العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أخذُ الأجرِ على الفتوى للمؤسّساتِ الماليّة

د. محمد أحمين

مراقب ومستشار شرعي

الأصلُ في الفتوى الاحتسابُ للهِ تعالى؛ لأنّها عَملٌ دينيٌ تبليغيٌّ، ولكن هل يجوزُ أخذُ أجرٍ عليها؟ والجوابُ أنّ الأجرَ مِن الدولة، أو مِن المُستَفتِين كالبنوك. ولكلٍّ مِن هاتَين الحالتَين أحكامُها الخاصّة بها.

الأجرُ مِن الدولة:

الأجرُ المدفوعُ من الدولة يُسمّيه الفقهاءُ رِزقاً، وقد اتّفقوا على أنّ المفتي المحتاجَ له أخذُ الرِّزق مِن بيت المال؛ لأنّه فرّغ نفسَه لمصلحةٍ من مصالحِ المسلمين العامّة، فكفايتُه على بيتِ المالِ.

واختلفوا في المفتي الغنيّ على قولين:

الأوّل: يجوزُ له أخذُ المال، وهو رأيُ الحنفيّة والمالكيّة؛ وذلك لأنّ الإفتاءَ من مصالحِ المسلمينَ العامّةِ، ولو لم نُجِز له ذلك لتعطَّل هذا المنصبُ الذي تدعو إليه حاجة المسلمينَ، والمفتي مَثلُه في ذلك مَثلُ عامل الزكاة والقاضي.

الثاني: لا يجوزُ له ذلك، وهو المعتمدُ عند الشافعيّة والحنابلةِ؛ لأنّ الإفتاءَ قربةٌ ولا تجوزُ المعاوَضةَ على القُرَبِ، وإلحاقاً له بِولّي اليتيم، فإنّه يأخذُ مع الفقرِ ولا يأخذُ مع الغِنى؛ لِقَوله تعالى {ومن كان غنياٌ فليستَعفِف ومَن كان فقيراً فليأكُل بالمعروفِ} (النساء:6}.

ولعلّ القولَ المجيزَ هو الأرجحُ؛ لأنّ منصبَ الإفتاءِ كان يقومُ به النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلمُ والخلفاءُ الراشدونَ وكانت كِفايتُهم من بيتِ مالِ المسلمينَ، وبه جرى عملُ المسلمينَ إلى يومِنا هذا، ولأنّ الإفتاءَ مصلحةٌ عامّةٌ، فلو لم يرتَّب لها أجرٌّ لَتعطّلت هذه الشعيرةُ الدينيةُ. وعلى هذا فالهيئاتُ الشرعيّة لها أن تتقاضى أُجوراً من الدولة[1].

الأجرُ من البنوك:

اختلفَ الفُقهاءُ في أخذ الأجر على الفتوى من المستفتِين أفراداً أو مؤسّساتٍ كالبنوك المعاصِرة على ثلاثةِ أقوال:

 

الأوّل: الجوازُ إذا لم تتعيّن وتجبُ عليه الفتوى، وهذا رأيُ المالكيّة والظاهريّة[2]. قال الدردير: "فإن تعيَّنت لعدم وجود غيره أو لعدم قَبوله لم يجُز"[3]، وقال الدسوقي: "وتجوزُ الأجرةُ على الفُتيا إن لم تتعيَّن"[4]. ولم يرتضِ ذلك جماعةٌ من المالكية كالمازري وغيرِه؛ واعتبروها من باب الرِّشوة[5].

ومُستَندُ الجوازِ هو أنّها لم تتمحّض للقُربة؛ لعدم وُجوبِها عليه، فجازَ للمُفتي أخذُ الأجر عليها حينئذٍ[6]. ومن المستنَدات أيضا القياسُ على الإجارة؛ لأنّ ما يقوم به المُفتي للمُستفتي الذي استأجَره نفعٌ يصِل إلى المستأجِر، فجازَ أخذَ الأجرة عليه كسائرِ المنافع[7].

ومما يُستدلّ لهم به أيضاً المصلحةُ المتمثِّلةُ في عدم تعطيل وظيفة الإفتاء إذا لم يجِد المُفتي كِفايتَه، واستثنوا حالةَ تعيُّنِ الفتوى عليه؛ لأنّها قُربةٌ دينيّةٌ محضَةٌ تدخُل في قولِه تعالى { قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الشورى:23].

الثاني: المنعُ مُطلقاً؛ لأنّ الفتوى قُربةٌ وتبليغٌ للدِّين، ولا يجوزُ الاعتياضُ عن ذلك؛ ولأنّه لو امتنعَ عن الفُتيا إذا لم يأخُذ أجرةً كان كاتِماً للعِلم، وجاء الشرعُ بالوعيدِ الشديدِ عليه. وهذا رأيُ الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة[8]، وأجاز الحنفيةُ والشافعيةُ أخذَ الأُجرة إذا كانت الفتوى مكتوبةً؛ لأنّها عملٌ زائدٌ عن الجواب.

