العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

النوافذ الإسلامية في تُونس بين رأيَين

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

منذ انطلاقة اللجان المتخصِّصة في المالية الإسلامية في المجلس التأسيسيّ التونسيّ قبل عامينِ أو أكثرَ؛ تُراوِحُ مسألةُ النوافذ الإسلامية في البنوك التقليدية مكانَها بين الرفض والقَبول، ورغم أنني فكريًا أميل للرفض إلاّ أنّ هذا المقال يقوم بإجراء تحليلٍ موضوعيٍّ مقارنٍ لمسوِّغات الرفض والقَبول، في ضوء معطيات الواقع التونسيّ، والتجارِب الأُخرى، والإطار الفِكريّ للرفض والقبول.

انّ عدد البنوك التونسية وِفق الخُبراء الدّوليِين يفوق الحاجةَ الفعليّة للاقتصاد التونسيّ، وهذا يضغط باتجاه إجراء عمليات الدمج، أو على الأقل عدمِ السماح بإنشاء بنوكٍ جديدةٍ تقليديةٍ كانت أو إسلامية؛ وبالتالي فإنّ الفرصة الوحيدة لإنشاء بنوكٍ إسلاميّةٍ جديدةٍ في تُونس تتمثَّل في تحوّل بعض البنوك التقليدية القائمة إلى بنوكٍ إسلاميةٍ، وهو خيارٌ يوصَف بالصعب من قِبل النُّخَب المصرفيّة التونسيّة، ولا يمكن الإلزام به قانونًا؛ لأنه خيارٌ للمساهمِين في ظلٍّ نظامٍ مزدوج ٍلا يعتمد التحوّلَ المصرفيّ على مستوى الاقتصاد الكُلّيّ.

 ان ّالتجارب الأخرى بعضُها يسمح بالنوافذ كالإمارات والسعودية والبحرين، وبعضُها لا يسمح بالنوافذ؛ مثل قطر وسورية والكويت. وبنظرةٍ سريعةٍ يمكن ملاحظة أنّ تأثير السماح بالنوافذ كان سلبيّا على الإسراع في عملية التحول المصرفيّ في السعودية حيث بدأت النوافذُ في عام 1990 وانتشر تطبيقها تدريجيّا في أحدَ عشَرَ بنكًا تقليديا، ولم يكن في عام 1990 سِوى بنكٍ إسلاميٍّ واحدٍ هو بنك الراجحي. ومنذ 1990 وحتى تاريخ اليوم (1990-2014) لم يتجاوز عدد البنوك الإسلامية في السعودية أربعةَ بنوكٍ وهي مصرف الراجحي (1988)، والجزيرة (تحول 2007)، والبلاد (2006)، الإنماء (2008) أي بمعدل بنك ٍكل ثمانِ سنواتٍ.

أمّا عدم السماح بالنوافذ في دولة الكويت فقد أثّر إيجابًا على الإسراع في عملية التحول المصرفيّ. ففي عام 2003 حيث أُضيف الفصلُ الخامسُ لقانون البنوك الإسلامية لم يكن في الكويت سوى بنكٍ إسلاميٍّ واحدٍ هو بيت التمويل الكويتي (1976)، وستة بنوك تقليدية، أمّا الآن وخلال الفترة (2003 -2014) فيوجد خمسةُ بنوكٍ إسلاميّةٍ بيت التمويل الكويتي، الدولي (تحول)، بوبيان (تأسيس)، المتحد (تحول)، وربة (تأسيس)، بمعدل وجود بنكٍ إسلاميٍّ كُلَّ سنتينِ، ِوفق رؤية يُشرِف عليها البنك المركزيّ الكويتيّ، ويقابلها خمسة بنوكٍ تقليديةٍ، مع العلم أنّ كُلَّ البنوك التقليدية في الكويت تقدّمت برغبتها للتحوّل.

