العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

هُوَ سِرُّ نجاحِها إنَّهُ منهجُ تغييرِ المفاهيمِ الجَذريِّ في الشَّرِكاتِ الإنتاجيةِ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

إنَّ المُتتبِّع لِمَقالاتِنا الاِفتتاحيةِ؛ يجِدُ فيها طَرْقاً مُستمِرّاً نحوَ نهجِ التغييرِ الهادِئ؛ الذي يبدأُ بتغييرِ المفاهيمِ قبلَ تغييرِ الأساليبِ، ولفْتاً للأنظارِ نحوَ البياناتِ الضخْمةِ، وأساليبِ السيطرةِ عليها.

إنّها ثقافةُ التغييرِ التي يجبُ أنْ تصِلَ إلى جميعِ شَركاتِنا، ومؤسَّساتِنا، وإلى مَن فيها جميعِهم؛ فالمُشارَكةُ بفاعليةٍ تُعزِّز ُوُجودَ تِلكَ الشركاتِ والمؤسَّساتِ؛ بلْ تضبطُ إيقاعَها، وتُحَسِّنُ أسلوبَها، وتجعلُه أكثرَ انسجاماً واتِّساقاً نحوَ الابتكارِ؛ لِجعلِه ثقافةً أكثرً مِن حاجةٍ مُلِحَّةٍ.وقد دعونا في إحدى الافتتاحياتِ إلى تَحالُفِ وحداتِ البحثِ والتطويرِ؛ لتعزيزِ مُستقبلِ المؤسَّساتِ.

وسنتعرَّض لِدَرْسَينِ مُهِمَّينِ يعيشهُما العالَمُ هذه الأيامَ، هما: التغييرِ في أنماطِ الإنتاجِ، والتغييرِ في أنماطِ الإدارةِ؛ للعِبرَةِ والتَّعلُّمِ مِمَّا نجحُ فيه الآخَرونَ.

أوّلاً.. تغييرُ أنماطِ الإنتاجِ:

سنُمَيِّزُ بينَ أنموذَجينِ ساهما في تحقيقِ قفزةٍ نوعيةٍ لمفاهيمِ إدارةِ الإنتاجِ، الفارِقُ بينهُما خمسونَ عاماً، هُما الأنموذجُ اليابانيُّ، وأنموذجُ شركة (آبل).

الأنموذجُ اليابانيُّ:

قدّمَتِ الشركاتُ اليابانيةُ في خمسينياتِ القرْنِ الماضي استراتيجيةَ الإنتاجِ بالوقتِ المُناسبِ (JIT)، واعتمدتْهاتويوتا، وغيرُها مِن شركاتِ التصنيعِ اليابانيةِ؛ بقَصْدِ خفضِ المخزونِ إلى الصِّفرِ في عملياتِهاالصناعيةِ، وَخفْضِ تكاليفِ التخزينِ، والتخلُّصِ مِن مخاطرِ التسويقِ؛ مِن خِلالِ نقلِمَسؤوليَتِها إلى شركاتٍ أُخرى اختِصاصيةٍ.

أنموذج آبل:

بعدَ خمسينَ عاماً مِن النموذجِ اليابانيِّ تُرسي شركةُ التكنولوجيا العِملاقةُ (آبل) استراتيجيةَ إنتاجٍ جديدةٍ تتجاوزُ الاستراتيجيةَ اليابانيةَ (JIT)؛ ففي حينَ نقلَ النموذجُ اليابانيُّ مسؤولياتِ ما بَعدَ الإنتاجِ للآخَريِنَ،  جاءَ نموذجُ شركةِ (آبل)؛ لِتنقلَ مسؤوليةَ الإنتاجِ وما قبلَه للآخَريِنَ؛ وبِذلِكَ تكونُ شركةُ (آبل) قد قلبتِ النموذجَ اليابانيَّ مَعكوساً؛ مَمَّا جعلَنا أمامَ سيطرةٍ واضِحةٍ للنَّموذجِ الجديدِ، فهلْ يتحوَّل هذا النموذجُ إلى مفهومٍ راسخٍ كما فعلَ سابِقُه؟

