةٍ (ليست من الذهبِ أو الفضَّة) من أسواقِ السلعِ العالَميةِ أو غيرِها، على المستورِق بثمنٍ آجلٍ، على أن يلتزِمَ المصرفُ -إمّا بشرطٍ في العقدِ أو بحكمِ العُرف والعادةِ- بأن ينوبَ عنه في بيعِها على مشترٍ آخرَ بثمنٍ حاضرٍ، وتسليمِ ثمنِها للمُستورِق.

ونصّ تعريفُ مجمعِ المنظَّمةِ للتورقِ المحرَّمِ هو: (شراءُ المستورقِ سلعةً من الأسواقِ المحليةِ أو الدوليةِ أو ما شابَهها، بثمنٍ مؤجَّلٍ يتولّى البائعُ (المُموِّلُ) ترتيبَ بيعِها، إمّا بنفسِه أو بتوكيلِ غيرهِ أو بتواطؤِ المستورقِ مع البائعِ على ذلك، وذلك بثمنٍ حالٍّ أقلّ في الأغلبِ.

إنّ كلاَّ مِن المجمعَينِ يقولُ بجوازِ بيعِ التَّورقِ الفقهيِّ أو العاديِّ وهو حسبَ تعريفِ مجمعِ الرابطة: هو شراءُ سلعةٍ في حَوزةِ البائعِ ومِلكِه، بثمنٍ مؤجَّلٍ، ثُمَّ يبيعُها المشتري بنقدٍ لغيرِ البائعِ، للحصولِ على النقدِ.

وعند التأمُّلِ في الفرقِ بين التَّورقِ العاديِّ والمنظَّمِ كما هو في قراراتِ المجامع يُلحَظُ أنّه يتركَّزُ في أنّ الخُطوةَ الأخيرةَ في التَّورقِ -وهي البيعُ بغرضِ الحصولِ على النقودِ- تتمُّ بترتيبٍ مِن المصرفِ، بينما في التَّورقِ العادي يقومُ العميلُ المستورقُ بِهذه الخُطوةِ مُنفرِداً بعيداً عن أي ترتيبٍ مِن قِبَلِ المصرفِ.

وعند التأمُّل في قرارِ كُلٍّ مِن المجمعَينِ بشأنِ تدخُّلِ المصرفِ في الترتيبِ للبيعِ نجد أنّ مجمَع المنظَّمةِ يصفُ ذلك بأنْ «يلتزمَ المصرفُ –إمّا بشرطٍ في العقدِ أو بحُكْمِ العُرفِ والعادةِ- بأن ينوبَ عنه (أي العميلُ) في بيعِها». أمّا مجمعُ المنظَّمةِ فلم يستعملْ وصفَ الالتزامِ من قِبَلِ المصرفِ وإنّما اكتفى بقولِه: «يتولّى البائعُ الُمموِّلُ (وهو المصرفُ) بيعَها».

ننتقلُ إلى معيارِ أيوفي ونصُّه في الفِقرة (4/7) محلَّ النزاعِ وهو: ترتيبُ بيعِ السلعةِ بغرضِ الحصولِ على النقدِ ما يأتي: (عدمُ توكيلِ العميلِ للمؤسَّسةِ أو وكيلِها في بيعِ السلعةِ التي اشتراها منها وعدمُ تَوكُّلِ المؤسسةِ عن العميلِ في بيعِها، على أنّه إذا كان النظامُ لا يسمحُ للعميلِ ببيعِ السلعةِ بنفسِه إلاّ بواسطةِ المؤسسةِ نفسِها فلا مانعَ من التوكيلِ للمؤسسةِ على أن يكونَ في هذه الحالةِ بعد قبضِه السلعةَ حقيقةً أو حُكماً.

بالمقارنةِ بين قراراتِ المجامعِ المُحرِّمةِ للتورقِ وبينَ معيارِ الأيوفي يُلحَظُ أنّ معيارَ الأيوفي من خلالِ الفِقرة السابقةِ يتناغمُ مع قرارِ المجمعَينِ بالمنعِ أو التحريمِ من توكيلِ المصرفِ البائعِ بترتيبِ البيعِ النقديِّ، إلاّ أنه يفتحُ نافذةً للجوازِ إذا كان العميلُ لا يستطيعُ الوصولَ إلى سوقِ السلعِ بغرضِ بيعِ سلعتِه إلاّ عن طريقِ المصرفِ البائع نفسِه. وهذا ينطبقُ على كُل حالاتِ التَّورقِ المنظَّمِ التي تجري في البنوكِ من خلالِ السلعِ والمعادنِ في بورصةِ لندن.

فوجودُ التوكيلِ إذنْ فارقٌ جوهريٌّ بينَ أيوفي وقراراتِ المجمعَينِ في محلِّ النزاعِ في التَّورقِ المنظَّمِ، حيث ترى أيوفي الجوازَ؛ لأنّ البيعَ دونَ توكيلٍ لا يُمكِنُ في الأسواقِ المنظَّمةِ، بينما تُقرِّرُ المجامعُ المنعَ مطلقاً إذا كان التوكيلُ جُزءاً من المعاملةِ.

