العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دراسةٌ مقارنةٌ لمعاييرِ المحاسبةِ والمراجعةِ الإسلاميةِ المطبَّقةِ في المؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ والمعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ التقليديةِ (IFRS/IAS)

أحططاش نشيدة

طالبة دكتوراه - مالية ومحاسبة وتدقيق- كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير-جامعة سطيف-1- الجزائر

الحلقة الأولى

إنّ المحاسبةَ باعتبارِها فنّاً وعلماً، تتميَّز بكثيرٍ من الحركيةِ والديناميةِ التي تتميز بها العلومُ الاجتماعية بصفةٍ عامةٍ، ولمّا كان لكيفيةِ ممارسةِ المحاسبةِ تأثيراتٌ كبيرةٌ على تطورها، وهذا اعتماداً على مبادئَ وفرْضياتٍ كانت نتيجةَ الممارساتِ المحاسبيةِ في الفكر المحاسبيِّ عموماً. ومع كِبَرِ حجمِ المؤسساتِ وتوسُّعِ نشاطِها في مختلفِ أنحاءِ العالَم ووجودِ مستثمرينَ فيها من مختلفِ البلدانِ وجَب وضعُ أسسٍ ومبادئَ مشتركةٍ تحكمُ العملَ المحاسبيَّ، وتضمنُ مصداقيةَ القوائمِ الماليةِ وبذلك تلبِّي احتياجاتِ مختلفِ مستعملي القوائمِ الماليةِ من معلوماتٍ. والمؤسساتُ الماليةُ كغيرِها من المؤسساتِ تسعى من خلال تطبيقِها للمعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ إلى ضمانِ مصداقيةِ القوائمِ الماليةِ التي تنشرُها.

ومع وجودِ مجموعةٍ من المؤسساتِ الماليةِ ذاتِ الطابَع الإسلاميّ التي تتميّز معاملتُها بالخصوصيةِ؛ حيث عرَفتْ مؤخَّراً  توسعاً في نشاطِها في البلدانِ الإسلاميةِ وغيرِ الإسلاميةِ؛ لذلك تُوجب أن يكون هناك أساسٌ علميٌّ يحكمُ هذا النوعَ من المؤسساتِ ذاتِ الطبيعةِ الخاصَّةِ ويضمنُ لمستعملي قوائمِها الماليةِ أنّ المعلوماتِ التي تحتويها تمثِّل بصدقٍ نشاطَ المؤسسةِ؛ فنظراً لخصوصيةِ هذه المعاملاتِ الماليةِ الإسلاميةِ كانت هناك هيئةُ المحاسبةِ والمراجعةِ للمؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ، تَمّ تكوينُها لإصدارِ مجموعةٍ من المعاييرِ المحاسبيةِ والمراجعةِ تتوافقُ مع الشريعةِ الإسلاميةِ وتسعى إلى تحقيق أهدافِ المستخدمينِ وتلبِّي احتياجاتِهم من المعلوماتِ.

وتحاول ُالباحثةُ من خلال هذه الورقةِ البحثيةِ الإجابةَ على مجموعةٍ من الأسئلة:

Ø   هل يمكنُ للمؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ تطبيقُ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ كلِّها؟

Ø  هل تطبيقُ المؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ للمعاييرِ الصادرةِ عن هيئةِ المحاسبةِ والمراجعةِ للمؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ وحدَها كافيةٌ؟

Ø   ما مدى التوافقِ بين المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ ومعاييرِ المحاسبةِ والمراجعةِ الإسلاميةِ؟

Ø  ما المعاييرُ المحاسبيةُ التي تراعي خصوصيةَ المؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ، ومن جهةٍ أُخرى تلبِّي أهدافَ واحتياجاتِ مستخدمي قوائمِها الماليةِ؟

أهميةُ الدراسةِ:

عرَفتِ المعاييرُ المحاسبيةُ الدوليةُ انتشاراً واسعاً؛ وهذا لتلقِّيها قَبولاً كبيراً من قِبَلِ الأكاديميينَ والمهنيينَ في مجال المحاسبةِ؛ حيث تمَّ تبنِّيها من قِبل العديدِ من دولِ العالَم، وفي المقابل زادَ وبشكلٍ كبيرٍ عددُ المؤسساتِ الماليةِ ذاتِ الطابَع الإسلاميِّ التي تراعي في معاملاتِها أحكامَ الشريعةِ الإسلاميةِ؛ فهي تتميّز ببعضِ الخصوصيةِ في معاملتِها، ويجبُ على المعاييرِ المحاسبيةِ أن تأخذَ بعينِ الاعتبارِ هذه الخصوصياتِ.

أهدافُ الدراسةِ:

تهدفُ الباحثةُ  من خلال هذه الورقةِ البحثيةِ إلى:

ü   التعرُّفِ على أهميةِ وفائدةِ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ؛

ü   الإحاطةِ بجوانبِ إصدارِ معاييرِ المحاسبةِ والمراجعةِ الإسلاميةِ؛ 

ü   معرفةِ مدى التوافقِ بين المعاييرِ الدوليةِ للمحاسبةِ ومعاييرِ المحاسبةِ والمراجعةِ الإسلاميةِ؛

أقسامُ الدراسةِ:

لتحقيقِ الهدفِ من الدراسةِ سيتمّ التطرُّق لما يلي:

المحورِ الأول:المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ (IAS/IFRS

المحورِ الثاني:معاييرِ المحاسبةِ والمراجعةِ الإسلاميةِ؛

المحورِ الثالثِ:المقارنةِ بين معاييرِ المحاسبةِ الدوليةِ ومعاييرِ المحاسبةِ الإسلامية.

