العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دورُ المصارفِ الإسلاميةِ في صَدِّ مُهدِّداتِ الأمنِ الاقتصاديِّ

د. أحمد الإدْريسيّ

أستاذُ التعليمِ الثانويِّ التأهيليِّ، الَمغرب، باحثٌ في الاقتصادِ الإسلاميِّ

يحظى موضوعُ الأمنِ الاقتصاديِّ باهتمامٍ بالغٍ لدى المُجتمعِ الدوليِّ بسببِ كثرةِ المشكلاتِ والظواهرِ الطبيعيةِ وغيرِ الطبيعيةِ التي تحدُثُ في أماكنَ متفرقةٍ مِن العالَمِ، خاصَّةً تلكَ الأزماتُ التي تتخطّى الحدودَ الوطنيةَ إلى الإقليميةِ والدوليةِ، التي تتطلَّبُ حُلولاً على المُستوى العالَميِّ، كما تُوجَدُ مناطقُ كثيرةٌ في العالَمِ تُعاني مِن نُدْرَةِ المواردِ والغِذاءِ أو انعدامِه مِمّا يتطلَّبُ ذلكَ اتخاذَ التدابيرِ المناسبةِ اقتصادياً لتأمينِ الحاجاتِ الأساسيةِ لِحياةِ البشريةِ واستقرارِها. هذا مِن جهَةٍ، ومِن جِهَةٍ أُخرى يعتبَرُ الأمنُ الاقتصاديُّ الُمنفذُ الأساسُ إلى الاستقرارِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والسياسيِّ وإلى حفظِ التوازناتِ؛ ويهدفُ إلى توفيرِ أسبابِ العيشِ الكريمِ ويُلبِّي الضرورياتِ والحاجياتِ، ويُسهِمُ في رفعِ مُستوى الخدماتِ، وفي توفيرِ فُرَصِ العملِ، وتحسينِ ظروفِ المعيشةِ.
 وقد أشارتْ عِدَّةُ دراساتٍ إلى أنّ التمويلَ الإسلاميَّ مثَّلَ آليّةً للتعافي مِن الأزمةِ الاقتصاديةِ العالَميةِ، وأنّهُ يُمكِنُ أنْ يكونَ وسيلةً فعّالةً للخُروجِ مِن العديدِ مِن الأزماتِ كالبطالةِ والفقرِ والهِجْرةِ التي تُعاني مِنها مناطِقُ عديدة ٌمِن العالَمِ. وتتجلَّى أهميةُ آلياتِ التمويلِ الإسلاميِّ، في قُدرَتِها على تحقيقِ العَدالةِ بينَ طرفي المُعامَلَةِ، بحيثُ يحصلُ كُلُّ طرَفٍ على حقِّهِ، الأمرُ الذي يُشجِّعُ على الاستثمارِ وترويجِ الأموالِ واستخدامِ التمويلِ المُتاحِ في مشروعاتٍ تنمويةٍ حقيقيةٍ تُفيدُ المجتمعَ، كُلُّ ذلِكَ يؤدِّي إلى تحقيقِ الاستقرارِ، والأمنِ الاقتصاديِّ. 
أوَّلاً: مفهومُ الأمنِ الاقتصاديِّ؛ 
مفهومُ الأمنِ:
الأمنُ لُغَةً: الأمْنُ والأمانُ في اللُّغةِ مَصْدَرانِ بمعنى الطُمأنينةِ وعَدَمِ الخوفِ؛ جاء في لسانِ العربِ لابن منظورٍ: (الأمْنُ نقيضُ الخَوفِ، أمِن فلانٌ يأْمَن أمْناً وأمَناً.) . وفي مُختارِ الصَّحاح: (الأمْنُ ضِدُّ الخَوفِ و(الأمَنَةُ) الأمْنُ، ومِنْهُ قولُه تعالى: أَمَنَةً نُعَاساً" .) . وفي القامُوسِ المُحيطِ: (الأمْنُ والأمِنُ كصَاحِبٍ؛ ضِدُّ الخَوْفِ) ، 
 وفي مُعجَمِ المُصطَلحاتِ والألفاظِ الفِقهيةِ: (الأمَنُ في اللُّغَةِ ضِدُّ الخَوفِ، وهو: عَدَمُ توقُّعِ مَكرُوهٍ في الزَّمانِ الآتي، وفُسِّر أيضاً بالسَّلامَةِ، تقول: "أمِنَ فُلانٌ الأسدَ" أي سَلِمَ، وأصْلُهُ: طُمأنينةُ النَّفْسِ وزَوالُ الخَوفِ) .
الأمنُ اصْطلاحاً: الأمنُ؛ ضِدُّ الخَوفِ، والخَوفُ بالمفهومِ الحديثِ يعني التهديدَ الشامِلَ، سواءٌ مِنْهُ الاقتصاديُّ أو الاجتماعيُّ أو السياسيُّ، الداخليُّ مِنْهُ والخارجيُّ، فهُوَ يشْمَلُ اطمئنانَ النُّفوسِ وزوالَ الخَوفِ. 
وقدْ ذَكَرَ القُرآنُ الكريمُ نِعمَةَ الأمْنِ مِنَ الخَوفِ بجوارِ نِعمةِ الإطعامِ مِن الجُوعِ؛ وذلِكَ في قولِه تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) . وجمَعَ النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ الأمْنِ وكَسْبِ القُوْتِ وعافيةِ البَدَنِ، فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوْتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) .