ذَكَرَ قرارُ مجمعِ الرابطةِ ثلاثةَ أسبابٍ لتحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ المقترنِ بالوكالة، وهي:

1.            إنّ التزامَ البائعِ في عقدِ التَّورقِ بالوكالةِ في بيعِ السلعةِ لمشترٍ آخرَ أو ترتيبِ مَن يشتريها يجعلُها شبيهةً بالعِينَةِ الممنوعةِ شَرعاً، سواءٌ أكان الالتزامُ مشروطاً صراحةً أم بحُكمِ العُرفِ والعادةِ المُتبَّعةِ.

2.            إنّ هذه المعاملةَ تُؤدي في كثيرٍ من الحالاتِ إلى الإخلالِ بشروطِ القبضِ الشرعيِّ اللازمِ لِصحةِ المعاملةِ.

3.            إنّ واقعَ هذه المعاملةِ يقوم على منحِ تمويلٍ نقديٍّ بزيادةٍ لِمن سُمّي بالمستورقِ مِن المصرفِ في معاملاتِ البيعِ والشراءِ التي تجري منه، والتي هي صُوريةٌ في معظمِ أحوالِها.

وأضافَ قرارُ المجمعِ بأنّ هذه المعاملةَ غيرُ التَّورقِ الحقيقيِّ المعروفِ عند الفقهاءِ، فالتَّورقُ الحقيقيُّ يقومُ على شراءٍ حقيقيٍّ لسلعةٍ بثمنٍ آجلٍ، تدخلُ في مِلك المشتري، ويقبضُها قبضاً حقيقياً، وتقعُ في ضمانِه، ثُمَّ يقومُ ببيعِها هو بثمنٍ حالٍّ لحاجتِه إليه، قد يتمكَّن مِن الحصولِ عليه وقد لا يتمكَّن، والفرقُ بين الثمنَينِ الآجلِ والحالِّ لا يدخلُ في مِلكِ المصرفِ الذي طرأ على المعاملةِ لغرضِ تسويغِ الحصولِ على زيادةٍ لِمّا قدَّم مِن تمويلٍ لهذا الشخصِ بِمُعاملاتٍ صُوريةٍ في معظمِ أحوالِها، وهذا لا يتوافرُ في المعاملةِ المبيَّنةِ التي تُجريها بعضُ المصارفِ.

عند التأمُّلِ في أسبابِ التحريمِ، يُلحَظُ أنّ لجنةَ صياغةِ القرارِ في مجمعِ الرابطةِ -وقد تابعتْها لجنةُ صياغةِ القرارِ المذكورِ في مجمعِ المنظَّمةِ في التحريمِ في دورتِه الثامنةَ عشرَ في الشارقةِ- لم تنجَحْ في بيانِ أسبابٍ خاصةٍ بتحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ، وبيان ذلك؛ أن الشَّبَه بالعِينةِ المذكورِ في السببِ الأوَّل ليس كافياً لتحريمِ التَّورقِ الفرديِّ، ولذا فإنّه لا يكفي لتحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ، ولو قُلنا به للزِمَ المجمَعُ تحريمُ التَّورقِ الفرديِّ، وهو ما لم يقُل به المجمَعُ.

أيضاً فإنّ الإخلالَ بالقبضِ الشرعيِّ والصوريةِ المذكورَين في السببِ الثاني والثالثِ للتحريِ؛ ليسا سِمةً لازمةً لعملياتِ السلعِ الدوليةِ أو المحليةِ محلِ التَّورقِ المنظَّمِ، وإنّما يحدثُ القبضُ الحُكميُّ بناءً على ما قررَّتْه المجامعُ والأيوفي، مِن خلالِ شهاداتِ المِلكيةِ التي تُعيِّنُ السلعَ محلَّ التَّورقِ، ومِن ثَمّ تحمُّلِ ما تتعرَّضُ له من خطرٍ خلالَ فترةِ المِلكيةِ، وعليه العملُ في كلِّ التعاملاتِ الدوليةِ، ولا يلزمُ لمشروعيةِ البيعِ القبضُ الحقيقيُّ. يُلحَظُ في ضوءِ ما سبقَ: أنّ لجنةَ صياغةِ قرارِ مجمعِ الرابطةِ لم تُوفَّقْ بذكرِ سببٍ للتحريمِ يَخصُّ التَّورقَ المنظَّمَ المقترنَ بالوكالةِ المُلزمَة، وكل ما ذَكرَتْه مِن أوصافٍ في غيرِ محلِّ النزاعِ بذاتِها، ولا يعني هذا مصادرةَ الحُكمِ الذي تَوَصّلَ إليه المجمَعُ وبطلانَه؛ بل إنّ سببَ التحريمِ ما زال قائماً وهو أنّ الوكالةَ المُلزمةَ للبائعِ هي مِظنَّةُ الصوريةِ بصفةٍ عامَّةٍ، وعدمِ القبضِ بصفةٍ خاصَّةٍ، وهو أنّ البنكَ يلتزمُ بإيداعِ القيمةِ بصرفِ النظرِ عن تلك الإجراءات جميعها التي تبدو شرعيةً في ظاهرِها، وهي الشبهةُ التي سيطرتْ على قرارِ المجمَع لكنّه لم يُظهِرْها بِهذا الوضوحِ.