والثالث: الجوازُ إذا لم تكُن عنده كِفايةٌ؛ لأنّه أدخَلُ في باب الإحسانِ وأبعَدُ عن المعاوَضةِ، دفعاً للضّرر على المُفتي إذا تفرّغ للفتوى وليس عنده كِفايةٌ، وللضَّرر على المُستفتي إذا لم يتفرّغ المُفتي للفتوى إذا لم يحصِّل كِفايته في العيش. وهو قولٌ عند الحنابلة في أخذِ الأجر على القُرباتِ قوَّاه ابنُ تيمية، قال رحمه اللهُ: "وقيل يجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليها للفقير دون الغنيّ، وهو القولُ الثالثًُ في مذهب أحمدَ كما أذِنَ اللهُ لولّي اليتيم أن يأكُل مع الفَقر ويستغني مع الغِنى، وهذا القولُ أقوى من غيره على هذا، فإذا فعلَها الفقيرُ للهِ، وإنّما أخذُ الأجرةِ لحاجته إلى ذلك ولِيستعينَ بذلكَ على طاعةِ اللهِ، فاللهُ يأجُره على نِيّته فيكون قد أكلَ طيّباً وعمِل صالحاً"[9].

والعَملُ الآنَ في البنوك الإسلامية على رأي المالكيةِِ، سِيما وأنّ الهيئاتِ الشرعيةَ تقوم بأعمالٍ أُخرى غير الفتوى، كالتدقيقِ أو الإشرافِ عليه، وتطويرِ المعاملات، والتحكيمِ في بعض المنازَعاتِ، والتدريبِ. وأخذُ أجرٍ على الفتوى من المؤسّسات الماليّة نفسِها له أثرٌ إيجابيٌّ نجِده في تَفرُّغِ عددٍ من المُفتين لِعمَلِهم الإفتائيّ والرَّقابيّ، ولكن قد يكونُ له أثرٌ سلبيٌّ وهو احتمالُ تأثيرِه على استقلاليِة الهيئة الشرعيّة. وهذا الاحتمالُ السلبيُّ مدفوعٌ بأمور: أولهما حرمةُ هذا الخُضوع دِيانَةً، وثانيهما أنّ المحاسِبينَ القانونيينَ يُصادِقون على ميزانياتِ المؤسّسات المالية، ويتقاضَون أجراً على ذلك، والهيئاتُ الشرعيةُ في حُكمِهم. والثالث وهو الأهمُّ: هو وقوعُ هؤلاء المُفتينَ المُوظفينَ تحت الرّقابةِ العِلميّة لِغيرهم من العُلماء. فإذا حادُوا أو مالُوا أو مالَؤا؛ فإنّ غيرَهم لهم بمرصادِ النّقدِ والردِّ، ممّا سيؤثِّر على مِصداقيتِهم ومِصداقية المؤسّسات التي يُفتونَها. وهذا يتطلّب فقط أن تكونَ فتاويهم تُكشَفَ وتُنشَر، ولا تخفى وتُستَر.

ونظراً لأنّ رأي الهيئاتِ الشرعية دينيٌّ مَحضٌ، فإنّ عدداً من الباحثينَ والعلماءِ يميلُ إلى أن يكونَ الأجرُ مدفوعاً مِن الدولة[10]، سدّاّ للذّرائع، وخُروجاً من الخلاف، والقيلِ والقالِ. ولكنّ الإشكالَ القائِمَ كيف تدفَعُ الدولةُ المالَ العامَّ في مصالحَ خاصّة بالمؤسّسات الماليّة، تستفيد من فتاوى الهيئاتِ الشرعية في تعظيم رِبحها، وزيادةِ الإقبال عليها، ولا يتاحُ ذلك لجميع المؤسسات والشركات المالية والاستثمارية. ويُرَدُّ على هذا الإشكال بأنّ القطاع البنكيّ والتأمينيّ له تأثيرٌ على الاقتصاد العام، ولهذا فإنّ الدولة تتدخّل فيه وجوباً إذا اقتضت ذلك المصلحةُ العامّةُ؛ لأنّ تصرّف الإمام منوطٌ بالمصلحة، وضبطُ الإفتاء الماليّ، وتحمُّل تكاليفِه يدخُل في ذلك.

هذا، وقد اختار المقنِّنُ المغرِبيُّ في القانون البنكيّ المعدّل إحالةَ الفتوى على المجلس العِلميّ الأعلى، وهو مؤسّسةٌ رسميّةٌ، وبالتالي فقد خَرجَ من الخِلاف في موضوع أخذِ الأجر على الفتوى من البنوك.



[1]انظر بحث المسألة وتوثيق أقوال المذاهب واستدلالاتهم في: أخذ المال على أعمال القرب لعادل شاهين: 2/751 وما بعدها، وبحث المعاوضة على الفتوى لعبد الله السحيباني: 214 وما بعدها، والرقابة الشرعية لحمزة حماد: 117، وما بعدها.

[2]حاشية الدسوقي: 1/20، الشرح الصغير للدردير: 4/9-10، حاشية الصاوي:4/1721-722 (ط المدار الإسلامي في هذا الموضع)، المحلى لابن حزم: 8/191، وانظر: أخذ المال على أعمال القرب لعادل شاهين: 2/757.

[3]الشرح الصغير على أقرب أقرب المسالك مع حاشية الصاوي: 4/10(ط المدار الإسلامي في هذا الموضع).

[4]حاشية الدسوقي: 1/20.

[5]مواهب الجليل: 1/33.

[6]المحلى لابن حزم: 8/191-192، نقلا عن: أخذ المال على أعمال القرب لعادل شاهين: 2/757.

[7]مجموع الفتاوى: 30/207، نقلا عن: بحث المعاوضة على الفتوى: 2/215.

[8]حاشية ابن عابدين 4 / 140، البحر الرائق 6 / 291، المجموع:1/46، أدب المستفتي لابن الصلاح: 47، الإنصاف: 11/176، كشاف القناع: 3/262، نقلا: عن المعاوضة على الفتوى: 215.

[9]مجموع الفتاوى:24/316.

[10]الرقابة الشرعية ليوسف داود: 53.