العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مُعوِّقَاتُ النَّشَاطِ المَصرِفِي الإِسلاميِّ

د. السبتي وسيلة

أستاذ مساعد

السبتي لطيفة

استاذة باحثة في الدكتوراه، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة محمد خيضر بسكرة

تَقومُ المَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ بِالابتِعَادِ عَن شُبهةِ الرِّبَا فِي المُعَامَلاتِ المَصرِفِيَّةِ كافَّةً  التِّي تَقُومُ بِها، مُعتمِدَةً مَبدَأَ المُشَارَكَةِ فِي الرِّبحِ، وَبِذَلِكَ يُصبِحُ العَميلُ شَرِيكَاً فِي النِّظَامِ المَصرِفِيِّ الإِسلَامِيِّ، لَا دَائِناً كَما هُي الحَالُ فِي المَصَارِفِ التَّقلِيدِيَّةِ ذَاتِ الجُّذورِ المُتَأَصِّلَةِ فِي البُلدَانِ الغَربِيَّةِ، وَالعَرَبِيَّةِ عَلى حَدٍّ سَواء، وَهُو مَا يَجعَلُ المَصَارِفَ الإِسلَامِيَّةَ تُوَاجِهُ بَعضَ المَصَاعِبِ فِي أَدَاءِ نَشَاطِهَا، سَوَاءً لِعَادَةِ الأَفرَادِ التَّعَامُلَ مَعَ البِنُوكِ الرَّبَوِيَّةِ، أَو مِن حَيثُ المُنَافَسَةُ أَو وُجودُها فِي أَمَاكِنَ غَيرِ إِسلَامِيَّةٍ.

عَلى غِرَارِ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ أَزمَةَ سبتمبر (٢٠٠٨م) أَثبَتَت نَجَاعَةَ التَّمويلِ المَصرِفِيِّ الإِسلَامِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ الأَزمَةِ لِابتِعَادِهِ عَن الفَائِدَةِ وَالرِّبَا وَهُو مَا جَعَلَنا اليَومَ نَبحَثُ فِي عَوَائِقِ هَذا التَّمويلِ؛ لِمُحَاوَلَةِ تَذلِيلِهَا، وَتَشجِيعِ هَذا النَّوعِ مِنَ التَّمويلِ.

أَهَميِّةُ البَحثِ وَأهدَافُهُ: تَكْمُنُ أَهَميِّةُ هَذا البَحثِ فِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَوضُوعَاً حَيَوِيَّاً حَديثَاً لَهُ عَلَاقَةٌ بِالأَزمَةِ المَالِيَّةِ الرَّاهِنَةِ؛ فَالمَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ رَغمَ طَبيعَتِهَا المُتَمَيِّزَةِ، وَحَدَاثَةِ نَشأَتِهَا استَطَاعتِ الصُّمُودَ فِي وَجْهِ هَذِهِ الأَزمَةِ. وَيَهدِفُ هَذا البَحثُ إِلى دِرَاسَةِ، وَتَحلِيلِ العَوائِقِ الَّتي تَعتَرِضُ البُنُوكَ الإِسلَامِيَّةَ فِي أَدَاءِ نَشَاطِهَا.

مُشكِلَةُ البَحثِ: فِي ظِلِّ الأَزمَةِ المَالِيَّةِ الرَّاهِنَةِ الَّتي عَرَفَتْ فِيها المَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ نَوعَاً مِنَ الاِستِقرَارِ عَلى خِلَافِ المُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ الأُخْرى كَانَ لِزَاماً عَلينا بَحثُ هَذا النَّوعِ مِنَ التَّمويلِ، وَدِرَاسَةُ، وَتَحلِيلُ المَشَاكِلِ وَالصُّعُوبَاتِ الَّتي يُوَاجِهُهَا، وَمُحَاوَلَةُ اقتِرَاحِ بَعضِ الحِلولِ، أَو البَدَائِلِ لِضَمَانِ حُسنِ أَدَائِهَا.

وَعَليهِ يُمكِنُ مِن خِلَالِ هَذا المَدخِلِ البَسيطِ صِيَاغَةُ مُشكِلَةِ البَحثِ فِي السُّؤَالِ التَّالِي: مَا المَصَاعِبُ الَّتي تُعِيقُ المَصَارِفَ الإِسلَامِيَّةَ فِي أَدَاءِ نَشَاطِهَا؟

يُمْكِنُ أَن نُدرِجَ حَملَةً مِنَ الأَسئِلَةِ الفِرعِيَّةِ تَتَمَثَّلُ فِيمَا يَلي: مَا خَصَائِصُ، وَمُمَيِّزَاتُ التَّمويلِ المَصرِفِيِّ الإِسلَامِيِّ؟ وَكَيفَ حَافَظَتْ المَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ عَلى استقرَارِهَا فِي ظِلِّ الأَزمَةِ؟ وَمَا المَظَاهِرُ، وَالأَسبَابُ الظَّاهِرِيَّةُ، وَالبَاطِنِيَّةُ لِلأَزمَةِ المَالِيَّةِ؟ وَمَا المَصَاعِبُ الَّتي تُوَاجِهُهَا المَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ المَوجُودَةُ فِي بُلدَانٍ غَيرِ إِسلَامِيَّةٍ؟

فَرَضِيَّاتُ البَحثِ: تَنطَلِقُ هَذِهِ المَقَالَةُ مِنَ الفَرْضِيَّاتِ التَّالِيةِ:

1.            تَبتَعِدُ المَصارِفُ الإِسلَامِيَّةُ عَن شُبهةِ الرِّبَا فِي أَدَاءِ الخَدَمَاتِ المَصرِفِيَّةِ، وَالَّتي تُعتَبَرُ أَحَدَ أَسبَابِ الأَزمَةِ.

2.            تُوَاجِهُ المَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ عَوَائِقَ فِي أَدَاءِ نَشَاطِهَا فِي ظِلِّ وُجُودِهَا فِي دُوَلٍ غَيرِ إِسلَامِيَّةٍ.

3.            أَدَوَاتُ التَّمويلِ المُستَعمَلَةِ فِي المَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ مَكَّنَتها مِن مُوَاجَهَةِ الأَزمَةِ.

مَنهَجِيَّةُ البَحثِ: تَعتَمِدُ هَذِهِ المَقَالَةُ عَلى المَنهَجِ الوَصفِيِّ، بِالإِضَافَةِ إِلى المَنهَجِ الاستِنبَاطِيِّ التَّحلِيلِيِّ؛ لِتَحقيقِ الأَهدافِ المُشَارِ إِليها مُبرِزَةً أَهَمَّ المَصَاعِبَ الَّتي تُوَاجِهُ المَصَارِفَ الإِسلامِيَّةَ، وَسُبُلِ عِلَاجِهَا.

خِطَّةُ البَحثِ: حَتَّى يُمْكِنَ استِيفَاءُ جَوَانِب هَذا المَوضُوعِ بِالدِّرَاسَةِ وَالتَّحلِيلِ، حَاوَلنا مِن خِلَالِ هَذِهِ المَقَالَةِ تَقسِيمَهُ كَما يَلي:

1.            الطَّبِيعَةُ المُمَيَّزَةُ لِلمَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ، وَمَفهُومِهَا.

2.            الأَزمَةُ المَالِيَّةُ: الأَسبَابُ الظَّاهِرِيَّةُ وَالبَاطِنِيَّةُ، وَمَدى تَأثِيرِهَا عَلى التَّمويلِ المَصرِفِيِّ الإِسلَامِيِّ.

3.            مَصَاعِبُ العَمَلِ المَصرِفِيِّ الإِسلَامِيِّ.