ولأنّ هذه الشبهةَ هي الأقوى في التحريمِ فقد ركَّز معيارُ التَّورقِ الصادر عن هيئةِ المحاسبةِ على تجنُّبها باشتراطِ (عدمِ الربطِ بينَ عقدِ شراءِ السلعةِ بالأجلِ وعقدِ بيعِها بثمنٍ حالٍّ، بطريقةِ تسلبُ العميلَ حقَّه في قبضِ السلعةِ، سواءٌ كانَ الربطُ بالنصِّ في المستنداتِ، أم بالعُرف، أم بتصميمِ الإجراءاتِ). ومع ذلك لم ترَ الأيوفي في لزومِ الوكالةِ عن العميلِ إشكالاً شرعياً إذا كان العميلُ لا يصلُ إلى بيعِ سلعتهِ إلاّ بتوكيلِ البائعِ نفسِه، وهو السائدُ في الأسواقِ المنظَّمةِ.

بِهذا يتَّضِحُ أنّ محلَّ النزاعِ بين المجمعَينِ القائلينَ بالمنعِ، وأيوفي القائلةُ بالجوازِ يضيِّق إلى التحقُّق من القبضِ، وانتفاءِ الصوريةِ، فإذا تحقَّق القبضُ وانتفتِ الصوريةُ وفقاً للشرطِ المذكورِ في معيارِ التَّورقِ؛ فإنّه القراءة المعمَّقةَ للباحثِ لقرارِ المجمعِ تسمحُ بالقول: بأنّ الحكمَ الواردَ في قرارِ المجمعِ لا ينطبقُ.

ورغم صدورِ قرارِ المجمعِ فإنّ البنوكَ والمؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ وخاصةً الخليجيةَ ما زالت تُمارسُ التَّورقَ المنظَّمَ مع القيامِ أحياناً ببعضِ التعديلاتِ للخروجِ من طائلةِ المنعِ الواردِ في قرارِ المجمعِ.

الآثارُ العلميةُ والعمليةُ لقرارِ المجامعِ بتحريمِ التَّورقِ المنظَّمِ:

لقد تعقَّب الشيخُ عبدُ اللهِ المنيع عضوُ الهيئاتِ الشرعيةِ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ قرارَ المجمعِ بِمقالٍ عُنوانه (أثرُ القصدِ في حُكمِ التصرُّفِ)، واستنكرَ فيه قرارَ المجمعِ بالتحريمِ لمِجرَّدِ أنّ التَّورقَ يتضمَّنُ نيَّةَ الحصولِ على النقدِ وعدمَ استخدامِ السلعةِ، وعدَّ ذلكَ مِن وسوسةِ الفقهاءِ، وأكدَّ أنّ جمهورَ الفقهاءِ لا يرونَ هذا مُسوِّغاً للتحريمِ، وطالبَ المجمعَ بالرجوعِ عن القرارِ. وقال: (أرى أنّ المجمعَ قد اختلطَ عليه الليلُ بالنهارِ والحلالُ بالحرامِ وأتى بِما لا يُطاعُ فيه بتحريمِ ما اتّفَقَ على إباحتِه جمهورُ أهلِ العلمِ. فهل نطمعُ من المجمعِ أن يُعيد النظرَ فيما قرَّره فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ).

ثُمَّ بعدَ مُضيِّ أيامٍ قليلةٍ حصلَ اتصالٌ بينَه وبينَ أمانةِ المجمعِ فاعتذرَ للمجمَع وأكَّد أنّه مع قرارِ المجمَع ما دامَ المقصودُ بالتحريمِ هو صوريةُ المعامَلةِ وقال: (وأضمُّ صوتي مع صوتِ المُجمِعينَ في إنكارِ التَّورقِ المصرفيِّ المنظَّمِ وأنّه في واقعِه لا يخرجُ عن معاملةٍ رِبويةٍ مستورةٍ باسْم التَّورقِ تضليلاً وتغريراً، حيث إنّ التَّورقَ المصرفيَّ حقيقتُه أن يحضُر مُريدُ النقدِ إلى البنكِ ويُبدي له رَغبتَه في مبلغِ النقدِ الذي يُريده ثُمَّ يُقدِّم له مُوظَّفُ البنكِ مجموعةَ أوراقٍ ليوقِّعها ثُمّ يَعِدُهُ بأنّ المبلغَ الذي يُريدهُ سيكون مُودَعاً في حسابِه غداً). وهذا تأكيدٌ بأنّ علةَ المنعِ هي الصوريةُ، وليست الوكالةُ المُلزِمةُ لِذاتِها كما مرَّ سابقاً.

إنّ البنوكَ السعودية -بصفةٍ عامَّةٍ-لم تهتمْ بالقرارِ الصادرِ عن المجمَع فضلاً عن البنوكِ في البحرينِ والإماراتِ، واستمر العملُ بالتَّورقِ -في الجُملة- في السلعِ الدوليةِ للأفرادِ والشركاتِ وبينَ المؤسساتِ على حالِه دونَ أي تعديلٍ للتوافقِ مع قرارِ المجمَع؛ بل إنّ مجموعةَ مشايخِ الهيئاتِ الشرعيةِ و منهم الشيخُ نظام اليعقوبيّ في البحرينِ، والشيخُ عبدُالله المطلق في السعوديةِ قد تصدَّروا حملةً مُضادَّة لقرارِ المجمعِ، واختلطَ الحابلُ بالنابلِ فلم يُعرَفْ محلُّ النزاعِ ولا عِلّةُ المنعِ الذي ذهبَ إليه المجمعُ خلافاً للجوازِ الذي ذهبتْ إليه الأيوفي وتناقلَ المهتمونَ الخلافَ دونَ معرفةِ محلِّهِ وعِلَّتِه.

