العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مِن روائعِ وقائعِ التأريخِ الاقتصاديِّ النقديِّ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لقد عرفَ التاريخُ الإسلاميُ أنواعاً عديدةً من أشكالِ النقدِ، السلعيِّ منه والنقديِّ؛ فأوجدَ الفِقْهُ الإسلاميُّ الضوابطَ الكفيلةَ بتحقيقِ العدلِ بين المتبادِلين، وتحقيقِ الاِستقرارِ العادِلِ للاِقتصادِ الكُلِّيِّ والذي يتمثَّلُ بتحقيقِ مصلحةِ المجتمعِ.

إنّ المالَ في الإسلام ِله مفهوم أوسعُ وأشملُ من مفهومِ النقدِ كما في الأدبياتِ الأُخرى، وقد ذَكَرَ المولى عزَّ وجلَّ أشكالاً عديدةً لأنواعٍ يُحِبُّها الإنسانُ بِفطرتِه الرَّبَّانيةِ؛ فالذهبُ والفضةُ مَهما بلغا، والأنعامُ َُربانيةوالزروعُ جميعُها، كُلُّ ذلك شكْلٌ من أشكالِِ المالِ؛ فقال تعالى:(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ‌ الْمُقَنطَرَ‌ةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْ‌ثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (سورة آل عمران: ١٤).

كما شملَ حديثُ الأصنافِ السَّتَّةِ تلك الأنواعَ التي تصلحُ لِأنْ تكونَ نُقوداً؛ فالذهبُ والفضةُ هُما أصلُ النقودِ، والبُرُّ والشعيرُ هي سِلَعٌ رئيسةٌ للبلادِ ذات الجوِّ الماطرِ، والتمرُ هو سلعةٌ رئيسةٌ للبلادِ الصحراويةِ، والمِلْحُ هو سلعةٌ رئيسةٌ للبلادِ الشاطئيةِ. وقد ضبطَ الحديثُ التبادُلَ بِشقَّيهِ النقديِّ والسِّلَعيِّ أي المُقايضَة.

لقد فصَّلَ الإمامُ الغزاليُ رَحِمَهُ اللهُ في إحيائِه أصنافَ المال وأنواعَه؛ فقال مُعرِّفاً المالَ: هوعبارةٌ عن أعيانِ الأرضِ وما علَيها مِمّا يُنْتَفَعُ بِه، وأعلاها الأغذيةُ ثُمَّ الأمكنةُ التي يأوي الإنسانُ إليها وهي الدُّوْرُ، ثُمَّ الأمكنةُ التي يَسعى فيها للتّعُيّشِ كالحوانيتِ والأسواقِ والمزارعِ، ثُمُّ الكُسوةُ، ثُمَّ أثاثُ البيتِ وآلاتُه، ثُمَّ آلاتُ الآلاتِ، وقدْ يكونُ في الآلاتِ ما هو حيوانٌ كالكلْبِ آلةِ الصَّيدِ والبقرِ آلةِ الحِراثةِ والفَرَسِ آلةِ الرُّكوبِ في الحربِ.

لقد سادَ الذهبُ والفضةُ كنَقْدٍ في بَدءِ الخِلافةِ الإسلاميةِ؛ فكانتِ الدنانيرُ والدراهمُ، ثُمَّ بِفسَادِ الحُكْمِ صارتْ أغلبُ النقودِ من الذهبِ والفضةِ؛ حيثُ شابَها بعضُ المعادِن الأُخرى، ثم صار أغلبُها مِن غيرِ الذهبِ والفضةِ، ثُمَّ صارتْ فُلوساً. وقد قدّمَ الاقتصادُ الإسلاميُّ ضوابِطَه دونَ إنكارٍ لهذا التغيُّرِ كدليلٍ واضحٍ وبُرهانٍ ساطعٍ على صلاحِيَتِه لِكُلِّ زمانٍ ومكانٍ (زمكانيّ)؛ فتغيَّرتْ طبيعةُ الأحكامِ طِبقاً للتغيُّرِ الحاصِلِ.إنّ عُلماءَ المسلمينَ الأوائلِ تناولوا مسألةَ النقودِ وعالَجُوهابتفصيلٍ وإسهابٍ كأبي حنيفةَ والشافعيِّ وابنِ سلامٍ والبلاذريِّ والماورْديِّ والرَّاغبِ الأصفهانيِّ والغزاليِّ وابنِ تيميّةَ وابنِ قيِّمِ الجوزيةِ وابنِ خُلدون ـ رحِمَهُم اللهُ تعالى ـ َ وغيرُهُم كثيرٌ؛ فعالَجوا وزنَ النقودِ ونِسَبَ خَلْطِها وميّزوا النقودَ الصحيحةَ مِن المُزيَّفَةِ؛