المَبحَثُ الأَوَّلُ: الطَّبِيعَةُ المُمَيِّزَةُ لِلمَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ وَمَفهُومِهَا:

البَنكُ هُوَ المُنشَأَةُ المَالِيَّةُ الَّتي تَقُومُ بِدَورِ الوَسِيطِ بَينَ رُؤوسِ الأَموالِ الَّتي تَسعى لِلبَحثِ عَن الاستِثمارَاتِ، وَبَينَ الاستِثمارَات الَّتي تَسعى لِلحُصولِ عَلى المَالِ الَّلازِمِ لَها، وَتَختَلِفُ أَعمَالُ هَذِهِ المُنشَآَتِ حَسَبَ الأَغرَاضِ الَّتي أُنشِئَتْ مِن أَجلِهَا. وَالبَنكُ الإِسلَامِيُّ هُوَ بُنيَانٌ اقتِصَادِيٌّ، وَاجتِمَاعِيٌّ يَمتَزِجُ فِيهِ الفِكرُ الإِسلَامِيُّ الاستِثمارِيُّ بِالمالِ الَّذي يَبحَثُ صَاحِبُهُ عَن رِبحٍ حَلَالٍ لِتَخرجَ مِنهُ قَنَوَاتٌ تُجَسِّدُ الأُسُسَ الجَّوهَرِيَّةَ لِلاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ.

المَطلَبُ الأَوَّلُ: مَفهومُ البِنُوكِ الإسلَامِيَّةِ

يُعَرَّفُ البَنكُ الإِسلَامِيُّ عَلى أَنَّهُ: «المُؤَسَّسَةُ المَالِيَّةُ الإِسلَامِيَّةُ الَّتي تَقُومُ بِتَجميعِ الأَعمالِ المَصرِفِيَّةِ، وَالمَالِيَّةِ، وَالتِّجَارِيَّةِ، وَأَعمَالِ الاستِثمَارِ، وَإِنشَاءِ المَشرُوعَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ، وَالتَّنمِيَةِ الاقتِصَادِيَّةِ، وُالعُمرَانِ، وَالمُسَاهَمَةِ فِيها فِي الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ»1. كَما تُعَرَّفُ بِأَنَّها: «مُؤَسَّسَةٌ مَصرِفِيَّةٌ هَدَفُهَا تَجمِيعُ الأَموَالِ، وَالمُدَّخَرَاتِ مِن كُلِّ مَن لَا يَرغَبُ فِي التَّعَامُلِ بِالرِّبَا (الفَائِدَة)، ثُمَّ العَمَلُ عَلى تَوظِيفِهَا فِي مَجَالَاتِ النَّشَاطِ الاقتِصَادِيِّ المُختَلِفَةِ، وَكَذَلِكَ تَوفِيرُ الخَدَمَاتِ المَصرِفِيَّةِ المُتَنَوِّعَةِ لِلعُمَلَاءِ بِما يَتَّفِقُ مَعَ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَيُحَقِّقُ دَعمَ أَهدَافِ التَّنمِيَةِ الاقتِصَادِيَّةِ، وَالاجتِمَاعِيَّةِ فِي المُجتَمَع»2.

يُطلِقُ البَعضُ عَلى البُنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ اسمَ البِنُوكِ الَّلارَبَوِيَّةِ، أَو البُنُوكِ الَّتي لَا تَتَعَامَلُ بِالفَائِدَةِ، أَو البُنُوكِ الَّتي تَقُومُ عَلى أَسَاسِ مَبدَأ المُشَارَكَةِ، فَيُعرِّفُ عَبدُ السَّلَامِ أَبو قَحف البَنك الإِسلَامِيَّ عَلى أَنَّهُ: «مُؤَسَّسَةٌ مَالِيَّةٌ إِسلَامِيَّةٌ ذَاتُ رِسَالَةٍ اقتِصَادِيَّةٍ، وَاجتِمَاعِيَّةٍ تَعمَلُ فِي ظِلِّ تَعَالِيمَ إِسلَامِيَّةٍ، فَهُوَ بَنكٌ صَاحِبُ رِسَالَةٍ، وَلَيسَ مُجَرَّدَ تَاجِرٍ، بَنكٌ يَبحَثُ عَن المَشرُوعَاتِ الأَكثَرِ نَفعَاً، وَلَيسَ مُجَرَّدَ الأَكثَرِ رِبحَاً، البَنكُ الإِسلَامِيُّ لَا يَهدِفُ لِمُجَرَّدِ تَطبِيقِ نِظَامٍ مَصرِفِيٍّ إِسلَامِيٍّ؛ وَإِنَّمَا المُسَاهَمَةُ فِي بِنَاءِ مُجتَمَعٍ إِسلَامِيٍّ كَامِلٍ عَلى أُسُسٍ عَقَدِيَّةٍ، وَأَخلَاقِيَّةٍ، وَاقتِصَادِيَّةٍ أَي أَنَّهُ غَيرةً عَلى دِينِ اللهِ عَزَّ وجَل»3. إِنَّ البُنُوكَ الإِسلَامِيَّةَ لَا تَهدِفُ إِلى تَحقِيقِ الرِّبحِ كَهَدَفٍ أَسمى؛ وَإِنَّمَا تَلتَزِمُ بِنَشرِ رِسَالَةِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَعَدَمُ التَّعَامُلِ بِالفَائِدَةِ أَخْذاً وَعَطَاءً.

المَطلَبُ الثَّانِي: نَشأَةُ البُنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ:

يَرجِعُ تَارِيخُ نَشأَةِ البُنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ إِلى المُبَادَرَةِ المُتَمَثِّلَةِ فِي شَرِكَاتِ المُعَامَلَاتِ الإِسلَامِيَّةِ؛ حَيثُ أُنشِئَتِ العَديدُ مِنَ الشَّرِكَاتِ الاقتِصَادِيَّةِ الَّتي تُدَارُ حَسبَ أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ بِجَانِبِ المُؤَسَّسَاتِ الخَدَمِيَّةِ، وَالاجتِمَاعِيَّةِ الأُخرى؛ كَالعِبَادَاتِ، وَالمَدَارِسِ، وَقَامَت هَذِهِ الشَّرِكَات عَلى الأُسُسِ التَّالِيَةِ:

1.   عَدَمِ التَّعَامُلِ بِالرِّبا أَخذاً وَعَطَاءً.

2.   الاكتِفَاءِ بِالرِّبحِ القَلِيلِ، وَعَدَمِ الاحتِكَارِ وَالاستِغلالِ.

3.   الحرصِ عَلى التَّعَامُلِ مَع المُسلِمِين.

4.   التَّركِيزِ عَلى المَشرُوعَاتِ الاجتِمَاعِيَّةِ، وَالتَّنمِيَةِ الاقتِصَادِيَّةِ.

5.   إِيتَاءِ الزَّكَاةِ لِلمَالِ.

وَلَقَد بُدِّدَتْ هَذِهِ التَّجرِبَةُ بِوَاسِطَةِ القَوانِين الاشتِرَاكِيَّةِ حِينَ صُودِرَت، وَدُونِ تَعويضٍ لِأَصحَابِهَا4.وَمَرَّةً ثَانِيةً فِي مُنتَصَفِ عَام (1962م) أَخَذَت الفِكرَةُ طَرِيقَهَا إِلى التَّطبِيقِ العَمَلِيِّ عَلى يَدِ أَحَدِ رُوَّادِ الاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ الدُّكتُور أَحمَد النَّجَّار لِتَنتَهي مُبكرةٍ فِي مُنتَصَفِ عَام (1967م) أَي بَعدَ أَربَعِ سَنَوَاتٍ مِنَ المُمَارَسَةِ، تَمَّتْ هَذِهِ التَّجرِبَةُ تَحتَ اسمِ "بُنُوكِ الادِّخَارِ المَحَلِّيَّةِ" عَلى أَرضِ مِصرَ، مُحَافَظَةِ الدقهلية، بِدلتا النِّيل، وَمَدِينَةِ "ميت غَمر"، وَظَهَرَ أَوَّلُ مَصرِفٍ إِسلَامِيٍّ لِلتَّنمِيَةِ المَحَليَّةِ يَقُومُ بِتَجمِيعِ المُدَّخَرَاتِ مِن صِغَارِ الفَلَّاحِين، وَالعُمَّال مِن أَمَاكِنِ وُجُودِهِم بِالرِّيفِ بِمَبَالِغَ صَغِيرَةٍ، وَوَسَائِلَ بَسِيطَةٍ تُنَاسِبُ وَعيَهُم وَثَقَافَتَهُم، وَلَقَد لَقِيَتْ إِقبَالاً مُنقَطِعَ النَّظِيرِ بِالمُقَارَنَةِ مَعَ البِنُوكِ التَّقلِيدِيَّةِ حَيثُ تَضَاعَفَ حَجمُ الادِّخَارَاتِ خِلَالَ أَربَعِ سَنَوَاتٍ (44,5) مَرَّةٍ، أَي ارتَفَعَ مِن (40944) مُدَّخِر عَام (1963م) إِلى (1,828,375) مُدَّخِر عَام(1967م). أَمَّا عَن الفرُوعِ التَّابِعَةِ لِهَذِهِ البِنُوكِ فَبَلَغَتْ (29) فَرعَاً بَينَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، كَما بَلَغَ عَدَدُ المُتَعَامِلِينَ مَعَهَا (عَدَدُ العُمَلَاء) (1000,000) مُتَعامِل مِن مُختَلَفِ الفِئَات الاجتِمَاعِيَّةِ، وَبَلَغَت نِسبَةُ السِّدَادِ فِي القُرُوضِ نِسبَةَ (100%) رَغمَ وجُودِهَا فِي الرِّيفِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ التَّجرِبَةَ قَد خُنِقَت، وَانتَهَت لِأَسبَابٍ سِيَاسِيَّةٍ مَحضَةٍ، وَمِنذُ (1968م) شَرَعَت السُّلطَاتُ المِصرِيَّةُ فِي تَوزِيعِ مُمتَلَكَاتِهَا عَلى المَصَارِفِ التِّجَارِيَّةِ التَّقلِيدِيَّةِ، وَدَمَجَتْها فِي الجِّهَازِ المَصرِفِيِّ الرَّبَويِّ6.

