العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دورُ الصُّكوكِ الإسلاميةِ في تنميةِ ودعمِ قطاعِ الوقفِ الإسلاميِّ

بن عزة هشام

طالب دكتوراه _ كلية العلوم الاقتصادية والتسيير والعلوم التجارية جامعة تلمسان - الجزائر -

المِحورُالرَّابعُ: تصكيكُ المواردِ الوقفيةِ وتجارِب بعضِ الدُّولِ

1-تعريفُ الصُّكوكِ الوقفيةِ:

الصكوكُ الوقفيةُ هي عبارةٌ عن وثائقَ، أو شهاداتٍ خطّيةٍ متساويةِ القيمةِ قابلةٍ للتداولِ، تُمثِّل المالَ الموقوفَ، وتقومُ على أساسِ عقدِ الوقفِ، ويُقصَدُ بتصكيك المواردِ الوقفيةِ؛ تجزئةُ المالِ المطلوبِ لإنشاءِ وقفٍ جديدٍ إلى أجزاءَ متساويةٍ، ويُدعى المُحسِنونَ للاكتتابِ بِها، والاكتتابُ هنا معناهُ أن يُحدِّدَ المُحسِنُ مِقدارَ المالِ الذي يُريدُ أن يتبرَّعَ به في وجهٍ مسمّىً من وُجوه البرِّ حدَّدتهُ نشرةُ الاكتِتابِ؛ وذلك عن طريقِ تعيينِ عددِ الصكوكِ الوقفيةِ الخيريةِ التي يرغَب التبرُّع بِها، والهدفُ من هذا الإجراءِ هو تعميمُ المُمارَسَةِ الوقفيةِ وتيسيرُها40؛ فلَقد اقترنَ الوقف تاريخيّاً بالمُوسِرينَ والأغنياءِ من أفرادِ المجتمَعِ؛ حيث أنتجتِ الهندسةُ الماليةُ في عصرِنا الراهنِ أُطراً جديدةً للمُشارَكةِ عَبرَ التسهيمِ أو التصكيكِ، أمكنَ معها تفعيلُ الاشتراكِ في تمويلِ الوقفِ لتجعلَ منه مُمارسةً جماهيريةً.

2-خُطواتُ إصدارِ الصكوكِ الوقفيةِ:

 إذا أرادتِ المؤسَّسةُ الوقفيةُ إنشاءَ مشروعٍ وقفيٍّ يُمكِنها أن تتّبِعَ الخُطواتِ التاليةَ:

·      تحديدَ الأصولِ السائلة التي يُحتاجُ إليها لتنفيذِ هذا المشروعِ؛ أي تحديدَ حجمِ التمويلِ اللازمِ له.

·             يتمُّ إصدارُ الصكوكِ بقيمٍ اسميةٍ وعَرضِها للاكتتابِ العامِّ؛ لتجميعِ المالِ اللازمِ لإقامةِ المشروعِ، والمُكتَتِبونَ أصحابُ المالِ وهُمُ الواقِفون، وحصيلةُ الاكتتابِ هي رأسُ مالِ المُضارَبةِ وهو المالُ الموقوفُ.

·             تقومُ الشركةُ (شركةٌ ذاتُ غرضٍ خاصٍ SPV(مَهمَّتُها إصدارُ الصكوكِ الوقفيةِ، وإدارةُ مَحافِظَ الصكوكِ والمشروعِ الوقفيِّ نيابةً عن المؤسَّسةِ الوقفيةِ؛ بإصدارِ الصكوكِ في السُّوقِ الأوَّليِّة للاكتتابِ العامِّ، وتتسلَّمُ المبالِغَ النقديةَ حصيلةَ الاكتتابِ في الصكوكِ من المُكتَتِبين41َ.

3-أنواعُ الصكوكِ الوقفيةِ:

يُمكِنُنا ذِكْرُ أهمِّ أنواعِ الصكوكِ الوقفيةِ كما يلي42:
ا-صكوكٌ أهليةٌ: وهيَ صكوكٌ تُصدِرُها هيئةُ الأوقافِ بناءً على رَغبةِ الواقفِ لصالحِ أهلهِ وذرِّيتِه؛ حيث تُمثِّلُ هذه الصكوكُ عملاً من أعمالِ البرِّ الاجتماعيةِ؛ لأنها تَهدفُ إلى رعايةِ الأهلِ والذرِّية، وأيضاً له أثرٌ في الحِفاظِ على رأسِ المالِ، والإبقاءِ على الأموالِ المُتراكمَةِ في أوعيةٍ استثماريةٍ تُحافِظُ على أصولِها، وتؤكِّدُ على عدمِ إفناءِها بالاستهلاكِ والإتلافِ؛ مِمّا يُحافِظُ على ثرواتِ الأُمَّة وأصولِها الإنتاجيةِ. 
ب- صكوكٌ خيريةٌ: وهي صكوكٌ تُصدِرُها هيئةُ الأوقافِ بناءً على رَغبةِ الواقفِ، وتُستخدَمُ حصيلتُها في الإنفاقِ على وجوهِ الخيرِ، ولا تعودُ بعائدٍ ماديٍّ.
جــ-صكوكُ القرضِ الحسَنِ: وهي صكوكٌ تصدرُ من أيّ جهةٍ كانت، وتُستخدَمُ حصيلتُها في الإنفاقِ على وجوهِ الخيرِ، ولا تعودُ بعائدٍ مادي؛ إنّما تعودُ على حامِله بأجرٍ عظيم في الحياةِ الآخرةِ، وهنا يُمكِن أن نُشيرَ إلى أنّه يُمكِنُ لوزارةِ الأوقافِ أن تستفيدَ من حصيلةِ هذه الصكوكِ في تمويلِ مشاريعِها الخاصَّة، أو إقراضِ شبابِ البطالةِ لإنشاءِ مشاريعَ صغيرةً خاصّةً به، وتكونُ وزارةُ الأوقاف هنا هي الضامِنةُ لِقيمَةِ هذه الصكوكِ. 
 يُمكِنُنا ذِكرُ أمثلةٍ عن صورِ الصكوكِ الوقفيةِ منها:
*الصكوكُ الطبيةُ لعلاجِ المُحتاجينَ: حيث أنّ كثيراً من الناسِ تجِدُ عِندهُم الرَّغبةَ في علاجِ المُصابينَ من مرضٍ مُعيَّنٍ؛ ولكِن تبقى الجهودُ الفرديةُ قاصِرةً، أمّا حينَ يتمُّ تصكيكُ المشروعِ الوقفيِّ؛ فإنّ إمكانَ المشارَكةِ مع الآخرينَ تكونُ أسهلَ عملاًوأيسرَ، وهذا يُنتِجُ أوقافاً أكبرَ أصولاً وأفضلَ عوائدَ. 
*صكوكُ الوقفِ التعليميِّ: حيثُ أنََّ الفردَ المُحسِنَ قد يستطيعُ كفالةَ طالبٍ أو طالِبينِ، لكِن حينَ يُصبِحُ مشروعُ الوقفِ التعليميِّ على صورةِ صكوكٍ يشتريها الأفرادُ، والشركاتُ، والتُّجارُ وغيرُهم..؛ فستُصبِحُ إمكاناتُ وإيراداتُ هذا الوقفِ أكبرَ بكثيرٍ، وحينَها ستجِدُ الآلافَ من طُلاّبِ العِلمِ المستفيدِينَ من هذا الوقفِ. 
*صكوكُ الحجِّ: حيثُ يختصُّ هذا الوقفُ بتسييرِ الحُجّاجِ غير مالكي النفقةِ إلى بيتِ اللهِ المُعظَّمِ لأداءِ فريضةِ الحجِّ،  والهدفُ من وراءَ تصكيكِ هذا المشروعِ هو زيادةُ قُدرةِ هذا المشروعِ الوقفيِّ على تحقيقِّ فريضةِ الحجِّ؛ حيث أنَّ تصكيكَ المشروعِ إلى صكوكٍ وقفيةٍ يعني إيراداتٍ أكبرَ لهذا المشروعِ. 

