العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

ضَرورةُ التوجُّهِ نَحْوَ الاستِثمار في بِنى التكنولوجيا التحتِيَّةِ صِناعَةُ المُبَرمِجينَ في جامِعة أمُّ القُرى - أنمُوذجاً -

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لم نَعهدْ في عالَمنا العربيِّ أنْ أطلقتْ جامِعةٌ عربيَّةٌ مَشروعاً يُحقِّقُ رَبْطاً بينَ الجامِعةِ والمُجتمَعِ؛ لِتؤمِّنَ لِبيئتِها المُحيطةِ فُرصَ عملٍ للشبابِ، ولِتُستثمَرَ في تطويرِ مواردِها البشريةِ بِطريقةٍ مِهنيةٍ عالَميةٍ؛ وكأنَّها تسعى لتغييرِ طبيعةِ القاعدةِ الإنتاجيةِ؛ مِن خِلالِ ترويجِ الاقتِصادِ المَعرفيِّ، وإيجادِ البيئةِ الحاضِنَةِ لهُ.

فقدْ أطلقتْ جامِعةُ أُمِّ القُرى برنامجَ صناعَةِ المُبرمِجينَ، ووضَعتْ له شِعاراً مُميَّزاً: صِناعةُ المُبرمِجينَأقوى مِن صناعةِ البرامجِ؛ لِتدلَّ على اهتِمامِها بالعُنصُرِ البشريِّ بوصْفِه دالَّةَ هذه الصِّناعةِ الخدميةِ، كما ألحقتهُ بعبارةٍ تحفيزيةٍ قالتْ فيها: نَحنُ نَثِقُ بِكَ وبِقُدراتِكَ، ونُعطيكَ الفُرصةَ الكامِلةَ؛ لِتُثبتَ نفسَكَ بالشكلِ الصَّحيحِ. أمَّا مَحاورُ البرنامجِ؛ فهيَ شامِلةٌ واسِعةٌ في الاختِصاصِ تضمُّ أحدثَ التِّقنِياتِ العالَميةِ.

وهذا أمرٌ مُتميِّزٌ لمْ نعهَدْهُ في بيئتِنا العربيةِ، مع أنَّ مُجتمَعاتِنا في حاجةِ ماسَّةٍ إليهِ؛ فقدْ صارتْ نسبةُ البَطالةِ والمُتوقِّفينَ عن العملِ تُمثِّلُ حَيِّزاً كبيراً بينَ الشبابِ الذين يَِغلبُ عليهِمُ التعلُّمُ والثقافةُ، إضافةً لِشَغَفِهِ الاستِهلاكيِّ بالتِّقنِياتِ؛ ولكِنَ دُونَ أنْ يكونَ لهُ دَورٌ فاعِلٌ، و مُؤثِّرٌ فيها.

إنّ صِناعةِ البَرامجِ صِناعةٌ خدميةٌ، والعُنصُرُ البشريُّ فيها يُشكِّلُ الجُزْءَ الأهمَّ، وهي تُناسِبُ البِيئاتِ التي تتوافرُ فيها البِنى التحتيةُ للاتِصالاتِ، ووسائِلِ الدَّفعِ الالكترونيِّ، ومِمّا يُضيفُ للأمرِ الحَيويَّةَ، والقُوَّةَ الدّافِعَةَ المُحفِّزةَ تبنِّي جامِعةٍ عريقةٍ برنامجاً كهذا بأُسُسٍ مِهنيَّةٍ عالَميَّةٍ، مع رَبْطِ مُخرَجاتِه باحتِياجاتِ السُّوقِ المَحلِّيَّةِ والعالَميَّةِ.