إِلَّا أَنَّ التَّجرِبَةَ بُعِثَتْ مِن جَديدٍ عَامَ (1971م) عِندَما أَعلَنَ الرَّئِيسُ المِصرِيُّ أَنوَرُ السَّادَاتِ عَن تَأسِيسِ بَنكِ نَاصر الاجتِمَاعِي في 3/12/1971م وَبَاشَرَ أَعمَالَهُ مَع مَطلِعِ سَنةِ (1973م) وَهُوَ مَصْرِفٌ يَعمَلُ وُفقَ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ.

وَيَرى الدُّكتُور حَسَن صَادِق حَسَن أَنَّ: «سَبَبَ نَشأَةِ البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ كَانَ نَتِيجَةً لِدَافِعٍ دِينِيٍّ بَحتٍ، وَشُعورِ الغَالبِيَّةِ العُظمى مِنَ البِلَادِ الإِسلَامِيَّةِ أَنَّ البِنُوكَ المَوجودَةَ فِيها شُبهةُ التَّعَامُلِ بِالرِّبَا هَذَا مِن جَانِب، وَمِن جَانِبٍ آَخَر أَنَّ المَدَّ الإِسلَامِيَّ أَصبَحَ قَاعِدَةً وَاضِحَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ الإِسلَامِيَّةِ بَعدَ استِقلَالِها»7.

وَقَد جَاءَ الاهتِمَامُ الحَقِيقِيُّ بِإِنشَاءِ البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ تَعمَلُ طِبقَاً لِأَحكَامِ الشَّريعَةِ الإِسلَامِيَّةِ فِي مُؤتَمَرِ وَزَارَةِ خَارِجِيَّةِ الدُّوَلِ الإِسلَامِيَّةِ بِمَدِينَةِ جُدَّةَ بِالسُّعُودِيَّةِ عَام (1972م)؛ حَيثُ وَرَدَ النَّصُ بِضَرُورَةِ إِنشَاءِ بَنكٍ إِسلَامِيٍّ دُوَلِيٍّ لِلدُّوَلِ الإِسلَامِيَّةِ.

وَجَاءَ نَتَاجَاً لِذلِكِ إِعدَادُ اتِّفَاقِيَّةِ تَأسِيسِ البَنكِ الإِسلَامِيِّ لِلتَّنميةِ، وَالَّتي وَقَّعَتْ عَليها وَزَارَاتُ المَالِيَّةِ لِلدُّوَلِ الإِسلَامِيَّةِ وَذَلِكَ عَام (1977م) بِجُدَّةَ، وَيَتَمَيَّزُ هَذَا البَنكُ بِأَنَّهُ بَنكُ حكومَاتٍ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ الأَفرَادِ مِنَ النَّواحِي المَصرِفِيَّةِ8.

وَتَوالى بَعدَ ذَلِكَ إِنشَاءُ البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ لِتَصِلَ إِلى (300) مَصرِفٍ، وَمُؤَسَّسَةٍ مَالِيَّةٍ مُنتَشِرَةٍ فِي أَكثَر مِن تِسعِينَ دَولَةٍ مِن دُوَلِ العَالَمِ، وَذَلِكَ حَسبَ تَقريرِ عَام (2004م) الصَّادِرِ عَن المَجلِسِ العَام لِلبِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ9.

المَطلَب الثَّالِث: مُمَيِّزَات البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ:

لِلمَصرِفِ الإِسلَامِيِّ خَصَائِصُ تُمَيِّزُهُ عَن غَيرِهِ مِنَ المَصَارِفِ الأُخرَى، وَمِن أَهَمِّ هَذِهِ الخَصَائِصِ؛ نَذكُر مَا يَلي10:

1.   استِبعَادَ الفَوائِدِ الرّبَويَّةِ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُمَيِّزُ المَصرِفَ الإِسلَامِيَّ عَن غَيرِهِ مِن المَصَارِفِ الأُخرَى؛ هُو استِبعَادُ المُعَامَلَاتِ غَيرِ الشَّرعِيَّةِ كافَّةً مِن أَعمَالِهِ، وَخَاصَّةً نِظَامُ الفَوائِدِ الرَّبَويَّةِ الَّذي يُمَثِّلُ خَطَّ الرُّوحِ بِالنِّسبَةِ لِلمَصَارِفِ الرَّبَويِّةِ، وَبِذَلِكَ يَنسَجِمُ المَصرِفُ الإِسلَامِيُّ مَع البِيئَةِ السَّلِيمَةِ لِلمُجتَمَعِ الإِسلَامِيِّ.

إِنَّ أَسَاسَ خَاصَّةِ المَصرِفِ الإِسلَامِيِّ فِي إِسقَاطِ الفَوائِدِ الرَّبَويَّةِ مِن مُعَامَلَاتِهِ هُوَ: أَنَّ الإِسلَامَ قَد حَرَّمَ الرِّبَا، بَل إِن َّاللهَ لَم يُعلِنِ الحَرْبَ بِلفظِهَا فِي القُرآنِ الكَريمِ كُلِّهِ إِلَّا عَلى آَكِلِ الرِّبَا، وَمِن هُنَا أَخَذَ المَصرِفِ الإِسلَامِيِّ الصِّفَةَ العَقَدِيَّةِ.

2.   الاستِثمارَ فِي المَشَارِيعِ الحَلالِ: يَعتَمِدُ المَصرِفُ الإِسلَامِيُّ فِي تَوظِيفِ أَموالِهِ عَلى الاستِثمارِ المُباشَرِ، أَو الاستِثمَارِ بِالمُشَارَكَةِ، وِفقَاً لِمَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ؛ وَبِذَلِكَ يَخضَعُ نَشَاطُهُ لِضَوَابِطِ النَّشَاطِ الاقتِصَادِيِّ فِي الاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ.

3.   رَبطَ التَّنمِيَةِ الاقتِصَادِيَّةِ بِالتَّنمِيَةِ الاجتِمَاعِيَّةِ: إِنَّ المَصرِفَ الإِسلَامِيَّ بِاعتِبَارِهِ مُؤّسَّسَةً اقتِصَادِيَّةً مَالِيَّةً مَصرِفِيَّةً اجتِمَاعِيَّةً يَقُومُ بِتَعبِئَةِ مُدَّخَرَاتِ الأَفرَادِ، وَاستِثمَارِهَا فِي مُختَلَفِ أَوجُهِ النَّشَاطِ الاقتِصَادِيِّ؛ خِدمَةً لِمَصَالِحِ المُجتَمَعِ، وَمِن هُنا يَكُونُ ارتِبَاطُ التَّنمِيَةِ الاقتِصَادِيَّةِ بِالتَّنمِيَةِ الاجتِمَاعِيَّةِ؛ لِذَلِكَ يَهتَمُّ المَصرِفُ الإِسلَامِيُّ بِالعَائِدِ الاجتِمَاعِيِّ إِلى جَانِبِ العَائِدِ الفَردِيِّ، وَهَذا أَحَدُ المَعاييرِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتي تُحَتِّمُ الصِّلَةَ الوَثِيقَةَ بَينَ العَقِيدَةِ، وَالقِيَمِ، وَالتَّنظِيمِ الاقتِصَادِيِّ فِي الإِسلَامِ.