إنّ شركةَ (آبل) تُطوِّرُ مُنتجاتٍ جديدةً تُواكِبُ السوقَ باستمرارٍ، وتتربَّعُ على قِمَّةِ الشركاتِ المُنافِسَةِ بِقيمةِ وكمِّيةِ مبيعاتِها، وحجمِ أرباحِها؛ فتقاريرُ الرُّبُعِ الأوَّلِ ٢٠١٥ م الفِعليةُ والتَّقديريةُ (الفعليةُ لِما مضى مِن الرُّبُعِ، والَّتقديريةُ لِما هو آتٍ) توضِحُ أنّها كانتْ تتوقَّع ٥٧ مليارَ دولارٍ مِن المبيعاتِ؛ فإذا بِها أمامَ ٧٥ مليارٍ. لقد احتلَّت المرتبةَ رقْم واحدٍ في التاريخِ مِن حيثُ إجماليُّ قيمةِ أسهُمِها القابلِةِ للتَّداولِ والتي بلغت ٦٢٢ مليارَ دولارٍ أمريكيٍّ في أغسطس ٢٠١٢م.

لكنَّها رغمَ ذلكَ ليس لديها مصانعُ، بلْ تفعلْ ذلكَ بواسطةِ ألدِّ خُصومِها تنافُسيةً مِثل (سامسونغ) و(إل جي) و(شارب) و(فوكس كون) و(شارب) وغيرِها! فهِي تشتري المُعالجاتِ مِن سامسونج وإنتل والشّاشاتِ مِن (إل جي)و(شارب)والكامِيرا مِن (سوني ووو). وهِيَ بِذلكَ تدفعُ المِلياراتِ لِهذهِ الشركاتِ مِمَّا يُقوِّي موقِفَ مُنافِسيها الماليِّ ويُوفِّرُ لها السيولةَ لتمويلِ أبحاثِها وتطويرِ مُنتجاتِها المُنافِسةِ بقوَّةٍ لمُنتجاتِها.

ويُمكِنُنا القولُ أنَّه كُلّما باعتْ شركةُ(آبل) أكثرَ حقَّقتْ مُنافِساتُها أرباحاً أكبرَ؛ فالتقاريرُ الماليةُ لشركةِ (سامسونج) أوضحَتْ تراجعَ مَبيعاتِ كُلِّ قطاعاتِها، عدا قطاعِ أشباهِ الموصلاتِ الذي يُصنِّعُ مُعالجات (آبل).

فلسَفةُ شَركةِ (آبل):

إنّ خياراتِالشراءِ لِشرِكةِ (آبل) مُتنوِّعةٌ، وتتمتَّعُ بالمرونةِ؛ فهِيَ تستقْدِمُ عروضَ أسعارٍ لمِنتجاتٍ تَختارُ تقنيتَها بعنايةٍ فائقةٍ، بينَما تتركُ الآخَرِينَ يتنافَسونَ لإرضائِها تقنيَّاً وسِعريَّاً ؛ لِكسبِ عروضِها المًغريةِ؛ فتقاريرُ الرُّبُعِ الأوّل ٢٠١٥ م تُبيِّنُ أنّ مَبيعاتِها الفِعليةَ والتقديريةَ مِن (الآيفون) حوالي ٧٥ مليونَ جِهاز، و ٢١ مليونَ (آيباد)، و٥.٥ مليونَ جِهاز (ماك)، وهذه أرقامٌ مُغريةٌ لأيِّ شركةٍ تُقدِّمُ مُنتجاتٍ مُكوِّنةٍ لَها.

