العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

قِرَاءَةٌ فِي مُذَكَّرِاتِ قُرصَانٍ اقتِصَادِيٍّ - Economic Hit Man - EHM

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لَقَدْ نَشرُ بَعضُ الخُبَرَاءِ، وَأَصحَابِ القَرَارِ مُذَكَّرَاتٍ تَروي مَسِيرَتَهُمُ الشَّخصِيَّةَ، وَالمِهَنِيَّةَ بَعدَ تَركِهِمْ مَنَاصِبَهِمْ بِفَتْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ؛ طِبقَاً لِلقَوَانِينِ المَحَلِيَّةِ. وَتُسَاعِدُ قِرَاءَةُ تِلكَ المُذَكَّرَاتِ الَّتي تَقتَرِبُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحيَانِ؛ لِتَكُونَ اعتِرَافَاتٍ_ أَكثَرَ مِن كَونِها رِوَايَةَ مُذَكَّرَاتٍ_ فِي تَحَرِّي طُرُقِ التَّفكِيرِ، وَآَلِيَّاتِ العَمَلِ الَّتي تَسِيرُ عَلَيها الجِّهَاتُ الَّتي كَانَ يَعمَلُ بِها ذَلِكَ الشَّخصُ.

إِنَّ قِرَاءَةً مُتَأَنِّيَةً فِي كِتَابِ (الاغتِيَالُ الاقتِصَادِيُّ لِلأُمَمِ) لِكَاتِبِهِ (جُون بِركِنز)؛ تُوَضِّحُ أَنَّهُ كَتَبَهُ بِأسلُوبٍ قَصَصِيٍّ؛ جَمَعَ فِيهِ  بَينَ المُذَكَّرَاتِ، وَالاعتِرَافِ.

فَقَدْ اتَّجَهَ (جُون بِركِنز) لِلتَّخَصُّصِ كَخَبِيرٍ فِي الاقتِصَادِ القِيَاسِيِّ؛ لِاستِثمَارِ نَتَائِجِ هَذا العِلمِ فِي خِطَطٍ مَاكِرَةٍ يُعَادُ صِيَاغَتُها لِاغتِيَالِ مُختَلَفِ الدُّوَلِ -بِوَصفِهَا طَرِيدَةً يُوقِعُهَا فِي شَرَكٍ مَنصُوبٍ- قَبلَ الانقِضَاضِ عَلى ثَرَوَاتِهَا، وَمَوَارِدِهَا لاستِنْزَافِهَا، وَسَرِقَتِهَا.

لَقَد عَمِلَ مُؤَلِّفُ الكِتَابِ فِي شَرِكَةِMain) ) لِلاستِشَارَات الَّتي وَضَعَت لِمُوَظَّفِيها هَدَفِينِ أَسَاسَينِ:

(1)         اختِلَاقَ مُسَوِّغاتٍ لِلقُرُوضِ الدّوَلِيَّةِ الكَبِيرَةِ الَّتي سَتُعِيدُ ضَخَّ المَالِ إِلى (Main)،وَشَرِكَاتٍ أَمريكِيَّةٍ أُخرى مِن خِلَالِ مَشرُوعَاتٍ هَندَسِيَّةٍ، وَإِنشَائِيَّةٍ ضَخمَةٍ.

(2)         العَمَلَ عَلى إِفلَاسِ تِلكَ البِلَادِ الَّتي أَخَذَتِ القُرُوضَ؛ لِتَبقَى مَدِينَةً لِدَائِنِيها إِلى الأَبَدِ، ثُمَّ تُصبِحُ أَهدَافَاً سَهلَةً، عِندَمَا تَدعُو الحَاجَةُ إِلى خَدَمَاتٍ تَشمَلُ إِنشَاءَ قَوَاعِدَ عَسكَرِيَّةٍ، أَو تَصويتاً فِي الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، أَو لاتِّخاذَهِا مَنْفَذاً إِلى البتْرُولِ، وَالمَوَارِدِ الطَّبِيعِيَّةِ الأُخرى؛ مِثَالُ ذَلِكَ بَنَمَا، وَالأكوَادُور.