المَبحَثُ الثَّاني: الأَسبَابُ الظَّاهِرِيَّةُ وَالبَاطِنِيَّةُ لِلأَزمَةِ المَالِيَّةِ، وَمَدى تَأثِيرِهَا عَلى التَّمويلِ المَصرِفِيِّالإِسلَامِيِّ:

عَرَفَ العَالَمُ فِي شَهرِ سبتمبر مِن عَام (2008م) أَزمَةً مَالِيَّةً حَادَّةً اهتَزَّتْ دُوَلِ العَالَمِ كافَّةً؛ حَيثُ تَسبَبَّتْ فِي إِفلاسِ العَديدِ مِنَ البِنُوكِ، وَالشَّرِكَاتِ، وَالمُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ الَّتي تَتَعَامَلُ بِالدِّيُونِ وَالقُرُوضِ، فِي حِينِ لَم تَتَأَثَّر البِنُوكُ الإِسلَامِيَّةُ بِهَذِهِ الأَزمَةِ.

المَطلَبُ الأَوَّلُ: الأَزمَةُ المَالِيَّةُ، مَظاهِرُهَا وَأَسبَابُهَا: لِلأَزمَةِ المَالِيَّةِ الأَخِيرَةِ مَظَاهِرُ وَأَسبَابٌ عَدِيدَةٌ نُدرِجُهَا مِن خِلالِ الفَرعَينِ التَالِيَين:

الفِرعِ الأَوَّلِ: مَظَاهِرُ الأَزمَةِ المَالِيَّةِ العَالَمِيَّةِ: مِن مَظَاهِرِ هَذِهِ الأَزمَةِ نَذكُر11:

·      الهَروَلَةَ فِي سَحبِ الإِيدَاعَاتِ مِنَ البِنُوكِ؛ لأَنَّ رَأسَ المَالِ جَبانٌ، وَهَذا مَا تَنَاوَلَتهُ وَكَالَاتُ الإِعلَامِ المُختَلِفَةِ.

·      قِيَامَ العَديدِ مِنَ المُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ بِتَجمِيدِ مِنَحِ القُروضِ لِلشَّرِكَاتِ، وَالأَفرَادِ؛ خَوفَاً عَلى صُعوبَةِ استردَادِهَا.

·      نَقصَ السُّيولَةُ المُتَدَاوَلَةُ لَدى الأَفرَادِ، وَالشَّرِكَاتِ، وَالمُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ؛ وَهَذَا مَا أَدَّى إِلى انكِمَاشٍ حَادٍّ فِي النَّشَاطِ الاقتِصَادِيِّ، وَفي نَواحِي الحَياةِ كافَّةً ؛ مِمَّا أَدَّى إِلى تَوَقُّفِ المُقتَرِضِين عَن سِدَادِ دَينِهِم.

·      انخِفَاضَ مُستَوى التَّدَاوُلَاتِ فِي أَسوَاقِ النَّقدِ وَالمَالِ؛ وَهَذَا أَحدَثَ ارتِبَاكَاً وَخَلَلاً فِي مُؤَشِّرَاتِ الهُبوطِ وَالصُّعُودِ.

·      انخِفَاضَ مُستَوى الطَّاقَةِ المُستَغَلَّةِ فِي الشَّرِكَاتِ؛ بِسَبَبِ نَقصِ السِّيُولَةِ، وَتَجمِيدِ الحُصُولِ عَلى القُروضِ مِنَ المُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ إِلَّا بِأَسعَارِ فَائِدَةٍ عَالِيَةٍ جِدَّاً، وَضَمَانَاتٍ مُغلَّظَةٍ.

·      انخِفَاضَ المَبيعَاتِ؛ وَلَاسِيَّما فِي قِطَّاعِ العَقَارَاتِ، وَالسيَّارَاتِ، وَغيرِها؛ بِسَبَبِ ضَعفِ السُّيولَةِ.

·      ازدِيَادَ مُعَدَّلِ البَطَالَةِ؛ بِسَبَبِ التَّوَقُفِ، وَالإِفلَاسِ، وَالتَّصفِيَةِ؛ حَيثُ أَصبَحَ كُلُّ مُوَظَّفٍ، أَو عَامِلٍ مُهَدَّداً بِالفَصلِ.

·      ازدِيادَ مُعَدَّلِ الطَّلبِ عَلى الإِعانَاتِ الاجتِمَاعِيَّةِ مِنَ الحُكُومَاتِ.

·      انخِفَاضَ مُعَدَّلَاتِ الاستِهلَاكِ، الإِنفَاقِ، الادِّخَارِ وَالاستِثمَارِ؛ وَهَذَا مَا أَدَّى إِلى مَزِيدٍ مِنَ الكَسَادِ، وَالبَطَالَةِ، وَالتَّعَثُّرِ، وَالتَّوَقُّفِ، وَالتَّصفِيَةِ، وَالإِفلَاسِ.

هَذِهِ المَظَاهِرُ تَدفَعُ العَامَّةَ وَالخَاصَّةَ إِلى التَّسَاؤُلِ حَولَ الأَسبَابِ الفِعلِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ لِهَذِهِ الأَزمَةِ.

الفَرعُ الثَّانِي: الأَسبَابُ الرَّئِيسَةُ لِأَزمَةِ النِّظَامِ المَالِيِّ العَالَمِيِّ: إِنَّ تَشخِيصَ أَسبَابِ الأَزمَةِ هُوَ مِفتَاحُ العِلَاجِ السَّلِيمِ؛ وَعَلِيهِ سَنُدرِجُ الأَسبَابَ الرَّئِيسَةَ لِلأَزمَةِ كَما يَلي:

·      انتِشَارَ الفَسَادِ الأَخلَاقِيِّ الاقتِصَادِيِّ مِثلُ: الاستِغلَالِ، وَالكَذِبِ، وَالشَّائِعَات المُغرِضَةِ، وَالمُعَامَلَاتِ الوَهمِيَّةِ، وَهَذِهِ المُوبِقَات تُؤدِّي إِلى الظُّلمِ.

·      أَصبَحَت المَادَّةُ هِيَ الطُّغيانُ، وَسِلَاحُ الطُّغَاة، وَالسَّيطَرَةُ عَلى السِّيَاسَةِ، واتِّخَاذُ القَرَارَاتِ السِّيَادِيَّةِ فِي العَالَمِ، وَأَصبَحَ المَالُ هُوَ مَعبودُ المَادِيِّينَ.

·      يَقُومُ النِّظَامُ المَصرِفِيُّ الرَّبَويُّ عَلى نِظَامِ الفَائِدَةِ؛ أَخذَاً وَعَطَاءً، أَو يَعمَلُ فِي إِطَارِ مَنظُومَةِ تِجَارَةِ الدُّيُونِ شِرَاءً، وَبَيعَاً، وَوَسَاطَةً، وَكُلَّما ارتَفَعَ مُعَدَّلُ الفَائِدَةِ عَلى الوَدَائِعِ  ارتَفَعَ مُعَدَّلُ الفَائِدَةِ عَلى القُرُوضِ المَمنُوحَةِ لِلأَفرَادِ، وَالشَّرِكَاتِ، وَالمُستَفِيدُ هُوَ البِنُوكُ، وَالمَصَارِفُ، وَالوسَطَاءُ المَالِيُّون، بينما يَقَعُ   العِبءُ وَالظُّلمُ عَلى المُقتَرِضِين الَّذِينَ يَحصَلونَ عَلى القُروضِ؛ سَواءً لِأَغرَاضِ الاستِهلاكِ، أَو لِأَغرَاضِ الإِنتَاجِ، وَيَرى بَعضُ الاقتِصَادِيينَ: أَنَّهُ لَا يُحَقِّقُ التَّنمِيَةَ الحَقِيقِيَّةَ، وَالاستِخدَامَ الرَّشِيدَ لِعَوَامِلِ الإِنتَاجِ إِلَّا إِذا كَانَ سِعرُ الفَائِدَةِ صِفراً، وَهَذَا مَا قَالَهُ آَدَم سمِيث، وَيَرَونَ أَنَّ البَدِيلَ هُو نِظَامُ المُشَارَكَةِ فِي الرِّبحِ وَالخَسَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحَقِّقُ الاستِقرَارَ، وَالأَمنَ، وَالتَّنمِيَةَ.