4- تجارِبُ بعضِ الدُّولِ:

4-1-تجرِبةُ الأسهمِ الوقفية السُّودانيةِ وتحويلُ الأوقافِ من مؤسَّسةٍ حكوميةٍ راكدةٍ إلى هيئةٍ استثماريةٍ فاعلةٍ:

حولَّتِ التجرِبة السودانيةُ الوقفية الأوقافَ، من مصلحةٍ حكوميةٍ تعيشُ عالةً على مواردِ الدولةِ، إلى هيئةٍ فاعلةٍ مؤثِّرةٍ تُقدِّم الدعمَ لمؤسَّساتِ التعليمِ والجمعياتِ الخيريةِ، وتمنحُ المساعداتِ للفقراءِ؛ حيثُ يَعدُّ مُطّلِعونَ كُثر اطّلعوا على تفاصيلِ هذه التجرِبةِ، بأنها تجرِبةٌ رائدةٌ استطاعت تحقيقَ نقلةٍ نوعيةٍ من تحويلِها إلى وزارةٍ، فقد كشفتْ دراساتٌ عديدةٌ مُهتمَّةٌ بهذا الشأن ازديادَ عددِ عقاراتِ الأوقافِ التابعةِ للهيئةِ، وتعكِسُ هذه التجرِبةُ المحاولَة الجادَّةَ مِن قِبَلِ الهيئةِ لتطويرِ الاستثمارِ الوقفي؛ لِتكونَ دليلاً عمليّاً يُمكِن الإفادةُ منه حسْبَ بيئةِ الوقفِ المنتشرَةِ في العالَم، فمعَ بدايةِ إنشاءِ الهيئةِ وهي مُنشأةٌ استثماريةٌ تُدارُ على أساسٍ اقتصاديٍّ لتنميةِ وتطويرِ واستثمارِ أموالِ الأوقافِ السودانيةِ في استقطابِ عديدٍ من الطواقِم الإداريةِ والفنيةِ المؤهَّلةِ، كما قامت بحصرِ الأوقافِ كُلِّها وتوثيقِها واستعادت ما أُخِذَ منها بالغصْبِ، ثمَّ قامت بوضع الخططِ والبرامجِ لتنمية الأوقافِ طُولاًوعَرضاًوعُمقاً.

 ومن البرامج ِالرائدةِ هذه، تجرِِبةُ الأسهمِ الوقفيةِ التي أتاحت لصغارِ المانِحينَ المساهمةَ الفعَّالةَ في مجالِ الوقفِ؛ وذلك بإصدارِ أسهمٍ وقفيةٍ يكتتبُ فيها الواقفونَ لامتلاكِ حصّةٍ موقوفةٍ منهم في مشروع مُعيّنٍ، ثمّ أنشأت الهيئةَ الشركةَ الوقفيةَ الأمَّ، وهي شركةٌ وقفيةٌ قابضةٌ برأسمالٍ مقدارُه ثلاثةُ ملياراتِ جُنيهٍ سودانيٍّ، وأعقبتْ ذلك بإنشاءِ العديدِ من العقاراتِ ِ في أنحاءَ مختلفةٍ من السودانِ، هذه الإنجازاتُ تجاوزتْ إلى نواحٍ أُخرى، شملتْ حصرَ وتوثيقَ المعلوماتِ والبياناتِ خاصّةً في المجالَينِ الداخليِّ والخارجيِّ،بُغيةَ الحصولِ على وثائقِ وإثباتاتِ الوقفِ، إلى جانب استعادةِ ما اعتُدي عليه منها، والتوعيةِ، ونشرِ ثقافةِ الوقفِ، وحثِّ المجتمعِ على الإنفاقِ ومتابعةِ إصدارِ اللوائحِ والقوانينِ الداعمةِ للوقفِ، مع التركيزِ على صيانةِ وإعمارِ المساجدِ وإحياءِ دورِهاالحضاريِّ والاهتمامِ بقطاعِ الصِّحّةِ، ومِن بين الأوقافِ التي استحدثتْها الهيئةُ مشروعُ "الغَرسُ الطِّيِّبُ"، وهو مشروعٌ وقفيٌّ يسعى إلى خُضرةِ البيئةِ وإصلاحِها بِما فيها، وجلبِ الفائدةِ؛ وذلك بزراعةِ شجرةِ النخيلِ "مليون نخلة"، حيثُ تسعى الهيئةُ من خلالِ هذا المشروعِ والمشاريعِ المشابِهة إلى إحياءِ سُنّةِ الوقفِ؛ وذلك بصيانَةِ الأموالِ الموقوفةِ وتحسينِها، واستثمارِ أموالِ الأوقافِ في المجالاتِ الاستثماريةِجميعِها43.

