العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تَحَدِّيَاتُ التَّمويلِ بِالمُشَارَكَةِ فِي البُنُوكِ التِّجَارِيَّةِ: نَمَاذِجُ المُشَارَكَةِ المُتَنَاقِصَةِ

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

إنَّ المُشَارَكَةَ هِي إِحدَى صِيَغِ المُعَامَلَاتِ المَالِيَّةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَفِيها مَعنى التَّعَاونِ بِدَرَجَةٍ ظَاهِرَةٍ بَينَ الشُّرَكَاءِ، وَعَلى أَسَاسِهَا يَتِمُّ تَأسِيسُ الشَّرِكَاتِ المُسَاهِمَةِ المُعَاصِرَةِ، وَالصَّنَادِيقِ الاستِثمَارِيَّةِ، وَشَرِكَاتِ التَّمويلِ بِشَتَّى أَنوَاعِهَا، غَيرَ أَنَّ استِخدَامَ المُشَارَكَةِ كَصِيغَةٍ تَمويلِيَّةٍ لَم يُفلِحْ فِي أَغلَبِ الأَحوَالِ.
ومِن أَبرَزِ صُعُوبَاتِ تَطبِيقِ المُشَارَكَةِ كَصِيغَةٍ تَمويلِيَّةٍ؛ عَدَمُ تَحدِيدِ العَائِدِ كَمَا فِي المُرَابَحَةِ، أَو الإِجَارَةِ، وَإِنَّما يُترَكُ لِنَتَائِجِ الأَعمَالِ المُستَقبَلِيَّةِ، وَالمَخَاطِرِ الأَخلَاقِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعَمِيلِ؛ سَواءٌ أَكَانَ فَردَاً، أَم شَرِكَةً، عِلمَاً بِأَنَّ هَذِهِ المَخَاطِرُ عَلى مُستَوى الشَّرِكَاتِ أَخَفُّ وَطأَةً، حَيثُ يُمكِنُ مُعَالَجَتُها بِضَوَابِطِ الإِشرَافِ المُحَاسَبِيِّ، وَالفَنيِّ المُشتَرَكِ.

وَلِمَا سَبَقَ مِن صُعُوبَاتٍ، فَقَدْ بَقِيَتْ المُشَارَكَةُ غَائِبَةً عَن عَمَلِيَّاتِ التَّمويلِ فِي البِنُوكِ التِّجَارِيَّةِ، بَينَمَا هِيَ الصِّيغَةُ الأَكثَرُ تَطبِيقَاً فِي عَمَلِيَّاتِ تَمويلِ المِلكِيَّةِ الخَاصَّةِ (Privet equity)، أَو عَمَلِيَّاتِ تَمويلِ رَأسِ المَالِ المُخَاطِرِ (Venture capital)، وَهَذَا مُؤَشِّرٌ عَلى أَنَّ المُشكِلَةَ لَا تَكْمُنُ فِي تَطبِيقِ المُشَارَكَةِ بِحَدِّ ذَاتِهَا، وَلا طَبِيعَةِ مَخَاطِرِهَا، وَإِنَّمَا فِي مَدَى استِيعَابِ الهَيكَلِ المُؤَسَّسِيِّ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ؛ حَيثُ وَجَدَتْ طَرِيقَهَا لِلتَّطبِيقِ فِي هَيَاكِلَ مُؤَسَّسِيَّةٍ أُخرى خِلَافَ البِنُوكِ التِّجَارِيَّةِ.
إنّ لِلبَنكِ التِّجَارِيِّ خُصُوصِيَّةٌ هَيكَلِيَّةٌ، أَو بِنيَوِيَّةٌ تَستَنِدُ إِلى أَنَّ الحَجمَ المُهِمَّ مِنَ الوَدَائِعِ تَحتَ الطَّلَبِ، أَو قَصِيرَةِ الأَجَلِ، وَالتَّرِكيزَ فِي جَانِبِ التَّوظِيفِ عَلى التَّمويلِ مُحَدَّدُ العَائِدِ بِالمُرَابَحَةِ، وَالإِجَارَةِ عَلى حِسَابِ التَّوظِيفِ بِالاستِثمَارِ المُبَاشَرِ، وَالاستِثمَارِ بِالمُشَارَكَةِ، وَلَكِنَّ جَاذِبِيَّةَ المُشَارَكَةِ لَدى مُنَظِّري المَالِيَّةِ الإِسلَامِيَّةِ تَدفَعُ بِصِفَةٍ مُستَمِرَّةِ بِاتِّجَاهِ إِيجَادِ آَلِيَّاتٍ لِتَطويرِ الصِّيغَةِ؛ لِتَبدو قَابِلَةً لِلتَّطبِيقِ في البِيئَةِ التَّمويلِيَّةِ لِلبِنُوكِ التِّجَارِيَّةِ.