وَقَد اختَلَفَتِ الطَّرِيقَةُ مَعَ السَّعودِيَّةِ، وَإِيرَانَ – لِكَونِهِمَا بِلَادَاً غَنِيَّةً - ؛ لِذَلِكَ تَمَّ التَّوَجُّهُ نَحوَ استِنفَادِ قُدُرَاتِهِما، فَيُصبِحَ دَورُ القُرصَانِ المُفَاوَضَةَ؛ لِمُقَايَضَةِ المُسَاعَدَةِ التِّقَنِيَّةِ، وَالمُعَدَّاتِ، وَالتَّدرِيبَاتِ العَسكَرِيَّةِ مُقَابِلَ فُرَصِ النُّهُوضِ بِالبِلَادِ؛ لِتَلحَقَ بِرَكْبِ القَرنِ العِشرِين مُقَابِلَ دُولَارَاتِ البتْرولِ.

وَفِي الحَالَاتِ جَميعِها، كَانَ تَولِيدُ الطَّاقَةِ الكَهرُبَائِيَّةِ مُدْخَلاً أَوَّلِيَّاً..؛ فَالقُرصَانُ يَتَنَبَّأُ بِالمُستَقبَلِ، وَتَوَقُّعَاتِهِ الَّتي تُقَرِّرُ حَجمَ الأَنظِمَةِ الَّتي سَيُصَمِّمُونَهَا، وَحَجمَ القُرُوضِ؛ لِذَلِكَ فَهُوَ مِفتَاحُ العَمَلِ كُلِّهِ.

وَيُشَكِّلُ مَجمُوعَةُ القَرَاصِنَةِ نَادياً صَغِيراً خَاصّاً؛ يَتَقَاضَى أَفرَادُهُ أُجُورَاً كَبِيرَةً، مُقَابِلَ خِدَاعِ بِلَادٍ كَثِيرَةٍ فِي أَنحَاءِ العَالَمِ، وَنَهبِ مَا تَملِكُهُ مِن مِليَارَاتِ الدُّولَارَاتِ: (فِكْرٌ ومَكْرٌ ،جَشَعٌ وطَمَعٌ؛ يَنْتُجُ عنها النّارُ، والدَّمارُ).

مِثَالُ ذَلِك، كَانَت مَهِمَّةُ القُرصَانِ الاقتِصَادِيِّ مَحصُورَةً فِي التَّنَبُّؤِ بِما قَد يَحدُثُ فِي السَّعودِيَّةِ - إِذَا استَثمَرَتْ مَبَالِغَ طَائِلَةً فِي الإِنفَاقِ عَلى تَطوِيرِ البِنَى التَّحتِيَّةِ-؛ لِذَلِكَ يُطلَبُ مِنهُ تَسويغُ استِنْزَافِ مِئَاتِ المَلَايينِ مِنَ الدُّولَارَات مِن اقتِصَادِها. وَكَمَا ذَكَرنَا آنِفاً؛ فَلَم يَكُن الهَدَفُ هُوَ  إِغرَاقُ هَذَا البَلَدِ بِالدِّيونِ الَّتي لَن يَستَطِيعَ سِدَادَهَا؛ بَل إِيجَادَ طُرُقٍ تَضمَنُ إِعَادَةَ أَكبَرِ نِسبَةٍ مِنَ الدُّولَارَاتِ المَدفُوعَةِ فِي البتْرولِ مَرَّةً أُخرى لِلوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ الأَمَريكِيَّةِ، وَجَعْلَ اقتِصَادَها أَكثَرَ تَشَابُكَاً مَعَ المَصَالِحِ الأَمريكِيَّةِ، وَخُضُوعَاً لَهُ لِضَمَانِ تَبَعِيَّتِهَا.

لِذَلِكَ نَشَأَ مَا يُسَمَّى بِالكُربوقرَاطِيَّةِ (Corporatocracy)، وَهِيَ نُخبَةٌ قَرَّرَت السَّعيَ لِلسَّيطَرَةِ عَلى كَوكَبِ الأَرضِ، وَهِيَ مُنَظَّمَةٌ مُتَمَاسِكَةٌ مِن أَشخَاصٍ مَعدُودِينَ لَهُم أَهدَافٌ مُشتَرَكَةٌ، أَعضَاؤُهَا يَتنَقِلُونَ بِسُهُولَةٍ بَينَ عُضوِيَّةِ مَجَالِسِ إِدَارَةِ الشَّرِكَاتِ الضَّخمَةِ، وَالمَنَاصِبِ الحُكُومِيَّةِ. وَيُعَدُّ رَئِيسُ البَنكِ الدُّوَلِيِّ الأَسبَقِ (رُوبِرت مكنمار) نَمُوذَجَاً مِثَالِيَّاً؛ فَقَد انتَقَلِ مِن مَنصِبِهِ كَرَئِيسٍ لِشَرِكَةِ سَيَّارَاتِ (فورد)، إِلى وَزِيرِ دِفَاعٍ فِي عَهدَي (كنيدي) وَ(جونسون).