مفهومُ الأمنِ الاقتصاديِّ: هو شُعورُ الناسِ بالأمنِ مِن توفُّرِ حاجتِهِم المَعيشيَّةِ وقناعتِهم وطُمأنينتِهم بِما يصِلُ لَهم وهذا يتحصَّلُ مِن خِلالِ قُدْرَةِ الدَّولَةِ على تأمينِ حاجةِ الناسِ مِن جِهَةٍ، وإشعارِ الناسِ بالقناعةِ بالعدلِ في توزيعِ الثروةِ مِن جِهَةٍ أُخرى.
وعلى ضوءِ المفهومِ الشاملِ للأمنِ، فإنّه يعني أيضاً تهيئةَ الظروفِ المُناسِبةِ التي تكفلُ الحياةَ المُستقرَّةَ، ومِن هذه الأبعادِ البُعْدُ الاقتصاديُّ والذي يهدفُ إلى توفيرِ أسبابِ العيشِ الكريمِ وتلبيةِ الاحتياجاتِ الأساسيةِ، ورَفْعِ مستوى الخدماتِ، وتحسينِ ظروفِ المعيشةِ لأفرادِ المجتمَعِ، وتوفيرِ فُرَصِ عَمَلٍ لِمَنْ هُوَ في سِنِّ في العملِ مع الأخذِ بِعَينِ الاعتبارِ تطويرَ القُدُراتِ والمَهاراتِ مِن خِلالِ برامجِ التعليمِ والتأهيلِ والتدريبِ وفتحِ المجالِ لمِمارَسةِ العملِ الحُرِّ الشَّريفِ في إطارِ التشريعاتِ والقوانينِ القادِرَةِ على مُواكبةِ روحِ العصرِ ومُتطلَّباتِ الحياةِ. 
ويتكوَّنُ الأمنُ الاقتصاديُّ مِن عِدَّةِ عناصِر أهمُّها: الأمنُ الغذائيُّ والأمنُ الصِّحِّيُّ، والرعايةُ الاجتماعيةُ، والتأمينُ، والضمانُ الاجتماعيُّ، واستحداثُ مشاريعَ تنمويةٍ ومشاريعَ مُكافَحةِ الفقرِ والهشاشَةِ.
أثرُ الأمنِ الاقتصاديِّ على الفردِ والمُجتمَعِ: إنَّ المتدبِّرَ للقُرآنِ الكريمِ يرى أنّه يتحدَّثُ عن نوعينِ مِن الأمنِ؛ 
الأوَّل:ِ الأمنِ على مُستوىِ الفردِ؛ ويَتمثِّلُ في عامِلِ الأمنِ النَّفْسيِّ. والثاني: الأمنِ على المُستوى الجَماعيِّ؛ ويَتمثَّل في تحقيقِ الحمايةِ لحقوقِ المُجتمَعِ.
أثرُ الأمنِ الاقتصاديِّ على الفردِ؛ يظهرُ الأمنُ على المستوى الفرديِّ في تحقيقِ قَدْرٍ مِن الطُّمأنينةِ والسَّكينةِ للفردِ، مِن خِلالِ حِمايتِه مِن الأخطارِ التي تُهدِّدُ حياتَه أو عِرْضَه أو مالَه أو حُرِّيَّتَه، ثُمَّ إنَّ الأمنَ الاقتصاديَّ يجلبُ وفْرةَ الرِّزقِ وكثرةَ الثرواتِ والرَّفاهِ الاجتماعيِّ للأفرادِ ويُؤدِّي غيابُه إلى الخوفِ والاضطرابِ الاجتماعي والحُروبِ والمَجاعَةِ.
أثرُ الأمنِ على المُستوى الجَماعيِّ؛ يتمثَّلُ في تحقيقِ الحِمايةِ لحقوقِ الجَماعاتِ المُختلِفَةِ في المجتمَعِ ورعايةِ مَصالِحها في المَجالاتِ المُختلِفةِ وتوفيرِ النُّظُمِ والمؤسَّساتِ التي تخدمُ هذه الجَماعاتِ، فلا يُمكِنُ تحقيقُ الأمنِ الاقتصاديِّ إلاَّ مِن خِلالِ توفُّرِ الأمنِ للأفرادِ والجَماعاتِ المُكوِّنَةِ للمُجتمَعِ، وهُناكَ عددٌ مِن النَّظرياتِ تحدَّثتْ عنْ علاقةِ الأمنِ الاقتصاديِّ بالحاجاتِ الأساسيةِ للإنسانِ وهِي ما يُعْرَفُ بنظرياتِ الحاجاتِ الأساسية، يقولُ ابنُ خلدون رحِمَهُ اللهُ تعالى: "اعْلَمْ أنّ العُدوانَ على الناسِ في أموالِهِم ذاهبٌ بآمالِهم في تحصيلِها واكتِسابِها، لِما يَرونَه حينئذٍ مِن أنَّ غايتَها ومصيرَها نهبُها مِن أيديهِم.  وإذا ذهبتْ آمالُهُم في اكتِسابِها وتحصيلِها انقبضتْ أيديهِم عن السَّعي في ذلِكَ. وعلى قَدْرِ الاعتداءِ ونِسبَتِه يكونُ انقباضُ الرَّعايا عن السَّعي في الاكتِسابِ، فإذا كانَ الاعتداءُ كثيراً عامَّاً في جميعِ أبوابِ المَعاشِ كانَ القُعودُ عن الكَسْبِ كذلِكَ لِذهابِه بالآمالِ جُملَةً بِدُخُولِه في جميعِ أبوابِها، وإنْ كانَ الاعتداءُ يسيراً كانَ الانقباضُ عن الكَسْبِ على نِسْبَتِه، والعُمْرانُ ووُفورُه ونَفاقُ أسواقِه إنَّما هُو بالأعمالِ وسَعْي الناسِ في المَصالحِ والمَكاسِبِ ذاهِبِينَ وجائِينَ. فإذا قَعَدَ الناسُ عن المَعاشِ وانقبضتْ أيديهِم عنْ المكاسِبِ كسَدتْ أسواقُ العُمرانِ، وانتقضَتِ الأحوالُ وأذعِرَ الناسِ في الآفاقِ مِن غيرِ تِلْكَ الإيالةِ في طلبِ الرِّزقِ فيما خَرَجَ عن نِطاقِها، فخَفَّ مساكنُ القطرِ، وخَلَتْ ديارُه، وخَرِبْتْ أمصارُه، واخْتَلَّ باختلالِه حالُ الدولةِ والسلطانِ، لمِا أنّها صُورةٌ للعُمرانِ تفْسُدُ بفسادِهِ ضَرورةً" .