المحورُ الأوّل: المعاييرُ المحاسبيةُ الدوليةُ

نظراً للتطوُّرِ الذي عرفتْه مهنةُ المحاسبةِ وتعقُّدِها كانت الحاجةُ المُلِّحةُ إلى ظهورِ هيئاتٍ حكوميةٍ وخاصّةٍ تهتمُّ بها، فتقومَ بضبطِها وفقَ إجراءاتٍ وقواعدَ يكون لها من القوةِ ما يُوجب احترامَها بتطبيقِها. هذه المنظماتُ يتمثَّل دورُها في تنميةِ المعرفةِ والثقافةِ المحاسبيةِ لدى المحاسبِ، وهذا من خلالِ وضعِ مبادئَ ومعايير محاسبيةٍ مقبولةً عموماً، ومن بين أهمِّ هذه الهيئاتِ الدوليةِ التي كان لها دورٌ كبيرٌ في توحيدِ الممارساتِ المحاسبيةِ بين الدولِ نجدُ لجنةَ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ.

1-  تعريفُ المعيارِ المحاسبيِّ:

تعريفُ المعاييرِ المحاسبيةِ على أنها قواعدُ يتمُّ اعتمادُها من طرفِ شركاتِ الأعمالِ عند إعدادِ القوائمِ المالية، وتشملُ المعاييرُ القواعدَ الوصفيةَ، والتوجيهاتِ اللازمةَ التي تتعلَّقُ بعدةِ موضوعاتٍ تهمُّ المحاسبةَ الدوليةَ بشكلٍ عامٍّ، وبالأخصِّ القياسَ والتقييمَ، العرْضَ والإفصاحَ، هذه القواعدُ التي يتمُّ الاتفاقُ عليها، والتي تشملُ المعاييرَ المحاسبيةَ، تُعتبر كمرشدٍ أساسٍ  لتحقيقِ التجانسِ في القياسِ العملياتِ والأحداثِ التي تُؤثِّر على القوائمِ الماليةِ، والتدفقاتِ النقديةِ، وإيصالِ تلك المعلوماتِ إلى الأطرافِ المستفيدةِ منها[1].

يُمكن تعريفُ المعاييرِ المحاسبيةِ على أنّها دليلُ المستخدمِ لكيفيةِ ترجمةِ الأداءِ الماليِّ للمنشأةِ في مجموعةٍ مترابطةٍ ومُحكمةٍ من القوائمِ الماليةِ، وتصميمِ النتيجةِ النهائيةِ المطلوبةِ للوصولِ إلى مجموعةٍ من القوائمِ الماليةِ التي تمثِّل الأساسَ لمستخدمينَ متنوعينَ؛ لاتخاذِ قراراتِ الاستثمارِ والإقراضِ على أساسِ معلوماتٍ ملائمةٍ وموثوقةٍ[2].

يحتلُّ مجلسُ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ الصدارةَ من حيثُ إصدارُ المعاييرِ المحاسبيةِ؛ فهي تلقى قبولاً ومصداقيةً كبيرةً من طرفِ مستعملِيها على المستوى الدوليّ. 

لجنةُ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ IASC*هي منظمةٌ خاصةٌ أُنشأت عام 1973 نتيجةَ اتفاقٍ تمَّ بين هيئاتٍ محاسبيةٍ في تسعِ دولٍ هي: ألمانيا، أستراليا، كندا، المملكة المتحدة، المكسيك، فرنسا، هولندا، اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. يقع مركزُها في لندن، وتتولّى هذه اللجنةُ إصدارَ معاييرَ للمحاسبةِ الماليةِ تختصُّ بمشاكلَ معينةٍ وذلك وفقَ إجراءاتٍ محدَّدةٍ[3] .

أصدرتِ اللجنةُ 41 معياراً محاسبياً دولياً(IAS*) إلى غاية 2000، تمّ إلغاءُ بعضِها، ودمجُ أُخرى ليصبحَ عددُها 31 معياراً، وفي مارس من السنةِ 2001 تمّ إعادةُ هيكلةِ المنظمةِ وتسميتُها بمجلسِ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ IASB*، وتمّ إطلاقُ اسمِ معاييرِ التقاريرِ الماليةِ الدوليةِIFRS*[4]، وقد أصدَر هذا المجلسُ 13 معياراً إلى غاية 2013.

يهدفُمجلسُ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ IASBإلى[5]:

تطويرِالنفعِ العامِّ للمعاييرِ المحاسبيةِ؛ وهذا لضمانِ قوائمَ ماليةٍ ذاتِ جَودةٍ عاليةٍ، شفّافةٍ وقابلةٍ للمقارنةِ؛ بهدفِ مساعدةِ مستعملِيها على المستوى الدوليّ لاتخاذِ القراراتِ الاقتصاديةِ؛

-    تشجيعِ استعمالِ وتطبيقِ المعاييرِ؛

-    العملِ على تقاربِ المعاييرِ المحليةِ مع المعاييرِ المصدَّرةِ من المجلسِIASB

2- مُميِّزاتُ تطبيقِ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ:للمعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ أهميةٌ بالغةٌ عند إعدادِ القوائمِ الماليةِ فهي توفِّرُ مجموعةً من المزايا نذكرُ أهمَّها في ما يلي[6]:

 التناسقَ والتناغمَ:ويعني هذا تطبيقَ الأسسِ والمعاييرِ المحاسبيةِ نفسُها بِغَضِّ النظرِ عن جنسيةِ المؤسسةِ ومتجاوزاً بذلك الحدودَ الجغرافيةَ؛ أي توحيدَ أسسِ وقواعدِ المعالجةِ المحاسبيةِ؛ وبالتالي إظهارُ القوائمِ الماليةِ للمنشآتِ بصورةٍ متماثلةٍ وموحَّدةٍ؛