ونتطلَّعُ أنْ تَحذُوَ الجامِعاتُ جميعاً حَذْوَ جامِعةِ أُمِّ القُرى للاستِثمارِ في اقتِصادِ المَعرِفةِ؛ فقدْ تطوَّرتْ قواعِدُ المَعرفةِ، وإداراتِها بشكلٍ كبيرٍ وواسِعٍ في الآونةِ الأخيرةِ، ومع أنَّ بعضَ الجامِعاتِ العربيةِ كجامِعةِ دِمَشقَ؛ تقومُ بتدريسِ هذه المَعارفِ المُتطوِّرةِ لِطُلّابها؛ لِكنَّهُم لا يتمكَّنونَ مِن مُتابَعةِ طريقهِم المِهنيِّ بِسَبَبِ صُعوباتٍ مادِّيَّةٍ، ولوجِسْتيَّةٍ. ويُعتبَرُ هذا البرنامجُ مَشروعاً رائِداً، ونقترحُ توسيعَ بيئتِه الحاضِنةِ؛ لِيَشْمَلَ جميع البيئاتِ العربيَّةَ جميعاً؛ لأنَّ التواصُلَ الالكترونيَّ يُحقِّقُ التقارُبَ بينَ المُستهْدَفينَ، وخاصَّةً المُبْتكِرينَ منهم.  وما يُشجِّعُ على تطلُّعٍ كهذا عدَمُ حَصرِ جامِعةِ أُمِّ القُرى البرنامجَ بِطُلّابِها؛ بلْ يشمَلُ المُبَرْمِجِينَ المُهتمِّينَ جميعاً في مُحيطِها، وهذا ما يَجعَلُنا نعتقدُ إمكانَ توسِعَتِه؛ سواءٌ بتنفيذِه افتِراضِيّاً، أو بالتعاونِ مع جامِعاتٍ مَثيلةٍ؛ لِيشملَ الطُّلاَّبَ المُتمَيِّزينَ مِن الدُّولِ العربيةِ، والإسلاميةِ كافَّةً.

إنّ ما يُميِّزُ المَشروعَ مُرونَتهُ؛ فقدْ استهدفَ البرنامجُ المُبرمِجينَ المُتمَيِّزينَ، والمَشاريعَ المُتمَيِّزةَ، إضافةً لِفئةٍ عامَّةٍ تُمنحُ شهاداتٍ مِهنيةً تُساعِدُها في فتحِ طريقها في سُوقِ العَملِ بصُورَةٍ أفضلَ، فكانتِ الفِئاتُ كالتَّالي:

- المُتمَيَّزونَ: يَتمُّ توظِيفُهُم في مَركزِ الأبحاثِ الخاصِّ بمَركزِ الابتِكارِ التِّقنيِّ لِنُظُمِ المَعلوماتِ الجُغرافيَّةِ التابعِ للجامِعةِ، ويَعتمِدُ المَركزُ في عمَلهِ على الجانِبينِ؛ البَحثيِّ والتطبيقيِّ في مَجالِ البَرمَجةِ، وتِقنيةِ المَعلوماتِ.

- المشاريعُ المُتمَيِّزَةُ في البرنامجِ: ويتمُّ دعمُها مادِّياً، وتحويلُها إلى مشاريعَ حقيقيةٍ، وشركاتٍ ناشِئةٍ؛ في حالِ كان المشروعُ قابلاً للتنفيذِ تِجاريَّاً.

- حُصولُ المُتدرِّبُ على شهادةٍ يُمكنُه بها التوجُّهُ لِسُوقِ العَملِ.

أمّا تكامُلُ البرنامجِ مع احتياجاتِ السُّوقِ؛ فنَجِدُهُ بتدريبِ المُتدرِّبينَ على مواضيعِ ريادةِ الأعمالِ، وربْطِها بالأعمالِ البرمَجيَّةِ، إضافةً لِتعليمِهِم دِراسَةَ السُّوقِ، والحصولِ على العُملاءِ وإقناعِهم، وتسويقِ مُنتجاتِهم، وغيرِها مِن الأمورِ المُتنوِّعة وِ المُختلِفة.

إذاً فالمَشروعُ يُحقِّقُ أهدافاً عديدةً؛ فبالإضافةِ للاستِثمارِ في المُبرمِجينَ ومُطوِّريِ البرمجياتِ، فهُو يسعَى إلى:

•      الاستِحواذِ على خَدماتِ أفضلِ المُطوِّرينَ؛ مِن خِلالِ توظيفِهِم في مَركز الابتِكارِ الِّتقنيِّ لِنُظُمِ المَعلوماتِ الجُغرافيةِ، أو في مَعهَدِ الإبْداعِ ورِيادةِ الأعمالِ في جامِعةِ أُمِّ القُرى؛ لِلعَملِ مَع باحِثينَ ومُبرمِجينَ في مَجالاتٍ عديدةٍ مُتقدِّمَةٍ.

•      دعمِ أفضلِ المَشاريعِ البَرمَجيةِ التي سَتُنْتَجُ مِن البرنامجِ؛ بتحْويلِها إلى شركاتٍ ناشئةٍ، ودَعمِها مِن نَواحٍ عَديدةٍ.