تستند تجارِبُ عدم السماح بالنوافذ إلى جوانبَ رقابيةٍ، وتنافسيةٍ وقِيَميّةٍ. أما الجوانب الرّقابيّةُ فتتعلَّق بالرقابة على المَخاطر والفصل بين الحسابات، وكانت السبب في المنع في قطر. أمّا الجوانب التنافسية؛ فتعني أنّ إتاحة الفرصة للنوافذ سوف يسمح للبنوك التقليدية بالوصول إلى شريحةٍ من عملاء البنوك الإسلامية بالإضافة إلى شريحةِ العملاء الأصليِين الذي لا يجدون مانعًا من التعامل مع البنوك التقليدية؛ في حين أنّ البنوك الإسلاميّةَ لن يمكِنَها طرح المنتج التقليديّ بجواز المنتَج الإسلاميّ. وبالتالي فإنّه في نظر أنصار المنع ستكون الوضعيّةُ التنافسيّةُ التي يسمح بها القانون مُحابيةً للبنوك التقليديّة، ويضاف إلى ذلك حداثةُ البنوك الإسلامية التي يتجاوز عُمُرُها القيمية الأربعينَ عاًمًا وأنها تحتاج للدعم بالمقارنة بالبنوك التقليدية. وأما الجوانب القِيميةفتعني إزالة هيبة الربا وعظم حرمته من أذهان الموظفينَ، والمتعاملينَ بصفةٍ عامّةٍ حيث ستبدو التعاملاتُ الإسلاميّةُ والتقليديّةُ بدائلَ متاحةً في نافذةٍ واحدةٍ أو نافذتينٍ متجاورَتينٍ. وتستند تجارِب السماح بالنوافذ إلى جوانب ِقيمية، وبيئيّة، وتنافسيّة. أما الجوانب القِيمية؛ فتعني أنّ وجود النافذة الإسلاميّة في البنك التقليديّ سيشجّعُ متعاملي البنك التقليديّ الأصليِين للانتقال إلى تلك التعاملات مع دامت في بَنكِهم، ولا تتطلّب منهم تأسيسَ علاقاتٍ مصرفيةٍ في حال الانتقال لبنوكٍ أُخرى. وأمّا الجوانبُ البيئّيةُ؛ فتعني أنّ النافذة الناجحة في بنكٍ تقليديٍّ ستشكِّلُ قاطرةً لعملية التحول للبنك ككُلٍّ إذا لم يكن لدى إدارة البنك جانب قِيمَيٍ مانعٍ ما دام نموّ التعاملات في النافذة الإسلامية أكبرَ من التعاملات التقليدية المماثلة.

وأما الجوانبُ التنافسيّةُ فتفسيرُها أنّ التعاملاتِ المصرفيةَ تقوم على ثلاثةِ عناصر: عنصرِ القِيم، والجَودة، والسِّعر (التكلفة، والعائد). أما عنصرُ القِيم فهو في صالح البنوك الإسلامية؛ لوجود شريحةٍ من العملاء تفضِّل المنتجاتِ الإسلامية من زاوية عقائديةٍ وقِيميّةٍ وبصرف النظر عن الجَودة والسعر، وتمثل هذه الشريحةُ العملاءَ الأصليينَ للبنوك الإسلامية، أمّا عملاء البنوك التقليدية فليس لديهم جانبٌ عقائديٌّ أو قِيميٌّ يمنع من التعامل بالمنتجات الإسلامية، ويتوقف الأمرُ لديهم على جَودة الخدمة، والتكاليف والعوائد التي يحصلون عليها، فهذه الشريحةُ متاحةٌ للبنوك الإسلامية والتقليدية على حدٍّ سواء. وبنظرةٍ فاحصةٍ إلى الجوانب التنافسية كما هي عليه في ضوء هذا التحليلِ سنجِدُ أنها في صالح البنك الإسلامي؛ لأنه يحوز على شريحةٍ من العملاء لا تستطيع البنوك التقليدية أن تنافِس عليها، ولن يتحقق العدلُ في نظام يسمح بالازدواجية المصرفية قانونًا) بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية وِفق قواعدِ السوق الحُرِّ إلاّ بالسماح بالنوافذ الإسلامية حتى تتمكن البنوك التقليدية من الوصول إلى تلك الشريحة التي تمثِّل العملاءَ الأصليين للبنوك الإسلامية.