 قابليةَ المقارنةِ:بما أنّه تمّ توحيدُ أسسِ وطُرقِ المعالجةِ المحاسبيةِ؛ فإنّ النتيجةَ المباشرةَ هي قابليةً القوائمِ الماليةِ التي أُعدِّت للمقارنةِ من قِبَلِ مستعملِيها، مِمّا يسمحُ بترشيدِ عمليةِ اتخاذِ القراراتِ والمفاضلةِ بين البدائلِ على أسسٍ سليمةٍ وواضحةٍ؛

 مواكبةَ متطلباتِ العولمةِ: استجابةً للتطوُّراتِ التي فرضتْها العولمةُ، تمَّ إنشاءُ منظمةٍ مهنيةٍ تُعنى بالشؤونِ المحاسبيةِ على المستوى الدوليِّ، وهذا للاستفادةِ قَدرَ الإمكانِ من مزايا العولمةِ، والابتعادِ عن شبحِ مخاطرِها الرهيبِ؛

 تلبيةَ المتطلباتِ القانونيةِ: نجدُ أنّ الكثيرَ من الدولِ تنصُّ قوانينُها صراحةً على تطبيقِ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ، ولا خيارَ أمامَ المؤسسةِ إلاّ تطبيقُ القوانينِ؛

 تلبيةَ متطلباتِ المُمولينَ المَحلينَ والدوليينَ خارجَ نطاقِ الحدودِ: تسعى الشركةُ  دائماً لتوسُّعِ وزيادِة نشاطاتِها في الداخلِ أو الخارجِ؛ فهي بذلك تحتاجُ إلى تمويلِ هذه المشاريعِ، ولا يُمكن للمؤسساتِ التمويليةِ أن تقومَ بمنحِ القروضِ إلاّ في ضوءِ دراسةٍ وافيةٍ للقوائمِ الماليةِ للمؤسسةِ التي تحتاجُ إلى التمويلِ، ولا يُمكن القيامُ بهذه الدراسةِ إلاّ في ضوءِ قوائمَ ماليةٍ قد أُعدت وفقاً للمعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ؛

الدخولَ إلى الأسواقِ الماليةِ العالميةِ:تقومُ الشركاتُ بالمنافسةِ للدخولِ إلى الأسواقِ الماليةِ العالَميةِ لإدراجِ أسهُمِها على المستوى الدوليّ وتداولِها بسرعةٍ كبيرةٍ، ولا يُمكن لها تحقيقُ ذلك إلّا بالالتزامِ بشروطٍ مُعيّنةٍ يجبُ التقيدُ بها لإمكانِ السماحِ لها بإدراجِ أسهمِها في هذه الأسواقِ؛

 قابليةَ الفهمِ وإمكانَ وجودِ تصوُّرٍ مُوحَّدٍ ومشتركٍ للقوائمِ الماليةِ: إذ أنّ القوائمَ الماليةَ التي تُعَدُّ على أسسٍ مختلفةٍ لا يُمكن فهمُها، ولا تُساعد على اتخاذِ القراراتِ، وهذا يتنافى مع الهدفِ الرئيسِ من إعدادِ القوائمِ الماليةِ، وهو تزويدُ أصحابِ العلاقةِ بمعلوماتٍ موثوقةٍ وملائمةٍ لمساعدتِهم في اتخاذِ قراراتٍ رشيدةٍ وعقلانيةٍ؛

 إيجادَ أساليبَ موحدةٍ للتعاملِ مع القضايا العالميةِ المشتركةِ:مثلَ أسعارِ صرفِ العُملاتِ؛ فلا يُمكن ترجمةُ القوائمِ الماليةِ بناءً على القوانينِ المحليةِ، والتي تتميّز بالاختلافِ من دولةٍ إلى أُخرى، وبهذا تفقدُ هذه القوائمُ خاصّيةَ المقارنةِ.

3- مُحدِّداتُ تطبيقِ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ: لقد نشأت المعاييرُ المحاسبيةُ الدوليةُ وتطوَّرت في البيئةِ المتقدمةِ وتأثَّرت بوجهَتي النظرِ الأمريكية والبريطانيةِ باعتبارهِما السباقتانِ لإعدادِ المعاييرِ، وهذا يحوُل دونَ تطبيقِ هذه المعاييرِ من قِبل الدولِ المتخلفةِ؛ فيوجدُ العديدُ من المحدداتِ التي تحدُّ من توحيدِ الممارساتِ المحاسبيةِ بين مختلفِ الدولِ نذكرُ من بينها[7]:

-   عدمَ إمكانِ تطبيقِ المعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ بالكاملِ على المستوى الدوليِّ لاختلافِ البيئةِ والثقافةِ التي نشأت فيها المعاييرُ، وهذان المتغيِّرانِ تمَّ أخذُهما بعينِ الاعتبارِ عند إعدادِ المعاييرِ المحاسبية.

-   الإبقاءَ على كثيرٍ من البدائلِ المحاسبيةِ؛ حيث تنصُّ المعاييرُ على وجودِ بديلٍ مرجعيٍّ وبدائلَ أُخرى يُمكنُ اعتمادُها، وهذا يُوجِدُ مشكلَ الاختلافِ في النتائج المتوصَّلِ إليها عند اعتمادِ طُرقٍ مختلفةٍ؛ مثل طرقِ تقييمِ المخزونِ المذكورةِ في IAS 2وأساليبِ الاهتلاكِ في IAS 16.

-   إنّ المعاييرَ المحاسبيةَ الدوليةَ دائمةُ التغييرِ؛ وذلك بسببِ التفسيراتِ التي تصدُر عن لجنةِ التفسيراتِ، بالإضافة إلى التعديلاتِ التي تطرأُ على المعاييرِ.

-   اختلافَ مستوى التعليمِ بين الدولِ المطبِّقةِ للمعايير؛ ففي حين لا يكون الأمرُ صعباً للمطبِّقينَ في الدولِ المتقدمة لفهمِ المعاييرِ، يكون الأمرُ غايةً في الصعوبةِ، ويتطلَّب وقتاً وجهداً بالنسبةِ للدولِ المتخلفةِ. 

