العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

هُبوطُ أَسعارِ النَّفطِ: التَّبعاتُ المُحتَمَلَةُ على المَنطِقَةِ العَرَبيَّةِ

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

شَهِدَ الاقتصادُ العَالميُّ في النِّصفِ الأَخيرِ مِن عامِ 2014 حَالَةً مِنَ القَلَقِ وَالهَلَعِ؛ لِاستمرارِ انخفاضِ أَسعارِ النِّفطِ، تَزامُنَاً مَعَ تَراجُعِ الطَّلَبِ عَليهِ، وَوَفرَةِ المَعروضِ، هَذِهِ الأحوالِ الَّتي تُسيطِرُ على دُوَلِ العَالَمِ شَهِدَت هُبوطاً في مُؤشِّراتِ الأَسواقِ العَالَميَّةِ، بَعدَ تَراجُعِ أَسعارِ خام برنت مِنذُ مَطلَعِ الصَّيفِ المَاضي بِحوالي (55%) مُقارَنَةً بِشهرِ حزيرانَ /يونيو المَاضي.

وَلَم يَنتَهِ عامُ (2014) إِلَّا وَقَد عَصَفَتِ التَّراجُعاتُ الحادَّةُ لِأسعارِ النِّفطِ بِعُمُلاتِ (١٣) دَولَةٍ مِن بَينِ كِبارِ مُنتجي النَّفطِ في العالَمِ، تَصدَّرَها الرُّوبِلُ الرُّوسيُّ بِنسبَةِ (39%)، وَالبِيزو الكُولُومبيَّ بـ (23%)، وَالكرون النَّرويجيُّ بِنسبَةِ (18%)، وَالرِّيالُ البَرَازيليُّ بـ (15%). وَفيما يَخصُّ الدُّولَ العَرَبيَّةَ في قَائِمَةِ أَكبرِ (20) مُنتِجَاً لِلنَّفطِ، فَقَد شَمَلَت القائِمَةُ خَمسَ دُوَلٍ عَربيَّةٍ بِخلافِ السُّعوديَّة، وَهِي العِراقُ وَالإمارَاتُ وَالكُويتُ وَالجَّزائِرُ وَقَطَرُ، حَيثُ استَقَرَّتْ أَسعارُ الدِّرهَمِ الإماراتيِّ، وَالرِّيالُ القَطَريُّ دُونَ تَغيُّرٍ بِالتَّزامُنِ مَعَ تَراجُعاتِ أَسعارِ النِّفطِ؛ نَظَراً لِربطِهِما بِالدُّولارِ الأَمَريكيِّ، إِلَّا أَنَّ الدِّينارَ العِراقيَّ تَراجَعَ (2%)، وَالدِّينارَ الكُويتيَّ بِنسبَةِ (3%)، فيما فَقَدَ الدِّينارُ الجَّزائريُّ (8%)، مِن قِيمَتِهِ مِنذُ مُنتَصَفِ يُونيو المَاضي.

وَلا يَزالُ تَراجُعُ أَسعارِ النِّفطِ يُثيرُ أَسئِلَةً كَثيرَةً بِشَأنِ أَسبابِهِ وَعَوامِلِهِ، كَما تَتَعدَّدُ المداخِلُ وَالنَّظرياتُ المُفسِّرةُ لِهذا التَّراجُعِ اقتصادِيّاً وَسِياسيّاً، خَاصَّةً أَنَّ هَذا الانهيارُ المُفاجِئُ لا يَتَواءَمُ مَعَ مَنطِقِ وَآَلياتِ السُّوقِ النِّفطيةِ (العَرضِ وَالطَّلَبِ)، وَزِيادَةِ المَخاطِرِ، وَالتَّوتُراتِ الأَمنيَّةِ الَّتي تُهدِّدُ خُطوطَ الإنتاجِ وَالإمدادِ مِمّا يَجعَلُ هذِهِ السِّلعَةَ في ارتِفاعٍ. وَيَتَوَقَّعُ البَعضُ أَن يَستَمِرَّ تَراجُعُ أَسعارِ النِّفطِ في المرحَلَةِ المُقبِلَةِ لِاعتباراتٍ كَثيرَةٍ، يَرتَبِطُ بَعضُها بِسُوقِ الطَّاقَةِ نَفسِها، وَبَعضُها بِالتَّغييرِ الَّذي طَرَأَ على خَارِطَةِ الإِنتاجِ وَالمُنِتجين في السَّنواتِ الأَخيرَةِ.