لقد اهتمّ بيتُ التمويلِ الكويتيّ بالتوافقِ مع قرارِ المجمعِ شكلياً فيما يتعلَّقُ بالسلعِ الدوليةِ في شِقِّ الوكالةِ المُلزِمَة للبائعِ نفسِه (وهو هنا بيتُ التمويلِ)، فجعلَ فرصةً للعميلِ بأن يقومَ بتوكيلِ شركةِ الوساطةِ التي تحتفظُ بالمستنداتِ الخاصَّةِ بالسلعِ الدوليةِ، وقد قرَّرنا بأنّ هذا الأمرَ لا اعتبارَ له إذا كانتِ المعاملَةُ صوريةً ولا يتحقَّقُ فيها القبضُ الشرعيُّ بأي صورةٍ. وهذا دليلٌ على أنّ التطبيقاتِ تُخالفُ رؤيةَ المجمعِ بشأنِ الصوريةِ، ولا تُوافِقُ المجمعَ فيما ذهبَ إليه مِن أنّ المعاملاتِ الخاصّةَ بالتَّورقِ صوريةٌ ولا يتحقَّق فيها القبضُ.

إنّ المتتبِّع للنقاشِ في هذه المسألةِ يرى أنّ خللاً مَنهجياً ربّما يكونُ قد حدثَ في مناقشةِ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ لقرارِ التَّورقِ المنظَّمِ، وهو أنّ بعضَ القائلينَ بالمنعِ من التَّورقِ الفرديِّ وهُم المتابِعونَ لقولِ ابن تيميةَ وابن القيِّم؛ قد تَمّ إشراكُهم في صياغةِ قرارِ المنعِ من التَّورقِ المنظَّمِ، وهذا لا يستقيمُ؛ لأنّ مَن قال بمنعِ الفرديِّ يقولُ بمنعِ المنظَّمِ من بابٍ أَولى، وكان الواجبُ أن تقتصِرَ لجنةُ الصياغةِ على القائلينَ بجوازِ التَّورقِ الفرديِّ، حتّى يبذلوا الجهدَ في تحريرِ علّة المنعِ من التَّورقِ المنظَّمِ بالمقارنةِ بجوازِ التَّورقِ الفرديِّ.

إنّ الأصلَ هو الانسجامُ بين الحكمِ الشرعيِّ، والتحليلِ الاقتصاديِّ للعمليةِ، فيمنع الفعلَ شرعاً إذا ثبتَ ضررُه اقتصادياً، إعمالاً لمقاصدِ الشريعةِ ورفعِ الضَّررِ، والآثارِ الاقتصاديةِ للتورقِ الفرديِّ والتَّورقِ المنظَّمِ المقبولِ فِقهاً، تتوقَّفُ على ما تؤولُ إليه العمليةُ في الواقعِ.

التحليلُ الاقتصاديُّ لتطبيقِ التَّورقِ في المصرفيةِ الإسلاميةِ:

قد يكونُ التصرفُ مُباحاً شرعاً، إلَّا أنَّه يؤولُ إلى ممنوعٍ فيُمنَعُ، ويزدادُ الأمرُ وضوحاً على مستوى التطبيقِ المصرفيِّ؛ فالتمويلُ بالمشاركةِ مثلاً يبدو نموذجاً جذّاباً من الناحيةِ الشكليةِ، إلاّ أنّه مِن الناحيةِ الموضوعيةِ قد يُؤدي إلى ضياعِ أموالِ المُساهمِينَ في بيئةٍ غيرِ ملائمةٍ من حيثُ الكفاءةُ في الإدارةِ والشفافيةِ والمعلوماتِ، وقد أدَّت هذه المخاطرُ إلى الحدِّ منه في التطبيقِ فضلاً عن المتطلَّباتِ الإشرافيةِ بصفةٍ عامَّةٍ ساعدت على تضييقِ تطبيقِه.

وبالمِثلِ يُنظرُ إلى التَّورقِ؛ فإنّ إباحتَه لا تعني بالضرورةِ صلاحيتَه من الناحيةِ الاقتصاديةِ سواءٌ طُبِّقَ بشكلٍ فرديٍّ أو بشكلٍّ مصرفيٍّ مُنظَّمٍ، ويُمكِن اختصارُ الآثارِ الاقتصاديةِ لتطبيقِ التَّورقِ مصرفياً في أمرينِ مُهمَّينِ، الأول: الأثرُ على نموذجِ المصرفِ الإسلاميِّ وتنوِّعِ الصيغِ المطبَّقةِ، والثاني: الأثرُ على الفروقِ الجوهريةِ بين التمويلِ الإسلاميِّ والتقليديِّ.

أمّا الأثرُ الأوّلُ فهو مِن فَرعينِ:

الفرعِ الأوّل: يرى الاقتصاديونَ أنّ التَّورقَ الفرديَّ العاديَّ يؤولُ عند التطبيقِ إلى منظَّمٍ بشكلٍ تلقائيٍّ، حيثُ يُؤدي التطبيقُ إلى نشوءِ تواطؤٍ بين طبقتينِ من التجارِ أحدهُما تبيعُ للبنكِ، والثانيةِ تشتري مِن عميلِ البنكِ بغرضِ تسييلِ السلعةِ، وهي الصورةُ التي يُطبَّقُ وفقاً لها التَّورقُ المصرفيُّ المنظَّمُ.