ومن بينِ أهمِّ الأسبابِ التي تَحولُ دونَ تطبيقِ المؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ للمعاييرِ المحاسبيةِ الدوليةِ هو عدمُ تطرُّقِها إلى الجوانبِ الخاصّةِ بِها؛ نظراً لمميِّزاتِ الممارساتِ الماليةِ والمحاسبيةِ فيها، التي تستوجبُ إصدارَ معاييرَ خاصَّةٍ بها.

المحورُ الثاني:  المعاييرُ المحاسبيةُ الإسلاميةُ

تتميَّزُ المؤسساتُ الماليةُ الإسلاميةُ بالخصوصيةِ في اعتمادِها في الأساسِ على تطبيقِ تعاليمِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وبما أنّ المحاسبةَ تهتمُّ بتسجيلِ الممارساتِ الماليةِ التي تقومُ بها بهدفِ عرضِها وتقديمِ المعلوماتِ الكافيةِ لمستخدمي قوائمِها الماليةِ؛ فيجبُ أن تُبيِّنَ هذه القوائمُ الماليةُ أنّ كلَّ المعاملاتِ التي تقومُ بها هذه المؤسساتُ الماليةُ مطابقةً للشريعةِ الإسلاميةِ.

1- تعريفُ المحاسبةِ الإسلاميةِ:

تُعرَّفُ المحاسبةُ في الفكرِ الإسلاميّ ب:أنها أحدُ فروعِ علمِ كتابةِ الأموالِ الذي يتعلَّقُ بِعَدِّ وإحصاءِ، وإثباتِ العملياتِ والتصرفاتِ المختلفةِ، وقياسِها والإفصاحِ عنها؛ بهدفِ المساعدةِ في المسائلةِ والمناقشةِ والجزاءِ، واتخاذِ القراراتِ[8].

ويُمكنُ تعريفُها على أنها: تطبيقٌ لمفهومِ وأسسِ المحاسبةِ في الإسلامِ في مجالِ الأنشطةِ المختلفةِ للمؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ؛ بهدفِ تقديمِ معلوماتٍ وإرشاداتٍ وتوجيهاتٍ تساعدُ في اتخاذِ القرارِ. 

يعتقدُ كثيرٌ من المحاسبينَ مِمَّن يعملونَ في البنوكِ التقليديةِ أو مِمّن يعملونَ في المجالِ الأكاديميِّ في المعاهدِ والجامعاتِ أنّه لا فرقَ بين المحاسبةِ في المصارفِ الإسلاميةِ والمحاسبةِ في البنوكِ التقليديةِ وفقاً للفكرِ الوضعيِّ فحسب د "حسين شحاتة" يُمكن توضيحُ كيف تختلفُ ذاتيةُ المحاسبةِ في المصارفِ الإسلاميةِ عن محاسبةِ البنوكِ التقليديةِ وذلك على النحْو التالي[9]:

-تستمدُ المحاسبةُ الإسلاميةُ أسسَها الأصوليةَ الرئيسةَ من القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويةِ الشريفةِ ومن القواعدِ الفقهيةِ وليس من الفِكر الوضعيِّ كما هي الحال في محاسبةِ البنوكِ التقليديةِ؛ ولذلك تتَّسِمُ هذه القواعدُ بالثباتِ والموضوعيةِ وعدمِ قابليتِها للتغيُّر؛ ولذلك فهي صالحةٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، وتأسيساً على ذلك: لا يجوزُ لأيِّ مُحاسبٍ، أو لأيِّ  فريقٍ من المحاسبينَ أن يُعدِّلوا، أو أنْ يُهمِلوا أيَّ أساسٍ محاسبيٍّ مستنبَطٍ من القرآنِ والسُّنّةِ، وينحصرُ مجالُ الاجتهادِ في الطرقِ والأساليبِ والإجراءاتِ المحاسبيةِ والتي ربّما تتشابهُ مع المطبَّقِ في البنوكِ التقليديةِ؛

-ترتكزُ المحاسبةُ الإسلاميةُ على العقيدةِ القويةِ والإيمانِ الراسخِ باللهِ تعالى ربَّاً، وبالإسلامِ دِيناً، وبِمحمَّدٍ- صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ- نبيّاً ورَسولاً، وعلى المحاسبِ الذي يقومُ بعملياتِ المحاسبةِ المختلفةِ أنْ يُدِركَ تماماً بأنّ المالَ الذي يُحاسبُ عليه مالُ اللهِ تعالى، وقد أمرهُ اللهُ أن يُسجِّلَ حركتَه من دَخْلٍ وصَرفٍ في ضوءِ شرعِ اللهِ عزَّ وجلَّ، كما يُؤمِنُ بأنّ اللهَ سوفَ يُحاسِبُه يومَ القيامةِ عن مدى قيامِه بهذا على الوجهِ الأكملِ. كما يعتقدُ بأنّ اللهَ يُراقِبُه في عملِه، وعنِ المعلوماتِ التي يُقدِّمُها لِمَن يَهمُّه الأمرُ،  وعليه يجبُ أن يكونَ المحاسِبُ مُلمّاً بأحكامِ ومبادئِ الشريعةِ الإسلاميةِ مُؤمِناً بها؛ حتّى يكونَ قادِراً على نشرِ القِيَمِ الإيمانيةِ، وأن يكونَ مُلتزِماً بذلكَ قولاً وعملاً لا يخشى في الحقِّ لومةَ لائمٍ، وهذا الأمرُ لا يكونَ أساسياً في محاسبةِ البنوكِ التقليديةِ؛