وَهُنا يَتَبَادَرُ لِلذِّهنِ تَساؤُلاتٌ مُهِمَّةٌ: مَا أَسبابُ هُبوطِ أَسعارِ النِّفطِ إِلى هَذا المُستَوى؟ وَهَل سَيَقودُ هَذا التَّراجُعُ إِلى مَزيدٍ مِنَ الانهياراتِ في الأَسعارِ؟ وَمَا التَّبَعَاتُ المُحتَمَلَةُ عَلى المنطِقَةِ العَرَبِيَّةِ؟

كَانَ أَغلَبُ الظَّنِ أَنَّ مُنَظَّمَةَ «أُوبِك»_ بِصِفَتِها الدّوَليَّةِ، وَكونِها المُنتِجَ لِقُرابَةِ ثُلثِ النِّفطِ العَالَميِّ_ سَتَتَحَرَّكُ مِن أَجلِ حِمايَةِ السُّوقِ مِنَ التَّراجُعِ، وَلِتُحافِظَ عَلى مَكانَتِها في هَذا السُّوقِ، بَعدَ ظُهورِ مَن يُحاوِلُ سَلبَ مَكانَتِها في الفَترَةِ الأَخيرَةِ، مِن خِلالِ النِّفطِ الصَّخريِّ، وَعَقدِ صَفَقاتٍ خَلفَ الكَواليسِ؛ حَتَّى تَنهار الأَسعارُ. وَارتَفَعَت صَيحاتُ المُطالِبينَ لِـ «أُوبِك» بِخفضِ الإنتاجِ لِحدودِ مِليونَي بِرمِيل يَوميَّاً؛ لِلحفاظِ عَلى تَماسُكِ الأَسعارِ.

وَبَدَلاً مِن ذَلِكَ، أَعلَنَت «أُوبِك» عَن الإِبقاءِ عَلى حِصَّتِها الحَاليَّةِ مِنَ الإِنتاجِ، وَالبالِغَةِ (30) مِليونِ بِرمِيلٍ يَوميَّاً وَهُو المستوى الَّذي ظَلَّت عَليهِ مِنذُ أَواخِرِ عَامِ (2011 م). وَقَد نَتَجَ عَن ذَلِكَ انخفاضِ الأسعارِ بِصورَةٍ أَكبر. وَلَم يَقتَصِرِ الأَمرُ عَلى ذَلِكَ؛ وَإِنَّما بَدَأَ بَعضُ أَعضاءِ «أُوبِك» في تَقديمِ خُصومَاتٍ سِعريَّةٍ لِلمُستوردينِ، فعَلى سَبيلِ المِثالِ قَامَتِ السّعوديَّةُ _مَعَ أَنَّها أَوَّلُ الخاسِرينِ مِن هَذا التَّدَهورِ؛ كَونَها أَكبَرُ مُنتِجٍ في مُنظَّمَةِ الدُّوَلِ المُصَدِّرَةِ لِلنِّفطِ «أُوبِك»، إِذ يَبلِغُ إِنتَاجُها اليوميُّ ثُلُثَ إِنتاجِ المنظَّمَةِ، نَحو (10) مَلايينِ بِرميلٍ يَوميَّاً_ بِتَخفيضِ أَسعارِ النِّفطِ، الَّذي تَبيعُهُ لِمُشتَريها الرَّئيسين في آسيا، وَالولاياتِ المُتَّحِدَةِ، وَقَد تَبِعَتها إِيرانُ، وَالعِراقُ، وَالكُويتُ. وَقَد شَبَّهَ بَعضُ المُراقِبين مَا يَحدُثُ على أَنَّهُ حَربُ أَسعارٍ دَاخِلَ «أُوبِك».

