العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تحدِّياتُ ‫البُنوكِ التّشارُكيّةِ المغرِبيّةِ في ضَوءِ القانون

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

إنّ الحديثَ عن البنوكِ التشاركيةِ لا يكتملُ ـ وهو المُسمَّى الذي اختاره القانونُ المغربيُّ رقم 103.12 لعامِ 2014 م للبنوكِ الإسلاميةِ ـ دونَ الإشارةِ إلى التحدياتِ المعتادةِ التي تُواجهُ هذا النموذجَ البنكيَّ في دولٍ عديدةٍ. ومِن أبرزِ هذه التحدياتِ عملياتُ الاستثمارِ، وضمانُ الودائعِ، والمحاسبةُ، وأعمالُ مُراقبِ الحساباتِ، الرقابةُ الاِحترازيةُ، والعلاقةُ مع البنوكِ الأُخرى وأدوات ُإدارةِ السيولةِ، والنوافذُ الإسلاميةُ. وسوف يتتبَّعُ هذا المقالُ القانونَ المغربيَّ لمعرفةِ موقفهِ من هذه التحدياتِ.

لقد اعتبرَ القانونُ (المادة 58 ب وج) المشاركةَ الثابتةَ، والإجارةَ التشغيليةَ من صيغِ التمويلِ المتاحةِ للبنوكِ التشاركيةِ؛ وذلك بالإضافةِ للصيغِ التمويليةِ المعتادةِ وهي المشاركةُ المتناقصةُ، والإجارةُ المنتهيةُ بالتمليكِ، والملفِتُ في ذلك أنّ المشاركةَ الثابتةَ والإجارةَ التشغيليةَ أقربُ إلى الصيغِ الاستثماريةِ، والتي قد لا تُلائِمُ أعمالَ البنوكِ التجاريةِ؛ لأنه ينجُمُ عنها مُزاحمةُ التجارِ ورؤوسِ الأموالِ الأُخرى، حيث سيملِكُ البنكُ أساطيلَ من الأصولِ المنقولةِ والثابتةِ بغرَضِ الإجارةِ التشغيليةِ، كما سيكونُ لديهِ القُدرةُ على المساهمةِ في العديدِ من الشركاتِ والسيطرةِ عليها.
كذلك نصَّ القانونُ (المادة 67) على إنشاءِ صندوقِ لضمانَ الودائعِ تحت الطلبِ على مستوى البنوكِ، وهذا لا إشكالَ فيه، غير أنه أهملَ الإشارةَ إلى آلياتِ ضمانِ الودائعِ التشاركيةِ القائمةِ على مُقاسمَةِ نتائجِ الأعمالِ، ولكنّه عادَ في المادة 128، و129 للحديثِ عن استحداثِ نظامٍ جماعيٍّ لحمايةِ الودائعِ تُسهِمُ فيه البنوكُ، ولم يظهرْ من نصوصِ القانونِ مدى شمولِ الضمانِ للودائعِ التشاركيةِ آلياتِه.
تخضعُ البنوكُ التشاركيةُ إلى إثباتٍ مُحاسَبيٍّ خاصٍّ يتلاءمُ مع خصوصيةِ تلّقي الأموالِ على أساسِ المشاركةِ، وتملكُ الأصولَ على تمويلِها على أُسسِ البيعِ والإجارةِ والمشاركةِ، وهي عملياتٌ متباينةٌ مع حالةِ مؤسَّساتِ الاِئتمانِ الأُخرى القائمةِ على القرْضِ في تلّقي وتوظيفِ الأموالِ، ومع ذلك لم يتضمّنْ البابُ الأوّلُ والثاني من القسمِ الخاصِّ بأحكامِ المحاسبةِ والقواعدِ الاحترازيةِ أيَّ خُصوصيةٍ للبنوكِ التشاركيةِ؛ من حيث كيفيةُ إثباتِ عملياتِها المحاسَبيةِ، أو مِن حيث معاملةُ البنكِ المركزيِّ لها فيما يتعلَّقُ بالقواعدِ الاحترازيةِ الخاصّةِ بالسيولةِ والملاءةِ.
إن ّالتحدِّيَ السابقَ على صعيدِ المحاسبةِ يستتبِعُ تحدِّياً آخرَ يتعلّقُ بنطاقِ عملِ مراقبِ الحساباتِ الذي يُعنى بالتأكُّدِ من صِدقِ المعلوماتِ الختاميةِ، ولم يُوضِحِ القانونُ مدى مسؤوليةِ مُراقبِ الحساباتِ عن فحصِ مدى الاِلتزامِ الشرعيِّ للمعاملاتِ المنفَّذةِ خاصّةً أنّ صِدقَ المعلوماتِ هو انعكاسٌ لِصدقِها الماليِّ، وصِدقِها الشرعيِّ بالضرورةِ، وهو ما أصدرتْ بشأنِه(أيوفي) مِعيارًا خاصًّا باسْمِ مسؤوليةِ المراجعِ الخارجيِّ عن فحصِ الاِلتزامِ الشرعيِّ. إنّ ظهورَ النتائجِ الماليةِ للبنوكِ التشاركيةِ من حيث التصنيفُ مُطابقاً لمؤسَّساتِ الائتمانِ الأُخرى؛ سيؤدّي إلى تناقضٍ بين الحقائقِ الماليةِ وطريقةِ إثباتِها والإفصاحِ عنها، وعلى مُراقِبي الحساباتِ والبنكِ المركزيِّ إدراكُ هذا التحدِّي وآثارَه.
أيضًا تركَ القانونُ في القسمِ السابعِ البابَ الأوّل الخاصّ بالعلاقةِ مع مؤسَّساتِ الائتمانِ أي إشارةٍ لتحدِّياتِ إدارةِ السيولة وأدواتِها، سواءٌ فيما بين البنوكِ أو بين البنوكِ والبنكِ المركزيِّ، وعلى البنكِ المركزيِّ أن يُعِدَّ نفسَه لمواجهةِ هذا التحدِّي بشكلٍ ملائمٍ لتوفيرِ الأدواتِ الملائمةِ. وتبقى الضمانةُ الشرعيةُ لِكُلِّ هذه التحدِّياتِ بِيدِ المجلسِ العلميِّ الأعلى الذي آلت إليه المطابقةُ فيما يتعلَّقُ بأعمالِ هذه البنوكِ التشاركيةِ.
أمّا محاسِنُ القانونِ فسَماحُه لجميعِ مؤسَّساتِ الاِئتمانِ الأُخرى وشركاتِ التمويلِ، وجمعياتِ السّلفِ الصغيرةِ والبنوكِ الحرَّةِ مزاولةَ أعمالِ البنوكِ التشاركيةِ بعدَ استيفاءِ الموافقاتِ الإجرائيةِ اللازمةِ، وهذا من شأنِه أن يفتحَ بابَ المنافسةِ التجاريةِ في السوقِ المغربيةِ بشكلٍ ملائِمٍ، ويعودُ بالنفعِ على ارتفاعِ الجَودةِ وانخفاضِ الأسعارِ.