نخْلُصُ إلى أنَّ هُناكَ تكامُلٌ بينَ النوعينِ؛ فإشباعُ الحاجاتِ الأساسيةِ على المستوى الفرديِّ يُمكِنُ أن يُؤدّيَ إلى تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ للمجتمَعِ والعكسُ صحيحٌ في حالةِ عدمِ إشباعِ هذهِ الحاجاتِ الأساسيةِ فإنَّ الأفرادَ يُصبِحونَ مُهدِّدِينَ اقتصاديَّاً للمجتمَعِ باعتبار ِأنّ الإنسانَ هو الذي يقومُ بعملياتِ الإنتاجِ والتوزيعِ والإشرافِ عليها وهو المُحرِّكُ الأساسُ للنشاطِ الاقتصاديِّ.
ثانياً: مُهدِّداتُ الأمنِ الاقتصاديِّ؛ 
عِندَ تناوُلِ العواملِ والأسبابِ والمُتغيِّراتِ التي تؤدِّي إلى انعدامِ الأمنِ بِصُورةٍ عامَّةٍ والأمنِ الاقتصاديِّ بِصُورةٍ خاصَّةٍ، لابُدَّ مِن الحديثِ عن علاقةِ الأمنِ الاقتصاديِّ بالاستقرارِ الاجتماعيِّ، لأنَّ الاستقرارَ بمعناهُ الاقتصاديُّ والأمنيُّ والسياسيُّ، مِن أهمِّ مُتطلَّباتِ البيئةِ المُواتيةِ التي تَهدفُ لتحقيقِ تنميةٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ حقيقيةٍ، بلْ تُعتبَرُ بيئةُ الاستقرارِ شرطاً أساساً لإحداثِ أيِّ تحوُّلٍ اقتصاديٍّ أو اجتماعيٍّ. 
وأُلخِّصُ مُهدِّداتِ الأمنِ الاقتصاديِّ فيما يلي:
1- الفقرُ: يُمثِّلُ الفقرُ الخطرَ الأكبرَ للمُجتمَعاتِ المُعاصِرَةِ وذلِكَ لأنّه هوَ أحدُ مُهدِّداتِ الأمنِ الاقتصاديِّ، وبانتشارِ الفُقراءِ في الُمجتمَعِ ينحرفُ سلوكُ الفردِ؛ فتكثرُ الجرائِمُ والسرقاتُ وتنتشرُ الأمراضُ وسوءُ التغذيةِ، يقولُ الدكتور روضة محمّد بن ياسين في هذا الصَّدَدِ: (قدْ يكونُ للحالةِ الاقتصاديةِ التي تكتَنِفُ الفردَ أثرٌ بليغٌ في انحرافِ سُلوكِه، فقدْ أدرَكَ الإسلامُ طبيعةَ الفقرِ وعلاقتَه بالانحرافِ السُّلوكيِّ، فاستعاذَ النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْهُ بقولِه: "اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وعَذابِ القَبْرِ" ، وكانَ يقولُ أيضاً: "اللهُمَ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنَ الفَقْرِ وَالقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أَظْلِمَ أوْ أُظْلَمَ" ) . 
2- انخفاضُ متوسِّطُ دَخْلِ الفردِ: يُعرَّفُ بأنّه المُستوى مِن الدَّخْلِ_ في دولَةٍ ما_ اللازمُ لضمانِ أدنى مُتطلَّباتِ الحياةِ للفردِ ويختلِفُ باختلافِ دخلِ الدولةِ، ويُلحَظُ وجودُ شرائحَ كبيرةٍ مِن المُجتمَعِ في عَدَدٍ مِن الدولِ تعيشُ تحتَ خطَّ الفَقرِ.