وَيَعتَقِدُ البَعضُ أَنَّ التَّأثيرَ عَلى دُوَلِ «أُوبِك» خَارِجَ مَجلِسِ التَّعاونِ الخَليجيِّ سَيَكونُ أَكبَرَ بِكَثيرٍ مِن دُوَلِ مَجلِسِ التَّعاونِ الخَليجيِّ عَلى الرَّغمِ مِن أَنَّها تُنتِجُ (17) مِليونِ بِرميلٍ مِنَ النِّفطِ يَوميَّاً، تُصَدِّرُ مِنها مَا بَينَ (12-13) مِليونِ بِرميلٍ، وَتَحصُلُ هَذِهِ الدُّوَلُ عَلى (90%) مِن إِيرادَاتِها العَامَّةِ مِن عَائِداتِ النِّفطِ. تُنتِجُ السُّعوديَّةُ، وَالإمارَاتُ، وَالكُويتُ، وَقَطَرُ مُجتَمِعَةً حَوالي (16) مِليونِ بَرمِيلٍ يَوميَّاً، أَي أَكثَرَ مِن نِصفِ إِنتاجِ دُوَلِ «أُوبِك» الَّذي يَصِلُ إِلى (30,5) مِليونِ بِرميلٍ في اليَومِ. وَقَد يَرجِعُ ذَلِكَ إِلى أَنَّ دُوَلَ مَجلِسِ التَّعاونِ كَوَّنَت احتياطاتٍ مَاليَّةً صُلْبَةً تُقدَّرُ بـ (2450) بِليونِ دُولارٍ رَاكَمَتها خِلالَ السَّنواتِ الأَخيرَةِ بِفَضلِ ارتِفاعِ أَسعارِ الخَامِ، وَتَسمَحُ لها هَذِهِ الاحتياطيَّاتُ بِالتَّعامُلِ مَعَ التَّداعِياتِ مِن جِهةٍ، وَأَنَّ جَميعَ الدُّوَلِ الخَليجيَّةِ احتَسَبَت مُوازَنَاتِها عَلى أَساسِ سِعرِ (80) دُولارَاً لِلبِرمِيل، أَو أَقَلَّ مِن جِهَةٍ أُخرى.

وَمِنَ النَّاحِيَةِ الاقتِصادِيَّةِ، هُناكَ انخِفَاضٌ وَاضِحٌ فِي الطَّلَبِ؛ بِسَبَبَ ضَعفِ النَّشَاطِ الاقتِصَادِيِّ نَتِيجَةً لِلأوضَاعِ الاقتِصَادِيَّةِ السَّيِئَةِ فِي الدُّوَلِ المُستَورِدَةِ لِلنِّفطِ، وَعَلى رَأسِها أُوروبَا، وَآَسِيا، وَتَرَاجُعِ مُعَدَّلِ النُّموِّ في اليَابَانِ، وَالصِّينِ، وَالهِندِ، وَمُعظَمِ الدُّوَلِ النَّاشِئَةِ في العالَمِ. كَما سَاعَدَت سِياسَاتُ بَعضِ الدُّوَلِ المُستَورِدَةِ حَولَ خَفضِ دَعمِ الطَّاقَةِ في انخفَاضِ الطَّلَبِ عَلى النِّفطِ في القَارَّةِ.