الفرعُ الثاني: إنّ تطبيقَ التَّورقِ يؤدي إلى توفيرِ السيولةِ أو النقدِ، كما هي الحالُ في المصارفِ التقليديةِ، وبالنقدِ تتمُّ تلبيةُ كلِّ أنواعِ الاحتياجاتِ التمويليةِ، ولن نكونَ بحاجةٍ إلى المشاركةِ أو السلمِ أو الاستصناعِ أو الإجارةِ التي يُلائِمُ كُلٌّ منها احتياجاً تمويلياً؛ فالتَّورقُ يؤدي إلى القضاءِ على التنوعِ في الصيغِ التمويليةِ الإسلاميةِ، والتفردِ كصيغةٍ وحيدةٍ للتمويلِ الإسلاميِّ كما هي الحالُ في تفرُّدِ القرضِ الرِّبويِ كصيغةِ تمويلٍ وحيدةٍ على مستوى البنكِ التقليديِّ.

إنّ الأثرَ الأوّلَ لا يبدو تجنِّياً على البنوكِ الإسلاميةِ، وإنّما هو واقعُ أغلبِ التطبيقاتِ، حتى إنّ بعضَ العاملِينَ قد عبّر عن ذلك بقولِه: إنّ التَّورقَ هو الرِّئةُ التي تتنفسُ مِن خِلالها البنوكُ الإسلاميةُ، مِما يعني أنّ منعَ التَّورقِ يؤدي إلى خَنقِ ومِن ثَمَّ موتِ البنوكِ الإسلاميةِ. فالتَّورقُ أصبحَ مُسيطِراً على الصيغِ التمويليةِ وعلى صيغِ إدارةِ السيولةِ.

الأثرُ الثاني: الفروقُ الجوهريةُ بين التمويلِ الإسلاميِّ والتقليديِّ تتركزُ في أنّ آليةَ التمويلِ الإسلاميِّ تؤدي إلى إيجادِ الإنتاجِ عند كلِّ عمليةِ تمويلٍ خلافاً للتمويلِ التقليديِّ الذي يُمكِنُ أن ينشأ دونَ أن يؤدي بذاتِه إلى تحريكِ الإنتاجِ بالمطلَقِ، أو على الأقلِّ قد يؤدي إلى تحريكِه في اتجاهاتٍ غيرِ مُخطَّطٍ لها.

إذا أصبح التَّورقُ هو الوسيلةُ التمويليةُ المسيطرةُ، فإنّ واقعةَ التمويلِ المصرفيِّ الإسلاميِّ تصبحُ مشابِهةً لواقعةِ التمويلِ المصرفيِّ التقليديِّ، بحيث إنّ الغرضَ الأساسَ من عمليةِ التمويلِ تتمُّ تلبيتُه بالسيولةِ المتحصَّلِ عليها في النهايةِ، وليس بواقعةِ التمويلِ نفسِها؛ بل إنّ واقعةَ التمويلِ الإسلاميِّ ستستندُ إلى سلعةٍ غيرِ مقصودة أساساً في العمليةِ التمويليةِ إلاّ مِن أجلِ الأسلَمَةِالشكليةِ للمعامَلةِ.

إنّ التقاربَ بين التمويلِ الإسلاميِّ والتمويلِ التقليديِّ يُلغي الفرقَ الجوهريَّ بين التمويلَينِ، ومِن ثَمّ فإنّ شرعيةَ المعاملةِ باستيفاءِ الضوابطِ الشرعيةِ للحِيازة والقبضِ قد لا تُحدِثُ الفرقَ الجوهريَّ مِن الناحيةِ العمليةِ؛ لأنّ القبضَ قد حدثَ على سلعةٍ أُريد لها أن تُمارِسَ دَورَ المُحلِّلِ، وليس تلبيةَ الغرضِ من التمويلِ نفسِه.

وهذا خلافٌ جوهريٌّ بين الفقهاءِ والاقتصاديينَ، فقد يرتضي الفقهاءُ المعاملةَ إذا حقَّقت البناءَ الشكليَّ لمشروعيتِها، بينما ينظرُ الاقتصاديونَ إلى الأثرِ العمليِّ لهذهِ المعاملةِ على الغرضِ من وجودِها أساساً في نموذجٍ مؤسَّسيٍّ تمويليٍّ، وأثر هذا النموذجِ بالكاملِ على تطبيقِ آلياتِ التمويلِ الإسلاميةِ الأُخرى، ومِن المفتَرضِ أن يستدعي الأثرُ الاقتصاديُّ الفقهاءَ لإعادةِ النظرِ في شرعيةِ المعاملةِ بنظرةٍ مقاصديةٍ أعمقَ وأبعدَ مِن التراتيبِ الشكليةِ للمعاملةِ.