4-2-الأسهمُ الوقفيةُ تجرِبةٌ رائدةٌ للأمانةِ العامّةِ للأوقافِ بالشارقةِ (الإمارات العربيّة المتّحِدة):

 تقومُ إستراتيجيةُ عملِ الأمانةِ على استثمارِ أموالِ الأوقافِ الموجودةِ في عهدِها بصِفتِها ناظراً للوقفِ، وتوزيعِ عوائدِها بحسبِ شروطِ الواقفينَ من جهةٍ، وإحداثِ توعيةٍ وقفيةٍ لتشجيعِ قيامِ أوقافٍ جديدةٍ من جهةٍ أُخرى ؛لذلك اتجهتِ الأمانةُ نحوَ العملِ على أربعةِ مَحاوِر ؛هي استثمارُ وتنميةُ الأوقافِ، والدعوةُ إلى إقامةِ أوقافٍ جديدةٍ من خلالِ تعريفِ الواقفِينَ المتوقَّعينَ بالحاجاتِ الاجتماعيةِ والتنمويةِ التي قد يرغَبونَ في رِعايتِها، ونشرُ سُنّةُ الوقفِ بينَ شرائحِ المجتمعِ كافّة، خاصّة بين ذوي الدخْلِ المحدودِ، من خلالِ عرضِ مشاريعَ وقفيةٍ ذاتِ طابَعٍ استثماريٍّ؛ فمشروعُ "الأسهمُ الوقفيةُ" هو أوَّلُ مشروعٍ خيريٍّ أطلقتْهُ الأمانةُ وأكثرُ المشاريعِ شُموليةً لأوجُهِ الخير المتنوِّعة؛ من خلال قابليَّتِه لاستيعابِ أيِّ فِكرةٍ لمصارفَ وقفيةٍ جديدةٍ تُلبّي حاجةَ المجتمعِ؛ حيث تمَّ الإعلانُ عن إطلاقِ المشروعِ سنة 2005م

تقومُالفِكرة على أساسِ مُساهمَةِ المشروعِ الذي يستهدف أفرادَ المجتمعِ كافّةً، من خلال فتحِ بابِ التبرُّع بمبالغَ رمزيةٍ ابتداءً من "5 دراهمَ"، مساهمةً فعّالةً في القيامِ بالأنشطة التنمويةِ، من خلال رؤيةٍ متكاملةٍ تُراعي احتياجاتِ المجتمعِ وأولوياتِه؛ حيث ينصبُّ العائدُ في المصارِف الوقفيةِالمعروضَةِ من قِبَلِ الأمانةِ، والتي تَهدفُ إلى المُشارَكةِ في الجهودِ التي تخدمُ إحياءَ سُنَّةِ الوقفِ، عن طريقِ مشاريعَ تنمويةٍ في صيغٍ إسلاميةٍ للوفاءِ باحتياجاتِ المجتمعِ.

إنّ المشروعُ يشملَ على 11 مصرِفا مختلفاً ويهدفُ إلى:

 -إتاحةِ الفرصةِ لشرائح المجتمع جميعها للمُشارَكة في هذا المشروعِ، وعدمِ اقتصارِه على الأغنياءِ من أهلِ الخيرِ؛ وذلك بعَرضِ قسائمَ للتبرُّعاتِ ابتداءً من5 دراهم.

-إحياءِ سُنّةِ الوقفِ والدعوةِ إليه؛وذلك بِتلقّي تبرعاتٍ من أهلِ الخير من مواطنِينَ، ومُقيمِينَ من إمارات الدولةكلِّها.

-المساهمةِ في تطويرِ الوقفِ، وذلك من خلال الزيادةِ في الأصولِ الوقفيةِ، واستثمارِها الاستثمارَ الأمثلَ. 44

 حيث تَرعى الأمانةُ عدة مصارِفَ منها:

*مصرِفُ خدمةِ المسجدِ: والذي يهدفُ إلى صيانةِ المساجدِ داخِلَ الدولة وخارِجَها.

*مصرِفُ خدمةِ القرآنِ الكريمِ: ويهدفُ إلى فتحِ بابِ المشارَكةِ في دعمِ مؤسَّسةِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ الشريفةِ بالشارقةِ؛ وذلك بعَرضِ قسائِمَ تبرُّعٍ نقديةٍ لصالحِ بناءِ وقفِ بنايةِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ الشريفةِ، الذي تبلغُ تكلفتُه التقديريةُ (28) مليون درهمٍ، بحيثُ يعودُ ريعُ البنايةِ بالكاملِ لدعمِ مصاريفِ مؤسَّسةِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِالشريفةِ.

*مصرِفُ دارِ العجَزةِ: ويهدفُ لدعم دارِ المسنِّينَ، والمشاريعِ ذاتِ الصِّلةِ.

*مصرِفُ رعايةِ المسلمينَ الجُدُدِ: ويهدفُ للوقفِ في مجالِ الدعوةِ إلى اللهِ تعالى، عن طريقِ مُسانَدةِ المسلمينَ الجُدُدِ في التعرُّفِ على دِينِهم.

إضافةً إلى مصرِف رعايةِ المُعاقِينَ، مصرِفِ خدمةِ الحُجّاجِ، مصرِفِ أبوابِ الخيرِ، مصرِفِ رعايةِ الفقراءِ والمُحتاجينَ، مصرِفِ الأيتامِ، ومصرِفِ الغارمِينَ.

4-3-تجرِبةُ المركزِ الدوليِّ لبحوثِ الوقفِGARC:

المركزُ الدوليُّ لبحوثِ الوقفِGlobal Awqaf Research Centre "GARC"، هو هيئةٌ وقفيةٌ، غيرُ رِبحيةٍ، تَهدفُ إلى إحياءِ سُنَّةِ الوقفِ وتطويرِها، حصلَ على اعتمادٍ وموافَقةٍ رسميةٍ لمفوَّضيةِ العملِ الخيريِّ في نيوزيلندا، والتي تسمحُ للمركزِ بممارَسةِ مهامِّه بصورةٍ رسميةٍ في كُلٍّ من نيوزيلندا وآسيا؛وقد تأسّسَ من أجلِ مُكافَحةِ الفقرِ، ودعمِ صناعةِ الوقفِ، حيث يُعطي المركزُ ـ بجانبِ قضيةِ "تطوير نموذجِ أوّلِ مبادَرةٍ للصكوكِ الوقفيةِ في العالَم"ـ أهميةً كذلكَ لقضيةِ "الاستفادةِ القُصوى من الأجزاءِ المُهدَرةِ من أضاحي المسلمينَ"، التي يُقدِّمُها المسلمونَ عَبرَ العالَمِ، وتحديداً في الدولِ الغربيةِ عن طريق الجالياتِ المسلمَةِ هُناك؛ لتحقيقِ أعلى إفادةٍ مُمكِنةٍ من عوائِده، وتحويلِ المُهدَرِ منها إلى مواردَ وقفيةٍ، للارتقاءِ بظروفِ المحتاجين، والفقراءِ في الدولِ الإسلاميةِ والعربيّةِ؛ وذلك بإحياءِ سُّنَّةِ الوقفِ، وهدفِ ربطِ المسلمينَ من أصحابِ الخيرِ في المجتمعاتِ الغربيةِ، بإخوانِهم وأشقّائِهم في المجتمعاتِ الإسلاميةِ والعربية45ِ، الأقلُّ حظّاً، للمُساهَمة في تنميتِهم؛ ويسعى المركزكذلكُ لتطويرِ مبادرةِ الأوقاف النيوزيلندية، بإصدارِ وعرضِ أوّلِ صكوكٍ وقفيةٍ لمشروعِ الأضاحي في العالَم، لإقامةِ "مزارعَ وقفيةٍ في نيوزيلندا وأسترالياو"مزارعَ وقفيةٍ نموذجيةٍ صغيرةٍ بالبوسنة والسودانِ".