-ترتكزُ المحاسبةُ الإسلاميةُ على القِيمِ الأخلاقيةِ؛ فيجبُ أن يتَّصِفَ المحاسبُ الذي يتولّى القيامَ بالعملياتِ المحاسبيةِ في المصرفِ الإسلاميِّ بالأمانةِ، والصدقِ، والحَيدةِ، والعدلِ، والكفاءةِ وغير ذلك من الأخلاقِ، حتّى يطمئنَّ كُلٌّ مِن المستخلفِ على المالِ ومَن يتعاملونَ معه إلى سلامةِ ودقَّةِ المعلوماتش التي يُقدِّمُها لهم؛

-تأسيساً على الخصائصِ السابقةِ، تتعلّقُ محاسبةُ المصارفِ الإسلاميةِ بالعملياتِ الماليةِ المشروعةِ؛ فأيُّ عمليةٍ غيرِ مشروعةٍ ليس لها مجالٌ، ويجبُ على المحاسبِ أن يعدَّ بها تقريراً يُقدَّمُ إلى المسئولينَ حتّى يسألَ المسؤول عن هذه العمليةِ حتى يُمكن تفاديها في المستقبلِ، وهذه الخاصيةُ منطلقةٌ من قاعدة أنّ مجالاتِ المعاملاتِ في الإسلامِ تتعلّقُ بالحلالِ و بالطيباتِ، وتتجنبَ الحرامَ والخبائثَ، أمّا المحاسبةُ في البنوكِ التقليديةِ فهي تتعلّقُ بالحلالِ والحرامِ وبالطِّيِّبِ والخبيثِ؛

-يُعتبَرُ المحاسبُ مسئولاً مع أجهزةِ الرقابةِ الأُخرى أمامَ المجتمعِ والأمَّةِ الإسلاميةِ عن مدى التزامِ المؤسسةِ الماليةِ الإسلامية بأحكامِ ومبادئِ الشريعةِ الإسلاميةِ فيما يتعلَّقُ بجانبِ المعاملاتِ؛ وعليه يجبُ أن يتضمَّنَ تقريرهُ ـ سواء في ذلك المقدَّمُ للمستوياتِ الإداريةِ أو الجهاتِ الخارجيةِ المعنيةِ معلوماتٍ عن المخالفاتِ الشرعيةِ وأسبابِها، والتناقضاتِ بين الشريعةِ والتطبيقِ العمليِّ إن وُجِدَت، وهذا الأمرُ غيرُ واردٍ على الإطلاقِ في البنوكِ التقليديةِ حيث تطبَّقُ القوانينُ الوضعيةُ؛

-يُعتبَرُ المحاسبُ مسئولاً أمامَ المجتمعِ والأمّةِ الإسلاميةِ عن مدى تحقيقِ المؤسسةِ الماليةِ الإسلاميةِ للأهدافِ الاجتماعيةِ، وهذا ما يُطلقُ عليه اصطلاحُ المسئوليةِ الاجتماعيةِ، وعليه أن يُعِدَّ تقاريرَ محاسبيةً تتضمَّنُ معلوماتٍ عن تقويمِ المؤسسةِ الماليةِ الإسلاميةِ في ذلكِ وأسبابِه وأُسسِ علاجِ القصورِ وتنميةِ الإيجابياتِ وقد ظهرَ هذا الاتجاهُ حديثاً في علمِ المحاسبةِ في البنوكِ التقليديةِ؛

-يهتمُّ المحاسبُ في المؤسسةِ الماليةِ الإسلاميةِ بالنواحي السلوكيةِ للعنصرِ البشريِّ العاملِ فيه ويعني ذلك أن يُؤخَذَ في الاعتبارِ عندَ تصميمِ النظمِ المحاسبيةِ، ووضعِ مؤشراتِ تقويمِ الأداءِ لتحفيزِ العنصرِ البشري مادياً ومعنوياً، وإن كان ذلك ليس مِن اختصاصِ المحاسبِ وحدَه؛ إذ أنّه مشاركٌ فيه بدَورٍ ما.

2- فروضُ ومبادئُ المحاسبةِ الإسلاميةِ:

تقومُ المحاسبةُ الإسلاميةُ على مجموعةٍ من الفرْضياتِ والمبادئِ المحاسبيةِ؛ حيث أنّ الفرْضيةَ هي أمرٌ بديهيٌّ لا يحتاجُ إلى إثباتٍ، وهذه الفرضياتُ مسلماتٌ لا يستقيمُ العملُ المحاسبيُّ بدونِها، وهذه الفرْضياتُ هي:[10]

الموضوعيةُ:يُقصَدُ بها ضرورةُ الاعتمادِ على قرائنَ موضوعيةٍ في إثباتِ العملياتِ الماليةِ؛  ليتمَّ تسجيلُ هذه العملياتِ بِمَوجبِ تلك القرائنِ، وعدمِ التحيُّزِ في التسجيلِ وتُعتبَرُ المستنداتُ من أهمِّ القرائنِ الموضوعيةِ،  هذه الفرْضيةُ تتوافقُ مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وقد سبقَ الإسلامُ الحنيفُ النُّظمَ الاقتصاديةَ الأُخرى بالتأكيدِ على أهميةِ الكتابةِ ودورِها في إثباتِ الحقوقِ؛

الشخصيةُ المعنويةُ:أي أنّ للمنشأةِ شخصيةً اعتباريةً مستقلةً عن أصحابِها؛  مِمّا يجعلُها تملكُ أصولَها وتلتزمُ بأداءِ ما عليها،  وهذا أيضاً لا يتعارضُ مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ طالما أنّ أصحابَ  المؤسسةِ  (الأشخاصَ الطبيعيينَ) يتحملُّون نتائجَ الأعمالِ في نهايةِ الأمرِ؛ سواءٌ كانت غُنماً أو غُرماً؛