أطوارُ التَّورقِ وأشكالُه في المصرفيةِ الإسلاميةِ من منظور اقتصاديٍّ:

عندما يختارُ شخصٌ ما أن يشتريَ سلعةً بالأجلِ على أن يبيعَها نقداً فورَ شرائِها للحصولِ على السيولةِ؛ فهذا مُتورِّقٌ، ولم يرى جمهورُ الفقهاءِ في ذلك مانِعاً شرعياً، وعلى مرِّ العصورِ وُجِدَت هذه الحاجةُ لدى الناسِ، لكن ورغمَ الإجازةِ الشرعيةِ يبدو التَّورقُ حلاًّ استثنائياً للحصولِ على السيولةِ.

ووجهُ الاستثناءِ أنّ المنظومةَ الماليةَ في المجتمعِ الإسلاميِّ تنطوي على أدواتٍ أصيلةٍ لسدِّ الحاجةِ إلى السيولةِ لأغراضٍ غيرِ رِبحيةٍ كسِدادِ مديونيةٍ مُستحقَّةٍ، وتلبيةِ احتياجِ طارئٍ؛ ويأتي في مُقدِّمتِها القرضُ، ومصارفُ الزكاةٍ، والصدقاتُ، فضلاً عن صناديقِ التكافلِ العائليِّ والأسريِّ والقبَليِّ والمهنيِّ.

وتشيرُ الشواهدُ العمليةُ إلى أنّ اللجوءَ للحلِّ الاستثنائيِّ يتزايدُ في ظلِّ غيابِ الأدواتِ آنفةِ الذِّكْر، وهو ما يدفعُ طبقةً من التجارِ إلى التخصُّصِ في هذا النوعِ الاستثنائيِّ من التمويلِ، وهذا ما ظهرَ جلياً في تطبيقاتِ البنوكِ الإسلاميةِ؛ فبعد أن لوحِظَ أنّ أغلبَ عملياتِ التمويلِ للسلعِ والسياراتِ تنشأ بغرضِ التَّورقِ عمدتْ البنوكُ الإسلاميةُ إلى تنظيمِ التَّورقِ كصيغةٍ تمويليةٍ.

وجاء التنظيمُ تدريجياً، ولأنّ السلعةَ غيرُ مقصودةٍ في عمليةِ التمويلِ كانت الخطوات العملية الأولى تتجه إلى تمويل السيارات الدارجة، والسلع التي يسهل بيعها في كل بيئة بخسارة طفيفة، وكان الأبرز في التطبيقات سيارات اللاندكروزر والرز ومواد البناء وأجهزة التكييف؛ حيث يتوفر طلب ملائم على هذه الأنواع يسمح للمشتري بالبيع دون تأخير.

غير أن وجود بعض الإجراءات ووجود بعض الخسارة، دفع بعض البنوك إلى الدخول في المرحلة الثانية من التنظيم، وهي توفير معلومات عن التجار الذين يتممون حلقة التَّورق، ويتطلعون إلى زيادة حجم تعاملاتهم في هذه العملية العقيمة من خلال البيع وإعادة الشراء في حلقة دائرية متواصلة تؤدي إلى أهدافهم الربحية دون الحاجة إلى توريد منتجات جديدة من المصانع.

ورغم سهولة العملية، إلا أن التطلع إلى مزيد من التنظيم بدافع تقليص الساعات الفاصلة بين الشراء وتحصيل السيولة إرضاءً لعميل البنوك، فضلاً عن الربحية المتحصلة دون عناء من البنك، وبدافع تلبية السيولة بأحجام مالية كبيرة لقطاع الشركات؛ بلغ التنظيم مداه بالانتقال إلى السلع الدولية في بورصة لندن.

ففي بورصة لندن أصبحت حلقة انتقال الملكية لتحقيق التَّورق تدور في حركة منتظمة بين أربعة أطراف (السمسار داوني داي ثم البنك الإسلامي ثم العميل ثم البنك ثم السمسار ريتشموند)، وقد اختصرت بعض التطبيقات الحلقة إلى ثلاثة أطراف (داوني داوني البنك ثم العميل ثم داوني)، وهنا برز البنك في العملية حتى نهايتها من خلال قيامه ببيع البضاعة وكالة عن العميل.

لقد تنامت الأحجام المالية للتمويل بالتَّورق والأرباح الناجمة عن ذلك بشكل مذهل، تحت مسميات مختلفة قد يكون منها اسم المرابحة والبيع الآجل ولا يكون منها اسم «التَّورق»، وهذا ما أغرى البنوك بالمزيد من الابتكارات بدافع المنافسة فيما بينهما، وبدافع تعزيز منتج توفير السيولة بالتَّورق كمنتج أصيل بين منتجات البنك الإسلامي، وليس منتجاً استثنائياً، فبرز التَّورق عن طريق الأسهم.

وباستخدام الأسهم أصبح من الممكن تلبية التمويل لشرائح أخرى تتحفظ على الأشكال الأخرى للتورق من ناحية شرعية، هنا أصبحت العملية سهلة، وأكثر مشروعية، وفيها فرصة تحقيق ربح لو كان العميل من أهل الخبرة فانتظر ساعات أو أيام قبل أن يبيع الأسهم موضوع التَّورق.

لقد أصبح لدى بعض البنوك أكثر من وسيلة لتوفير السيولة عن طريق التَّورق تتلاءم مع كل الأذواق، والقطاعات، وتلائم كل الأحجام المالية الصغيرة والكبيرة، واكتمل عِقد التَّورق منذ عدة سنوات بتطبيق التَّورق على سلعة زيت النخيل من خلال بورصة كوالالمبور بماليزيا.

