العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

واقع البحث؛ التطوير والابتكار في دول المغرب العربي

رحمة بلهادف

طالبة دكتوراه في ميدان العلوم الاقتصادية - التسيير والعلوم التجارية

الحلقة (١)
مُلّخصٌّ: لم يبقَ الاقتصادُ على الشكل الذي عهِدناه عليه مِن قبلُ؛ فهو يشهد تحوّلا سريعا من اقتصادٍ تقليديٍّ كان قائماً على الزراعة والصناعة إلى اقتصادٍ قائمٍ على أساس البحث والتطوير والابتكار،كما أنّ العديد من الاقتصادياتِ التي أصبحت المسيطِرةَ على عالَمنا اليومَ قد ارتكزت بشكلٍ كبيرٍ على مجال المعرفة وتصدير منتجاتٍ معرفية؛ لذا أصبحت دول المغرِب العربيّ مطالبةً بضرورةِ زيادة الاهتمام بالبحث والتطوير والابتكار واتخاذ كافّة السياساتِ للنهوض بهذا المجال؛ بحيث تكون هذه السياساتُ ليس الهدفُ منها فقط اكتساب المعرفة والتكنولوجيا؛ وإنما كذلك إدارة المشاريع البحثية والابتكارات من خلال دفع التغيير الثقافي للبحث والتطوير والابتكار وزيادة الانفاق على هذا الاخير للوصول إلى المعايير الدولية واستغلال نتائج البحوث وربطها بالتنمية.
Abstract: the economy did not keep on the form that we knew it by the. It will testify a rapid transformation from a traditional economy that was based on agriculture and industry to the economy is based on Research, development and innovation, and the dominant economies of today's world depends on the export of knowledge and knowledge products, the Maghreb countries become demanding the need for increased attention to research and development and innovation and to take all policies for the advancement of this sector. These policies so that they are not intended only to acquire knowledge and technology, but also the management of research projects and innovations through the payment of cultural change for research and development and innovation, and increased spending on the latter to reach the international standards and the exploitation of research results and linking them to development.
مُقدِّمة 
إنَّ التنافس بين مختلَف الاقتصادياتِ الناتج عن فتح الأسواق غير المحدودة والتطورات التكنولوجية السريعة، هذه التغيرات الأخيرة التي كانت نتاجَ العولمة، أصبحت تزداد يوما بعد يوم اكثرَ من أيٍّ وقتٍ مضى؛ فالاقتصادياتُ القويةُ كما هو معروف اليوم هي الاقتصاديات المبنيّة على المعرفة، حتى أصبحت لا يمكن الاستغناء عنها في أيٍّ منتَجٍ أو خِدمةٍ، فحِصّةُ المعرفة ازدادت في مختلف أعمال التنمية لضمان استدامتها، فضلا عن ذلك فإنّ تقييم اقتصادياتِ اليوم لم يعُد يعتمد على المتغيّرات التقليدية المعتاد عليها؛ بل أضيف إلى ذلك عدة معايير والتي مِن أهمها البحثُ، التطوير والابتكار باعتباره الركيزةَ الأساس للنّمو وخلق الثروات في النهج الاقتصادي الجديد،كما أنّ العديد من الاقتصاديات المسيطرة على عالمَنا اليوم ارتكزت وبشكلٍ كبيٍر على مجال المعرفة وتصدير منتجاتٍ معرفيةٍ. لذا أصبحت دول المغرِب العربيّ وكغيرها من الدول النامية بحاجة إلى قاعدةٍ معرفيةٍ تستطيع من خلالها مواجهة كافّة التحدياتِ واتخاذ كافّة السياساتِ للنهوض بالبحث والتطوير والابتكار؛ بحيث تكون هذه السياساتُ ليس الهدف منها فقط اكتساب المعرفة والتكنولوجيا وإنما كذلك إدارة المشاريع البحثية والابتكارات من خلال دفع التغيير الثقافي للبحث والتطوير والابتكار وزيادة الإنفاق عليه للوصول إلى المعايير الدولية واستغلال نتائج البحوث وربطها بالصناعات المحلية؛ لذا سعت دولُ المغرِب العربيّ إلى زيادة الاهتمام بالبحث والتطوير وجعله أكثر إنتاجية وإعادة النظر في صياغة سياساتها.