3- البطالةُ: إنّ ارتفاعَ مُعدَّلاتِ السُّكانِ الناشطينَ اقتصادياً يَعكِسُ الوضعَ الاقتصاديَّ للدولةِ المُعينةِ ويَعكِسُ مدى قُدْرَتِها في تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ. ويُعتبَرُ العملُ مَصدَراً أساساً في إشباعِ الحاجاتِ الأساسيةِ للإنسانِ ويعملُ على تحويلِ الإنسانِ مِن حالةِ الفَقرِ والجُوعِ والخَوفِ إلى حالةِ الاستقرارِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، كما أنّه هُوَ الوسيلةُ والمَدْخِلُ الفاعِلُ في تحقيقِ القُوَّةِ الاقتصاديةِ والأمنِ الاقتصاديِّ، ولِذلِكَ يُنظَرُ للمُجتمَعِ الذي تَسُودُ فيه مُعدَّلاتٌ مُرتفِعَةٌ مِن البَطالةِ وغيرِ الناشطينَ اقتصادياً بأنّه مُجتمَعٌ فقيرٌ أو غيرُ نامٍ أو مُتأخرٌ، أو غيرُ مُنتِجٍ. 
4- الهِجْرَةُ والنُّزوحُ: يُؤدِّي عدمُ الاستقرارِ الاجتماعيِّ والصِّراعاتُ والتَّدهورُ التنمويُّ إلى إحداثِ الهِجراتِ واللجُوءِ والنُّزوحِ في المجتمَعِ وربّما أنَ هذهِ المُتغيِّراتِ المذكورةَ تَظهَرُ نتيجةً لِغيابِ التوازنِ التنمويِّ والعدالةِ في توزيعِ الثرواتِ والخدماتِ.  ولِذلِكَ فإنَّ "غيابَ العَدلِ يقتَضي غيابَ الأمنِ، فإذا سادَ الظُّلْمُ سادَتِ الفِتنةُ وعمَّتِ الاضطراباتُ وزادَ الخوفُ سواء ٌكانَ ذلِكَ خوفُ الأفرادِ مِن بَعضِهم البعضِ أو خوفُ الناسِ مِن وُلاةِ الأمرِ" ، والهِجْرَةُ والنُّزوحُ واللجوءُ تُعتبَرُ آثاراً واضحةً لانعدامِ الأمنِ الاقتصاديِّ في المجتمَع وتؤدِّي إلى نتائجَ وخيمةٍ على الفردِ والمُجتمَعِ، ومِن أهمّها: 
* تفشِّي الجرائمِ الدخيلةِ على المجتمَعِ. 
* العملُ السلبيُّ للمُنظَّماتِ الذي يشملُ التنصيرَ، وتهديدَ الهُويَّةِ. 
* تفشِّي البطالةِ وسطَ الشبابِ والمُتعلمِينَ؛ مِمّا يدفعُهم للانخراطِ في التمرُّدِ، وفي أعمالِ النَّهبِ.
* أدّى الانفراطُ الأمنيُّ، واختلالُه إلى زيادةِ الأسعارِ، وانفراطِ النسيجِ الاجتماعيِّ.
كُلُّ ذلكَ لهُ علاقةٌ بعدمِ توفُّرِ الأمنِ الاقتصاديِّ، والطُّمأنينةِ، وإشباعِ الحاجاتِ الأساسيةِ للإنسانِ. 
5- نقصُ التمويلِ والتوزيعِ غيرِ المُتوازنِ لهُ يُعَدُّ مِن أهمِّ أسبابِ انعدامِ الأمنِ الاقتصاديِّ: إنّ التوزيعَ غيرَ المتوازنِ، ونقصَ التمويلِ عندَ فئةٍ عريضةٍ مِن المجتمعِ؛ يُسبِّبُ في انعدامِ الأمنِ الاقتصاديِّ، ومِن أهمِّ أسبابِه تخوفُّهُم مِن التعامُلاتِ الرِّبويةِ؛ فالتعامُلُ بالفائدةِ يُهدِّدُ المَدينَ، ويُلْحِقُ به الضَّررَ _خاصَّةً إذا لم يستطعْ سدادَ دَينِه في الأجلِ المُحدَّدِ _كما يقولُ ابنٌ قيِّم الجَوزية رحِمَه اللهُ: "ويعلو الدَّيْن حتّى يستغرِقَ جميعَ موجودِه، فيربو المالُ على المحتاجِ مِن غيرِ نفعٍ يحصلُ لهُ، ويزيدُ مالُ المرابي مِن غيرِ نفعٍ يحصلُ منهُ لأخيهِ، فيأكلَ مالَ أخيهِ بالباطلِ، ويحصلُ أخوهُ على غايةِ الضَّررِ؛ فمِن رحمةِ أرحمِ الراحمينَ وحِكمتِه وإحسانِه إلى خلقِه أنْ حرَّمَ الرِّبا" .
6- سوءُ التدبيرِ وضَعْفُ التَّخطيطِ: يؤدِّي التخطيطُ غيرُ المعقْلَنِ، وسوءُ التدبيرِ الاستراتيجيِّ إلى الاضطرابِ في المجالاتِ الاقتصاديةِ، والسياسيةِ، والاجتماعيةِ، ويسبِّبُ في التراجعِ على جميعِ المستوياتِ، وإلى فقدانِ ثقةِ المستثمِرينِ بصلابةِ القراراتِ الاقتصاديةِ، وابتعادِه عن المباشرةِ بأيّ أعمالٍ استثماريةٍ ذاتِ طابَعٍ طويلِ الأجلِ.