·      يَقُومُ النِّظَامُ المَالِيُّ وَالمَصرِفِيُّ التَّقلِيدِيُّ عَلى نِظَامِ جَدوَلَةِ الدِّيونِ بِسعرِ فَائِدَةٍ أَعلى، أَو استِبدَالِ قَرضٍ وَاجِبِ السِّدَادِ بِقَرْضٍ جَدِيدٍ بِسِعرِ فَائِدَةٍ مُرتَفِعٍ، كَما كَانَ المُرَابونَ يَقُولُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ.

·      يَقُومُ النِّظَامُ المَالِيُّ العَالَمِيُّ، وَنِظَامُ الأَسوَاقِ المَالِيَّةِ عَلى نِظَامِ المُشتَقَّاتِ المَالِيَّةِ، وَالَّتي تَعتَمِدُ اعتِمَاداً أَسَاساً عَلى مُعَامَلَاتٍ وَهمِيَّةٍ وَرَقِيَّةٍ شَكلِيَّةٍ، تَقُومُ عَلى الاحتِمَالَاتِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَليها أَيُّ مُبَادَلَاتٍ لِلسِلَعِ وَالخَدَمَات؛ فَهِيَ المُقَامَرَاتُ وَالمُرَاهَنَاتُ عَينُهَا الَّتي تَقُومُ عَلى الحَظِّ، وَالقَدَرِ، وَالأَدهَى وَالأَمَرُّ أَنَّ مُعظَمَهَا يَقُومُ عَلى ائتِمَانَاتٍ مِنَ البِنُوكِ فِي شَكلِ قُرُوضٍ.

·      سُوءَ سُلُوكِيَّاتِ مُؤَسَّسَاتِ الوَسَاطَةِ المَالِيَّةِ، وَالَّتي تَقُومُ عَلى إِغرَاءِ الرَّاغِبين فِي القِروضِ، وَالتَّدلِيسِ عَليهِم وَإِغرَائِهِم، وَالغَرَرُ وَالجَّهَالَةُ بِالحُصُولِ عَلى القِروضِ مِنَ المُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ، وَيَطلبُونَ عُمُولَاتٍ عَالِيَةً فِي حَالَةِ وُجودِ مَخَاطِر، وَالَّذي يَتَحَمَّلُ تَبِعَةَ ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ المُقتَرِضُ المَدينُ الَّذي لَا حَولَ لَهُ وَلَا قُوَّة، وَهَذَا مَا حَدَثَ فِعلاً، وَهُوَ يَقُودُ فِي النِّهَايَةِ إِلى الأَزمَةِ.

·      يُعتَبَرُ التَّوَسُّعُ وَالإِفرَاطُ فِي تَطبِيقِ نِظَامِ بِطَاقَاتِ الائتِمَانِ بِدُونِ رَصِيدٍ (السَّحبُ عَلى المَكشُوفِ)؛ وَالَّتي تُحَمِّلُ صَاحِبَها تَكَالِيفَ عَالِيَةً، وَعِندَما يَعجَزُ صَاحِبُ البِطَاقَةِ عَن سِدَادِ مَا عَليهِ مِن مَديونِيَّةٍ، زِيدَ لَهُ فِي سِعرِ الفَائِدَةِ، وَهَكَذَا؛ حَتَّى يَتِمَّ الحَجزُ عَليهِ، أَو رَهنُ سَيَّارَتِهِ، أَو مَنزِلِهِ.

هَذِهِ مُجمَلُ المَظَاهِرِ وَالأَسبَابِ الَّتي قَادَت إِلى أَزمَةِ النِّظَامِ المَالِيِّ العَالَمِيِّ؛ حَيثُ كَانَ مُعَدَّلُ الفَائِدَةِ، أَو النَّشَاطِ الرِّبَويِّ هُوَ سَبَبُ الأَزمَةِ.

المَطلَبُ الثَّانِي: النَّشَاطُ الرِّبَوِيُّ وَعَلَاقَتُهُ بِالأَزمَةِ:

يَقُولُ اللهُ تَعَالى: «يَمحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُربي الصَّدَقَات وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم» [ البقرة الآية 276]. إِنَّ هَذِهِ الآَيَةِ الكَرِيمَةِ تُمَيِّزُ بَينَ نِظَامَينِ اقتِصَادِيَّينِ:

النِّظَامِ الأَوَّلِ: النِّظَامِ الاقتِصَادِيِّ الرِّبَويِّ: هُوَ النِّظَامُ الرَّأَسمالِيُّ القَائِمُ حَالِيَّاً عَلى الرِّبَا، وَالَّتي يُسَمُّونَهَا بِسِعرِ الفَائِدَةِ، وَسِعرِ الزَّمَنِ الآَجِلِ.

النِّظَامِ الثَّانِي: النِّظَامِ الاقتِصَادِيِّ الإِسلَامِيِّ: الَّذي يَقُومُ عَلى الصَّدَقَاتِ، فَهَل هُنَاكَ نِظَامٌ آَخَرُ يَقُومُ عَلى التَّنَازُلِ عَن المَالِ بِلَا ثَمَنٍ سِوَى طَلَبُ الأَجرِ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالى فِي الزَّمَنِ الآَجِلِ؟

فَالنِّظَامُ الاقتِصَادِيُّ الرَّأسمَالِيُّ مَصِيرُهُ إِلى الانهِيَارِ وَالمحقِ؛ لأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالى يَمحَقُ الرِّبَا، أَمَّا النِّظَامُ الاقتِصَادِيُّ الإِسلَامِيُّ مَصِيرُهُ إِلى النُّهُوضِ وَالازدِهَارِ؛ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالى يُربِي الصَّدَقَات12.

وَمَا حَدَثَ فِي سبتمبر المُنصَرِم -الأَزمَةُ المَالِيَّةُ العَالَمِيَّةُ- لَخَيرُ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ؛ حَيثُ أَنَّ أَصحَابَ المَالِ فِي سَعيهم لِتَحقِيقِ أَقصَى فَائِدَةٍ مُمكِنَةٍ يُمسِكُونَ المَالَ حَتَّى تَزِيدَ الحَاجَةَ إِليهِ؛ فَيَدفَعُوا بِسِعرِهِ إِلى الارتِفَاعِ حَتَّى يَجِدَ المُستَثمِرونَ فِي التِّجَارَةِ، وَالصِّنَاعَةِ، وَغَيرِ ذَلِكَ أَنْ لَا فَائِدَةَ مِن استِخدَامِ الأَموَالِ المُقتَرَضَةِ؛ عِندَئِذٍ يَتَرَاجَعُ الطَّلَبُ عَلى الأَموالِ إِلى حَدِّ الصِّفرِ، وَيَنكَمِشُ حَجمُ المَالِ المُستَخدَمِ فِي مُختَلَفِ أَوجُهِ النَّشَاطِ الاقتِصَادِيِّ، وَيَتَعَطَّلُ مَلايينُ العُمَّالِ، وَتَتَدَنَّى القُدرَةُ الشِّرَائِيَّةُ، فَإِذَا قَلَّتِ الحَاجَةُ إِلى رَأسِ المَالِ اُضْطَرَ أَصحَابُهُ إِلى دَفعِهِ عَلى نِطَاقٍ أَوسَعَ، وَخَفَّضُوا مِن سِعرِ الفَائِدَةِ، فَيُقبِلُ عَليهِ المُستَثمِرون مِن جَدِيد، وَهَكَذَا دَوَالِيك، تَقَعُ الأَزَمَاتُ الاقتِصَادِيَّةُ العَالَمِيَّةُ، وَيَظَلُّ البَشَرُ هَكَذَا يَدُورونَ فِيهَا كَالسَّائِمَة13.