الدوريةُ:يُقصَدُ بها وجوبُ قياسِ نتائجِ  المؤسسةِ،  وبيانُ مركزِها الماليِّ بشكلٍّ دوريٍّ(كُلَّ سَنةٍ، أو كُلَّ سِتّةِ أشُهرٍ...)،  وهذا لا يتعارضُ مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ؛ بل هو أمرٌ مندوبٌ لما فيه من تحقيقِ مصالِح الأطرافِ المختلفةِ،  ومرونةٌ في التعاملِ مع الأشكالِ القانونيةِ المختلفةِ للمؤسساتِ الاقتصاديةِ الحديثةِ؛

الاستمراريةُ:أي أنّ الأصلَ استمرارُ المؤسسةِ في أعمالِها وأداءِ وظائفِها ما لم تظهرْ قرينةٌ موضوعيةٌ تُشير إلى خلافِ ذلك،  والشريعةُ الإسلاميةُ تُقِرُّ ذلك طالَما أنّ هذا لا يَضرُّ بأحدٍ؛ بل أوجدَ الفقهاءُ ما يُسمَّى بالتنضيضِ الحُكميِّ في بعضِ أنواعِ الشركاتِ للتعاملِ مع استمراريةِ  المؤسسةِ ؛

التوازنُ المحاسبيُّ:وتقومُ على وجوبِ توازنِ جانبَي القيدِ( الجانبِ الدائنِ والجانب المَدين)،  عند تسجيلِ العملياتِ الماليةِ، وهذا ما يُسمّى بالقيدِ المزدوجِ،  إنّ هذه الفرْضيةَ تُساعدُ في التأكُّدِ من دِقَّةِ العملياتِ المحاسبيةِ، واكتشافِ الأخطاءِ، و المحافظةِ على حقوقِ أصحابِ المشروعِ والمتعامِلينَ معه،  وهذا أمرٌ مندوبٌ إليه في الإسلامِ الحنيفِ.

   وتُعرَّفُ المبادئُ المحاسبيةُ على: أنّها فرْضياتٌ على درجةٍ عاليةٍ من الصحةِ،  والمبادئ المحاسبيةِ المتعارَفِ عليها، والمقبولة قبولاً عامّاً،  هي مبادئُ يقبلُها المحاسبونَ جميعاً، ويُطبِّقونَها كما يجبُ لإعدادِ الحساباتِ الختاميةِ والقوائمِ المالية ِالمعبِّرةِ بحقٍّ عن مركزِ المؤسسةِ الماليِّ،  وهذه المبادئُ هي:[11]

الحِيطةُ والحذَرُ:وهو مبدأٌ يعني: تأجيلَ الاعترافِ بالأرباحِ إلى حين تحقُّقِها فعلاً،  واعتبارَ الخسائرِ المتوقَّعةِ إلى حين ثبوتِ العكس؛  فالمحاسبةُ في الإسلامِ قد تأخُذُ بهذا المبدأِ دونَ المبالغةِ فيه، أو الإضرارِ بأحدِ الشركاء؛  فهي تأخذُ الأرباحَ غيرَ المحقَّقةِ بالاعتبارِ في حالةِ التنضيضِ الحُكميِّ بشرطِ أن يكونَ هذا التنضيضُ مبنياً على واقعٍ قويٍّ،  والمحاسبةُ في الإسلامِ تلتقي في النهايةِ مع المحاسبةِ العصريةِ عند تأكُّدِ الأحداثِ؛ فالأرباحُ التي لم يتمّ أخذُها بالاعتبارِ إلى حين تحقُّقِها تُؤخَذُ بالاعتبارِ عند تحقُّقِها فِعلاً،  والأرباح التي تمَّ أخذُها بالاعتبارِ عند التنضيضِ الحُكميِّ قد تُعادُ أو يُعادُ النظرُ فيها عند التنضيضِ الفعليِّ حسبَ الاتفاقِ ونوعِ الشركةِ وطريقةِ توزيعِ الأرباحِ؛

القياسُ الكَمِّيُّ:أي التعبيرُ عن العملياتِ الماليةِ بالوحداتِ النقديةِ على أن تتَّصِفَ وحدةُ القياسِ بالدِّقَّةِ والموثوقيةِ،  وهذا لا يتعارضُ مع الأحكامِ الشرعيةِ؛

المقابلةُ:ويعني هذا المبدأُ ربطَ الإيراداتِ بالنفقاتِ التي تمَّ إنفاقُها في سبيلِ تحقيقِ تلك الإيراداتِ لمعرفةِ صافي ربحِ  المؤسسةِ ،  ويُواجِه المحاسِبونَ صعوباتٍ جمَّةً في تطبيقِ هذا المبدأِ خاصّةً عند تحديدِ الإيراداتِ والمصروفاتِ التي تخصُّ الفترةَ المحاسبيةَ،  ويستخدمُ المحاسِبونَ الأساسَ النقديَ أو أساسَ الاستحقاقِ في قيدِ العمليةِ الماليةِ في إطارِ هذا المبدأِ؛  فتطبيقُ هذا المبدأِ المحاسبِ في الإسلامِ الحنيفِ يعتمدُ على مدى تحقيقِ العدالةِ من خلاله،  وبما لا يتعارضُ مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ خاصَّةً في حالةِ شركاتِ الأشخاصِ، أو شركاتِ المساهمةِ العصريةِ؛

الأهميةُ النسبيةُ:ويعني التركيزَ على العناصرِ أو البنودِ حسبَ أهميّتِها(حجمِها)؛  فيجب الإفصاحُ عن عناصرِ المعلوماتِ في القوائمِ الماليةِ في مجموعاتٍ طبقاً لحجمِ أو قيمةِ البندِ،  وهذا أمرٌ منطقيٌّ وفيه تحقيقٌ للمصلحةِ، ولا يتعارضُ مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ؛ خاصّة وأنّه لا يعني بالضرورةِ إهمالَ العناصرِ ذاتِ الحجمِ الأصغرِ؛ بل إيلاءَ اهتمامٍ أكبرَ للعناصرِ ذاتِ الحجمِ المهمِّ؛