ويتجلّى التصوّرُ الأوّليُّ للصكوكِ الوقفيِّ على النحْو التالي:

*صكُّ وقفِ الأضاحي والمزارعِ الوقفيةِ بقيمةِ 1000 دولارًٍِ، ويُخصَّصُ مردودُه للمحافَظةِ على قيمةِ الصكوكِ الوقفيةِ، وتحقيقٍ ريعٍ مستمرًٍّ، يُخصَّصُ لتنفيذِ أضحيةِ توزّعُ على فُقراءِ المُسلمينَ عن كُلِّ صكٍّ وقفيٍّ كُلَّ عامٍ ما بقيَ الوقفُ (حتّى بعدَ وفاةِ صاحبِ الصكِّ الوقفيِّ)، ويستهدف المُسلمينَ كافّةً على مُستوى العالَم، مع التركيزِ على مُسلِمي العالَم الغربيِّ

المِحورُالخامِسُ: الصكوكُ الوقفيةُ وتمويلُ المشاريعِ الوقفيةِ في الجزائرِ (تصوّراتٌ ومُقترحاتٌ) 1-مميِّزاتُ الوقفِ الجزائريِّ:إنّ للوقفِ الجزائريِّ خصائصُ عديدةٌ وميّزاتٌ متنوعةٌ، يُمكِنُ ذِكرُها بإيجازٍ في النقاطِ التاليةِ46-:يحتلُّ الوقفُ الجزائريُّ المرتبةَ الثالثةَ مِن بينِ الدولِ العربيةِ، من حيث حجمُ الثروةِ الوقفيةِ، وكذا تنوُّعُ الوعاءِ الاقتصاديِّ للأوقافِ؛ وذلكَِ بِضمِّه الأراضي الفلاحيةَ، والأراضي البيضاءَ، المحلاّتِ التجاريةَ، بساتينَ الأشجارِ المُثمِرةِ، محطََّات البنزينِ، كما تمتدُ الأملاكُ الوقفيُ إلى المطاعِم والمغاسلِ، النوادي، الحمّاماتِ... الخ.

-تحتلُّ العقاراتُ حِصَّةَ الأسدِ من حجمِ الأملاك الوقفية الجزائرية؛ مِمّا يجعلُ سيولتَها ضعيفةً، هذا من جانبٍ، أمّا من الجانبِ الآخرِ فهي تحافِظُ على قِيمتِها مع مرورِ الزمنِ.

-أغلبُ العقاراتِ الوقفيةِ الجزائريةِ، بحاجةٍ إلى الترميمِ والصيانةِ؛ حتّى أنّ بعضَها يحتاجُ إلى إعادةِ بناءٍ من جديدٍ؛ نظراً لِما أصابَها نتيجةً لقِدَمِها.

-غيابُ المرجعيةِ الوقفيةِ لمعظمِ الأملاكِ الوقفيةِ في الجزائِر؛ مِمّا جعلَ جهودَ القائمينَ على الأوقافِ تنصرِفُ إلى البحثِ والتنقيبِ عليها.

- تعرُّضُ الكثيرِ من الأوقافِ إلى الاعتداءِ والنهب والاستيلاء؛ خاصّةً في الوقتِ الذي شهِدَ فيه الوقفُ الجزائريُّ فراغاً قانونيّاً.

-الأوقافُ الجزائريةُ موقوفةٌ على التأبيدِ؛ مِمّا يجعلُ من استمراريةِ الوقفِ مسألةً جوهريةً.

لقدِ اتّجهَ التفكير إلى ضرورة استثمارِ أموالِ الوقفِ؛ فبدأتِ الشؤونُ الدينيةُ والأوقافُ أصعبَّ مَهمّةٍ؛ وهي حصرُ واسترجاعُ الأملاكِ الوقفيةِ الكثيرةِ، خاصّةً بعدما قامَ به الاستعمارُ من مصادرةٍ وتصفيةٍ، وما لَحِقَ ذلك من تأميمٍ بعد الاستقلالِ، وكلُّ ذلك صعَّبَ من مَهمَّةِ إدارةِ الأوقافِ في عمليةِ الحصرِ، كما يوجدُ عددٌ هائلٌ من الأملاكِ الوقفيةِ لم يتمَّ استرجاعُها بعدُ، لعدّةِ أسبابٍ قانونيةٍ أو تاريخيةٍ، وتسعى الوزارةُ جاهدةً لاسترجاعِها، واللجوءِ إلى القضاءِ من أجل هذا، وكذلك قيامُها بالإعدادِ لمشروعاتٍ استثماريةٍ، تهدفُ إلى استثمارِ هذه الأوقاف؛ لتكونَ مصدراً لتمويلِ التنميةِ.

2-المُمتلكاتُ الوقفيةُ:

أولاً: أموالٌ غيرُ سائلةٍ:تتكونُ الأملاكُ الوقفيةُ غيرُ السائلةِ من الأراضي والعقاراتِ، وكذا المنقولاتِ، والتي يُمكِنُ لها أن تدخُلَ في عمليةِ الاستثمارِ، من تأجيرِ المحلاّتِ والمساكنِ وغيرِها، مقابلَ مردودٍ دوريٍّ على حسبِ طبيعةِ العينِ المؤجَرةِ.

                                                     الجدول رقم(01): الأملاكُ الوقفيةُ في الجزائر إلى غاية نِهاية 31/12/2012

         مجموع الأملاك

 المحصية

وضعية الأملاك

بإيجار

وضعية الأملاك

 بغير ايجار

الإيرادات

 النظرية دج

الإيرادات

 المحصلة دج

مخلفات الإيجار

المحصلة إلى 31/12/2012

الإيرادات

 الصافية دج

الباقي في

 الحساب

نسبة التحصيل

 

8851

5471

)51. 64%

4280

%48. 36

 

147. 949. 429. 90

114. 385. 419. 54

42. 320. 669. 11 دج

71. 861. 900. 43

58. 181. 684. 52

 %48. 75

 

 

المخلّفاتُ الكُلِّيةُ

344. 974. 835. 84 دج

 

المصدَر: وزارةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ، مديريةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ الجزائرية، الحوصلَةُ السنويةُ للأوقافِ لسنة 2012.

الملحوظُ من خلال هذه الإحصائياتِ أنَّ جميعَ الأعيانِ الوقفيةِ تُستغلُّ عن طريقِ الإيجارِ، ولم يتمّ استحداثُ أساليبَ حديثةٍ لاستثمارِ هذه الأعيانِ؛ حيث توجِّه المديريةُ المركزيةُ هذه المداخيلَ كلَّها التي تتولّى توزيعَها على المشاريعِ الكُبرى فقط التي تنوي القيامَ بِها.

