العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تطوّرُ مقاييس التصنيف وشموليتها

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يغلب على الإنسان حبُّ التميُّز، فتَراه يحرِص دائماً على أن يسبِق أقرانَه، فمنذ الصِّغر تراه في الصّفّ ُسابِق غيرَه للجلوس في الصّفّ الأماميّ، وفي الصّلاة تجدُه يحرِص على الصّفّ الأوّل، وعند إعلان النتائج تتطاول أعناقُ المجتهدينَ للاطمئنانِ على أنّهم من الأوائل. وكذا حالُ الرِّياضِيّين في سِباقاتِهم وكذلك الدّول تسعى لتكونَ من الأوائل.

 

طالَ التصنيفُ الجامعاتِ فصار لها تصنيفاتٌ عالميّةٌ، تتسابقُ فيما بينها لكسب مِيزةٍ تنافسيّةٍ تجعل منها محطَّ أنظارِ الطّلبة، فإنّ فعلَت،  فسَرعان ما تستهدف المُميَزينَ منهم تاركةً الأقلَّ تميُّزاً لِغيرها. وتطال تلك التصنيفاتُ الجامعاتِ الحكومية ممّا قلّل من أهمية الاعتماد الحكوميّ مقابل الترتيب العالميّ، فالأوّل محلّيٌ والثاني عالمَيّ. ويُعتبَر الاستهدافُ العالميُّ أكثرَ رِبحاً واستقراراً من المحلّيّ؛ لذلك تهتمُّ الجامعاتُ والمعاهدُ العِلميةُ لكسب مكانٍ مرموقٍ لها بين التصنيفات. وياللأسف لم تدخل قائمةَ أفضل ٤٠٠٠ جامعة عالمية حتى الآن إلاّ جامعتان عربيتان (سعوديتان) وهذا يعكِس تدهور الوضع التنافسيّ للدول العربية عموماً وبخاصّة التعليم الجامعي والذي هو عنصرٌ من عناصر تقرير التنافسية العالمية.

وطالَ التصنيفُ المؤسساتِ الماليةَ ومنها المصارِفُ؛ فصار لها هُوية ائتمانية تُبيّن قوّتَها الماليةَ بين أقرانها، فالتعاملُ العالميُّ أرسى أعرافَه على تقدير الأكثر استقراراً على المدى الطويل والأفضل ترتيباً فمَن كسب رتبة AAAليس كمَن كان ترتيبُه -Bمثلا، فكلّما انخفض الترتيبُ قلّت الفُرَصُ التنافسية لهذه المؤسسة المالية؛ بل قد تحتاج إلى مساندةٍ تعزّزُ أداءَ أعمالها، بل يُجبِرها ذلك على تشكيل تجمّعاتٍ ماليةٍ لتبقى في السوق، ولعلّ ذلك بوابة اندماجها وانصهارها لتضيع هُويتها ويتغير كلُّ شيءٍ.

 

إنّ حيويةَ التصنيف تجعل الأمورَ تسيرُ نحو الأفضل؛ لأنّ عملياتِ التصنيف تتمّ من قِبل طرفٍ ثالثٍ مستقلٍ ومحايدٍ (نوعاً ما)، وقد اجتهد القائمونَ على التصنيفات بأنواعها على وضع معاييرَ تمثِّل ضابً يحقِّق الفرزَ الصحيحَ بين المُصنِّفين وبأسسٍ راسخةٍ دون الاهتمام بجنسيةٍ أو مقامٍ.

ثم صار للدول تصنيفُها الماليّ أسوةً بالمؤسسات المالية، وصار لها تصنيفٌ يُبيِّن الفاسدَ منها وغيرَ الفاسد، والخطِر وغير الخطِر، والمنافِسَ وغير المنافِس، وهكذا.

 

لقد صارَ موعدُ إصدار تقارير التصنيف موعداً هامّاً يُبنى عليه توجّهاتٌ وسياساتٌ استراتيجيةٌ لا يمكن إغفالُها.