7- التفكُّكُ الأسريُّ وغيابُ الرعايةِ الاجتماعيةِ: باعتبارِ الأُسْرَةِ هي اللَبِنةُ الأُولى للمجتمعِ، وهي مصدرُ القُوى البشريةِ التي تحرِّكُ التنميةَ الاقتصاديةَ، والاجتماعية؛، فإنّه تترتَّب على التفكُّكِ الأُسريِّ آثاراً خطيرةً على الأسرةِ والمجتمعِ، أهمُّها انعدامُ الأمنِ الاقتصاديِّ، واختلالُ السلوكِ في الأسرةِ، وانهيارُ الوحدةِ الأُسريةِ، وانحلالُ بناءِ الأدوارِ الاجتماعيةِ لأفرادِ الأسرةِ؛ وهو ما يُعرَفُ بمفهومِ التفكُّكِ الأُسريِّ، الذي يرجعُ لِعدَّةِ أسبابٍ أهمُّها الفقرُ، والبطالةُ، والهجْرُ، والطلاقُ، وغيرُها.
ثالثاً: دورُ المصارفِ الإسلاميةِ في تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ
المصارفُ الإسلاميةُ: هي مؤسَّساتٌ ماليةٌ تسعى لتحقيقِ التنميةِ الشاملةِ؛ والتي تتمثَّلُ في التنميةِ الاقتصاديةِ، والاجتماعيةِ، ويسمَحُ رأسُ مالِها، والبدائلُ الشرعيةُ التي تعملُ بِها، بتطبيقِ المبادئِ الأساسيةِ للاقتصادِ الإسلاميِّ، كما أنّها تعملُ وفقَ النظرةِ الإسلاميةِ لرأسِ المالِ؛ لذلِكَ تستطيعُ أنْ تُحقِّقَ الأمنَ الاقتصاديَّ، وأنْ تُراعي مستوياتِ المعيشةِ والمُتغيِّراتِ، يقول الدكتور منصور التركي: (ومِن مزايا النظريةِ الإسلاميةِ لرأسِ المالِ أنّها أكثرُ واقعيةً؛ لأنَّ إنتاجيةَ رأسِ المالِ المُعرَّضةِ للتغييرِ ترتبِطُ فيها بواقعِ الإنتاجِ، الذي يُفتَرضُ بأنّه مُتحرِّكٌ في الإطارِ الديناميكيِّ للنموِّ، ومراعاةِ جميعِ المُتغيِّراتِ المؤثِّرةِ للسكانِ، وعاداتِهم، وأذواقِهم، ومستوياتِ معيشتهِم، والاختراعاتِ) . 
ومِمّا يبعثُ على الاطمئنانِ والأمانِ على المالِ، والنفسِ؛ أنّ المصارفَ الإسلاميةَ تسعى لإيجادِ الصِّيغِ الاستثماريةِ الإسلاميةِ التي يتمكَّنُ مِن خِلالها مِن تمويلِ المشروعاتِ الاستثماريةِ المختلفةِ بِما لا يتعارضُ معَ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ. كما تعملُ على ابتكارِ، وتطويرِ الخدماتِ المصرفيةِ ولا تتعارض مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وتقديمِ العديدِ مِن التسهيلاتِ للعُملاءِ، و "تعملُ البنوكُ الإسلاميةُ بشكلٍ مُستمِرٍّ على استحداثِ أدواتٍ مصرفيةٍ إسلاميةٍ جديدةٍ؛ سواءٌ في مجالاتِ المواردِ، والودائعِ، أو مجالاتِ التوظيفِ والائتمانِ، أو الاستثمارِ، وبالشكلِ الذي يُغطِّي احتياجاتِ الأفرادِ، و يتوافقُ مع متطلَّباتِ، ومتغيِّراتِ العصرِ" . ولكي تؤدِّي المصارفُ الإسلاميةُ دورَها هذا لابُدَّ مِن مُساعدتِها على تخطيطِ السياسةِ الماليةِ؛ مِن أجلِ تحقيقِ الأمنِ الاقتصاديِّ الذي تطمَحُ إليه؛ يقول الدكتور سيد شوربحي عبد المولى: )كما لتخطيطِ السياسةِ الماليةِ دورٌ في الحدِّ مِن مشكلةِ التهريبِ الضريبيِّ، والقضاءِ على البطالةِ، وحُسْنِ استخدامِ وتوجيهِ الإنفاقِ العامِّ، ومعالَجةِ مشاكلِ الفقرِ) .
رابعاً: دورُ المصارفِ الإسلاميةِ في صَدِّ مُهدِّداتِ الأمنِ الاقتصاديِّ
رأينا المُهدِّداتِ الأساسيةَ للأمنِ الاقتصاديِّ، وأثرها السلبيَّ على الاستقرارِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ، وسنرى في هذه الفِقرةِ كيفَ يُمكِنُ للمصارفِ الإسلاميةِ أن تُساهِمَ في مُواجَهِة هذه التهديداتِ، وإيجادِ حلولٍ عمليةٍ لِتَجاوزِها.
بالنسبةِ للفقرِ؛ لقد نصَّتِ البنوكُ الإسلاميةُ في قوانينِها التأسيسيةِ على تحقيقِ التنميةِ الاجتماعيةِ، وما يتضمَّنُه ذلِكَ مِن مُكافَحةٍ الفقرِ والبطالةِ؛ فمثلاً جاءَ في النظامِ الأساسِ للبنكِ الإسلاميِّ للتنميةِ أنّ هدَفَه: هو دعمُ التنميةِ الاقتصاديةِ، والتقدُّمُ الاجتماعيُّ للمجتمعاتِ الإسلاميةِ مُجتمعةً، ومُنفرِدةً وفقاً لأحكامِ الشريعةِ. 