إنّ عدمَ امتلاكِ شركةِ (آبل) لِمصانِعَ تخُصُّها - وهي التي تملِكُ أكبرَ سيولةٍ في العالَمِ - إنّما يجعلُها تستغني عنْ فِرَقِ بحثٍ عِلْميٍّ؛ لِتطويرِ مُكوِّناتِ مُنتجاتِها، وتِقنياتِها؛ لِتتفرَّغَ فِرَقُ بحثها وفرق عملِها لِماهيَّةِ المُواصفاتِ المطلوبةِ، ويجعلُها تكتفي بمائةِ ألفِ عاملٍ، بينما لدى (سامسونج) ٤٢٧٠٠٠ موظَّفٌ، و(فوكس كون) لديها ١٢٣٠٠٠٠ موظَّفٌ، وهكذا.

إذا كانتْ استراتيجيةُ (JIT) قد ساعدتْ بنقلِ مسؤوليةِ المَخازنِ، والتسويقِ لشركاتٍ أُخرى؛ فإنَّ تقنيةَ (آبل) قد نقلتْ مسؤوليةَ الإنتاجِ، وما قَبلَهُ مِنْ مراحلَ؛ كِشراءِ الموادِ الأوَّليةِ، وغيرِها إلى مئاتِ المُورِّدِينَ المُنتشِرينَ في القارَّاتِ الخمسِ في أكثرَ مِن ٣٠ دولةٍ، وأكثرَ مِن ١٨ مصنَعِ تجميعٍ.

إنّ عدد موظَّفي المصانعِ التي تصنعُ الأجزاءَ التي تحتاجُها (آبل) وصلَ في عام ٢٠١٤ م إلى ٢٨٠٠٠٠ عامِلٍ؛ فأكثرُ مِن رُبعِ مليونِ موظَّفٍ حولَ العالَمِ يعملونَ على تصنيعِ أجهزةٍ، وأدواتٍ، ومَعدَّاتٍ لشركةِ (آبل)؛ دونَ أنْ تتحمَّلَ أيَّةَ مسؤولياتٍ، أو حقوقٍ تُجاهَهُم.

قدْ يقولُ قائِلٌ: هناكَ مَنْ فعلَ، أو يفعلُ ذلكَ؛ لكِنَّ الحقيقةَ بأنّ نتائجَ (آبل) المُبهِرةُ - ماليّاً وتقنيّاً - يُدَلِّلُ على أنّها السبَّاقةُ في هذا الأمرِ، وإنّ استمرارَها على هذا النحْوِ يجعلُها مُبتكِرةً هذه الاستراتيجيةَ بنجاحٍ وتفوُّقٍ.

إنّ المخاطرَ التي تُديرها شركةُ (آبل):

-    كونُها تُديرُ خطوط إنتاجٍ موجودةٍ لدى أشدِ خُصومِها مُنافَسةً، وهذا أشبهُ بسياسةِ الحافَّةِ؛ فأيُّ خطأٍ قدْ يكونُ جسيماً.

-    أنّ مُنتجاتِها ذاتُ دورةٍ حياتيةٍ (تكنولوجية) قصيرةٍ مقارنةً معَ المشاريعِ، والشركاتِ العِملاقةِ؛ مِثل شركة (بوينغ)، أو (إيرباص) مثلاً.

-    إنّ احتمالاتِ نجاحِ عَرْضِ مُنتجاتٍ جديدةٍ مُبتكرَةٍ يُعتَبرُ مُتدنِّياً؛ خاصَّةً إذا كانَ السوقُ المُستهدَفُ سوقاً عالَميةً، حيثُ تكونُ المُتغيِّراتُ واسِعةً، والمُنافَساتُ كبيرةً، والقوانينُ عديدةً؛ مِمّا يجعلُ اختراقَ الأسواقِ أمْراً مُعقَّداً؛ لِذلكَ فإنّ استراتيجيةَ (آبل) تُعاكِسُ تَماماً استراتيجيةَ (JIT)؛ التي تُسارِعُ لِنَقْلِ مسؤولياتِ ما بعدَ الإنتاجِ للآخَرِينَ، بينَما استراتيجيةُ (لآبل) تنقلُ مسؤولياتِ الإنتاجِ وما قبلَه لغَيرِها ؛ باستثناءِ وضعِ التصاميمِ، وإيجادِ مُختَراعاتِها وابتكاراتِها.