إن جميع ما سبق يهدف إلى توفير السيولة للأفراد والشركات وكبار العملاء، أما سد حاجة السيولة أو استخدامها في عمليات الإنتربانك (العمليات بين البنوك أو المؤسسات) فقد تركزت على السلع الدولية من خلال بورصة لندن منذ نشأة البنوك الإسلامية ومؤخراً غطت بورصة كولالمبور جانباً من هذه العمليات.

لقد أصبح التَّورق المنتج التمويلي الأول في البنوك الإسلامية الخليجية والتي تمثل التجربة الأكثر حضوراً في المنطقة العربية والإسلامية عدا ماليزيا، وهو بالتأكيد المنتج الأول لعمليات الإنتربانك في هذه البنوك. إن أي تحول على هذا الصعيد يعد تحولاً استراتيجياً للصناعة المالية الإسلامية؛ غير أنه لا يبدو في الأفق أي فرصة لهذا التحول؛ ربما بسبب الإطار الدولي الرأسمالي، والهيكل المؤسسي للبنوك التجارية.

التَّورق بين الاستثناء والتنظيم:

إن انتشار التَّورق في أغلب عمليات المصرف الإسلامي لا يخفى، كما أن مزاحمته للصيغ الأخرى وإخراجها من الميدان التطبيقي أصبح واقعاً في أغلب البنوك الخليجية بصفة خاصة، ورغم هذا الانتشار فإن جميع الفعاليات والمؤسسات الداعمة للصناعة المالية الإسلامية، وبصفة خاصة هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أيوفي لا تنظر إلى التَّورق كصيغة تمويلية أصيلة.

وجاء في معيار التَّورق ما يأتي: "التَّورق ليس صيغة من صيغ الاستثمار أو التمويل، وإنما أجيز للحاجة بشروطها، ولذا على المؤسسات أن لا تقدم على التَّورق لتوفير السيولة لعملياتها بدلاً من بذل الجهد لتلقي الأموال عن طرق المضاربة أو الوكالة بالاستثمار أو إصدار الصكوك الاستثمارية أو الصناديق الاستثمارية وغيرها، وينبغي حصر استخدامها له لتفادي العجز أو النقص في السيولة لتلبية الحاجة وتجنب خسارة عملائها وتعثر عملياتها".

وبالمقارنة بين الجواز الاستثنائي في معيار أيوفي، والواقع نجد أن التَّورق آل إلى التنظيم كصيغة أصيلة في مجال التمويل وتوظيف الأموال، وكذلك استقطاب الأموال، بل وابتكرت على أساسه منتجات خدمية وتمويلية تكميلية، ويمكن أن يستخلص المتابع للواقع بأن الصيغ الأخرى كالمرابحة والسلم والاستصناع والمشاركة المتناقصة والإجارة قد أصبحت هي الاستثناء في بعض التطبيقات، كما أن الابتكار الأصيل تراجع لصالح الصيغ التي تستند إلى التَّورق، وسأذكر فيما يلي عدداً من المنتجات كشواهد على ما ذكر.

1.   منتج الوديعة الآجلة؛ ويقوم على المرابحة بصفة البنك مشترياً أو التَّورق بصفة البنك مستورقاً، وهو ما انتشر في بعض الكتابات بالمرابحة العكسية، أو التَّورق العكسي. وقد تسمى هذه الوديعة في بعض التطبيقات بوديعة الوكالة المقيدة، ومضمونها المرابحة العكسية أو التَّورق العكسي، وقد انتشر هذا المنتج في عدد من البنوك السعودية للأفراد والشركات، وبين البنوك والمؤسسات المالية (عمليات الإنتربانك) على أساس توكيل البنوك.

2.   منتج السحب على المكشوف، أو الجاري مدين الإسلامي؛ ويقوم على أساس منح العميل تمويل بالتَّورق على أن يعيد إيداعها بطريق الوديعة الآجلة آنفة الذكر، وبالتالي يغطي التكلفة التي ترتب على تمويل التَّورق بالعائد المتحصل له من الوديعة الآجلة، وسيقتصر ما يتكلفه العميل على المبلغ المسحوب فعلاً من الوديعة الآجلة، وطبق هذا المنتج في بعض البنوك الكويتية.

3.   منتج بطاقات الائتمان المتجددة، أو الائتمان المدور، وهي بديل عن المنتج التقليدي، وتقوم فكرة المنتج على سداد 10% مثلاً من الرصيد المستخدم وتأجيل 90% إلى الشهر القادم. غير أن التأجيل يتم من خلال منح العميل تورقاً في نهاية كل شهر بمقدار نسبة 90% من الرصيد المستخدم وبعائد المرابحة لأجل شهر جديد، ويتمكن بحصيلة التَّورق من سداد 90% من الرصيد المستخدم. وقد انتشر هذا المنتج لدى بعض البنوك السعودية.

4.   منتج بطاقات الائتمان المغطاة، وهي تشبه بطاقة الخصم الآجل أو الشهري، ويقوم هذا المنتج على توفير مبلغ بالتَّورق، ثم إيداعه في حساب استثمار لتعويض جانب من تكلفة التَّورق على العميل، ويمثل حساب الاستثمار الغطاء الذي تصدر على أساسه بطاقة الائتمان، ويتم استخدام البطاقة بالسحب من حساب الاستثمار، وسداده في آخر الشهر.