وَكَانَ لِلطُّفرَةِ في مَجالِ النِّفطِ الصَّخرِيِّ دَورٌ وَاضِحٌ فِيما يَشهَدُهُ العالَمُ مِن تَراجُعٍ لِلطَّلَبِ العالَمِيِّ عَلى النِّفطِ، وَيُرجِعُ العَديدُ مِنَ الخُبراءِ في مَجالِ الطَّاقَةِ مَا يَشهَدُهُ العالَمُ مِن تَراجُعٍ في أَسعارِ النِّفطِ إِلى مَا تَشهَدُهُ الولاياتُ المتَّحِدَةُ ما يُطلَقُ عَليهِ "طُفْرَةُ النِّفطِ الصَّخريِّ"؛َ فأَدَّى ذلك  إِلى طُفْرَةٍ في إِنتاجِ النِّفطِ؛ حَيثُ أَضافَت الولاياتُ الـمُتَّحِدَةُ وَحدَها قُرابَةَ (4) مِليونِ بِرميلِ نِفطٍ يَوميَّاً مِنذُ (2008م ) في السُّوقِ العالَمِيِّ.وَإِذا عَلِمنا أَنَّ الإِنتاجَ العَالَمِيَّ هو حَوالَي (90) مِليونِ بِرميلٍ يَوميَّاً، لَأدركنَا مَدى تَأثِيرِ هَذا الرَّقْمِ.

وَفي كُلِّ الأَحوالِ وَمَهْمَا يَكُن دَورُ العَوامِلِ الاقتِصادِيَّةِ في خَفضِ سِعرِ النِّفطِ، فَإنَّ الانخِفاضَ الحاليَّ لا يَعودُ إِلى خَلفيَّاتٍ اقتِصادِيَّةٍ فَقَط، وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أيضاً  أَنَّ القَرارَ السِّياسِيَّ دَائِمُ الحُضورِ عَلى صَعيدِ تَحديدِ أَسعارِ النِّفطِ، وَسِلَعَ أُخرى حَيَويَّة لِلاقتِصادِ العَالَمِيِّ. وَكانَ هَذا القَرَارُ يَلعَبُ دَوراً أَقوى فِي الماضِي عِندَما كَانَت دُوَلُ «أُوبِك» تُغَطِّي (٤٠%)، أَو أَكثَرَ مِنَ الإِنتاجِ العَالَمِيِّ. أَمَّا اليَوم، وَمَعَ تَزايُدِ عَدَدِ المُنتِجين، فَإِنَ حُضورَها في السُّوقِ أَضعَفُ بِكَثِيرٍ بِسَبَبِ صُعودِ مُنتِجينَ جُدُدٍ مِنَ خَارِجِ إِطارِ المنظَّمَةِ. وَأَيضَاً دُخولِ مُنتِجينَ غَيرِ شَرعِيينَ مِثلِ "دَاعِشَ" في سُوريةَ، وَالعِراقِ، وَالميلِّيشيَّاتِ في لِيبية، وَغَيرِها مِنَ الجَماعَاتِ. كَما أَنَّ الخِلافَاتِ السِّياسِيَّةَ بَينَ أَعضائِها، وَفي مُقدِّمَتِهِمُ السُّعوديَّةُ، وَإِيرانَ، تَحَجَّمَ دَورُها أَكثرَ فَأَكثَر.