ثانياً: أموالٌُ سائلةٌ:

هي النقودُ التي بِحَوزةِ المؤسَّسةِ الوقفيةِ، والتي يكون مصدرُها مداخيلُ العقاراتِ المستأجَرةِ، الهباتُ الموجّهةُ إليها من طرفِ المجتمعِ. بالإضافةِ إلى مردودِ الأوقافِ المستغلَّةِ من طرفِ الناسِ، حيثُ بلغتِ السيولةُ فيها نِهايةَ سنةِ 2012 حوالي: 542. 496. 194. 01 دينارٍِجزائريًّ، والجدول التالي يوضِّحُ الأرصدةَ الخاصَّةَ بحساباتِ الأوقافِ.

الجدول رقم (02): أرصدةُ حساباتِ الأوقافِ

            الأرصدة الخاصة بالحسابات إلى غاية:31/12/2012

المبلغ/دج

حساب مركزيّ إيرادات

542. 496. 194. 01

حساب مركزيّ نفقات

986. 159. 94

حساب هباتٍ وأضرحةٍ

15. 887. 734. 48

 

المصدرُ: مديريةُ الشؤونِ الدينيةِ الجزائريةِ

3-آفاقُ الاستثمارِ الوقفيِّ:

تقومُ حاليّاً إدارةُ الأوقافِ بجملةٍ من المشاريعِ الاستثماريةِ؛ تَهدفُ من خلالِها تطويرَ وتنميةَ القطاعِ الوقفيِّ، منها ما تمّ إنجازُه والبعضُ الآخرُ ما يزالُ في طورِ الإنجازِِ، نذكرُ من بينِها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ ما يلي:

*كانت أوّل أشكالِ هذا الاستثمارِ الحديث، بشراءِ سياراتِ أُجرةٍ؛ لِتُشكِّلَ فرصَ عملٍ لشبابِ البطالةِ* عن العملِ، وكذلك السعيُ لإنشاءِ مشاريعَ أُخرى على غِرارِ مجمعاتٍ وقفيةٍ، ومشاريعَ خاصّة بالحِرَفِ والصناعاتِ التقليديةِ؛ حيث كانت فِكرة "طاكسي الوقف" عبرَ تأسيسِ شركةٍ خاصّةٍ أطلقوا عليها اسمَ "ترانس وقف" تمكّنت من شراءِ 36 طاكسي وشغّلت عدداً مُوازياً من الشبابِ، وتخطِّط الشركةُ لتوسيعِ العمليةِ من خلالِ اقتناءِ مئاتِ سيّاراتِ الأُجرةِ، وتوزيعِها على المحافَظاتِ.

*مشروعُ دارِ الإمامِ بالمحمَّديةِ بالجزائرِ العاصمةِ، وهو موجَّهٌ لتطويرِ معارِفِ الأئِمّةِ، ويحتوي على جناحٍ للإدارةِ، وقاعةٍ للمُحاضراتِ فيها 800 مَقعدٌ، وقاعةٌ أُخرى فيها 200 مَقعدٌ، ومكتبةٌ، ونادي ومطعمٌ، وغُرفةٌ لإيواءِ حوالي 150 فردٍ، ويكون تمويلُه من حسابِ الأوقافِ مع إعانةٍ من الدولةِ.

*مشروعُ حيّ الكرامِ ببلدية السحاولةِ بالعاصمةِ، وهو مركبٌ وقفيٌّ كبيرٌ يشتملُ على 150 مسكنٍ ومُستشفىً، و170 محلٍّ تجاريٍ، وفُندقٍ يسعُ 64 غرفةً، و100 مكتبةٍ، ومبنىً للأيتامِ يتّسِعُ ل 200 يتيمٍ، ومسجدٍ يشملُ على ساحةٍ عامّةٍ، وموقفٍ للسياراتِ، ويتمُّ تمويلُ هذا المشروع الوقفيّ من الدولةِ بنسبةِ 100% ومبلغٍ قدرُه 1. 3 مليارٍ دج.

*مشروعُ الجامعِ الأعظمِ الجاري إنجازُه؛ وهو عبارةٌ عن مجمعٍ ثقافيٍّ يضمُّ 25 واجهةً، حيث يضمُّ داراً للقرآنِ الكريمِ، ومعهداً عالياً للدراساتِ الإسلاميةِ، يَستوعِبُ 3 آلافِ طالبٍ، ومركزاً ثقافيّاً وآخرَ صحيِّاً، وعمارةً للسكنِ، وأُخرى للخدماتِ الإدارية، إضافة إلى فُندقٍ من فئةِ 5 نجوم، و3 مكتبات، وقاعةِ مسرحٍ ومركزٍ للعلومِ، وقاعةِ مؤتمراتٍ تتسِعُ ل1500 مقعدٍ، ناهيكَ عن مُتحَفٍ للفنونِ والتاريخِ، وصالاتٍ وفضاءاتٍ للأنترنت، فضلاً عن حدائقَ، ومطاعمَ، وملاعبَ، وورشاتِ الحِرَفِ التقليديةِ، وموقفٍ للسياراتِ.

*مشروعُِ بناءِ مركزٍ ثقافيٍ بوهرانَ، ومشروعُ ترميمٍ وإعادةِ بناءِ معهدِ الشيخِ عبد الحميد بن باديس رَحِمَهُ اللهُ بقسنطينةَ، ومشروعُ المركبِ الوقفيِّ للبشيرِ الإبراهيميِّ رحِمَهُ اللهَ ببلدية بوفاريك ولاية البليدة، إضافةً إلى مشاريعَ أُخرى منها ما هو في طورِ الإنجازِ.

إنّ إحصائياتِ وزارةِ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ الأخيرةَ،بيّنت أنّ الحظيرةَ الوطنيةَ في الجزائر تتوفَّر حاليّاًَ على 16318 مسجدٍ، لم يتمّ فيها التسويةُ القانونيةُ إلاّبنسبةِ 37%، حيث يبقى الهدفُ لتحقيقِ 80%، إلى جانبِ 9100 مِلك وقفيٍّ تبقى بحاجةٍ إلى بعثِ مشاريعَ استثمارية؛ فأعدتِ الوزارةُ خريطةً وطنيةً للاستثمارِ في الأملاكِ الوقفية تتضمّنُ 32 مشروعاً في 24 ولايةٍ بغلافٍ ماليٍّ يُقدَّرُ بــ300 مليارٍ دج، وهي كلُّها مشاريعُ إستثماريةٌ وقفيةٌ وخيريةٌ يوجَّه ريعُها ويعودُ لفئاتِ المجتمعِ الخيريةِ، وإنّ الوزارةَ بصددِ إطلاقِ مشاريعَ لإنجازِ خمسِ مركباتٍ وقفيةٍ بولايات سطيف، البليدة، ورقلة، بشار، معسكر، كما كشَفت عن مشاريعِ الصناديقِ الوقفيةِ، ومن بينِها صندوقُ رعايةِ الطفولةِ المُسعِفةِ47، في حين أنّ الأملاكَ الوقفيةَ في الجزائرِ محصورةٌ فقط في بناءِ المساجدِ والمدارسِ القرآنيةِ، والذي لا يُساهِمُ في تنميةِ المجتمع وتحريرِ؛ لذا وجَبَ توسيعُ الوقفِ ليشمَل الاستثمارَ فيِ المجالاتِ المختلِفة.