هنا قد يُفتَح البابُ للمنافسةِ الجادّةِ بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية على أُسسِ وقواعدِ السوق الحُرِّ دون أيّ عوائقَ قانونيةٍ، وسوف تؤثِّر هذه المنافسةُ إيجابياً على عناصر الجَودة والتكلفة والعائد، والمتتبِعُ للتجِربة السعودية يرى أنّ دخولَ البنوك التقليدية من خلال النوافذ قد أثّر بشكلٍ واضحٍ على ارتفاع جَودة الخدمة في البنوك الإسلامية وانخفاض أسعار الخدمات والتمويلات. وبالتالي فإنّه من هذه الزاوية يعود النفعُ على المتعامِلينَ والمساهمينَ معًا بينما في حال عدم السماح سيُعاني عملاءُ البنوك الإسلامية من عدم ملاءمَة الجَودة والسعر، كما أنه سيكون من الصعب على البنوك الإسلامية المنافِسة على الشريحِة الواسعةِ التي لا تهتمُّ بالجانب القِيَميّ.

وقد يُستدرك على هذا النتيجة بأنّ السماح ببنوكٍ إسلاميةٍ جديدةٍ، أو التحوّل سيتيحُ فرصةً أكبرَ للمنافسة كما لوحظ في تجرِبة الكويت. هذا صحيحٌ؛ لكنه كان في البداية مُحابيًا من الناحية القانونية للبنوك الإسلامية، وهو ما دفع البنوك التقليدية للتحوّل للوصول إلى تلك الشريحة الملتزمَة بالجانب القِيَميّ. أمّا الشريحةُ الأُخرى غيرُ المعنيّةِ بالجانب القيمي فهي مُتاحة لطرفَي المنافَسة على كُلِّ حالٍ، فضلًا عن أنّ مُحدِّداتِ الواقع التونسيّ تحَدُّ من إمكان استنساخ تجرِبة الكويت.

تتمثّل محدِّداتُ الواقع التونسيّ في عدم إمكانِ انشاء بنوك اسلامية، ووجودٍ تخوّفٍ من المساهمِين وإداراتِ البنوك من المجهول في حال أقدمتِ البنوك التقليدية على التحول، وتجاذبٍ سياسيٍّ بين التيارات الإسلامية وغير الإسلامية يعزِّز هذا التخوفَ، وفي الوقت نفسِه لا يوجد عددٌ كافٍ من البنوك الإسلامية يسمحُ بايجاد بيئةٍ تنافسية تحقِّق مزايا الجَودة والسِّعر.

هذا المقال لم يهدِف تغييرَ وجهة النظر الشخصيّة، ولا الضغطَ على طرفَي الرأي في تونس؛ وإنما وضع المحدِّدات والجوانب الإيجابيّة والسلبيّة أمام طرفَي الرأي للإسهام في تعميق الحِوار بين الطرفين. وأرى أنّ البنك المركزيّ التونسيّ معنيٌ بتحريكِ المياه الراكدة وقيادةِ حوارٍ موضوعيٍّ مُعمَّقٍ حول هذه المسألة ودراسة جميع العناصر الإيجابيّة والسلبيّة والمقارِنة فيما بينهما في ضوء محدِّدات الواقع التونسيّ، ودفع جميع الأطراف للتوافق على الرأي الذي يحقق المصلحة للمالية التونسيّة، ولنا في الحوار والتوافق السياسيّ التونسيّ أسوةٌ حسنةٌ.