المُلْفِتُ هُنا، أَنَّ أغَلَبَ الدُّوَلِ المُنتِجَةِ لِلنِّفطِ هِي دُوَلٌ نَامِيَةٌ، وَتَعتَمِدُ عَلى النِّفطِ كَمَصدَرٍ رَئِيسٍ في اقتِصَادِهَا، وَإِعدَادِ مُوازَنَاتِها العَامَّةِ، وَهُنا مَكمَنُ الخُطُورَةِ الشَّدِيدِ؛ حَيثُ سَتَكُونُ هَذِهِ الدُّوَلُ الأَكثَرُ تَضَرُرَاً مِن هُبوطِ أَسعارِ النِّفطِ، وَالَّذي قَد يُشَكِّلُ أَزمَةً لَدى كَثيرٍ مِنَ الدُّوَلِ النِّفطيَّةِ، الَّتي تَبني مُوازَنَاتَها عَلى أَساسِ أَسعارٍ مُتَوَقَّعَةٍ لِلنِّفطِ، مِثلِ العِراقِ، الَّذي يُعَدُّ مِن أَوَّلِ الدُّوَلِ المُتَأَثِّرَةِ بِهذا الهُبوطِ؛ نَتيجَةَ انخِفاضِ صَادِرَاتِهِ النِّفطيَةِ جَرَّاءَ الوَضعِ الأَمنيِّ الَّذي تَعِيشُهُ البِلادُ، مِمَّا دَفَعَ بَعضُ خُبراءِ الاقتِصادِ إِلى التَّلويحِ بِإيجادِ حُلولٍ أَمنيَّةٍ عَاجِلَةٍ؛ لِتَفادي الأَزمَةِ، وَكَذَلِكَ لِيبية، وَهو مَا يَعني أَنَّ هَذِهِ البُلدانِ سَتُواجِهُ أَزَماتٍ مَالِيَّةٍ.

وَتَختَلِفُ الآثَارُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى انخِفَاضِ أَسعارِ النِّفطِ اختِلافَاً كَبيراً مِن بَلَدٍ لِآخَرَ، وَبِحَسَبِ خُبَرَاءِ الهُبوطِ الحَادِّ لِأَسعارِ النِّفطِ؛ فَإِنَّهُ يَبدو نِعمَةً لِلبُلدانِ الرَّئيسَةِ المُستَهلِكَةِ لِلنِّفطِ، في وَقتٍ تَجَدَّدَت فِيهِ المَخاوِفُ بِشَأنِ النُّموِّ الاقتِصادِيِّ، لَكِنَّهُ قَد يَكونُ نِقمَةً لِلبُلدانِ المُنتِجَةِ.

وَأما بِصَدَدِ الحديثِ عَن مُستَقبَلِ النِّفطِ فَقَدْ  أَشارَ العَديدُ مِنَ الخُبَراءِ الاقتِصادِيينَ إِلى أَنَّهُ_ في الأَعوامِ العَشَرَةِ المُقبِلَةِ_ سَتَتَعَرَّضُ الدُّوَلُ النِّفطيَّةِ لِمَزيدٍ مِنَ المَشاكِلِ الاقتِصاديَّةِ إِذا لَم تُوَسِّع استِثمارَاتِها، مُعتَمِدينَ بِهذا التَّوقُّعِ عَلى بَيانَاتِ الاكتِشافَاتِ الجَّديدَةِ الموجودَةِ لَدى الغَربِ وخَاصَّةً الغَازَ الصَّخرِيَّ، الَّذي سَيُؤدِّي إِلى تَراجُعِ أَسعارِ الطَّاقَةِ، وَبِالأَخَصِّ الغَازِ، وَالنِّفطِ. وَبِالتَّاِلي، التَّأثِيرُ عَلى مِيزانِيَّاتِ الدُّوَلِ عَلى المدَى القَصِيرِ وَالطَّويلِ؛ وَلِهذا رَجَّحَ بَعْضُ الخُبراءِ أَنَّ تُحَقِّقَ الدُّوَلُ الكُبرى المُصَدِّرَةُ لِلغازِ المُسالِ مِيزَةً استراتِيجِيَّةً في تَسويقِ إِنتَاجِها، عَلى رَأسِها قَطَرُ، وَسطَ بَوادِرِ عَجزِ قِطَّاعِ الغَازِ المُسالِ في الولاياتِ الـمُتَّحِدَةِ عَنِ التَّكيُّفِ تَمامَاً مَعَ أَسعارٍ مُنَخَفِضَةٍ لِلطَّاقَةِ.