المَطلَبُ الثَّالِثُ: التَّمويلُ المَصرِفِيُّ الإِسلَامِيُّ، وَأَزمَةُ النِّظَامِ المَالِيِّ العَالَمِيِّ: يَقُومُ النِّظَامُ المَالِيُّ وَالاقتِصَادِيُّ الإِسلَامِيُّ عَلى مَجمُوعَةٍ مِنَ القَوَاعِدِ الَّتي تُحَقِّقُ لَهُ الأَمنُ وَالاستِقرَارُ، وَتُقَلِّلُ المَخَاطِرَ، وَهَذِهِ القَوَاعِدُ هِيَ:

1.   قَاعِدَةُ المُشَارَكَةِ فِي الرِّبحِ وَالخَسَارَةِ:

يَعتَمِدُ النِّظَامُ المَالِيُّ وَالاقتِصَادِيُّ الإِسلَامِيُّ عَلى قَاعِدَةِ المُشَارَكَةِ فِي الرِّبحِ وَالخَسَارَةِ، وَعَلى التَّدَاولِ الفِعلِيِّ لِلأَموالِ وَالمَوجُودَاتِ، وَيَحكُمُ ذَلِكَ ضَوابِطُ الحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَالأَولَوِياتِ الإِسلَامِيَّةِ، وَتَحَقُّقِ المَنَافِعَ المَشرُوعَةِ، وَ "الغُنُمِ بِالغُرُمِ"، وَالتَّفَاعُلِ الحَقِيقِيِّ بَينَ أَصحَابِ الأَموالِ، وَأَصحَابِ الأَعمَالِ وَالخِبرَةِ وَالعَمَلِ وِفقَ ضَابِطِ العَدلِ وَالحَقِّ، وَبَذلُ هَذَا الجُّهدِ يُقَلِّلُ مِن حِدَّةِ أَيِّ أَزمَة؛ حَيثُ لَا يُوجَدُ فَرِيقٌ رَابِحٌ دَائِمَاً أَبَدَاً، أَو فَرِيقٌ خَاسِرٌ دَائِمَاً أَبَدَاً؛ بَلِ المُشَارَكَةُ فِي الرِّبحِ وَالخَسَارَةِ. إِنَّ تَطبِيقَ صِيغَةِ التَّمويلِ بِالمُشَارَكَةِ تُحَرِّرُ الفَردَ مِن نَزعَةِ السَّلبِيَّةِ الَّتي يَتَّسِمُ بِهَا المودِعُ الَّذي يُودِعُ مَالَهُ انتِظَاراً لِلفَائِدَةِ15.

2.   تَحرِيمُ نِظَامُ المُشتَقَّاتُ المَالِيَّةُ: حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسلَامِيَّةُ نِظَامَ المُشتَقَّاتِ المَالِيَّةِ الَّتي تَقُومُ عَلى مُعَامَلَاتٍ وَهمِيَّةٍ يَسُودُهَا الغَرَرُ وَالجَّهَالَةُ، وَلَقَد كَيَّفَ فُقَهَاءُ الاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ مِثلَ هَذِهِ المُعَامَلَاتِ عَلى أَنَّهَا مِنَ المُقَامَرَاتِ المَنهِي عَنهَا شَرعَاً، وَلَقَد أَكَّدَ الخُبَرَاءُ، وَأَصحَابُ البَصِيرَةِ مِن عُلَمَاءِ الاقتِصَادِ الوَضعِيِّ أَنَّ مِن أَسبَابِ الأَزمَةِ المَالِيَّةِ العَالَمِيَّةِ المُعَاصِرَةِ هُوَ نِظَامُ المُشتَقَّاتُ المَالِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَبِّبُ تَنمِيَةً اقتِصَادِيَّةً حَقِيقِيَّةً؛ بَل هِيَ وَسِيلَةٌ مِن وَسَائِل إيجاد  النُّقُودِ الَّتي تُسَبِّبُ التَّضَخُّمَ، وَارتِفَاعَ الأَسعَارِ، كَما تَقُودُ إِلى أَرذَلِ الأَخلَاقِ، كَما أَنَّهَا تُسَبِّبُ الانهِيَارَ السَّرِيعَ فِي المُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ الَّتي تَتَعَامَلُ بِمِثلِ هَذَا النِّظَامِ، وَمَا حَدَثَ فِي دُوَلِ شَرقِ آَسيا لِيسَ مِنَّا بِبَعِيد.

3.   تَحرِيمُ بَيعِ الدِّيُونِ: حَرَّمَت الشَّرِيعَةُ الإِسلَامِيَّةُ صُوَرَ، وَصِيَغَ، وَأَشكَالَ بَيعِ الدَّينِ بِالدَّينِ كافّةً مِثلَ: خَصمِ الأَورَاقِ التِّجَارِيَّةِ، وَخَصمِ الشِّيكَاتِ المُؤَجَّلَةِ السِّدَادِ، كَمَا حَرَّمَت نِظَامَ جَدوَلَةِ الدِّيُونِ مَعَ رَفعِ سِعرِ الفَائِدَةِ، وَكَانَ مِن بَينِ أَسبَابِ أَزمَةِ النِّظَامِ المَالِيِّ العَالَمِيِّ الأَخِيرَةِ قِيَامُ بَعضِ شَرِكَاتِ الوَسَاطَةِ المَالِيَّةِ بِالمُتَاجَرَةِ بِالدِّيُونِ؛ مِمَّا أَدَّى إِلى اشتِعَالِ الأَزمَةِ، كَمَا أَنَّ النِّظَامَ المَالِيَّ الإِسلَامِيَّ يَقُومُ عَلى مَبدَأ التَيسِيرِ عَلى المُقتَرِضِ الَّذي لَا يَستَطِيعُ سِدَادَ الدَّينِ لِأَسبَابٍ قَهرِيَّةٍ؛ فَقَالَ اللهُ تَعالى: «وَإِن كَانَ ذُو عسرَةٍ فَنَظرَةٌ إِلى مَيسرة وَأَن تَصَدَّقوا خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمون» [البقرة الآية 280].

وَكَانَ مِن أَسبَابِ الأَزمَةِ تَوَقُّفُ المَدِينِ عَنِ السِّدَادِ، وَقِيَامُ الدَّائِنِ بِرَفعِ سِعرِ الفَائِدَةِ، أَو تَدويرُ القَرضِ بِفَائِدَةٍ أَعلَى، أَو تَنفِيذُ الرَّهنِ عَلى المَدِينِ، وَتَشرِيدُهُ وَطَردُهُ، وَهُوَ مَا يَقُودُ إِلى أَزمَةٍ اجتِمَاعِيَّةٍ وَإِنسَانِيَّةٍ تُسَبِّبُ العَديدَ مِنَ المُشكِلَاتِ النَّفسِيَّةِ، وَالاجتِمَاعِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَالاقتِصَادِيَّةِ، وَغَيرِ ذَلِكَ.

وَلَمَّا كَانَ النِّظَامُ المَالِيُّ وَالاقتِصَادِيُّ الإِسلَامِيُّ يَتَمَتَّعُ بِكُلِّ هَذِهِ المَزَايا وَالصِّفَاتِ الَّتي تَمنَحُهُ الاستِقرَارَ وَالأَمَانَ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى جَمِيعِ دُوَلِ العَالَمِ بَعدَ الأَزمَةِ المَالِيِّةِ الأَخِيرَةِ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي أَنظِمَتِهَا المَالِيَّةِ وَالاقتِصَادِيَّةِ.

المَبحَثُ الثَّالِثُ: المَصَاعِبُ الَّتي تُوَاجِهُ البِنُوكَ الإِسلَامِيَّةَ فِي أَدَاءِ نَشَاطِهَا:

وَضَعَ الفُقَهَاءُ وَعُلَمَاءُ الاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ مَجمُوعَةً مِن عُقُودِ الاستِثمَارِ وَالتَّمويلِ الإِسلَامِيِّ الَّتي تَقُومُ عَلى ضَوَابِطَ شَرعِيَّةٍ، وَمِن هَذِهِ العُقُودِ صِيَغُ التَّمويلِ ب (المُضَارَبَةِ، ِالمُشَارَكَةِ، ِالمُرَابَحَةِ، الاستِصنَاعِ، السَّلَمِ، الإِجَارَةِ، وَالمُسَاقَاةِ)، وَنَحوَ ذَلِكَ، وَقَد حَرَّمَتِ الشَّرِيعةُ الإِسلَامِيَّةَ عُقُودِ التَّمويلِ كافَّةً بِالاستِثمَارِ القَائِمَةِ عَلى التَّمويلِ بِالقُرُوضِ بِفَائِدَةٍ، الَّتي كَانَت مِن أَهَمِّ أَسبَابِ الأَزمَةِ.