ويُعتَبر تقريرُ التنافسية العالميّ تقريراً هامّاً يحكم على أداء الدول والتجمعات الدولية فتراه يصنِّف دولَ العالَم ال ١٤٨، ويصنِّف قاراتِها، ويصنِّف التجمعاتِ المتحالِفة أيضاً. ولعلَّ أفضل مزايا هذا التقرير الدوري هو تركيزه على قوة البيانات المؤسسية، فتقرير ٢٠١٣-٢٠١٤ كشف عن تصدر دول بعينها للترتيب العالمي لامتلاكها مؤسسات قوية مما جعلها تتميز بكونها دولاذات ابتكارات مادية، لذلك لا عجب أن تحافظ تلك الدول بكل قدراتها على مصالح شركاتها ومؤسساتها لأن المصالح متبادلة بينهم والعلاقةُ علاقةُ وجودٍ.

ويُعتَر تقديمُ الشركاتِ الرائدة لمنتجاتٍ وخدماتٍ متميّزةٍ وفريدةٍ قد جعل دُولَها ذاتَ سيطرةٍ على الأسواق العالميّة؛ بل جعلها تتصدَّرُ قائمةَ التنافسيّة العالميّة أيضاً. وممّا يجعل آلياتِ التصنيف أمراً مساعداً على تمييز الأكثر صلاحاً عدم اكتفائه بما سبق بيانُه على المستوى الجزئيّ بل هو يشمل ضوابطَ تقيسُ استقرارَ الاقتصاد الكُّلّيّ ممّا يُساعِد في تقاطع المعلومات لتمييز أيّة مخاطرَ تُحيق بالبلد موضوعِ القياس؛ فالولايات المتّحدة الأمريكية تحتّل المرتبةَ الخامسةَ في ريادة الأسواق بينما اقتصادُها الكُّلّيّ يأتي بالمرتبة ١١٧ من أصل ١٤٨ اقتصاداً وهذا ليس بالأمرِ المحمود!!. ويبين التقريرُ أنّ ترتيبَ دول أوربا الجنوبيّة كإسبانيا وإيطاليا والبرتغال واليونان مُتدنٍّ ممّا يدل على ضَعف كفاءتِها السُّوقية.

ويُستَنتَجُ من نتائج التقرير ضرورةُ إشراك الدول الناشئة لقطاع الأعمال وللحكومة وللمجتمع المدنيّ في اقتصادِها كإصلاحاتٍ طويلةِ المدى إن رغبت في صعودِ سُلّمِ التنافسيّة العالَميّ.

 

إنّ التصنيفَ هو أداةٌ حيويّةٌ واستراتيجية؛ أنّه يُساعِد في الحُكم على حركة الاقتصاد العالميّ وتموّجاتِه المتوقّع حدوثُها، ومن ثَمّ يكون بمثابةِ إنذارٍ مُبكرٍ لاتخاذ قرار تصحيحيٍّ بل وابتكاريٍّ لتفادي أيّ مفاجآتٍ قد تحدُث في الفترات التالية.

والمُفيدُ في التصنيف أنّه دوريٌّ فلا يمكن لأحدٍ أن يركَن إلى نتيجتِه حيث أنّ التقارير التصنيفيةَ تحفز الأقلَّ نُموّاً للتوجّه نحو تحسينِ مكانتِها، وتجعل غيَر المستحقِّ في مكانٍ أقلّ فيعبِّر عن حقيقةِ أمرِه.

ويُعتبرُ التصنيفُ أداةَ قياسٍ كمّيٍّ لا وصفيٍّ؛ فالتصنيفُ بأنّ الدولَ متقدِّمةٌ وناميةٌ صار من الماضي لأنّه تعبيرٌ وصفيٌّ غيرُ دقيقٍ، أمّا تقاريرُ التصنيفِ الدوريةِ فهي تعبيرٌ كمّيٌّ أقلُّ خطأً وأقلُّ محاباةً خاصّة وأنّ ضوابطَه متاحةٌ بشفافيّةٍ للجميع.