وَتُمَثِّلُ الشَّرِكَاتُ الكُبرَى، وَالبُنُوكُ الدُّوَلِيَّةُ، وَالحُكُومَةُ، الأَعمِدَةَ الثَّلَاثَةَ لِتَقوِيَّةِ الكُربوقرَاطِيَّةِ؛ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ  تَنمِيَةُ الاقتِصَادِ، وَتَقوِيَتُهُ عَن طَرِيقِ إِثرَاءِ تِلَك القِلَّةُ مِنَ الأَشخَاصِ الَّذِينَ يَتَرَبَّعُونَ عَلى قِمَّةِ الهَرَمِ الأَكثَرِ ثَرَاءً فِي العَالَمِ.

يَقُولُ (جُون بِركِنز) عَن عَمَلِهِ كَمُستَشَارٍ فِي شَرِكَةِ (Main): يُقَدِّمُ لَنَا نَمُوذَجَ الجَّرِيمَةِ المُنَظَّمَةِ مِثَالاً وَاضِحَاً؛ فَرُؤَسَاءُ المَافيا يَبدَؤُونَ وَهُمْ مُجرِمُو شَوَارِع، وَبِمُضِي الزَّمَنِ، يَصعَدُونَ إِلَى القِمَّةِ؛ فَيُحَسِّنُونَ مِن مَظهَرِهِم، وَيَتَمَسَّحُونَ بِمُسُوحِ البَرَاءَةِ، وَكَأَنَّهُم شَرَفَاءٌ يَعمَلُونُ فِي أَعمَالٍ مَشرُوعَةٍ؛ حَيثُ يَرتَدِي مُجتَمَعُهُم عَبَاءَةَ المُجتَمَعِ المُستَقِيمِ أَخلَاقِيَّاً. وَيُسَارِعُونَ بِإِعَانَةِ البَائِسِينَ فِي الحَيَاةِ؛ فَيَمنَحُونَ القُرُوضَ، وَالمُسَاعَدَاتِ، وَالدَّعمَ لِلأَعمَالِ الخَيرِيَّةِ، وَيَتَلَقَّونَ الاحتِرَامَ مِنَ المُجتَمَعِ: (يَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأنِ، وقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئابِ).

يَبدُو أُولَئِكَ الرِّجَالُ مُوَاطِنُينَ نَمُوذَجِيِّنَ، لَكِنَّ وَرَاءَ هَذَا البَرِيقِ دَربٌ مِنَ الدِّمَاءِ؛ فَحِينَ يَعجَزُ المَدِينُونَ عَن سِدَادِ الدَّينِ يَنقَضُّ عَلَيهِم قَرَاصِنَةُ الاقتِصَادِ؛ لِيَقطَعَوا أَرطُلاً مِنَ اللَّحمِ الحَيِّ. فَإِذَا لَمْ يُفلِحُوا؛ تَدَخَّلَ ثَعَالِبُ الاقتِصَادِ إِلى المَلعَبِ؛ لِيُسَدِّدُوا الضَّربَةَ تِلوَ الأُخرى، وَكَمَلَاذٍ أَخِيرٍ يَأتِي دَورُ الحَربِ.