فَالبِنُوكُ الإِسلَامِيَّةُ لَا يُمكِنُهَا أَن تَحِيدَ عَن هَذِهِ الصِّيَغِ فِي تَوظِيفِ أَموَالِهَا فَتُوَاجِهُ بِذَلِكَ بَعضَ المَصَاعِبِ، يَرجِعُ البَعضُ مِنهَا إِلى طَبِيعَةِ العَمَلِيَّاتِ الاستِثمَارِيَّةِ وَالمَصرِفِيَّةِ الَّتي تُمَارِسُهُ، وَيُعزَى البَعضُ الآَخَرُ إِلى مَشَاكِلَ إِدَارِيَّةٍ وَتَنظِيمِيَّةٍ يُمكِنُ أَن نُوجِزَهَا فِيمَا يَلي:

المَطلَبُ الأَوَّلُ: الصُّعُوبَاتُ الاجتِمَاعِيَّةُ وَالقَانُونِيَّةُ: تَتَمَثَّلُ فِي عَدَمِ التَّفَهُّمِ بِالقَدْرِ الكَافِي لِأَهدَافِ، وَرِسَالَةِ المَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ، وَإِطَارِ عَمَلِهَا، فِي ظِلِّ أَهدَافِ وَأَولَوياتِ الاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ. وَيَمتَدُّ ذَلِكَ إِلى الصُّعُوبَات الفِقهِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَكيِيفِ عَمَلِيَّاتِ المَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ بِأَنوَاعِهَا المُختَلِفَةِ، خَاصَّةً مَا يُستَجَدُّ مِن أَنشِطَةٍ مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرعِيَّةِ لِبَيَانِ حُكمِهَا مِنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ.

كَمَا يُلحَظُ أَيضَاً أَنَّ هُنَاكَ صُعُوبَاتٍ قَانُونِيَّةً تَرتَبِطُ بِطَبِيعَةِ القَوَانِينِ الَّتي تَحكُمُ النَّشَاطَ المَصرِفِيَّ وَالتِّجَارِيَّ، وَالَّتي لَا تَأخُذُ أَحيانَاً فِي الاعتِبَارِ أَوضَاعَ، وَمُعَامَلَاتِ المَصرِفِ الإِسلَامِيِّ المُتَمَيِّزَةِ16.

المَطلَبُ الثَّانِي: الصُّعُوبَاتُ الاستِثمَارِيَّةُ وَالمَصرِفِيَّةُ: عَلى الرَّغمِ مِن أَنَّ المَصَارِفَ الإِسلَامِيَّةُ بِنُوكُ استِثمَارٍ بِالدَّرَجَةِ الأُولى؛ إِلَّا أَنَّ أَقسَامَ الاستِثمَارِ بِهَا بَدَأَت مُتَوَاضِعَةً بِالمُقَارَنَةِ مَعَ أَقسَامِ العَمَلِيَّاتِ المَصرِفِيَّةِ، وَقَد يَرجِعُ ذَلِكَ إِلى عَدَمِ الاهتِمَامِ بِالقَدْرِ الكَافِي بِالبَحثِ عَن فُرَصِ الاستِثمَارِ، وَتَقييمِهَا مِن مَنظُورٍ إِسلَامِيٍّ، وَقَد يَتَرَتَّبُ عَلى ضعفِ جِهَازِ الاستِثمَارِ العَدِيدُ مِنَ المُشكِلَاتِ مِن أَهَمِّهَا: تَوَافُرُ فَائِضِ سيُولَةٍ لِفَتَرَاتٍ طَويلَةٍ نِسبِيَّاً، وَهِيَ مُشكِلَةٌ تَتَطَلَّبُ إِدَارَةً جَيِّدَةً مِنَ المَصرِفِ؛ خَاصَّةً وَأَنَّ نِظَامَ التَّمويلِ بِالمُشَارَكَةِ يَتَطَلَّبُ دِرَاسَاتٍ وَتَرتِيبَاتٍ تَستَغرِقُ بَعضَ الوَقتِ، وَلِعَدَمِ وُجُودِ شَبَكَةٍ مَصرِفِيَّةٍ إِسلَامِيَّةٍ يُمكِنُ أَن تَستَثمِرَ فَائِضَ السِّيُولَةِ فِيمَا بَينَهَا، وَيَتَعَرَّضُ المَصرِفُ الإِسلَامِيُّ أَحيَانَاً لِخَسَارَةِ قِسمٍ مِن أمَوالِهِ؛ بِسَبَبِ بَعضِ المُتَعَامِلِين غَيرِ الأُمَنَاءَ الَّذينَ يَلجَأونَ إِلى إِخفَاءِ بَعضِ المَعلُومَاتِ، وَالتَّلَاعُبِ بِنَتَائِجِ النَّشَاطِ، مُستَغلِّينَ بَعضَ الثَّغَرَاتِ فِي نُظُمِ المُتَابَعَةِ، وَحُسنَ نِيّاتِ هَذِهِ المَصَارِفِ، خَاصَّةً إِذَا مَا أَخذنا فِي الحُسبانِ أَنَّ التَّمويلَ بِالمُشَارَكَةِ نَشَاطٌ رَئِيسٌ لَها.

وَتَجُدرُ الإِشَارَةُ إِلى أَنَّ مُعظَمَ وَدَائِعِ المَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ قَصِيرَةُ الأَجَلِ بِالتَّعرِيفِ؛ إِلَّا أَنَّ دِرَاسَةَ سِلوكِ هَذِهِ الوَدَائِعِ يُؤَكِّدُ أَنَّهَا تَتَزَايَدُ بِاستِمرَارٍ، الأَمرُ الَّذي يَتَعَيَّنُ أَن يَكُونَ مُشَجِّعَاً عَلى الاستِثمَارِ فِي المَشرُوعَاتِ طَويلَةِ الأَجَلِ، وَهُوَ مَا يَجِبُ أَن يَعكِسَ فَلسَفَةَ عَمَلِ البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ مِن أَجلِ تَنمِيَةِ المُجتَمَعِ.

وَبِحُكمِ العَادَةِ، وَرغمَ السِّمَاتِ الَّتي تُمَيِّزُ المَصَارِفَ الإِسلَامِيَّةَ فِي مَجَالَاتِ الاستِثمَارِ وَالتَّنمِيَةِ، قَلَّدَت المَصَارِفُ التَّقلِيدِيَّةُ فِي تَوزِيعِ العَائِدِ كُلَّ ثَلَاثَةِ أَشهُرٍ، وَقَد استَتبَعَ ذَلِكَ إِثَارَةَ بَعضِ التَّسَاؤُلاتِ حَولَ الرِّبحِ المُوَزَّعِ، وَهَل هُوَ فِعلِيٌّ أَم تَقدِيرِيٌّ؟ كَما أَصبَحَ المُودِعُ فِي البَنكِ الإِسلَامِيِّ يُقَارِنُ التَّوزِيعَ الَّذي يَحصَلُ عَليهِ بِتَوزِيعَاتِ المَصَارِفِ التَّقلِيدِيَّةِ؛ حَيثُ أَوحَتِ البِنُوكُ الإِسلَامِيَّةُ لِعُمَلَائِهَا بِهَذِهِ المُقَارَنَةِ.

المَطلَبُ الثَّالِثُ: الصُّعُوبَاتُ الإِدَارِيَّةُ وَالتَّنظِيمِيَّةُ: تُوَاجِهُ المَصَارِفُ الإِسلَامِيَّةُ عَدَمَ الاتِّفَاقِ حَولَ أَهدَافِهَا، وَعَدَمَ إِلمَامِ بَعضِ العَامِلين بِدَرَجَةٍ كَافِيَةٍ بِصِيَغِ العَمَلِ؛ سَوَاءَ كَانَت فِي مَجَالِ الاستِثمَارِ، أَو الخَدَمَاتِ المَصرِفِيَّةِ مِن مَنظُورٍ إِسلَامِيٍّ، وَيَرجِعُ هَذَا إِلى اختِلَافِ التَّعلِيمِ، وَالخِبرَةِ، وَعَدَمِ تَلَقِّي البَرَامِجِ التَّدرِيبِيَّةِ17، يُضَافُ إِلى ذَلِكَ عَدَمُ تَوَافِرِ تَوصِيفٍ مُتَمَيِّزٍ لِلوَظَائِفِ رَغمَ التَّفَاوتِ وَالفُرُوقِ بَينَ المُوَاصَفَاتِ فِي المَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ، وَغَيرِهَا مِنَ المَصَارِفِ التَّقلِيدِيَّةِ.