فقد تَمَّ ضَربُ أوّلِ نقدٍ إسلاميٍّ في عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه وأرضاه (سنة ٨ هـ-٦٣٠ م) طُبِعَ عليها "لا إلهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ، مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، الحمْدُ للهِ"، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ الزُبيرِ رضيَ اللهُ عنهُ أوّلَ مَن ضَرَبَ (سَكَّ) دنانيرَ مُدوَّرَةً، ثُمَّ كان ذلك في عهدِ عبدِ المَلِكِ بنِ مروانَ (سنة ٧٦ هـ=٦٩٦ م).

لقد هَمَّ أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ بجعلِ الدَّراهِمَ من جُلودِ الإبلِ؛ فقيل له: إذاً لا بعيرٌ، فأمْسَكَ. ولو كانت لدى الفاروقِ رضيَ اللهُ عنهُ آنذاكَ صناعةٌ مُتقدِّمَةٌ؛ لَجعَلَ تلكَ الجلودَ أو غيرَها ذاتَ علامةٍ فارقةِ يَصعُبُ تقلُيْدها لَفعَلَ. إنّ الفقهاءَ ـ رحمَهُم اللهُ تعالى ـ ناقَشُوا مسألَة سَِعرِ الصَّرْفِ وحالاتِ الكسادِ والرَّواجِ، إضافةً لمِعالَجةِ النقودِ المغشوشَة؛ فابنُ سلامٍ أوردَ قِصَّةَ الدراهمِ وسببَ ضربِها في الإسلامِ بكتابِه "بابُ الصَّاعِ"، والرَّاغبُ الأصفهانيُّ عبّرَ عن القيمةِ التي تحمِلُها النقودُ بِما تُِمثّلُه من قوةٍ شِرائيةٍ، وابنُ تيميَّةَ أشارَ لوظيفةِ النقودِ الاجتماعيةِ، والمقريزيُّ سَبَقَ (غريشام) بقولِه: "إنّ النقودَ الرديئةَ تطرُدُ النقودَ الجيِّدةَ من التَّداوِلِ" المُسمّى بقانونِ (غريشام) في كتابِه "إغاثةُ الأُمَّةِ بِكَشْفِ الغُمَّةِ"؛ حيث درسَ أسبابَ غلاءِ المعيشةِ في مِصْرَ. وكذلك ابنُ عابدينَ في رِسالَته "تنبيهُ الرقودِ على مسائلِ النُّقودِ".

لقد ثبَت وزنُ الدرهمِ والدينارِ؛ فكانَ وزنُ الدرهمِ الشرعيِّ 2،97 غرامٍ وفي ذلك قال ابنُ خُلدون: "إنّ الإجماعَ مُنعَقِدٌ منذُ صدورِ الإسلامِ وعهدِ الصحابةِ والتابعينَ أنّ الدرهمَ الشرعيَّ : هو الذي تزِنُ العَشَرَةُ مِنهُ سبْعةَ مثاقيلَ منَ الذهبِ والأُوقِيّةُ مِنهُ أربعونَ دِرهماً وهو على هذا لِسبْعةِ أعشارِ الدينارِ ووَزْنُ المِثْقالِ مِنَ الذهبِ: هو اثنتانِ وسبْعونَ حبّةً مِنَ الشعيرِ؛ فالدرهمُ الذي هو سَبْعة أعشارِهِ خمسونَ حبّةً وخُمسا الحبّةِ، وهذه المقاديرُ كُلُّها ثابتةٌ بالإجماعِ". والإجماعُ هُنا يِمثِّل القَبولَ العام.