فَإِذَا أَخَذنَا التَّسَلسُلَ المَنطِقِيَّ لِلأُمُورِ؛ فَإِنَّ اندِمَاجَ العَالَمِ فِي وِحدَةٍ وَاحِدَةٍ -تَحكِمُهَا شُرُوطُ العَولَمَةِ الاقتِصَادِيَّةِ، وَالسِّمَاتِ الزَّائِفَةِ لِحُريَّةِ السُّوقِ-، إِنَّمَا يُمَثِّلُ فِي وَاقِعِ الأّمرِ حَالَةً استِعمَارِيَّةً مَفضُوحَةً، إِذاً لَيسَ هُنَاكَ أُمَّةٌ عَلَى الأَرضِ قَادِرَةٌ عَلى مُقَاوَمَةِ الاستِقطَابِ القَسرِيِّ لِلعَولَمَةِ. وَقَلِيلُونَ هُم أُولَئِكَ الَّذِينَ نَجَوا مِنَ الإِصلَاحَاتِ الهَيكَلِيَّةِ، وَأُفْلِتُوا مِنَ الشُّرُوطِ الَّتي فَرَضَهَا (البَنكُ الدّوَلِيُّ)، وَ(صُندُوقُ النَّقدِ الدّوَلِيِّ)، أَو مَا تَطَلَّبَتها مُنَظَّمَةُ التِّجَارَةِ العَالَمِيَّةِ، وَالمُؤَسَّسَاتُ المَالِيَّةُ الدُّوَلِيَّةُ الَّتي مَازَالَت -رغمَ عَدَمِ جَدوَاهَا- تُحَدِّدُ مَفهُومَ العَولَمَةِ الاقتِصَادِيَّةِ، وَتَصِيغُ القَوَانِينَ، وَالقَوَاعِدَ، وَتُعَيِّنُ المُكَافَآَتِ لِمَنْ خَضَعَ وَذَلَّ، وَتَرَفَعُ عَصَا العِقَابِ لِمَنْ مَرَقَ، وَتَمَرَّدَ. هَذِهِ هِيَ سَطوَةُ العَولَمَةِ -الَّتِي مِنَ المُحتَمَلِ أَنْ نَكُونَ شُهُودَ عيَانٍ عَلى دَمجْهَا الاقتِصَادِيَّاتِ القَومِيَّةَ كافَّةً- فِي نِظَامٍ اقتِصَادِيٍّ وَاحِدٍ مَبنِيٍّ عَلى حُرِّيَةِ السُّوقِ.

يَقُولُ (بِركِنز) عَن حَالَةِ الإكوادور:

كَانَتْ تِلكَ البَلَدُ الصَّغِيرَةُ تَتَحَوَّلُ بِالتَّدَرُجِ إِلى فَرِيسَةٍ مِثَالِيَّةٍ لِلكُربوقراط. تَمَكَّنتُ وَنُظَرَائِي الكُربوقراط مِنَ الوُصُولِ بِها إِلى وَضعِ إِفلَاسٍ حَقِيقِيٍّ. أَثقَلنَا اقتِصَادَهَا بِدُيُونٍ قُدِّرَتْ بِمِليَارَاتِ الدُّولَارَات، مُقَابِلَ تَكلِيفِ شَرِكَاتِ الهَندَسَةِ، وَالتَّعمِيرِ الأَمريكِيَّةِ؛ بِبِنَاءِ مَشرُوعَاتٍ تُسَاعِدُ عَائِلَاتِهَا الأَكثَرَ ثَرَاءٍ. وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ -فِي تِلكَ العُقُودِ الثَّلَاثِ- ارتَفَعَتْ نِسبَةُ الفَقْرِ بَينَ السُّكَانِ مِن (٥٠-٧٠٪)، وَازدَادَ مُعَدَّلُ البَطَالَةِ مِن (١٥-٧٠٪)، كَما ارتَفَعَ الدَّينُ العَامُّ مِن (٢٤٠) مِليونِ دُولَارٍ إِلى (١٦) مِليارِ دُولَارٍ، وَانخَفَضَ نَصِيبُ السُّكَّانِ الأَكثَرُ فَقْرَاً مِن مُخَصَّصَاتِ المَوَارِدِ الطَّبِيعِيَّةِ مِن (٢٠٪) إِلى (٦٪). وَتَجِدُ الأكوادورُ نَفْسَهَا اليَومَ مُضَّطرَّةً لِإنفَاقِ مَا يَقرُبُ مِن (٥٠٪) مِن مِيزَانِيَّتِها القَومِيَّةِ لِسِدَادِ دِيُونِهَا، بَعدَ أَن كَانَ مِنَ المُفتَرَضِ أَن تُنفِقَ هَذِهِ الأَموَالُ فِي مُسَاعَدَةِ مَلايينِ المُوَاطِنِين الَّذِينَ صُنِّفُوا رَسمِيَّاً عَلى أَنَّهُم يُعَانُونَ مِن فَقْرٍ مُدْقِعٍ.