وتعتمِدُ منهجيةُ شركة (آبل) برأينا على:

-     المحافظةِ على قوائمَ ماليةٍ خاليةٍ مِن المخاطرِ؛ فهي حتّى الرُّبعِ الثالثِ ٢٠١٣ م ليسَ في قوائمِها الماليةِ أيّةُ ديونٍ طويلةِ الأجلِ، أو أسهُمٍ مُمتازةٍ؛ مِمّا يُؤهِّلُها لتصنيفِ مُستقرٍ بدرجةِ AAA.

-     اعتمادِها على الابتكارِ المُستمِرِ، والسريعِ لمنتجاتٍ جديدةٍ تُرضي المُتميزينَ مِن المُستهْلِكينَ العالَمِيينَ.

-     تنويعِ مزيجِ المنتجاتِ؛ بلْ والعملِ على زجِّ منتجاتٍ جديدةٍ دوماً، وهاتِفها (الآيفون) شكَّلَ لها نقلةُ كبيرةً، ولازالَ هو المسؤولُ عن أغلبِ نجاحاتِها؛ حيثُ يُمثِّلُ ٦٩٪ مِن إيراداتِها للرُّبعِ الأوّلِ ٢٠١٥م،  ثمَّ زجَّتْ مُنتجَها (الآيباد)؛ لِيشكِّلَ صيحةً عالَميةً تبعِتْها في إنتاجِه مُنافِساتُها، لكنْ بعدما كسبتْ به إنتاجَ مفهومٍ يخصُّها ويُمَيِّزُها؛ فالأصلُ أنْ تقولَ الناسُ (آيبا)، ولَيْسَ (تاب) ويُشكِّلُ هذا المنتجُ ١٢٪ مِن إيراداتِ الشركةِ لِيكونَ بعدَ الهاتِفِ.وحاليّاً تتسرَّبُ أنباءٌ شحيحةٌ عن دُخولِها عالَم إنتاجِ السياراتِ وخاصَّةُ الكهربائيةَ مِنها، ولَرُبّما سيكفلُ لَها هذا المُنتَجُ تربُّعَها على قِمَّةِ الشركاتِ أعواماً مَديدةً.

ثانياً.. التغييرُ في أنماطِ الإدارةِ:

تتطلَّبُ الهياكِلُ التنظيميةُ الصحيحةُ أنْ تجعلَ الشركاتِعلى رأسِ هَرَمِها التنفيذيِّ مُديراً عامَّاً يُدبِّرً شؤونَها، ثُمّ في السنواتِ الأخيرةِ تغيَّرتْ تسميةُ رأسِ الهَرَمِ؛ لِيكُونَ المديرُ التنفيذيُّ للشركةِ المَسؤولَ الأوّلَ عنْ تنفيذِ الخططِ الاستراتيجيةِ التي يضعُها مَجلِسُ الإدارةِ.

إلاّ أنّ تسارُعَ التطوُّراتِ، وشِدَّةَ تداخُلِ التعقيداتِ؛ غيَّرتْ بعضاً مِن تلكَ النظرةِ؛ فصارَ للمُديرِ التنفيذيِّ سُلطاتٌ تُمكِّنُهُ مِن تغييرِ مسارِ الخططِ الاستراتيجيةِ، وتعديلِها خِلالَ مرحلةِ التنفيذِ وفقَ رؤىً يجتَهِدُ فيها؛ مِمّا يمنحُ تلكَ الخططَ الاستراتيجيةَ مُرونةً كبيرةً يسمَحُ لها بالتَّكيُّفِ معَ وقائعِ الُمجرياتِ التي تفرضُها أحوالُ الأسواقِ ومُستجِدّاتُه.