 كما أنّها تعملُ على إعدادِ، وإنجازِ دراساتٍ ذاتِ جدوى؛ لإقامةِ مشروعاتٍ صغيرةٍ مُجمَّعةٍ تحلُّ مَحلَّ الوارداتِ، وتنمِّي الصادراتِ مع تنفيذِ البنوكِ الإسلاميةِ لتلكَ المشروعاتِ، وتوفيرِ ما تحتاجُه مِن أصولٍ إنتاجيةٍ، وتمليكِها للفقراءِ الذين تستقدمُهم للعملِ في هذهِ المشروعاتِ.
ويقولُ الدكتور محمّد عبد الحليم عُمر: (تُشيرُ دراسةٌ حديثةٌ إلى أنَّ دوافعَ ما بينَ 86 إلى 96% مِن العُملاءِ في التعامُلِ مع هذه البنوكِ هي إسلاميةُ تلكَ المؤسَّساتِ المصرفيةِ، ومِن هُنا يجبُ عليها أنْ تقومَ بِدورٍ تنمويٍّ، وهو أقصرُ الطُّرقِ لِمحاربةِ ظاهرةِ الفقرِ) . 
المساهمةُ في استقرارِ متوسِّطِ دخلِ الفردِ: تعمَدُ المصارفُ الإسلاميةُ إلى استقرارِ وتحسينِ دخلِ الفردِ؛ عن طريقِ استثمارِ الأموالِ في الصالحِ العامِّ؛ "مِمّا يترتَّبُ عليه كثرةُ الإنتاجِ، وبذلِكَ تقلُّ نسبةُ البطالةِ هذا مِن ناحيةٍ، ومِن ناحيةٍ أُخرى؛ يتحقَّقُ لدينا زيادةُ دخلِ الفردِ؛ فيعودُ ذلك على ارتفاعِ نسبةِ الأموالِ في مَورِدِ الزكاةِ، فضلاً عن أنَّ عقيدةَ الفردِ الإسلاميةِ تزيدُ تقْواهُ، وتجعلُه حريصاً على بَذلِ القُرباتِ، وذلكَ عن طريقِ الصَّدقاتِ" .
والبنوكُ الإسلاميةُ تُساهِمُ في حمايةِ أصحابِ الدخولِ المحدودةِ على شكلِ مُساعَداتٍ ماليةٍ؛ كالضمانِ الاجتماعيِّ، وكذلك توفيرِ الرعايةِ التعليميةِ، والصحيةِ، وتُساهِمُ أيضا في تنميةِ مناطقِ الفقراءِ؛ مِن خلالِ إقامةِ مشروعاتٍ للبِنيَةِ الأساسية؛ لتوفِّرَ لَهم المعيشةَ بصورةٍ كريمةٍ.
بالنسبةِ للبطالةِ: إنَ الفئاتِ القادرةَ على العملِ، والباحثةَ عنه في حاجةٍ ماسَّةٍ للأمنِ بشكلٍ عامٍّ، والأمنُ الاقتصاديُّ بشكلٍ خاصٍّ، ويتحقَّقُ لهم ذلكَ مِن خِلالِ الحصولِ على التمويلِ بالصِّيغِ الإسلاميةِ، وبدأِ الأنشطةِ الاقتصاديةِ مِمّا يعنى التخلُّصَ مِن مُشكِلَةِ البطالةِ مِن جهةٍ، والحصولِ على دخلٍ؛ مِمّا يعنى انحسارَ الفقرِ. وينبغي أنْ نعيَ أنّ قطاعَ التمويلِ الإسلاميِّ: هو وسيلةٌ لمزاولةِ الأعمالِ بِما يتوافقُ مع أحكامِ الشريعةِ، فهو بديلٌ أخلاقيٌّ للاستثمارِ يتمتَّعُ بالنّزاهةِ، والمسؤوليةِ الاجتماعيةِ، أضفْ إلى ذلِكَ أنّها وسيلةٌ تُساهِمُ في تنويعِ مَحافِظِ المُستثمِرينَ، الشيء الذي يجعلُهم يطمئِنونَ أكثرَ على أموالِهم، ويدفعُهم لتنويعِ الاستثماراتِ.
بالنسبةِ للهِجْرَةِ والنُّزوحِ: مِن أهمِّ أسبابِ النُّزوحِ والهجرةِ مِن الأريافِ؛ ضَعْفُ التمويلِ الفلاحيِّ، والزراعيِّ اللازمَينِ للاستقرارِ في الريفِ، وفي ظلِّ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ يُمكِنُ للبنوكِ الإسلاميةِ عُموماً، وبنوكِ التنميةِ الزراعيةِ خاصَّةً مُزاولةَ نشاطِها التمويليِّ؛ مِن خِلالِ استخدامِ الصيغِ الإسلاميةِ المعروفةِ ؛كاستخدامِ نظامِ المُرابَحةِ بدلاً مِن نظامِ الفائدةِ المُحرَّمةِ؛ حيثُ يقومُ البنكُ في هذه الحالةِ بشراءِ مُستلزماتِ الإنتاجِ؛ كالأسمدةِ، والبُذورِ، وغيرِها، ثُمَّ يُعيدُ بيعَها للمُزارِع على أنْ يُسدِّدَ قيمتَها في نِهاية الموسِم، وكاستخدامِ نظامِ التأجيرِ المنتهي بالتمليكِ للآلاتِ، والمعدَّاتِ الزراعيةِ، وأجهزةِ الرّيِّ، وغيرِها مِن الآلاتِ الزراعيةِ نظيرَ أجرٍ سنويٍّ مع تسديدِ جزءٍ مِن قيمةِ العَين المُؤجَرةِ حتّى يتمَّ تسديدُ القيمةِ كاملةً، ومِن ثَمَّ تنتقلُ المِلكيةُ إلى المُستفيدِ .