النِّظَامُ الاقتِصَادِيُّ المِثَالِيُّ فَرضِيَّةٌ يَدَّعِيهَا النِّظَامُ العَالَمِيُّ:

لَكِنَّ القِصَّةَ الحَقِيقِيَّةَ أَنَّنَا نَحيا أُكذُوبَةً، لَقَد وَضَعنَا نِقَابَاً عَلى الحَقَائِقِ؛ بِحيثُ يُخفِي تَحتَهُ مَوَاضِعَ الأَورَامِ السَّرَطَانِيَّةِ المُهْلِكَةِ. وَيُمكِنُ لِلإِحصَاءَاتِ أَن تُؤَدِّي دَورَ أَشِعَّةِ إِكس فِي الكَشْفِ عَن تِلكَ الأَورَامِ؛ مِن خِلَال فَضحِهَا لِمَا تُعَانِيهِ الإمبرَاطُورِيَّةُ -الأَكثَرُ قُوَّةً وَثَرَاءً عَبرَ التَّارِيخِ - مِن مُعَدَّلَاتٍ مُرْعِبَةٍ فِي حَالَاتِ الانتِحَارِ، وَالإِدمَانِ، وَالطَّلَاقِ، وَالتَّحَرُّشِ الجِنسِيِّ بِالأَطفَالِ، وَالاغتِصَابِ، وَالقَتلِ، وَمَا شَابَهَهَا مِن سَرَطَانَاتٍ خَبِيثَةٍ تَمُدُّ قُرُونَها فِي دَائِرَةٍ أَوسَعَ فَأَوسَع، عَامَاً بَعدَ آَخرٍ.

وَيَشعُرُ كُلٌّ مِنَّا فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ بِالأَلَمِ، وَنُنَادِي جَمِيعَاً بِالتَّغييرِ، وَمَعَ هَذَا يَضَعُ كُلٌّ مِنَّا يَدَهُ عَلى فَمِهِ كَاتِمَاً صَرخَتَهُ، وَالنَّتِيجَةُ أَنَّهُ مَا مِن أَحَدٍ يَسمَعُنَا.

هَل يُمكِنُكَ أَن تَقِفَ ضِدَّ نِظَامٍ يَظهَرُ أَنَّهُ يَمنَحُكَ البَيتَ، وَالسَّيَّارَةَ، وَالطَّعَامَ، وَالمَلَابِسَ، وَالكَهرُبَاءَ، وَالرِّعَايَةَ الصِّحِيَّةَ؟ حَتَّى لَو كُنتَ تَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ النِّظَامَ هُوَ نَفسُهُ الَّذي يَخُتَرِقُ بِمَكْرِهِ وخُبْثِهِ عَالَمَاً آمِناً مُطْمَئِنّاً؛  فِيُصْبِحَ خائِفاً بائِساً يَجُوعُ فيه (٢٤٠٠٠) شَخصَاً يَومِيَّاً، وَيَزدَادُ عَدَدُ المَلَايينِ مِنَ البَشَرِ الَّتي تَكرَهُكَ بِسَبَبِهِ، أَو عَلى الأَقَل يَكرَهُونَ السِّيَاسَات الَّتي صَنَعَهَا رِجَالٌ أَنتَ الَّذي انتَخَبتَهُم؟

وَبِنَاءً عَلى مَا سَبَقَ، كَيفَ سَتَستَجِمعُ شَجَاعَتَكَ لِتَتَجَاوَزَ الخُطُوطَ، وَتَتَحَدَّى مَفَاهِيمَ طَالَمَا قَبِلْتَهَا أَنتَ وَجِيرَانُكَ كَحَقَائِقَ مُسَلَّمَةٍ حَتَّى حِينَ تَشُكُّ فِي أَنَّ هَذا النِّظَامَ مُستَعِدٌّ لِتَدمِيرِ نَفسِهِ!!

وَصَدَقَ اللهُ العَظيمُ حَيثُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: (وَلا تَأمنُوا إلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِيْنَكُمْ قُلْ إنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ). 

وللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ القائِلِ:

اِقْرأ التَّاريخَ إذْ فِيهِ العِبَرْ   //   ضَلَّ قَوْمٌ لَيسَ يَدْرُونَ الخَبَرْ

 

حَمَاةُ (حَمَاها اللهُ) بتاريخِ 18 ربيعٍ الآخِرِ 1436 هـ المُوافِق ٠٧ فبراير/شُباط ٢٠١٤م