إنّ ترتيبَ تنافسيةِ الدول في تقرير التنافسيّة العالميّ يستنِد إلى مؤشّر التنافسيِّة العالميّ الذي حدّده منتدى الاقتصاد العالميّ للمرّة الأولى عام ٢٠٠٤م. ويتمُّ احتسابُ درجاتِ مؤشّره في إطار تعريف التنافسية بأنّها:مجموعةٌ من المؤسّسات والسياسات والعوامل التي تحدِّد مستوى انتاجيّة الدولة؛ وذلك بجمع البيانات العامّة والخاصّة المتعلّقة بنحو ١٢ فئةٍ أساسيّة، تمثل دعائم التنافسية،  وتضم: المؤسسات، والابتكار، وبيئةَ الاقتصاد الكُليّ، والصحةَ والتعليمَ الأساسَ، والتعليم الجامعيّ والتدريبَ، وكفاءةَ أسواقِ السِّلعِ، وكفاءةَ سوق العمل، وتطويرَ سوق المال، والجاهزيةَ التكنولوجيةَ، وحجمَ السوق، ومدى تقدُّم الأعمال والابتكار.

أمّا مُنتدى الاقتصاد العالميّ فهو منظّمةٌ دوليةٌ مستقلَّةٌ تسعى لتعزيزِ الواقع العالَميّ عَبرَ تمكينِ تفاعلِ قطاعات الأعمال، والسياسة، والقطاع الجامعيّ،والمفكِّرينوصُنّاعالقرارلتشكيل أحداثٍ عالميّةٍ واقليميّةٍ وأحداث مُهمّة للقطاعاتالصناعية.وتأسس المنتدى كمنظَّمةغيرِرِبحية في عام ١٩٧١ م في مدينة جينيف السويسرية، وهو لا يرتبط بأيّ مصالحَ سياسية ولا يُوالي أيَّ حزبٍ أو قوميةٍ محدَّدةwww.weforum.org.

ومثال ذلك إصدارُ دُبي لخطتها لعام ٢٠٢١م هو تعبيرٌ عن مسيرتِها التنموية ضِمن مختلف المجالات الحيويّة لتحقيق (تطورٍ جديدٍ) أو على الأقلّ (المحافظة على مكانتِها التي حقّقتها)، فالإماراتُ العربيةُ حقّقت المركزَ ١٩ فحجزت مكاناً لها ضِمن أفضل ٢٠ اقتصادٍ تاركةً المملكةَ العربيةَ السعوديةَ خلفَها بالمرتبة ال ٢٠ وسبقتَهما قَطَرُ بتحقيقها المركز ١٣.

وعليه فقد وضعت دُبيّ أهدافاً تنسجِم ومتطلباتِ الناس، وبما يحقِّق لها البقاءَ في المراتب المتقدِّمة عالمَياً، فكانت أهدافُها:

-    تحقيقُ سعادةِ الناس وراحتِهم.

-    توفيرُ المقوِّماتِ التي تكفل للمجتمع مزيداً من التقدِّم بشتّى دروبِ التنمية وضِمن القطاعاتكافّة.

-    تحقيقُ مستوياتٍ أرقى من التميُّز والجَودة.

-    النهوضُ بمنظومة العمل الحكوميّ وتحسينُ مُخرجاتِها بما يخدم المجتمعَ ويحقِّق طموحاتِ أفراده في حياةٍ كريمةٍ يواكب الجميعُ من خلالها رَكبَ التطوّر العالميّ.

وحتى تكسبَ دُبيّ لنفسِها موقِعاً تنافسيّاً فقد تناغمَ هدفُها الاستراتيجيُّ مع تقرير التنافسيّة العالميّة فركّزت هدفَها على ضرورةِ إيجادِ بيئةٍ مناسِبةٍ للأفراد المبدِعِينِ.

 

حماة (حماها اللهُ) ١٢-٠١-٢٠١٥م