إنّ طريقَ التنميةِ، والأمنِ الاقتصاديِّ؛ هو السلامُ المؤدِّي إلى الأمنِ التنمويِّ، والذي يُحقِّقُ الرفاهيةَ، وزيادةَ المواردِ الاقتصاديةِ التي تكفلُ بِدورِها توفيرَ الظروفِ الملائمةِ لتوطيدِ السلامِ؛ لأنّ الاحتزابَ ينشأُ في ظلِّ الفقرِ والفاقةِ، فكلَّما تحسَّنَ وضعُ الدولةِ ارتفعَ مستوى معيشةِ الفردِ، وكلَّما تحسَّنت الأحوالُ الاجتماعيةُ للناسِ بَعُدَ شَبَحَ الحَربِ. 
مُعالجةُ نقصِ التمويلِ والتوزيعِ غيرِ الُمتوازنِ؛ تنطلِقُ البنوكُ الإسلاميةُ مِن فلسفةِ: أنّ المالَ ينبغي أنْ يفعلَ دورَه في توفيرِ الكفايةِ لجميعِ أفرادِ المجتمعِ؛ انطلاقاً مِن قولِه تعالى: "كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ" ، ومِن هُنا ذهبَ الأُصوليّونَ إلى أنَّ مِن مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ في المالِ؛ أنْ يدورَ بينَ أكثرَ عددٍ مُمكِنٍ مِن الأيدي بوجِه حقٍّ؛ حتّى يعمَّ نفعُه للجميعِ. والمصارفُ الإسلاميةُ بديلٌ أخلاقيٌّ للاستثمارِ يتمتَّعُ بالنَّزاهةِ، والمسؤوليةِ الاجتماعيةِ، وهي مؤسَّساتٌ ماليةٌ ومصرِفيةٌ؛ لتجميعِ الأموالِ، وتوظيفِها؛ بِما يخدمُ بناءَ مجتمعِ التكافلِ الإسلاميِّ، وتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ، ومِن أهمِّ أهدافِها؛ "تحريكُ الطاقاتِ الكامنةِ في المجتمعِ للوصولِ بِها إلى أقصى إنتاجيةٍ مُمكِنةٍ، بِما يكفلُ التغيُّرَ المنشودَ في الشرعِ، ولاشكَّ أنّ تحريكَ الطاقاتِ الكامنةِ في المجتمعِ _أيّاً كان نوعُ هذه الطاقاتِ_ أيّ سواءٌ كانت بشريةً، أو ماديةً، أو غيرَها، فإنّه نوعٌ مِن التغييرِ في المجتمعِ الذي تنشُده البنوكُ الإسلاميةُ؛ كهدفٍ مِن أهدافِ الشرعِ الإسلاميِّ" .
فنقصُ التمويلِ والتوزيعِ غيرُ المتوازنِ مِن أهمِّ أسبابِ انعدامِ الأمنِ الاقتصاديِّ؛ لذلكَ فإنّها تعملُ على إعادةِ توزيعِ الدخولِ بين أفرادِ المجتمعِ؛ مِمّا يُسهِمُ في تقدُّمِ المجتمعِ، ودعمِ قُدرتِه الاقتصاديةِ، كما يقول الدكتور سيّد شوربحي عبد المولى: )إنّ تقدُّمَ المجتمعاتِ، ودعمَ قُدرتِها الاقتصاديةِ لا يعودُ كافياً إلا إذا اقترنَ بعدالةِ توزيعِ الدخولِ بين أفرادِ المجتمعِ؛ ضماناً للاستقرارِ الاجتماعيِّ، وحمايةً لمِكتسباتِ التنميةِ، وحتّى يمكِنَ استمرارُ جهودِ التنميةِ) . 
معالَجةُ سوءِ التخطيطِ: يعملُ قطاعُ التمويلِ الإسلاميِّ بمختلَفِ صِيَغِه على معالجةِ سوءِ التخطيطِ؛ فهو يضبطُ الخططَ المستقبليةَ، لاستعادةِ ثقةِ المستثمِرينَ، ولمعالجةِ المشاكلِ الناجمةِ عن سوءِ التدبيرِ، وضَعْفِ التخطيطِ؛ إذ "يُساهِمُ التخطيطُ في مكافحةِ جرائمِ النموِّ الاقتصاديِّ؛ حيثُ في الإمكانِ تخطيطُ السكانِ، والهجرةِ، والقوةِ العاملةِ، وتخطيطِ القطاعِ النقديِّ والمصرفيِّ؛ للقضاءِ على ظاهرةِ تقلُّباتِ القوةِ الشرائيةِ، والحدِّ مِن التسهيلاتِ الائتمانيةِ، وتهريبِ الأموالِ للخارجِ) . 