4-تصوّراتُ ومقترحاتُ تمويلِ المشاريعِ الوقفيةِ في الجزائرِ:

نرى أنّ عمليةَ إصدارِ الصكوكِ الوقفيةِ، وتوظيفَ حصيلتِها في تمويلِ المشاريعِ الإستثماريةِ الوقفيةِ، يدخلُ في إطارِ دعمِ جهودِ الدولةِ الجزائريةِ للنهوضِ بالأوقافِ من خلال الاستثمارِ الوقفيِّ، تبعاً للقانون المعدَّلِ رقم07/01 المؤرَّخ في 28 صفر1422 الموافق لــ22 ماي 2001م، الذي يهدفُ إلى فتحِ المجالِ لتنميةِ واستثمارِ الأملاكِ الوقفيةِ48.

إنّ الصكوكَ الوقفيةَ تُعتبَرُ إحدى أهمِّ الأدواتِ الماليةِ ذاتِ الكفاءةِ والفعاليةِ التي تصلُح للاستعمالِ من قِبَلِ المؤسَّساتِ الوقفيةِ؛ لِقُدرتِها على حشدِ وتعبئةِ المواردِ الماليةِ بطريقةٍ تتّفِقُ مع أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ، مِمّا يُسهِمُ في تفعيلِ دورِ الوقفِ في التنميةِ، والارتقاءِ بالمجتمعِ الإسلاميِّ، ويرفعُ العِبءَ عن الدولةِ.

4-1- طرقُ وتمويلُ المشاريعِ الوقفيةِ من حصيلةِ الاكتتابِ في الصكوكِ الوقفيةِ:

إنّ وزارةَ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ بالجزائرِبإمكانِها الاستفادةَ من حصيلةِ الاكتتابِ في الصكوكِ الوقفيةِ؛ لتمويلِ مشاريعِها الوقفيةِ؛ وذلك بإحدى الطريقتَين التاليتينِ:49

أوّلاً: عن طريقِِ مُديرياتِها في أنحاءِ الوطنِ المختلِفةِ، بإمكانِها الاستفادةَ من الصكوكِ الوقفيةِ بعَرضِها للاكتتابِ العامِّ أو الخاصِّ، واستثمارِ حصيلتِها بصيغِ التمويلِ الإسلاميةِ المختلِفة، من مضارَبةٍ، ومشارَكةٍ، وإجارةٍ، واستصناعٍ، ومرابَحةٍ وغيرِها من الصيغِ الأُخرى، ويكونُ الصرفُ على الموقوفِ عليهم من أرباحِ الاستثمارِ وعوائدِه فقط، ويبقى رأسُ مالِ الوقفِ محفوظاً.

ثانيا: عن طريقِ مديرياتِها في أنحاء الوطنِ المختلِفةِ بإمكانِها تقسيمَ حصيلةَ الاكتتابِ في الصكوكِ الوقفيةِ إلى جزأينِ:

·      جزءٍ يُستثمَرُ بالصيغِ الاستثمارية سالفةِ الذِّكْرِ؛ لتأمينِ وضمانِ استمراريةِ الوقفِ.

·      جزءٍ يُخصَّصُ لتمويلِ المشاريعِ الاستثماريةِ للموقوفِ عليهم، (مثلاً: فئةُ شبابِ البطالةِ).

4-2- التصوُّرُ المقتَرحُ لتمويلِ المشاريعِ الاستثماريةِ عن طريقِ الصكوكِ الوقفيةِ:

 يحاولُ الباحثُ وضعَ تصوِّرٍ مُقتَرحٍ لتمويلِ المشاريعِ الاستثماريةِ الوقفيةِ عن طريقِ الصكوكِ الوقفيةِ، باعتبارِ هذه الأخيرةِ أداةً ماليةً إسلاميةً ذاتَ كفاءةٍ وفعاليةٍ عاليةٍ لتمويل مجالاتِ الوقفِ الاسلاميِّ المختلِفةِ، وإمكانِ وصولِها إلى أكبرِ عددٍمُمكِنٍ من الناس؛ حيث نرى أنّه يُمكِنُ لوزارةِ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ، تمويلَ مشاريعِها الوقفيةِ من حصيلةِ الاكتتابِ في الصكوكِ الوقفيةِ بأحدِ الأسلوبينِ التاليَينِ:50

أوَّلاً: التمويلُ بالقرضِ الحسَنِ: مِن بينِ المشاريعِ التي تتولّى وزارةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ تمويلَها في إطارِ تنميةِ الخدماتِ الاجتماعيةِ، وكما ذكَرناه سابقاً:

مشروعُ دارِ الإمامِ المحمديةِ، و يهدفُ إلى تطويرِ معارفِ الأئمَّة، والذي يتمُّ تمويلُه من حسابِ الأوقافِ مع إعانةٍ من الدولةِ.

مركبُ وقفيّ ببلديةِ السحاولةِ بالعاصمةِ؛ والذي يحتوي على مرافقَ عدّة من مساكنَ، ومستشفىً، ومحلاتٍ تجارية، وفندقٍ، ومكتباتٍ، ومبنىً للأيتام، والذي يتمُّ تمويلُه 100% من طرفِ الدولةِ.

وكذلك مشروعُ "طاكسي الوقف" عَبرَ تأسيسِ شركةٍ خاصّةٍ أطلقوا عليها اسمَ "ترانس وقف" تمكّنت من شراءِ 36 طاكسي، وشغّلت عدداً موازياً من الشباب، وتُخطِّط الشركةُ لتوسيعِ العمليةِ من خلالِ اقتناءِ مئاتِ سياراتِ الأُجرةِ وتوزيعِها على المحافَظاتِ.