وَهُناكَ تَنَبُؤاتٌ بِانخِفَاضٍ مُدَوٍّ لِلنِّفطِ قَد يَصِلُ إِلى حَدِّ (40) دُولارٍ أَمريكيٍّ لِلبِرمِيلِ في حَالِ عَدِمِ التَّعاونِ فِيما بَينَ مَجموعَةِ الدُّوَلِ المُصَدِّرَةِ لِلنِّفطِ «أُوبِك». 

وَمِمَّا لَاشَكَّ فِيهِ أَنَّ انخِفَاضَ الأَسعارِ بِهذِهِ النِّسبَةِ الكَبِيرَةِ مِن شَأنِها أَن يُؤَدِّي إِلى اضطِرَابِ المُوازَنَاتِ في الدُّوَلِ النِّفطيَةِ العَرَبِيَّةِ؛ حَتَّى وَلَو كَانَت قَد بَنَتْ مُوازَنَاتِها عَلى احتِمَالاتِ خَفضِ الأَسعارِ؛ فَالنِسبَةُ كَبيرَةٌ وَمُرَشَّحَةٌ لِلزِّيادَةِ، مِمَّا يَجعَلُنا نَتَوَقَّعُ عَودَةَ العَجزِ لِلمُوازَنَاتِ بِالدُّوَلِ النِّفطيَّةِ. وَهُو مَا سَيُؤَدِّي حَتماً إِلى إِعادَةِ النَّظَرِ مِن قِبَلِ هَذِهِ الدُّوَلِ فِي مَشروعَاتِها الاقتِصادِيَّةِ، وَكَذَلِكَ طَبِيعَةُ استِثمارَاتِها الخَارِجِيَّةِ، وَالتَّوسُّعِ فِيها. وَقَد يَكُونُ أَمَامَ الدُّوَلِ النِّفطيَّةِ فُرصَةٌ في الأَجَلِ القَصيرِ لِتَعويضِ الانِخفَاضِ في أَسعارِ النِّفطِ مِنَ العَوائِدِ المُرتَفِعَةِ فِي السَّنَواتِ المَاضِيَةِ، وَلَكن سَيَكونُ هَذا فِي الأَجَلِ القَصِيرِ فَقَط، وَلَن يَصلِحَ لِلأَجَلَينِ المُتَوَسِّطِ وَالطَّويلِ.

وَبِالرَّغمِ مِمَّا يَبدو مِن وُجودِ تَنسِيقٍ خَليجِيٍّ في التَّعامُلِ مَعَ الأَزمَةِ، إِلَّا أَنَّهُ هُناكَ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ أُخرى مُصَدِّرَةٌ لِلنِّفطِ بِكميَّاتٍ كَبيرَةٍ مِثلِ الجَّزائِرِ، وَلِيبية، وَالعِراقِ، وَكَذلِكَ دُوَلٌ مَصَدِّرَةٌ لِلنِّفطِ بِكميَّاتٍ صَغيرَةٍ مِثلِ مِصرَ، وَاليَمَنِ، وَمَعَ ذَلِكَ غَابَ التَّنسيقُ العَرَبِيُّ عَلى المُستوى الإِقليمِيِّ. وَهُو مَا يُؤَكِدُ مَقُولَةً مَفادُها بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ اقتِصادٌ عَرَبِيٌّ، وَلَكن تُوجَدُ اقتِصادِيَّاتٌ عَرَبِيَّةٌ؛ فَالاقتِصادُ الوَاحِدُ تَحكُمُهُ سِياسَاتٌ، وَتَوجُّهاتٌ مُوَحَّدَةٌ، بَينَما الوَاقِعُ العَرَبِيُّ بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَن هَذا الأَداءِ لِذَلِكَ فَهِيَ اقتِصادِيَّاتٌ عَرَبِيَّةٌ. وَلِذَلِكَ نَجِدُ مُعظَمَ التَّقدِيراتِ الاقتِصَادِيَّةِ الحَالِيَّةِ أَو المُستقبَلِيَّةِ تَفصِلُ بَينَ مُكَوِنَاتِ الاقتِصادِيَّاتِ العَرَبِيَّةِ، فَدُوَلُ الخَليجِ عَادَةً مَا يَكُونُ لَها تَقويمٌ خَاصٌّ بِها لِلاعتِبارَاتِ النِّفطيَّةِ، ثُمَّ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ النِّفطيَّةُ غَيرُ الخَلِيجِيَّةِ، ثُمَّ بَاقِي الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ، وَهُو مَا يَعني أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ لَيسَت نَسِيجَاً اقتِصَادِيَّاً وَاحِدَاً. لِذَلِكَ تَفقِدُ الأَرقَامُ مَعنَاهَا عِندَما نَتَحَدَّثُ عَن نَاتِجٍ مَحلِّيٍّ إِجماليٍّ عَرَبِيٍّ، لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ رَقْمٍ، لَيسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلى الوَاقِعِ المَعيشِ فِي حَياةِ الفَردِ العَرَبِيِّ.