لِذلكَ فإنّ شركاتِ التكنولوجيا مُقدِمةٌ على قلبِ هذا المفهومِ كُليِّاً.

فبسببِ التطوُّراتِ التقنيةِ المُتسارِعةِ بُدئَ بالنظرِ إلى مَنصِبِ المديرِ التنفيذيِّ، وخاصَّةً لِشَرِكاتِ التكنولوجيا على أنّ دَورَهُ يكمُنُ في كونِه القاطرةَ التي تقودُ إلى التطوُّرِ، ونجدُ هذا المفهومَ في تصرُّفاتِ المُديرِينَ التنفيذِيينَ أنفُسِهم؛ فاستقالةُ (ستيف بالمر)المديرِ التنفيذيِّ لِشركةِ مايكروسوفت الأسبقِ، الذي أكَّدَ فيه ثِقَتَه في خَلَفِهِ (ساتيا ناديلا)المُديرِ التنفيذيِّ الحاليِّ لمايكروسوفت، وبكيفيةِ إدارتِه الحاليةِ لها.وقال أيضاً: أنّهُ يشعرُ بالفخرِ والانتماءِ لجميعِ مَن كانوا يعملونَ معَهُ، واصفِهَمْ بالمَوهُوبِينَ والمُبتَكِرِينَ، وأوضحَ أيضاً أنَّ الشركةَ تحتاجُ لِروحِ المُغامَرةِ؛ لكي تستطيعَ الصُّمودَ في سوقِ العمَلِ المُتعِبِ.

لذلكَ يسُودُ حاليَّاً بينَ الأوساطِ أنّ اسمَ الرئيسِ التنفيذيِّ لِشركاتِ تِقنيةِ المعلوماتِ؛ يجبُ أنْ يُصبِحَ الرئيسَ التنفيذيَّ للاِبتكارِ. ويُعتبرُ الخوفُ مِن الفشلِ الدافعِ وراءَ استقالةِ (ستيف بالمر)؛ لأنّ قِيادةَ التغييرِ في مجالِ الابتكارِ أمرٌ يكتنفُه الكثيرُ مِن المُتغيِّراتِ شديدةِ التعقيدِ؛ فأكثرُ مِن ٢٤٪ مِن المشاريعِ الابتكاريةِ يُصيبُها الفشلُ، في حين تذهبُ حوالي ٥٨٪ مِن طاقاتِ تقنيةِ المعلوماتِ لتطويرِ، وإدارةِ الأفكارِ المُبتكرَةِ؛ أملاً للانتقالِ بِها مِن الشكلِ غيرِ المُنظَّمِ، إلى شكلٍ أكثرَ تنظيماً وانضباطاً.

لكنْ ما الدافِعُ وراءَ تغييرِ التسميةِ؟ وهل الأمرُ محصورٌ بشركاتِ تِقنيةِ المعلوماتِ، أو ما نُسمِّيها بشركاتِ التكنولوجيا؟

إنّهُ وبالنظرِ للمُستقبَلِ القريبِ الذي نعيشُ جُزءاً مِنهُ يُوِضحُ أنّ تغييرَ المفاهيمِ سيكونُ حتميَّاً؛ فجميعُ الصناعاتِ والخدماتِ تنتظرُ دورَها في دُخولِها ميادينَ الابتكارِ، والأتمتةِ الذكيةِ؛ فالمنازِلُ، والمباني الذكيةُ سَتُغيِّرُ كثيراً مِن عمَلِ المُهندِسينَ بِمُختلَفِ أنواعِهم، ومُراقَبةِ المرضى عنْ بُعدٍ سَتعدِّلُ كثيراً مِن منهجياتِ الأطِبّاءِ، وطريقةِ مُزوالتِهم لأعمالِهم؛ فضلاً عن تغييرِ نمطِ المشافي وما يلحقُ بِها مِن مِهَنٍ، أمّا شركاتُ المُواصلاتِ، والنقلِ البريِّ، والبحريِّ، والجويِّ فينتظِرُها تغييراتٌ جذريةٌ في طريقةِ تصميمِها، وعملِها، وصيانتِها وُصولاً لِزبائِنها وخدمتِهم. والشيءُ نفْسُه يُقالُ عن المِهَنِ جميعِها ـ صغيرِها وكبيرِها ـ وطُرُقِ وسُرعةِ توصيلِ مُنتجاتِها، وخدماتِها إلى العُملاءِ، ودرجةِ الثقةِ في عملياتِها، ومُرونتِها تُجاهَ تغييراتِ السوقِ.