وَمِن نَاحِيَةٍ أُخرى، فإنّ الهَياكِلَ التَّنظِيمِيَّةَ لَا تَعكِسُ الفَلسَفَةَ الأَسَاسَ لِلمَصَارِفِ الإِسلَامِيَّةِ؛ لِمَا لَها مِن خَصَائِصَ تُمَيِّزُهَا فِي المَجَالَاتِ العَقَدِيَّةِ، وَالاستِثمَارِيَّةِ، وِالتَّنمَويَّةِ، وَالإِيجَابِيَّةِ، وَالاجتِمَاعِيَّةِ.

كَمَا أَنَّ اختِيَارَ العَامِلين بِها قَد لَا يَتِمُّ فِي بَعضِ الحَالَاتِ عَلى ضَوءِ مُواصَفَاتٍ خَاصَّةٍ تَتَّفِقُ وَطَبِيعَةَ العَمَلِ المَصرِفِيِّ الإِسلَامِيِّ، بِالإِضَافَةِ إِلى عَدَمِ تَوَفُّرِ مَعاييرَ وَاضِحَةٍ لِتَقييمِ الأَدَاءِ مِن مَنظُورٍ إِسلَامِيٍّ يَجري تَطبِيقُهَا بِدِقَّةٍ. هَذَا بِالإِضَافَةِ إِلى نُدْرَةِ الطواقمِ البَشَرِيَّةِ المُؤَهَّلَةِ الَّتي تَجمَعُ بَينَ الخِبرَةِ المَصرِفِيَّةِ، وَالمَعرِفَةِ الشَّرعِيَّةِ، وَالكَفَاءَةِ المِهَنِيَّةِ، وَضَرَائِبَ غَيرِ وَاقِعِيَّةٍ تُفرَضُ عَلى البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ فِي ظِلِّ عَدَمِ وُجُودِ سُوقٍ مَالِيٍّ إِسلَامِيٍّ.

خَاتِمَة:

إِنَّ الأَزمَةَ الَّتي يَتَعَرَّضُ لَها القِطاعُ المَالِيُّ العَالَمِيُّ حَالِيَّاً سَوفَ يُؤَدِّي دُونَ شَكٍّ إِلى مُرَاجَعَةِ، وَإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي المُمَارَسَاتِ المَالِيَّةِ الَّتي اعتُبِرَت حَتَّى وَقتِ نشُوبِ هَذِهِ الأَزمَةِ مِنَ المُسَلَّمَاتِ المُستَقِرَّةِ فِي الصِّنَاعَةِ المَصرِفِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ، وَتَوَصَّلنا مِن خِلَالِ هَذَا البَحثِ إِلى مَجمُوعَةٍ مِنَ النَّتَائِجِ وَالتَّوصِيَاتِ نُدرِجُهَا كَما يَلي:

النَّتَائِجُ:

·      تَبتَعِدُ البِنُوكُ الإِسلَامِيَّةُ عَن التَّعَامُلِ بِالفَائِدَةِ أَخذَاً وَعَطَاءً.

·      الابتِعَادُ عَن نِظَامِ المُشتَقَّاتِ المَالِيَّةِ الَّذي يَقُومُ عَلى المُعَامَلَاتِ الاحتِمَالِيَّةِ وَالحَظِّ، حَيثُ أَكَّدَ الخُبَرَاءُ كَونَهُ سَبَبَاً رَئِيسِيَّاً فِي حِدُوثِ الأَزمَةِ المَالِيَّةِ.

·      لِلاستِثمَارِ الإِسلَامِيِّ طُرُقٌ وَأَسَالِيبٌ مُتَمَيِّزَةٌ وَعَدِيدَةٌ تَهدِفُ كُلُّهَا إِلى تَحقِيقِ الرِّبحِ الحَلَالِ الطَّيِبِ.

·      تُوَاجِهُ البِنُوكُ الإِسلَامِيَّةُ مَصَاعِبَ عِدَّة فِي أَدَاءِ نَشَاطِهَا أَهَمُّهَا، نَقصُ الكَوَادِرِ البَشَرِيَّةِ المُؤَهَّلَةِ ذَاتِ العِلمِ بِقَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ.

وَمِن جُملَةِ هَذِهِ النَّتَائِجِ نَقتَرِحُالتَّوصِيَات التَّالِية:

·      عَلى الدُّوَلِ وَالحُكُومَاتِ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي أَنظِمَتِها المَالِيَّةِ وَالاقتِصَادِيَّةِ.

·      تَبَنِّي مَنهَج الاقتِصَادِ الإِسلَامِيِّ؛ لِاحتِوَائِهِ عَلى قَوَاعِدَ تَضمَنُ الاستِقرَارَ، وَالأَمَانَ، وَالابتِعَادَ عَن الأَزَمَاتِ.

·      تَشخِيصُ المُشكِلَاتِ التَّنظِيمِيَّةِ فِي البِنُوكِ الإِسلَامِيَّةِ وَعِلَاجُهَا بِمَا يَتَمَاشَى وَطَبيعةَ هَذِهِ البِنُوكِ مَعَ قِيَامِهَا بِتَبَنِّي سِيَاسَةٍ لِلتَّدرِيبِ مِن أَجلِ تَكوينِ طواقمَ مَصرِفِيَّةٍ تَتَمَتَّعُ بِسلُوكٍ إِسلَامِيٍّ، بِالإِضَافَةِ إِلى تَنمِيَةِ المَهَارَاتِ الفَنِّيَةِ، وَالسُّلُوكِيَّةِ. واللهُ الموفِّقُ .

الهوامش:

1-محمد كمال عطية، النظم المحاسبية في الإسلام، مكتبة وهبة، القاهرة، عام 1989، ص 303.

2-عبد المنعم محمد مبارك ومحمود يونس، اقتصاديات النقود والصيرفة والتجارة الدولية، الدار الجامعية، الإسكندرية، عام 1996، ص 173.

3-محمد سعيد سلطان وآخرون، إدارة البنوك، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1989، ص ص53-54.

4-محمود سحنون، الاقتصاد النقدي والمصرفي، ط1، دار بهاء الدين للنشر والتوزيع، قسنطينة، الجزائر، 2003،ص97.

5-احمد النجار، المدخل إلى النظرية الاقتصادية في المنهج الإسلامي، ط2، دار الفكر، بيروت، 1974، ص 271.

6- محمود سحنون، المرجع سابق، ص 98.

7-محمد بوجلال، البنوك الإسلامية: مفهومها، نشأتها، تطورها مع دراسة ميدانية لمصرف إسلامي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، ص ص 11-12.

8-ماهية المصارف الإسلامية، ص 2. www.kantakji.com

9-حسن سالم العماري، المصارف الإسلامية ودورها في تعزيز القطاع المصرفي، ورقة عمل مقدمة لمؤتمر مستجدات العمل المصرفي في سوريا في ضوء التجارة العربية والعالمية، مجموعة البركة، دمشق، 2-3 تموز، 2005، ص 5.

10-جمال العمارة، المصارف الإسلامية، دار النبأ، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر، 1996، ص ص ص 49-50-51.

11-حسين حسين شحاتة، سلسلة بحوث ودراسات في الفكر الاقتصادي الإسلامي، أزمة النظام المالي العالمي في ميزان الاقتصاد الإسلامي، ص 4. http://S1.islamhouse.comيوم الزيارة: 16/03/2009

12-طاهر حيدر حردان، الاقتصاد الإسلامي: المال، الربا والزكاة، ط1، دار وائل للنشر، عمان، 1999، ص177.

13- جمال العمارة، المرجع السابق، ص34.

14- حسين حسين شحاتة، المرجع السابق، ص6.

15-الطيب الداودي، الاستراتيجية الذاتية لتمويل التنمية الاقتصادية، ط1، دار الفجر للنشر والت