فبِهدفِ توسيعِ هذا المشروع مثلاً مشروع "طاكسي الوقف"، في أنحاءِ الوطنِ المختلِفة نحاولُ اقتراحَ الآتي:

قيامِ وزارةِ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ من خلال مديرياتِها، بتحديدِ قيمةِ القرضِ المطلوبِ (وعاء الصندوقِ الوقفيِّ) في كلِّ ولايةٍ بحسب نسبةِ شبابِ البطالةِ؛ حيث يتمُّ تقسيمُ المبلغِ المطلوبِ إلى أوراقٍ متساويةِ القيمةِ تُعرضُ للاكتتابِ فيها بنسبةٍ من رصيدِ الودائعِ الجاريةِ لدى البنوكِ الإسلاميةِ خاصّةً، وشركاتِ التأمينِ والضمانِ الاجتماعيِّ؛ نظراً لتوفِّرِ السيولةِ لديها، وحتى يتمَّ تغطيةُ الاكتتابِ وتجميعُ المبلَغِ المطلوبِ ينبغي على الحكومةِ الجزائريةِ أن تدعَم هذه العمليةَ من خلال ِتقديمِ ضماناتٍ ومنحِ إمتيازاتٍ ضريبيةٍمثلاً للجهاتِ المانِحةِ، حتى تلقى عمليةَ إصدارِ صكوكِ القرضِ الحسَنِ القَبولَ العامَّ، وعندَ تجميعِ المبلغِ المطلوبِ، تقومُ مديرياتُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ في كلِّ ولايةٍ بتحديدِ فئةِ المستفيدِينَ، والتي تتوفَّر فيهم الشروطُ، ويتمُّ منحُهم التمويلَ بالقرضِ الحسَنِ مباشرةً للانطلاقِ في نشاطِهم.

ثانياً: التمويلُ بصيغِ التمويلِ الإسلامية:ويكونُ ذلك عن طريقِ صرفِ حصيلةِ الاكتتابِ في الصكوكِ الوقفيةِ لتمويلِ مشاريعِ الموقوفِ عليهم، باستخدامِ صيغِ التمويلِ الإسلاميةِ، كصيغةِ التمويلِ بالإجارةِ التمليكيةِ، وذلك باتباعِ الخُطواتِ التاليةِ:

·      تتولّى وزارةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ من خلال مديرياتِها، بدراسةٍ للسُّوقِ على مستوى كلِّ ولايةٍ لمعرفةِ الحِرَفِ الأكثرِ رَواجاً فيها، والتي تسدُّ احتياجاتِ المجتمعِ من سِلَعٍ وخدماتٍ على المُستوى المحلَّيّ.

·      تحديدُ قيمةِ المبلَغِ المطلوبِ على مُستوى كلِّ ولايةٍ، وعَرضُها في شكلِ أوراقٍ ماليةٍ متساويةِ القيمةِ للاكتتابِ العامِّ، خاصّةً على المؤسَّساتِ الوطنيةِ العامّةِ والخاصّةِ، والبنوكِ وشركاتِ التأمينِ....

·      تقومُ مديريةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ بالإعلانِ عن التمويلِ وتلقّي الطلباتِ من الموقوفِ عليهم.

·      تقومُ مديريةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ بدراسةِ الطلباتِ.

·      تقومُ بشراءِ جميعِ المعدَّاتِ والآلاتِ ومُستلزماتِ الإنتاجِ.

·      يتمُّ عقدُ إجارةٍ تمليكيةٍ بين الموقوفِ عليهم، ومديريةِ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ، بعدَ الاتِّفاقِ على الأُجرةِ ومُدَّةِ الإيجارِ؛ ثمّ يتمُّ تسليمُ التجهيزاتِ والمَعدّاتِ محلِّ العقدِ إلى الموقوفِ عليهم، وهم مُلتزِمونَ بدورهِم بدفعِ أقساطِ الإيجارِ في مواعِيدها.

·      عند انتهاءِ مُدَّةِ عقدِ الإجارةِ، تتنازلُ مديريةُ الشؤونِ الدينيةِ والأوقافِ للموقوفِ عليهم ببيعِها الأصلَ محلَّ الإجارةِ مقابِلَ ثَمنٍ يتّفِق عليه الطرفانِ، أو دفعِ ثَمنٍ رمزيٍّ، أو يهبُ الأصلَ المستأجَر للموقوفِ عليه، في حالةِ دفعهِ للأقساطِ الإيجاريةِ معادِلَةً لثمنِ الأصلِ مع هامِش الربحِ.

الخاتِمةُ

إنّ نظامَ الوقفِ من النُّظمِ الدينيةِ التي أصبحت في ظلِّ الإسلامِ مؤسَّسةً عُظمى، لها أبعادٌ دينيةٌ مُتشعِّبةٌ واجتماعيةٌ، واقتصاديةٌ، وثقافيةٌ، وإنسانيةٌ، كانت هذه المؤسَّسة في ظلِّ الحضارةِ الإسلاميةِ تجسيداً حيّاً للسماحةِ، والعطاءِ، والتضامُنِ، والتكافُلِ، غطّى نشاطُها وديناميّتُها أوجُهَ الحياةِكلِّها.  

لقد حان الوقتُ للتفكيرِ بِجدِّيةٍ لإرجاعِ المكانَة اللازمة واللائقةِ بوزارةِ الأوقافِ، كعنصرٍ أساسٍ ومُهمٍّ في ترقيةِ وتنميةِ المجتمعِ؛ باعتبارِ مؤسَّسةِ الأوقافِ، مؤسَّسةً ماليةً ذاتَ أهدافٍ تنمويةٍ وجتماعيةٍ، تستمدُّ منطلَقها التنظيميّ من الشريعةِ الإسلاميةِ، وكذا معاملاتَها من أجلِ تجسيدِ الصفةِ الدينيةِ في الحياةِ الاقتصاديةِ؛ فيمكِنُ اعتبارُها مصدراً مُهمّاً للتمويلِ والتنميةِ؛ الأمرُ الذي يعني إتاحةَ المزيدِ من فُرصِ العملِ، واستغلالِ الثرواتِ المحليةِ، وزيادةِ الإنتاجِ، وتحسينِ مستوىِ المعيشةِ؛ لذا ينبغي على الجِهاتِ المسؤولةِ تفعيلُ دورِ هذه المؤسَّسة في دعمِ المشاريعِ الاستثماريةِ، حيث يُعَدُّ استثمارُ الوقفِ مجالاً من مجالاتِ تحريكِ الأموالِ، وعدمِ تركُّزها في جهةٍ مُعيَّنةٍ؛ وذلك بتداولِها وإعادةِ توزيعِها بين أفرادِ المجتمعِ مِمّن يُحسنونَ اغتنامَها وتنميتَها بِما يعودُ ريعُه ونفعُه على المجتمعِ ويحقِّق له النموَّ الاقتصاديَّ.