•      توفيرِ فُرصةٍ لِلمُجتمَعاتِ الأُخرى؛ مِثلِ الشركاتِ، والجِهاتِ الحُكومِيَّةِ للاستِفادةِ مِن مُخرجاتِ البَرنامجِ؛ مِن خِلالِ الاستِفادةِ مِن قُدراتِ المُتدرِّبينَ؛ لِتوفيرِ فُرَصِ عَمَلٍ مُناسِبةٍ لِخرِّيجي البرنامجِ.

إنّ تمكينَ المُتدرِّبِ لِيَتمَلَّكَ قُدراتٍ حقيقيَّةٍلِلعَملِفي بيئةِ الشركاتِ العالَمِيةِ، والبيئاتِ البَحثيةِ الجامِعيَّةِ في صِناعةِ التطبيقاتِ المُختلفةِ أمرٌ في غايةِ الأهميَّةِ؛ لأنَّه فُرصَةٌ عالَميَّةٌ، فشركاتُ البرمَجةِ الأمريكيةِ العِملاقةِ تُقدِّمُ حوافِزَ مُغريةً لِلمُبرْمِجينَ في أنحاءَشتى مِن العالَمِ. وقد اشتَّدَ الصِّراعُ مُؤخَّراً بينَ هذه الشركاتِ في الهِندِ؛ لأنَّ المُبرمِجينَ يعملونَ بأقلِّ الأُجورِ على مُستوى العالَمِ؛فَسُوقُ خدماتِ الإنترنِت تسمَحُ للشركاتِ إنجازَ أعمالِها عبرَ الإنترنت.ويُعتبَرُ ٧٠٪ مِن مُبرمِجي الكمبيوتر الهنودِ هُمْ مُهنْدِسُو تصميمٍ.وقد اجْتذبَت شركاتُ (مايكروسوفت)و(صن)و(انتل)مِنهُم نَحْوَ ٩٠٠٠ مُصَمِّماً. وقال كبيرُ مُديري التسويقِ في (مايكروسوفت): إنَّ عددَ المُبرمِجينَ في الهندِ هذا العام يتراوحُ بينَ ٥٠٠و٥٥٠ ألفاً، بينما بَلغَ عددُ المُبرمِجينَ في الولاياتِ المُتَّحِدَةِ ٥٥٠ ألفَ مُبرمِجٍ.

إنّ الشركاتِ المَحلِّيةَ في البلادِ العربيةِ المُنتِجَةِ لِلتكنولوجيا ليستْ كثيرةَ العددِ، ولا كثيرةَ العَتادِ، كما أنَّها لا تصِلُ لِحدودِ الشركاتِ المُتوسِّطةِ؛ بلْ يغلبُ عليها طابَعُ شركاتِ الأشخاصِ؛ لِذلكَ سيبْقى نُموُّها مَحدوداً، ومُرتبِطاً بمُؤسِّسيها مِن المُبرمِجينَ، ومَن أرادَ مِنها النَّجاحَ فتراهُ ينتقلُ إلى سُوق دُبيّ بوصْفِه السُّوقَ الأكثرَ انفِتاحاً، أماّ سائِرُ الأسواقِ العربيةِ فتُعاني نقصاً شديداً مِن تلكَ الشركاتِ.

ولعلَّ مِن المُفيدِ ذِكْرُه أنّ شركاتٍ عربيةً مَملوكةً لِرجالِ أعمالٍ شَهيرينَ بدأتْ بالتفكيرِ للاستِثمار فِعلاً في قِطاعِ التكنولوجيا؛ فشَركةُ المَملكةِ القابِضةِ مَثلاً استثمَرت في موقعِ التدوينِ تويتر، وفي الشركةِ الصينيةِ للتجارةِ الإلكترونيةِ،وتنوي الاستِثمارَ في تطبيق (سناب شات SnapChat) وهذا مُؤشِّرٌ جيِّدٌ.

ويبقى الأملُ مَعقوداً بأنْ تكونَ حِصَّةُ قِطاعِ الاستِثماراتِ العربيةِ والإسلاميةِ كبيرةً في مَجال التكنولوجيا؛ وذلكَ بالتَّوجِّهِ نَحْوَ بناءِ شركاتٍ مَحليَّةٍ مُتوسِّطةٍ وكبيرةِ الحَجْمِ تكونُ مُنتِجَةً للبَرمَجياتِ، ولِمُكوِّناتِ الأجهزةِ المُختلِفةِ، واللهُ مِن وراءِ القصدِ.

حماة (حَماها اللهُ)

الأربعاء24 مِن رَجَب الفرْد1436 مِن الهِجْرةِ النَّبويَّةِ، المُوافِق13  مِن حُزيران-٢٠١٥مِن الميلادِ.