وَقَد نَتَجَ عَن عَمَلِيَّاتِ التَّنظِيرِ، وَمِن ثَمَّ التَّطبِيقِ، عِدَّةُ صِيَغٍ تَحتَ اسمِ المُشَارَكَةِ المُتَنَاقِصَةِ، أَو المُنتَهِيَةِ بِالتَّملِيكِ، وَهِيَ فِي المُجْمَلِ صِيَغٌ مُختَلِطَةٌ بِنَكَهَاتٍ مُختَلِفَةٍ، فِيهَا نَكهَةُ المُشَارَكَةِ، وَنَكهَةُ الإِجَارَةِ، وَنَكهَةُ البَيعِ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ المُختَلِطَةَ تُخَفِّفُ مِن وَطأَةِ العِشْقِ الَّذي يُكِنُّهُ المَالِيُّون الإِسلَامِيون لِلمُشَارَكَةِ.
وَمِن صِيَغِ المُشَارَكَةِ المُتَنَاقِصَةِ مَا هُوَ أَقرَبُ لِلمُشَارَكَةِ، وَمِنها مَا هُوَ أَقرَبُ لِلبَيعِ، وَمِنها مَا هُوَ أَقرَبُ لِلإِجَارَةِ؛ فَأَمَّا الأَقرَبُ لِلمُشَارَكَةِ فَهِي: أَن يَدخُلَ البَنكُ وَالعَمِيلُ فِي تَمويلِ إِنشَاءِ خَطٍّ إِنتَاجِيٍّ مَثَلاً بِمَبلَغٍ مُكَوَّنٍ مِن (100) حِصَّةٍ مَالِيَّةٍ مُوَزَّعَةٍ بَينَهُمَا بِالتَّسَاوي، وَيَتَقَاسَمَانِ الأَربَاحَ التَّشغِيلِيَّةَ النَّاتِجَةَ دَورِيَّاً طِبقَاً لِنِسبَةِ المُشَارَكَةِ فِي الحِصَصِ، وَحَجمِ الأَعمَالِ المُوكَلَةِ لِكُلٍّ مِنهُما، وَيَتَحَمَّلَانِ الخَسَارَةَ حَسَبَ المِلكِيَّةِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلى خِطَّةٍ لِتَخَارُجِ البَنكِ مِنَ المُشَارَكَةِ تَدرِيجِيَّاً بِبَيعِ كُلِّ الحِصَصِ الَّتي يَملِكُهَا لِلعَمِيلِ خِلَالَ فَترَةِ خَمسِ سَنَوَاتٍ، أَي (10) حِصَصٍ فِي نِهَايَةِ كُلِّ سَنَةٍ، وَذَلِكَ بِالقِيمَةِ الَّتي يَتَّفِقُ عَليها الطَّرَفَانِ عِندَ البَيعِ دُونَ إِلزَامٍ عَلى أَيٍّ مِنهِما. وَهَذِهِ شَرِكَةُ عَقْدٍ، وَلِذَا قَرَّرَ المَجْمَعُ الفِقهِيُّ، وَهَيئَةُ المُحَاسَبَةِ عَدَمَ جَوَازِ الإِلزَامِ بِالوَعدِ مِن أَيٍّ مِنَ الطَّرَفَين؛ مِمَّا أَدَّى عَلى مَحدُودِيَتِها فِي التَّطبِيقِ.
وَأَمَّا صِيغَةُ المُشَارَكَةِ المُتَنَاقِصَةِ الأَقرَبُ لِلبَيعِ؛ فَهِيَ أَن يَدخُلَ البَنكُ، وَالعَمِيلُ فِي شِرَاءِ أَصلٍ مُشَارَكَةً بَينَهُما، وَتَكُونُ حِصَّةُ العَمِيلِ فِي مِلكِيَّةِ الأَصلِ الدّفعَةَ المُقَدَّمَةَ فِيمَا لَو كَانَ التَّمويلُ بِالمُرَابَحَةِ، ثُمَّ بَعدَ التَّمَلُّكِ يَقُومُ البَنكُ بِبَيعِ حِصَّتِهِ بِالمُرَابَحَةِ المُؤَجَّلَةِ، أَي بِالتَّكلِفَةِ مُضَافَاً إِليهَا رِبحٌ مُحَدَّدٌ لِمُدَّةِ التَّمويلِ المُخَطَّطِ لَهَا، وَيَرى بَعضُ الفُقَهَاءِ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ مِن قَبِيلِ شَرِكَةِ المِلكِ؛ وَلِذَا يَجُوزُ فِيها الوَعدُ المُلزِمُ مِنَ العَمِيلِ بِشِرَاءِ حِصَّةِ البَنكِ بِالتَّكلِفَةِ، وَرِبحٍ مُحَدَّدٍ، وَتَصلُحُ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِتَمويلِ الاستِيرَادِ بِالمُشَارَكَةِ المُنتَهِيَةِ بِالمُرَابَحَةِ.