وَمَعَ ذَلِكَ، نَأتي إِلى مَجموعَةٍ مِنَ المُؤَشِّراتِ الَّتي يُتَوَقَّعُ لَها أَن تُظهِرَ أَداءً مُتَبَايِناً عَلى الصَّعيدِ العَرَبِيِّ عَن تِلكَ المُؤشِّراتِ الَّتي شَاهَدنَاها عَلى مَدارِ العَقْدِ الماضي، الَّذي ازدَهَرَت فِيهِ العَوائِدُ النِّفطيَّةُ، وَبِالتَّالي تَغَيَّرَت أَرقَامٌ كَثِيرَةٌ تَخِصُّ المُؤَشِّراتِ الاقتِصَادِيَّةِ العَرَبِيَّةِ.

فَقَد يَنتُجُ عَن عَجزِ مُوازَنَاتِ الدُّوَلِ النِّفطيَّةِ، أَن يَتِمَّ التَّوَجُّهُ لِلإِسراعِ، وَالتَّوسُّعِ فِي بَرامِجِ رَفعِ الدَّعمِ عنِ الطَّاقَةِ، وَغَيرِها مِنَ المجَالَاتِ الأُخرى، وَهُوَ مَا سَيَصحَبُهُ بِلا شَكٍّ ارتِفاعٌ في مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ بِالدُّوَلِ النِّفطِيَّةِ العَرَبِيَّةِ؛ حَيثُ تَوَقَّعَت (الأسكوا) أَن يَكونَ التَّضَخُّمُ بِالمِنطَقَةِ العَرَبِيَّةِ خِلالَ عَامِ (2014م) نَحو (6,1%)، وَلَكِن في حَالِ تَطبِيقِ بَرَامِجَ لِتَخفيفِ، أَو إِلغاءِ الدَّعمِ في مِنطَقَةِ الخَليجِ؛ فَسَيَقفِزُ التَّضَخُّمُ عَن هَذِهِ المُعَدَّلاتِ، وَبِخاصَّةٍ أَنَّ قِطَّاعَ العَقَارَاتِ لا يَزالُ يُمَثِّلُ عَامِلاً ضَاغِطَاً عَلى مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ.

وَإِذا مَا نَظَرنا إِلى مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ بِشَكلٍ عَامٍّ في المِنطَقَةِ العَرَبِيَّةِ، نَلحَظُ أَنَّهُ الأَعلى مَا بَينَ مَناطِقِ العَالَمِ، وَيَرجِعُ ذَلِك بِشَكلٍ كَبيرٍ إِلى التَّضَخُّمِ المُسْتَورَدِ؛ حَيثُ تَعتَمِدُ المِنطَقَةُ العَرَبِيَّةُ عَلى الخَارِجِ في تَدبِيرِ احتِياجَاتِها الأَساسِيَّةِ.