سِعْرُ الصَّرْفِ:

إنّ انتشارَ الرُّقعةِ الجغرافية لبلادِ المسلمينَ واختلاطَها بالأُممِ المُجاوِرةِ لَها تِجارةً وعُمراناً؛ ساعد في اختلاطِ عُملاتِ هذه البلدانِ؛ فكان لابُدَّ مِن أسعارِ صَرْفٍ تُبنى على أساسِها نِسَبُ تبديلِ العُملاتِ بعضِها ببعضٍ وهذه حاجةٌ لا غِنىً عنها طالَما أنّ التبادُلَ التجاريَّ في حالةٍ صِحيّةٍ وجيِّدة. وذَكَرَ القلقشَنديُّ كذلكَ تبدُّلَ حالِ سِعْرِ الصَّرْفِ بِقَولِه: "صَرْفُ الذهبِ بالديارِ المِصريةِ لا يثبُتُ على حالِه؛ بلْ يعلو تارةً ويهبِطُ أُخرى بحسْبِ ما تقتضيِه الحالُ، وغالَبُ ما كان عليه صرْفُ الدينارِ المِصريّ في ما أدركْناهُ في التسعين والسبعمائةِ وما حولَها عِشرونَ دِرهماً. والأفرنتي (عُملَةٌ رومانيةٌ) سبعةَ عشَرَ درهماً وما قارَب ذلك. أمّا الآنَ فَقَدْ زادَ وخَرَجَ عن الحدِّ خُصوصاً في سنةِ ثلاثَ عشْرةَ وثمانمائةٍ، وإنْ كانَ في الدولةِ الظاهريةِ قد بلَغَ ثمانيةً وعِشرينَ درهمً ونِصفاً فيما رأيتُه في بعضِ التواريخِ".

الدينارُ الجيشيُّ:

أدّى التطوّرُ النقديُّ في ذلك العهدِ إلى وجودِ عُملَةٍ اِسميةٍ هيَ الدينارُ الجيشيُّ، وهو "مُسمَّىً لا حقيقةً يستعمِلُه أهلُ دِيوانِ الجيشِ في عبرة الإقطاعاتِ؛ بأنْ يجعلُوا لكُلِّ إقطاعٍ عبرة دنانير مُعبرة من قليلٍ أو كثيرٍ، وفي عُرْفِ الناسِ ثلاثةَ عشَرَ درهماً وثلثَ وكأنّه على ما كان عليه الحالُ من قيمةِ الذهبِ عند ترتيبِ الجيشِ في الزمنِ القديمِ، فإنّ صرْفَ الذهبِ في الزمنِ الأوَّلِ كان قريباً مِن هذا المعنى"، وأوردَ القلقشنديُّ التطبيقَ التالي: "جُعلت الدِّيةُ عند مَن قدّرها بالنقدِ مِن الفُقهاءِ ألفَ دينارٍ واثني عشرَ ألفِ درهمٍ؛ فيكونُ عن كُلِّ دينارٍ اثنا عشَرَ درهماً وهو صرْفُهُ يومئذ". كما سادتْ عُملَةٌ اسميةٌ أُخرى هي الدراهمُ السوداءُ فكانتْ أسماء على غيرِ مُسمّياتٍ كالدنانيرِ الجيشيةِ وكُلُّ درهمٍ منها مُعتبَرٌ في العُرْفِ بثلثِ درهمٍ نقرة (مصكُوك).

وبذلكَ سَبَقَ المسلمونَ الأوائلُ الاقتصادَيين التقليديَّين الحاليَّين بالنقودِ الاسميةِ؛ فابتكروا الدينارَ الجيشيَّ والعُملةَ السوداءَ قَبْلَ حقوقِ السّحْبِ الخاصّةِ بمئاتِ السِّنينَ.

حقوقُ السَّحْبِ الخاصّةِ:

هي أصلٌ احتياطيٌّ دوليٌّ استحدثَه صُندوقُ النقدِ الدوليِّ في عام ١٩٦٩ م تتحدَّدُ قِيمتُهِ بسلَّةِ عُملاتٍمُستعمَلَةٍ في المبادلاتِ الدوليةِ تتغيَّرُ طريقةُ اختيارِهاوأوزنُها كُلَّ خمسِ سنواتٍ؛ حيثُ يرتكِزُ وزنُهاعلى قِيمِ صادراتِ سِلَعِ وخدماتِ الأعضاءِ أو الاتحاداتِ النقديةِ وكذلك مبالِغُ الاحتياطياتِ مِن العُملاتِ المختلِفةِ التي يحتفِظُ بِها الأعضاءُ الآخرونَ في صُندوقِ النقدِ الدوليِّ.