ولَعلَّ البَدءَ برأسِ الهَرَمِ أمرٌ أكثرُ ذكاءً؛ فَبِيدِهِ مَفاتيحُ تطبيقِ مفاهيمِ التغييرِ، وكبحِ جِماحِ الفسادِ ـ إنْ أُعطِي الصَّلاحياتِ التامَّةَ وإنْ تمَّ اختيارُه على أساسِ معاييرِ الكفاءةِ المُعتبَرَةِ.

ويسبقُ ذلكَ تهيئةُ الأجيالِ، وتعبئة الأُمّةِ ـ عِلمياً وعملياً، على ذلِكَ؛ فالابتكارُ نهجٌ يبدأُ معَ وِلادةِ الأطفالِ، وخِلالَ نُموِّهِم، ومَنْ لا يُصَدِّقُ؛ فلْيُتابِعْ أطفالَ اليومِ؛ الذينَ لا يَقرَؤونَ، ولا يَكتبونَ؛ كيفَ يتعامَلونَ مع الأجهزةِ الالكترونيةِ؛ باستخدامِ تقنيةِ الصوتِ للبحثِ في الانترنيت، واللَّعِبِ بِما يُحبُّونَه ويُفضِّلُونَه، دونَ مساعدةِ الكِبارِ؛ بلْ إنّ كثيراً مِنَ الكِبارِ يتعلَّمونَ مِنهُم، ويَستعينونَ بِخِبراتِهم؛ فنُظمُ التعليمِ الحاليَّةِ غيرُ مُجديةٍ لِجيلٍ يعيشُ عصرَ المعرفةِ، والابتكارِ؛ فهِيَ وُضِعَتْ لِجيلٍ آخرَ، ولو ليسَ ببَعيدٍ، فكمَا يُقالُ في الأمثالِ: إنّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وَلِكُلِّ زَمانٍ دولةٌ ورِجالٌ.

وأخيراً وليسَ آخراً؛ لا بُدَّ أنْ نُشيرَ إلى ضَرورةِ تبنِّي المدارسِ، والجامعاتِ لمِناهِجَ ابتكاريةٍ ـ ولو اضُطرَها الأمرُـ لِوضْعِ مَنهَجٍ يُخصُّ كُلَّ طالِبٍ صَاحِب ِابتكارٍ وإبداعٍ؛ لِيتناسَبَ وقدراتِه الابتكاريةِ، وعدمِ وأدِ تلك المواهبِ التي وَهَبَهُم إيّاها الخالِقُ الوهَّابُ ـ بسببِ جهلِ القائمينَ على الأمرِ وصَدَقَ مُعلِّمُ الإنسانيةِ سيِّدُنا مُحمَّدٌ صلواتُ ربِّي وسَلامُه عليهِ إذ يقولُ: إذا وُسِّدَ الأمرُ لغيرِ أهْلِهِ فانتظروا السَّاعةَ، والقصْدُ هو ساعةُ الانهيارِ، وساعةُ الخرابِ، وساعةُ الخروجِ مِنَ المُنافَسةِ للقُعودِ على قارِعةِ الأممِ وخلفَها؛ عسى أنْ نعتبِرَ بِما جَرى، ويجْري، وقَبلَ أنْ ننْدمَ، ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ.

حمَاة (حمَاها اللهُ) ٢٧-٤-١٤٣٦ هـ ـ المُوافِق ١٧-٢-٢٠١٥م