الإفصاحُ: ويعني إظهارَ ونشرَ جميعِ المعلوماتِ بشكلٍ يجعلُ القوائمَ الماليةَ غيرَ مُضلِّلةٍ للمُستفيدينَ منها،  وهو باختصارٍ: الصدقُ في إعطاءِ المعلوماتِ عن المركزِ الماليِّ للمنشأةِ، وكُلُّنا يعرفُ عِقابَ الكذَّابِ، وجزاءَ الصادقينَ في الإسلامِ الحنيفِ؛

الثباتُ:أي استخدامُ الطُرقِ والإجراءاتِ المحاسبيةِ الصحيحةِ نفسِها أثناءَ الفتراتِ المحاسبيةِ المختلفةِ، ويجبُ الإفصاحُ عن أيّ تغييرٍ في هذه الطرقِ والإجراءاتِ في ملاحقَ للقوائمِ الماليةِ؛ مع بيانِ أثرِه على هذه القوائمِ، هذا المبدأُ يضمنُ تحقيقَ العدالةِ والفعاليةِ في المراقبةِ والمقارنةِ؛ الأمرُ الذي يتَّفِقُ مع مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ الغرّاء؛

التكلفةُ التاريخيةُ:أي قياسُ الأصولِ بالمبالغِ التي دفعتْها المؤسسةُ فِعلاً للحصولِ على هذه الأصولِ، وبالقِيمِ المثبتةِ فِعلاً في المستنداتِ المتعلِّقةِ بالحصولِ على هذه الأصولِ،  إذا كان المشروعُ فردياً فلا مانعَ شرعاً من تطبيقِ هذا المبدأِ بشرطِ إعدادِ قوائمَ ماليةٍ تعتمدُ على القيمةِ السوقيةِ للأصولِ من أجلِ احتسابِ زكاةِ أموالِ الشخصِ،  أمّا إذا كان هنالك شركاءُ غيرُ دائمينَ في المشروعِ فيجبُ إعدادُ بياناتٍ ماليةٍ بالقيمةٍ الجاريةِ لاحتسابِ حقوقِ جميعِ الأطرافِ إضافةً إلى الزكاةِ حسبَ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ،  وإن كان هذا لا يمنعُ من إعدادِ بياناتٍ أُخرى تعتمدُ على التكلفةِ التاريخيةِ.

من خلالِ خصائصِ المحاسبةِ التي أعدَّها الدكتور "حسين حسين شحاتة" نستنتجُ أنّ المحاسبةَ الإسلاميةَ تقومُ بالأساسِ على تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وتقومُ أيضاً على الجانبِ الأخلاقيِّ، ومن ثَمّ يضمنُ أنّ المحاسبةَ حقَّقتْ هدَفها.

3- أهدافُ المحاسبةِ الإسلاميةِ:

تهدفُ المحاسبةُ الإسلاميةُ إلى تحديدِ نوعيةِ وطبيعةِ المعلوماتِ التي يجبُ أن تتضمَّنها التقاريرُ الماليةُ؛ لكي تساعدَ مُستخدِمي هذه المعلوماتِ في اتخاذِ القراراتِ الاقتصاديةِ، وكلُّ هذا في ظلِّ الشريعةِ الإسلاميةِ، وتتمثَّلُ هذه الأهدافُ في ما يلي[12]:

-تحديدِ حقوقِ والتزاماتِ الأطرافِ كافّةً ذاتِ العلاقةِ بِمُقتضى أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ؛

-الإسهامِ في توفيرِ الحمايةِ لموجوداتِ وحقوقِ المؤسسةِ وحقوقِ الأطرافِ المختلفةِ؛

-الإسهامِ في رفعِ الكفاءةِ الاداريةِ والإنتاجيةِ وتشجيعِ الالتزامِ بالسياساتِ والأهدافِ الموضوعيةِ، وتشجيعِ الالتزامِ بالشريعةِ الاسلاميةِ في الأنشطةِ والمعاملاتِ جميعِها؛

-تقديمِ معلوماتٍ مفيدةٍ من خلالِ التقاريرِ الماليةِ لِمُستخدمي هذه التقاريرِ بما يُمكِّنُهم مِن اتحاذِ قراراتِهم  المشروعةِ في تعامُلِهم مع المؤسساتِ؛

كما وُضِعَت مجموعةٌ من الأهدافِ للتقاريرِ الماليةِ التي تعدُّها المؤسساتُ الماليةُ الإسلاميةُ نذكُر منها التالي:

تقديمَ معلوماتٍ عن حجمِ وتوقيتِ التدفقاتِ النقديةِ المتوقَّعةِ لمساعدةِ حملَة الأسهُم على اتخاذِ قرارِ الشراءِ، أو البيعِ، أو الاحتفاظِ؛

تقديمَ معلوماتٍ عن نتائجِ الوكالةِ الإداريةِ، أو محاسبةِ الإدارةِ عن المواردِ التي أُوكِلَت إليها؛

تقديمَ المعلوماتِ التي تساعدِ على التحقيقِ من التزامِ المؤسسةِ بالشريعةِ، والعملِ وفقَ الأهدافِ والقِيم الإسلاميةِ؛

تقديمَ معلوماتٍ تساعدُ الجهةَ المُختصَّةَ على تحديدِ الزكاةِ الواجبةِ في أموالِ المؤسسةِ الماليةِ الإسلاميةِ وأوجُهِ صرفِها؛

-   تقديمَ معلوماتٍ عن أداءِ المؤسسةِ لمسؤولياتِها تُجاهَ المجتمعِ؛

-   تقديمَ معلوماتٍ عن المواردِ الاقتصاديةِ للمؤسسةِ والالتزاماتِ الناشئةِ عن هذه المواردِ. 