والسؤال الذي يبقى معروضا: ما واقع البحث، التطوير والابتكار في دول المغرب العربيّ؟
لقد اعتمدنا في دراستنا على المنهج الوصفيّ التحليليّ وذلك لما تتطلبه طبيعة البحث من وصفٍ وسردٍ للظاهرة المدروسة وتحليل بعض المعطيات لإعطاء تصوّرٍ واقعيٍّ عن موضوع الدراسة، وقد تطلّبت منّا دراسةُ هذا الموضوع تناولَ أربع محاور رئيسة، هي: 
- أولا: البحث والتطوير: مفهومه، مقوماته ومؤشرات تقييمه؛
- ثانيا: الربط بين نظم لبحث، التطوير والابتكار؛
- ثالثا: واقع البحث، التطوير والابتكار في العالم ؛
- رابعا: البحث، التطوير والابتكار في دول المغرِب العربيِّ.
أولا: البحث العلمي: مفهومه، مقوماته ومؤشرات تقييمه:
1- مفهوم البحث والتطوير
 يعتَبر مصطلحُ البحثِ والتطوير من أبرز المصطلحاتِ المتداوَلة في الوقت الحاليّ والتي حظيت باهتمامٍ واسعٍ سواء من طرف الحكومات التي خصّصت مبالغَ ماليةً معتبرةً للاستثمار في هذا المجال أو من طرف مختلف المنشآت التي خصَّصت أقسامَ خاصّة بالبحث والتطوير، وقد تم تعريف هذا المصطلح من قِبل العديد من الهيئات والمنظَّمات الدولية، ومِن أبرزها منظمةُ التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) والتي عرّفتِ البحثَ والتطوير على أنَّه: "العمل الإبداعيُّ الذي يتم على أساسٍ نظاميٍّ بهدف زيادة مخزون المعرفة بما في ذلك معرفةُ الإنسان، الثقافة والمجتمع واستخدام مخزون المعرفة هذا لإيجاد تطبيقاتٍ جديدةٍ" .
أما حسب منظمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلوم والثّقافة (UNESCO) فإنّ البحث والتطوير يشمل البحثَ الأساسَ، البحث التطبيقيّ وعملياتِ التطوير القائمة على إجراء التجارِب التي تؤدي إلى إنتاج أدواتٍ، وأجهزةٍ أو عمليات تصنيعٍ جديدةٍ. 
2- المقومات الأساسية لنجاح البحث والتطوير: 
إنّ نجاح البحث العلمي والتطوير يتطلّب توفّر مجموعةٍّ من المقومات الأساسية والتي يمكن توضيحها فيما يلي : 
2-1- الانفاق الماليّ على البحث والتطوير: إنّ الإنفاق على البحث والتطوير يعود دائما بالفائدة على الاقتصاد ويحقق أعلى عائداتٍ ممكِنةٍ، وكما هو معروف فإنّ الدول المتقدمة تُولي البحثَ العلميَّ الاهتمام الكبير، فالتقدمُ التِّقنيُّ الحاصلُ فيها قد جاء نتيجة الإنفاقِ الماليّ الكبير في مجالات البحث العلميّ والتطوير، وذلك مقارَنة بالدول النّامية التي هي بحاجةٍ كبيرةٍ للموارد الماليّة لتمويل البِنى التحتيّة للمؤسسات البحثية، وإنّ تدنّي مستويات الإنفاق على البحث والتطوير في الدول النامية يرجِع إلى مجموعةٍ من العوامل؛ لعلّ من أهمها تركيزها على عمليّة التدريس أكثرَ من تركيزها على البحث العلميّ، وضعف مشاركة القطاع الخاصّ في دعم مجال البحث والتطوير والاعتماد بشكلٍ رئيسٍ على الخارج في استيراد مختلَفِ التِقنياتِ الحديثة إضافةً إلى ضَعفِ التعاون بين مراكز البحث والتطوير والقِطاعات الإنتاجية؛ مما يؤدّي لابتعاد مراكز البحث والتطوير إلى إجراء البحوث التطبيقية.