وَمِنَ الطَّبِيعيِّ فِي ظِلِّ تَراجُعِ أَسعارِ النِّفطِ، أَن يَقِلَّ الطَّلَبُ بِالدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ النِّفطِيَّةِ عَلى العَمَالَةِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ غَيرِ النِّفطِيَّةِ؛ نَظَرَاً لِتَقَلُّصِ نِسَبِ تَنفيذِ المَشروعاتِ، أَو الدُّخولُ فِي مَشروعاتٍ جَديدَةٍ، وَمِن شَأنِ هَذا الأَمرِ أَن يَزيدَ مِن مُعدَّلاتِ البَطالَةِ عَمَّا هِيَ عَليهِ الآنَ، وَسَيَكونُ لِذَلِكَ أَثَرٌ سَلبيٌّ مُزدَوَجٌ؛ بِسَبَبِ أَنَّ عَودَةَ هَذِهِ العَمَالَةِ إِلى أَوطَانِها سَيَكُونُ في تَوقِيتٍ غَيرِ مُناسِبٍ إِطلاقَاً، حَيثُ تُعاني الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ غَيرُ النِّفطِيَّةُ مِن حَالَةِ ركودٍ، وَارتِفاعٍ في مُعَدَّلاتِ البَطَالَةِ؛ بِسَبَبِ عَدَمِ استِقرارِ الأَوضاعِ السِّياسِيَّةِ وَالأَمنِيَّةِ.

وَفي المُقَابِلِ، سَوفَ يَنعَكِسُ انخِفَاضُ سِعرِ النِّفطِ عَلى الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ غَيرِ النِّفطِيَّةِ؛ حَيثُ إِنَّ مُعَدَّلَ الانخِفَاضِ في الأَسعارِ كَبِيرٌ، وَهُو مَا سَيُسَاعِدُ عَلى دَفعِ فَاتُورَةٍ أَقَلَّ لِلوَارِدَاتِ النِّفطِيَّةِ لِهذِهِ البُلدَانِ، وَلَكِن لَن يَشعُرَ بِذَلِكَ المُواطِن؛ لأَنَّ هَذِهِ الدُّوَلُ ارتَبَطَتْ بِبَرَامِجِ خَفضِ الدَّعمِ، وَإِلغاءِهِ عَلى سَنَواتٍ، كَمَا هو الحَالُ في مِصرَ، وَتُونُسَ، وَمُؤَخَّرَاً المَغرِبِ. فَمِصرُ عَلى سَبيلِ المِثَالِ، بَنَتْ مُوازَنَةَ العَامِ المَاليِّ (2014-2015 م) عَلى اعتِبَارِ مُتَوَسِطِّ سِعرِ بَرمِيلِ النِّفطِ (105) دُولارٍ، وَهُو مَا يَعني أَنَّ الوَارِدَاتِ المِصرِيَّةَ مِنَ النِّفطِ _في ظِلِّ هَذِهِ الأَسعارِ_ سَتَنخَفِضُ بِنَحوِ (50) دُولارٍ لِلبِرمِيلِ. وَلَكِن، عَلى الصَّعيدِ الآَخَرِ، قَد تَتَأَثَّرُ هَذِهِ الدُّوَلُ سَلبِيَّاً؛ بِسَبَبَ تَراجُعِ استِثمارَاتِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ النِّفطِيَّةِ، مِمَّا يَزيدُ مِن تَفَاقُمِ حَالَةِ الرُّكودِ بِالدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ غَيرِ النِّفطِيَّةِ؛ فَيَجتَمِعُ عَليها عَودَةُ جُزءٍ مِن عَمَالَتِها بِالدُّوَلِ النِّفطِيَّةِ، وَتَزايُدُ حِدَّةِ الرُّكودِ.