إنّ استثمارَ أموالِ الوقفِ يحقِّقُ مصالِحَ الموقوفِ عليهم، ويحقِّق مصالِحّ الأمّةِ عامّةً، في ترميمِ الفروقاتِ الاجتماعية، والمساهمة في حلِّ مشكلةِ البطالةِ، وتوجيهِ الاستثماراتِ إلى القطاعاتِ الإنتاجيةِ التي يحتاجُها المجتمعُ كالسكنِ، والزراعةِ، والصناعةِ المتطوِّرة، والخدماتِ في الفنادقِ، وفي مجالِ التعليمِ بالاستثمارِ في إنشاءِ المدارسِ وفتحِ الجامعاتِ الربحيةِ.... الخ.

وقدظهرتِالصكوكُالوقفية ـإحدىأشكالالصكوكالإسلاميةـ، كأداةٍماليةٍإسلاميةٍذاتِكفاءةٍوفعاليةٍعاليةٍلتمويلِمجالاتِالوقفِالإسلاميّ المختلِفة، ويمكنوصولُهاإلىأكبرِعددٍمُمكِنٍمنالناسِ، وبالتاليتوفيرهاالتمويلَلقطاعِالوقفِالإسلاميّ، كمايُمكِنتوجيهُهذا التمويلإلىمجالاتٍأوسعَ، تستفيدُمنهاقطاعاتُوفئاتُالمجتمعِ كافّةً؛ نظراًلتنوعِصيغِالتمويلِالإسلاميةِالتيتقومُعليهاالصكوكُ الاستثماريةُالوقفيةُ.

فرغْمَ كثرةِ الأعيانِ الوقفيةِ في العديدِ من البلدانِ على غِرارِ الجزائر، إلاّ أنّ الإهمالَ والتهميشَ قد طالَها بشكلٍ أو بآخرَ، ومن ثمّ دعتِ الضرورةُ إلى إعادةِ النظرِ في كيفيةِ تنميةِ واستثمارِ هذه الأوقافِ؛ فبعدَ حصولِ الجزائرِ على الاستقلالِ لم يُهتمَّ بالأوقاف، وقد كان الجزءُ الأكبرُ منها قد ضاعَ بطريقةٍ أو بأُخرى، خاصَّةً في الثورةِ الزراعيةِ التي استحوذتْ على العديدِ الأعيانِ الوقفيةِ، فجاء قانونُ 91/10 الذي أعطى دُفعةً قويةً لعودةِ الأوقافِ، ومِن ثَمَّ فقد تلتْهُ العديدُ من المراسيمِ التي سعتْ إلى حصرِ الأوقافِ واسترجاعِها، إنَّ الدخولَ في مشاريعَ جديدةٍ يعطي إشارةً واضحةً للسعي الجادِّ نحوَ النهوضِ بالأوقافِ في الجزائر، رغمَ مايعترض ذلك من المشاكلِ والمعوِّقات المختلِفة.       

إنَّ الأوقافَ في الجزائرِ لا تزالُ في وضعٍ لا يُسمَحُ لها بالقيامِ بجميعِ ما هو منوطٌ بِها، والوصولِ إلى دورِها التنمويِّ؛ لذا وجَبَ استحداثُ طُرقٍ حديثةٍ للتغلُّبِ على الصعابِ لأجلِ الاستثمارِ الأمثلِ للكمِّ الهائِل من الأوقافِ التي تزخَرُ بِها الجزائرُ، حيث يُمكِنُ للتجرِبةِالجزائريةِ في مجالِ الأوقافِ الاستفادةُ من التجارِبِ التي تطرّقْنا إليها في الدراسِ، ومدى مُساهمةِ الصكوكِ الوقفيةِ كأحدِ أشكالِالصكوكِ الإسلاميةِ في دعمِ وتنميةِ الوقفِ الإسلاميِّ، من خلال إمكانِ توظيفِ هذه الآليةِ الخيريةِ لحشدِ مزيدٍ من الواقفينَ، ومزيدٍ من الأموالِ للأغراضِ الوقفيةِ؛ للنهوضِ وإحياءِ دورِ مؤسَّسةِ الوقفِ في تنميةِ المجتمعِ، والمساهمةِ في تطويرِ الوقفِ، عن طريقِ الزيادةِ في الأصولِ الوقفيةِ، واستثمارِها الاستثمارَ الأمثلَ.

التهميش والإحالات

40-أ. د عبد الجبار السبهاني، وقف الصكوك وصكوك الوقف، مؤتمر الصكوك الإسلامية وأدوات التمويل الإسلامي 2013، جامعة اليرموك، أربد، الأردن، 12، 13 تشرين الثاني 2013، ص 20.

41-محمد إبراهيم نقاسي، الصكوك الوقفية ودورها في التنمية الإقتصادية من خلال تمويل برامج التأهيل وأصحاب المهن والحرف، جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، ماليزيا، ورقة بحث متاحة على الرابط، http://conference. qfis. edu. qa/app/media/340، ص12. بتصرف.

42- أشرف محمد دوابه: مرجع سبق ذكره، ص167، 172.

 43- معاوية كنة من الخرطوم، الخرطوم.. تحويل الأوقاف من مؤسسة حكومية راكدة إلى هيئة استثمارية فاعلة، متاح على الموقع http://www. aleqt. com/2009/02/22/article_198316. htmlبتاريخ22 فبراير 2009، الإقتصادية، العدد 5613.

 http://awqafshj. gov. ae/ar/projdetails. aspx?id=54844- موقع حكومة الشارقة، الأمانة العامة للأوقاف:

45-مقال إلكتروني، توظيف التكنولوجيا لمكافحة الفقر.. وإطلاق الصكوك الوقفية.. وهندسة صناعة الأوقاف.. في مقدمة أولويات المركز، متاح على الرابط التالي:http://www. maghress. com/aljassour/25080، نشر في يوم 11 - 11 – 2013.

46-بن عيشي بشير، الوقف ودوره في التنمية الإقتصادية مع دراسة تطبيقية للوقف في الجزائر، مداخلة مقدمة ضمن فعاليات المؤتمر الثالث للأوقاف بالجامعة الاسلامية، المملكة العربية السعودية 2009، ص214.

47- بلفوضيل لزرق، 37 في المائة نسبة تسوية الأملاك الوقفية في الجزائر، تاريخ الاصدار:17/12/2013، متاح على الموقع:

 http://www. al-fadjr. com/ar/national/262474. html

48-للمزيد من التفاصيل، انظر الموقع الإلكتروني لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية على الرابط التالي،

http://www. marw. dz/index. php/2010-01-21-09-36-45/166-2010-02-16-16-28-19

49- محمد إبراهيم نقاسي، مرجع سبق ذكره، ص24-25. بتصرف.

5- محمد إبراهيم نقاسي، مرجع سبق ذكره، ص26-28. بتصرف.

*شباب البطالة:أي مَن كان متوقِّفاً عن العمل ام كان لايعملُ أصلاً.