4- خصائصُ القياسِ والإفصاحِ في المحاسبةِ الإسلاميةِ[13]:

         انطلاقاً من أهدافِ المحاسبةِ الإسلاميةِ- السالفةِ الذكرِ- والتي تنصُّ على ضرورة تقديرِ تعاليمِ الشريعةِ الإسلاميةِ والأخذِ بها، وبما أنّ القياسَ هو الأداةُ المستخدمةُ في تحديدِ المعلومات الواجبِ الإفصاحُ عنها، فيجبُ بالضرورةِ أن تكونَ هذا الأداةُ موافقةً للشرعِ.

         إنّ القياسَ في مفهومهِ التقليديِّ يستندُ على فرْضيةِ ثباتِ وحدةِ القياسِ، مع التركيزِ على القياسِ النقديِّ، وبالرجوعِ إلى الشرعِ الحنيفِ، نجدُ أنّ هذا المفهومَ لا يُحقِّقُ أهدافَ المحاسبةِ في المؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ؛ فثَباتُ وحدةِ القياسِ لا يتحقَّقُ في فتراتِ التضخُّمِ؛ مِمّا يُؤدّي إلى إظهارِ حقوقِ والتزاماتِ المشروعِ الحجُّةَ في استخدامِ القِيم الجاريةِ هي "الزكاةُ"،  فعندما لا تعكسُ التقاريرُ الماليةُ القيمَ الجاريةَ؛ فإنّ الزكاةَ لن تكونَ حقيقةً، وبالتالي سيخلُّ أصحابُ المشروعِ بأحدِ الفروضِ الخمسةِ للإسلامِ الحنيفِ.

         ولكن تُعتبَرُ القِيمُ الجاريةُ غيرَ ذاتِ فائدةٍ إذا ما تمَّ استخدامُها استخدماً خاطئاً، ومِن ثَمّ فإنّ المحاسبةَ الإسلاميةَ تفترضُ ثباتَ وحدةِ النقدِ، وحجَُّتُها في ذلكَ بأنّ الديونَ تقضى بتماثُلِها في العددِ، ولا يُنظَرُ إلى تغيُّرِ القيمةِ؛ فلا يُزادُ الدَّينُ عند انخفاضِ القوةِ الشرائيةِ حَذراً من الدخول في الرِّبا.

         من جِهةٍ أُخرى وفيما يتعلَّقُ بالتركيزِ القياسُ على وحدةِ النقدِ فإنّ هذا يتعارضُ مع الشرعِ؛ ذلك لأنّ الشريعةَ الإسلاميةَ تُوازِنُ بينَ حقِّ الفردِ في تحقيقِ ربحٍ مناسبٍ، وكذلك استفادةِ المجتمعِ والبيئةِ من هذه الأرباحِ؛ وعليه كان لِزاماً على مؤسساتِ الأعمالِ أن تُحدِّدَ الآثارَ الناجمةَ عن أنشطتِها على البيئةِ والمجتمعِ، وكذلك مساهمتُها في التقليلِ من هذه الآثارِ، وهذا لا يُمكِنُ قياسهُ بشكلٍّ نقديٍّ.

أمّا فيما يخصُّ الإفصاحَ المحاسبيَّ في المؤسساتِ الماليةِ الإسلاميةِ- وبالرجوعِ إلى أهدافِ المحاسبةِ الإسلاميةِ-؛ فإنَّ الإفصاحَ الدقيقَ يستلزمُ موضوعيةً تبتعدُ عن الغِشِّ والتدليسِ والكذبِ، وينمازُ بالصدقِ والعدلِ والمرونة ِوالطُّموحِ والبِرِّ وتقديمِ النُّصحِ. وكذلك بيانِ التأثيراتِ البيئيةِ والاجتماعيةِ لأنشطةِ المنظمةِ، هذا ما تيسَّر جمعهُ و بحثهُ وباللهِ التوفيقُ.   



[1]- شعيب شنوف، الممارسات المحاسبية في الشريكات متعددة الجنسيات والتوحيد المحاسبي العالمي، أطروحة الدكتوراه ، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة الجزائر، 2007، ص 76. 

[2]- طارق عبد العال حماد، دليل استخدام معايير المحاسبة، الجزء الأول، الدار الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2009، ص 25.

*IASC: International Accounting Standard Committee.

[3]- Stéphan Brun،  Les normes comptables internationales،  IAS/IFRS،  Gualino éditeur،  Paris،  2006،  P 21. 

*IAS:International Accounting Standard.

*IASB: International Accounting Standard Board.

*IFRS: International Financial Reporting Standard.

[4]-  Bernard Raffourier،  Les normes comptables internationales(IFRS)،  Ed. economica،  4 édition،  Paris،  2010،  P11.

[5]  - Ibid،  P 10 .

[6]- خالد جمال الجعارات، معايير التقارير المالية الدولية 2007IFRS & IAS ، إثراء لنشر والتوزيع، عمان، 2007،  ص 24-26.  

[7]- خالد جمال الجعارات، مرجع سابق، ص 27-30.

[8]- حسين حسين شحاتة، طبيعة وأسس ومعايير محاسبة المصارف الإسلامية، دورة أساسيات العمل المصرفي، بنك التمويل المصري السعودي، ص 7. 

[9]- المرجع نفسه، ص 8-10.

[10]حسين محمد سمحان،  موسى عمر مبارك،  محاسبة المصارف الإسلامية،  ط2،  عمان،  دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة،  2011،  ص22-23.

[11]حسين محمد سمحان،  موسى عمر مبارك،  المرجع السابق،  ص23-25.

[12]- امراجع غيث سليمان وفرج عبد الرحمن بو مطاري، خصائص وأهداف المحاسبة في المؤسسات المالية الإسلامية من وجهة نظر الأكاديميين في ليبيا، المؤتمر الدولي في فقه المعاملات والاقتصاد والمالية الاسلامية، ماليزيا، 2008، ص 15-16.

[13]- المرجع نفسه، ص 17-18.