إن المنتجات السابقة تشير إلى تطبيق التَّورق في المصرفية الإسلامية كمنتج أصيل في مجال التمويل وليس منتجاً استثنائياً كما ذكر ذلك معيار التَّورق الصادر عن أيوفي. والمتتبع للاتجاه التاريخي لاستخدام التَّورق في المالية الإسلامية يلاحظ تنامي تطبيقه وتوسع انتشاره مع طول عمر التجربة، ويعد ذلك بمثابة الانتكاسة؛ لأنه من المفترض أن تؤدي الخبرة المتراكمة إلى الابتكار والتطوير للحلول التمويلية على أساس المنتجات الأصيلة، وهذا ما لم يحدث.

التَّورق وصنائع المعروف:

استنكر بعض المهتمين الحث على القرض في معرض الحديث عن التَّورق أو تقييده، على أساس أن البنوك مؤسسات ربحية، وليست معنية بمنح القروض الحسنة، كما استهجن البعض الآخر تقديم بعض البنوك للقرض الحسن في الوقت الذي تعاني فيه من قلة الربحية العائدة على المساهمين والمودعين لديها. قد يكون ما ذكر صحيحاً، لكن الأمر فيه تفصيل، وهو إن صح من وجه فلا يصح من آخر. فقد استخدمت البنوك التَّورق في جدولة ديون التي للبنك خاصة في حالات التعثر المالي، وفي شراء الديون التي على العميل لصالح بنك آخر، كما استخدمت البنوك التَّورق في تلبية احتياجات فردية كالزواج، ونحو ذلك، وفي كل هذه الحالات توفر البنوك النقد بعائد ربحي وضمن آليات لا تخلو من جدل شرعي، وحيثما ذكر التَّورق في مثل هذه الحالات يبدو الحديث عن ضعف صنائع المعروف من الإنظار والقرض الحسن والصدقة والزكاة ملائماً؛ وذلك لأن التأخر في الدين إما أن يكون من مليء مماطل وهذا يجب اتخاذ جميع الإجراءات القانونية بحقه لإلزامه بأداء الدين، وإما يكون من معسر، وهذا يلائمه الإنظار والإمهال لحين زوال الإعسار، كما يلائمه الصدقة أيضاً، فقد قال تعالى في معرض الحديث عن المدينين: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون"، ففي الآية وجوب إنظار المعسر، وندب إلى التصدق عليه بأصل الدين وإبرائه منه، وكذلك الحاجة إلى النقد بغرض الزواج يلائمها التكافل بوسائله بين أفراد المجتمع ومؤسساته.

وقد لاحظ مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي هذه المناسبة بين التَّورق وضعف صنائع المعروف فجاء في خاتمة قراره المجيز للتورق ما نصه: (إن المجلس -وهو يقرر ذلك- يوصي المسلمين بالعمل بما شرعه الله سبحانه لعباده من القرض الحسن من طيب أموالهم، طيبة به نفوسهم، ابتغاء مرضاة الله، لا يتبعه منّ ولا أذى، وهو من أجل أنواع الإنفاق في سبيل الله تعالى، لما فيه من التعاون والتعاطف، والتراحم بين المسلمين، وتفريج كرباتهم، وسد حاجاتهم، وإنقاذهم من الإثقال بالديون، والوقوع في المعاملات المحرمة، وإن النصوص الشرعية في ثواب الإقراض الحسن، والحث عليه كثيرة لا تخفى، كما يتعين على المستقرض التحلي بالوفاء، وحسن القضاء وعدم المماطل).

ولا شك بأن تفعيل آليات الزكاة والقرض والصدقة في المجتمع وتنظيمها مؤسسياً سوف يؤدي إلى انحسار هذا النوع من التَّورق أو التقليل منه إلى الحدود الدنيا، أما الأنواع الأخرى من التَّورق والتي تستهدف التمويلات التجارية كرأس المال العامل للشركات، وفجوة السيولة لدى البنوك، فهذه تواجه تحدياً آخر أمام الصناعة المالية الإسلامية للعمل على ابتكار المنتجات الأصيلة التي تلبي تلك الاحتياجات، لا يكون اللجوء للتورق بضوابطه إلا في المجالات التي لا يمكن تلبيتها بالصيغ المتاحة كما ورد في المعيار الشرعي رقم 30 بشأن التَّورق.

وأما منح البنوك للقرض فقد يكون وسيلة للاسترباح، عندما يخصص لجلب حسابات جارية لعملاء جدد، وهذا الطريق يتطلب من البنك الالتزام بضوابط لتجنب الشبهة الشرعية في جلب القروض (الحسابات الجارية) مقابل منح القروض، وقد يكون منح القروض من البنوك من أعمال المعروف فعلاً في حال تكوين صندوق للقرض الحسن تُمنح منه القروض للموظفين، ولأفراد المجتمع بصرف النظر عن علاقتهم بالبنك، وهذا عمل محمود يصب في تفعيل صنائع المعروف في المجتمع ويقلل من التَّورق في المجتمع بالتأكيد، ويعود اختياره وتشجيعه للمساهمين من خلال الجمعية العمومية للبنك.