وَأَمَّا صِيغَةُ المُشَارَكَةِ الأَقرَبُ لِلإِجَارَةِ؛ فَهِيَ أَن يَدخُلَ البَنكُ، وَالعَمِيلُ فِي شِرَاءِ أَصلٍ مُشَارَكَةً بَينَهُما، وَتَكُونُ حِصَّةُ العَمِيلِ فِي مِلكِيَّةِ الأَصلِ الدّفعَةُ المُقَدَّمَةُ فِيما لَو كَانَ التَّمويلُ بِالإِجَارَةِ التَّملِكِيَّةِ، ثُمَّ بَعدَ التَّمَلُّكِ يَقُومُ البَنكُ بِإِجَارَةِ حِصَّتِهِ عَلى الشَّرِيكِ إِجَارَةً مُنتَهِيَةً بِالتَّملِيكِ؛ بِحَيثُ تَؤُولُ كُلُّ حِصَّةِ البَنكِ لِلعَمِيلِ فِي نِهَايَةِ عَقدِ الإِجَارَةِ عَن طَرِيقِ البَيعِ بِثَمَنٍ رَمزِيٍّ، أَو الهِبَةِ. وَهَذِهِ تَصلُحُ فِي التَّمويلِ العَقَارِيِّ، كَمَا تَصلُحُ فِي حَالَاتٍ لِتَمويلِ الاستِيرَادِ بِالمُشَارَكَةِ المُنتَهِيَةِ بِالإِجَارَةِ.
وَقَد تَكُونُ الصِّيغَةُ خَلِيطَاً مِنَ البَيعِ، وَالإِجَارَةِ بِالإِضَافَةِ لِلمُشَارَكَةِ، وَهِيَ أَن يَدخُلَ البَنكُ، وَالعَمِيلُ فِي شِرَاءِ أَصلٍ عَقَارِيٍّ غَيرِ مُنتِجٍ، وَتَكُونُ الدّفعَةُ المُقَدَّمَةُ حِصَّةُ العَمِيلِ فِي مِلكِيَّةِ العَقَارِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلى خِطَّةِ تَخَارُجٍ يَقُومُ بِمَوجِبِهَا البَنكُ بِبَيعِ الحِصَصِ الَّتي يِملِكُهَا فِي العَقَارِ تَدرِيجِيَّاً لِلعَمِيلِ عَلى مَدَى خَمسِ سَنَواتٍ، كَمَا فِي المِثَالِ الأَوَّلِ، وَيَلتَزِمُ العَمِيلُ بِدَفعِ أُجرَةٍ لِلحِصَصِ غَيرِ المَبِيعَةِ فِي كُلِّ فَترَةٍ؛ فَفِي نِهَايَةِ الفَترَةِ الأُولى يَدفَعُ العَمِيلُ أُجرَةً لِكَامِلِ حِصَصِ البَنكِ، كَمَا يَشتَرِي (10) حِصَصٍ بِالقِيمَةِ المُتَّفَقِ عَلَيها مُسبَقَاً، فَيَكُونُ القِسطُ الَّذي يُدفَعُ فِي نِهَايَةِ كُلِّ فَترَةٍ مُكَوَّناً مِن قِيمَةِ إِيجَارٍ، وَقِيمَةِ شِرَاءٍ، وَفِي الفَترَةِ الثَّانِيَةِ يَدفَعُ العَمِيلُ أُجرَةَ المُتَبَقِّي مِن حِصَصِ البَنكِ، كَمَا يَشتَري (10) حِصَصٍ إِضَافِيَّةٍ بِالقِيمَةِ المُتَّفَقِ عَلَيها مُسبَقَاً، وَهَكَذَا حَتَّى نِهَايَةِ الفَترَةِ الخَامِسَةِ؛ حَيثُ يَدفَعُ العَمِيلُ أُجرَةَ (10) حِصَصٍ، كَمَا يَدفَعُ قِيمَتَها المُتَّفَقِ عَلَيها مُسبَقَاً، وَيُصبِحَ مَالِكَاً لِلحِصَصِ (100%).
إِنَّ صِيَغَ المُشَاركَةِ المُختَلِفَةِ تُحَقِّقُ التَّوَازُنَ بَينَ حُقُوقِ العَمِيلِ، وَالبَنكِ بِشَكلٍ أَكبَر مِنَ المُرَابَحَةِ وَالإِجَارَةِ؛ فَفِي كُلِّ الصِّيَغِ يَستَفِيدُ العَمِيلُ مِنَ الدّفعَةِ المُقَدَّمَةِ المَشرُوطَةِ فِي عَمَلِيَّاتِ المُرَابَحَةِ، وَالإِجَارَةِ فِي أَن تَكُونَ دَفعَةَ تَمَلُّك، وَفِي الصِّيغَةِ الأَخِيرَةِ يَزدَادُ تَمَلُّكَ العَمِيلِ تَدرِيجِيَّاً مَعَ كُلِّ قِسطٍ يَدفَعُهُ؛ وَلَكِنَّها فِي الوَقتِ نَفسِهِ تُقَلِّلُ مِن سَيطَرَةِ البَنكِ عَلى الأَصلِ مَحَلِّ التَّمويلِ، وَتَحُدُّ مِن قُدرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ بِهِ كَأَصلٍ مَرهُونٍ مُقَابِلَ التَّمويلِ؛ وَهَذَا مَا يُفَسِّرُ إِحجَامَ البِنُوكِ التِّجَارِيَّةِ عَن تَطبِيقِ صِيغَةِ التَّمويلِ العَقَارِيِّ السَّكَنِيِّ عَلى وَجهِ التَّحدِيدِ.