الدينارُ الذهبيُّ:

يُفترَض أن يسُودَ الدينارُ الذهبيُّ الإسلاميُّوحدةَ العالَمِ الإسلاميِّ من خلالِ العملِ الاقتصاديِّ الموحَّدِ.ويُعتَبر الدينارُ من أبرزِ مشروعاتِ الوحدةِ الاقتصاديةِ التي تسعى لقيامِ السوقِِ الإسلاميةِ المُشترَكةِ.

إنّ أوَّلَ إصدارٍ للدينارِ الذهبيِّ الإسلاميِّ كان عام ١٩٩٢م بوزن 4،25غرامذهب عيار ٢٢، وفي نوفمبر ٢٠٠١ م تَمَّ عرْضُ مجموعةٍ منها للتداولِ، وكذلك مجموعةٍ أُخرى من الدراهمِ الفضيةِ بوزنِ ٣ غرام فضةٍ خالصةٍ(صِرْفٌ محضٌ).

الدينارُ الإلكترونيُّ:

تطوّرتْ فِكرةُ الدينارِ في عام ١٩٩٧ م؛ لِتكونَ ضمنَ إطارٍ مصرِفيٍّ بإطلاقِ الدينار الإلكترونيِّ، وهو نظامُ تبادُلٍ يُستعمَلُ فيه الذهبُ كنقدٍ من خلالِ معاملاتٍ تُجرَى عبرَ شبكةِ الإنترنت.وهُو تطويرٌ لِفكرةِ العُملاتِ الذهبيةِ؛ بحيثُ يُمكِنُ دفعُ مبلغٍ من المالِ والحصولُ على بطاقةٍ ذهبيةٍ تعادِلُ قيمةَ المدفوعِ تُستخدَمُ في التّسوُقِ. ويُنتَظرُ أن تتطوَّرَ الخُطواتُ العمليةُ بإنشاءِ شبكةٍ تتكوَّنُ مِن ٢٥ سوقاً تجاريةً يتمُّ تَمويلُها من خلال القَرضِ الإلكتروني، وهو نظامٌ للاقتراضِ وِفقَ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ يتمُّ من خلال الإنترنت، وتُجرَى الترتيباتُ لِتكونَ كوالالمبور موقعاً لإدارة شبكةِ هذه السوقِ.

ووصَلَ حجمُ التعاملاتِ الإلكترونيةِ في الدينارِ الذهبيِّ الإسلاميِّ عبرَ الإنترنت حسْبَ شركة (إي دينار)المحدودةِ التي تتخذُ من جزيرة (لابوان) الماليزيةِ مقرّاً لَها، إلى ما يوازي أربعةَ أطنانٍ من الذهبِ، وتنمو نسبةُ المتعامِلين به بمعدَّل ١٠٪ شهرياً.

كما أنّ عددَ المتعامِلينَ عبرَ موقعِ الدينارِ الإلكترونيِّ الذي أُطلِق عام ١٩٩٩م أي بعدَ نحْوِ سَبْعِ سنواتٍ مِن سَكِّ الدينارِ الذهبيِّ الإسلاميِّ قد وصَلَ إلى نحْوِ ٦٠٠ ألفٍ، وأنّ العددَ يتضاعفُ كلَّ عامٍ تقريبا ًوالحمدُ لله.ويتمُّ حاليّاً التداولُ في العديدِ من دولِ العالَم بشكلٍ مباشرٍ بنحوِ ١٠٠٠٠٠ دينارٍ ذهبيٍّ إسلاميٍّ و٢٥٠٠٠٠ درهمٍ فضيٍّ تَمَّ سَكُّها مِن قِبَلِ الشركةِ.

حقّاً؛ إنَِّا؛ها مِن رَوائعِ وَقائعِ سُنَنِ التَّدافُعِالرّبّانيّةِ.

حماة (حمَاها اللهَ) ٠٢-٠٢-٢٠١5 م؛