توفيرُ شبكاتِ الأمانِ الاجتماعيِّ: تساهمُ هذه المصارفُ في علاجِ مشاكلِ التفكُّكِ الأسريِ، وتوفير ِالأمنِ الاجتماعيِ للأفرادِ؛ مِن خِلالِ التخفيفِ مِن حِدَّةِ الفقرِ؛ الذي يؤدِّي إلى تشرُّدِ الأبناءِ، أو مُزاولتِهم التسوُّل في ضوءِ الحاجةِ الماديةِ، أو العملِ في سِنٍّ مُبكرةٍ في أماكنَ خطرةٍ؛ كالبيع ِبينَ السياراتِ، وعندَ الإشاراتِ الضوئيةِ، أو في المدنِ الصناعية ِالتي قد تستغلُ حداثةَ سِنِّهِم؛ فيقعونَ في فخِّ الانحرافِ الاجتماعيِّ، هذا فضلاً عن حِرمانِهم مِن فُرصةِ التعليمِ، ومع الفقرِ والبطالةِ تُضطرُ الأسرةُ إلى العيشِ في المناطقِ المُكتظَّةِ، وفي مساكنَ غيرِ صِحَّيةٍ، تُسبِّبُ الأمراضَ، وتضاعفُ احتياجاتِ الأسرةِ؛ مِمّا يؤدِّي إلى نشوءِ التوتُّرِ، والنِّزاعِ بين أفرادِ الأسرةِ.
أمّا بالنسبةِ للفئاتِ العاجزةِ عن العملِ؛ وهُمُ الأطفالُ، والعجَزةُ، والمعاقون، والأشخاصُ الذين يُعانونَ مِن وطأةِ الفقرِ المُدقِعِ، والمتوقِّفونَ عن العملِ؛ بسببٍ مِن الأسبابِ الخارجِة عن إرادتِهم، فقد حثَّ الإسلامُ جميعَ أفرادِ المجتمعِ على التعاونِ والتكافلِ معَهُم؛ لذلك أُنشِئت المؤسَّساتُ الاجتماعيةُ التكافليةُ، والمصارفُ الإسلاميةُ تُساهم بِدورِها في تمويلِ مشروعاتِ الرعايةِ الصحيةِ، والاجتماعيةِ، وزيادةِ الوعي الادخاريِّ لدى أفرادِ المجتمعِ.
خاتمة:
يَعتبرُ السياسيونَ، وعلماءُ الاقتصادِ الأمنَ الاقتصاديَّ مِن المنافذِ الأساسيةِ إلى الاستقرارِ السياسيِّ، والاجتماعيِّ، والاقتصاديِّ، وإلى حفظِ التوازناتِ؛ وأحد السُّبلِ إلى توفيرِ أسبابِ العيشِ الكريمِ، وتلبيةِ الضرورياتِ، والحاجياتِ، ويُسهِم في رفعِ مستوىِ الخدماتِ، وفي توفيرِ فُرصِ العملِ، وتحسينِ ظروفِ المعيشةِ. 
ومِمّا يُميِّزُ المصارفَ الإسلاميةَ تطبيقُ أحكامِ، وقِيمِ الشريعةِ الإسلاميةِ في المعاملاتِ المصرفيةِ والاستثماريةِ كافّةً ؛ علاوة على تطبيقها لأسلوب الوساطة المالية ؛القائم على المشاركة في الربح، أو الخسارة في كُلِّ المعاملات. فهذه المصارف بصيغها الشرعية لها دور فعَّال في حفظ هذه التوازنات، وتحقيق الأمن الاقتصادي، وتطوير الاقتصاد الاجتماعي؛ لذاك فقد أخذتْ مكانَها في الاقتصادياتِ المُعاصرةِ، وظهرتْ إيجابياتُها على المستوى المحليِّ، والإقليميِّ، والدولي.
ولقد أحسَّ المتعاملونَ مع المصارفِ الإسلاميةِ، إلى حدٍّ كبيرٍ، بالأمانِ الذي توفِّرُه لَهُم؛ إذ يُعتبَرُ أهمَّ عواملِ نجاحِ المصارفِ الإسلاميةِ هو ثِقةُ المُودِعِينَ في المصرفِ, ومِن أهمِّ عواملِ الثقةِ في المصارفِ أيضاً توافُرُ سيولةٍ نقديةٍ دائمةٍ لمواجهةِ احتمالاتِ السحبِ مِن ودائعِ العُملاءِ خصوصاً الودائعُ تحتَ الطلبِ دونَ الحاجةِ إلى تسييلِ أصولٍ ثابتةٍ. وتُستخدَمُ السيولةُ النقديةُ في المصارفِ في الوفاءِ باحتياجاتِ سحبِ الودائعِ الجاريةِ مِن ناحيةٍ واحتياجاتِ المصرفِ مِن المصروفاتِ التشغيليةِ بالإضافةِ إلى توفيرِ التمويلِ اللازمِ للمُستثمِرينَ.
وأودّ أنْ أُشيرَ إلى أمرٍ مُهِمٍّ يجلبُ الأمنَ والاستقرارَ هو البَركَةُ؛ فإذا كانتِ المعاملاتُ المصرفيةُ على أساسِ التقْوى والتكافُلِ، فإن الله تعالى وَعَدَ بالبَركَةِ في الرِّزقِ والأمنِ والأمانِ، قال عزَّ وَجلَّ: "ولو أنَّ أهْلَ القُرى آمنُوا واتَّقَوا لَفَتَحْنا عَليهِمْ برَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأرْضِ" .