ويُمثِّل القِطاعُ الخاصُّ المموِّلَ الرئيسَ للبحث والتطوير في الدول المتقدمة بينما يقومُ القطاع العام بتمويل البحوثِ الأساس وتكوين الباحثِينَ على خلاف الدول النامية حيث تقوم الحكومات بتمويل الجزء الأكبر من نفقات البحث والتطوير وهذا التمويل يتّصفُ بالعشوائية وعدم استقرار ميزانيات البحوث وتقلُّبِها بين فترةٍ وأُخرى، وعلى العموم هناك ارتباطٌ طرديُّ بين نسبة الإنفاق على البحث والتطوير ومستوى التقدم العلميّ للبلد.
2-2- التفاعل والتنسيق ما بين مراكز البحث والتطوير وقطاعات المجتمع: لا يكون البحث والتطوير ناجحا إلّا اذا كان مُتفاعِلا مع المجتمع في حلّ قضاياهُ وإيجاد الحلول المناسبة وهذا ما نلحَظه في الدول المتقدِمة عكسَ الدول النامية التي انعدمت فيها الروابطُ بين مراكز البحث والتطوير وفئات المجتمع، وفي الأغلب تعتمد الدول النامية على مراكز البحث الأجنبية واعتماد خِبرات وتجارب الدول الأخرى، وإنّ انعدام الرابط يكون له تأثيرٌ على مردود البحث العلميّ في الدول المتقدِمة من خلال نقص الحوافز الضرورية لتنشيط البحث العلميّ، وعدم اهتمام أغلب الباحثينَ بتوسيع دائرة الاستفادة المجتمعية، لذلك فإنّ ترويج نتائج البحوث للمراكز البحثية تُعدُّ من مؤشِّرات النجاح في تفاعلها مع قِطاعات Aالمجتمع حيث تؤشِّر عمليةُ ترويج البحث العلميّ إلى مدى تحقيق مراكز البحث العلميّ لأهدافِها.
2-3-كفاءة الإدارة لمراكز البحث والتطوير: تحتاج مراكز البحث العلميّ إلى إدارة كفء، وبقدر ما تكون الإدارة جيدةً تكون جَودة الأبحاث العلمية تؤدي إلى تحقيق الأهداف المرجُوّة منها بينما تؤثّر الإدارة غير الكفوءة سلباً في جَودة مُخرَجات مراكز البحوث؛ لذلك ينبغي أن تتمتّع مراكز البحث والتطوير بالمصداقية والشفافية وبعلاقة إيجابية مع منظومة التعليم العالي ومع القطاعات الاقتصادية، وأن تكون لها صلاحية التصرف بالأموال المخصّصة لها مع حرية اتخاذ القرارات التي تخصّها، مع الابتعاد عن التعقيدات والإجراءات الإدارية والمالية المطوّلة في الإنفاق والتجهيز والرواتب والحوافز.
2-4- وجود استراتيجية علمية واضحة: ينبغي اعتماد استراتيجية واضحةٍ في عملية البحث والتطوير تتضمن تحديد أهداف البحث العلمي وأولوياته والمراكز البحثية اللازمة مع توفير المستلزمات المادّيّة، ويتم ذلك من خلال وضع خطط وبرامج للبحث العلميّ ترسم التوجُّهات المستقبلية العامّة وتتحدّد في ظِلّها الإجراءاتُ التشريعيّة والتنفيذيّة المناسبة.
2-5- استقطاب وتنمية الكوادر البحثية: تعَدُّ الموارد البشرية المؤهَّلة والكفء من العمل في الأنشطة والمراكز البحثي؛ لذا فإنّ من مقومات نجاح البحث والتطوير استقطاب الكوادر المتخصّصة والمؤهّلة للبحث العلميّ وتنميتها من باحثينَ ومخترعينَ من حمَلة الدَّرجات العُليا، فضلا عن توفير الطواقم المساعِدة لعمل الباحثين وتعَدُّ الجامعاتُ والمعاهدُ الفنيةُ مصدر القوى العاملة بالمراكز البحثية؛ فهي مَن يمُدُّ الموارد البشرية بالمؤهّلات والمهاراتِ البحثية، بحيث يعتمد إعداد وتدريب الباحثين بشكلٍ أساسٍ على مستوى تقدّم التعليم العالي، والمؤهلات لا تكفي وحدها لضمان مردودٍ عالٍ للبحث العلميّ فحجم الإنجاز البحثيّ يعتمد أيضا على توفير بيئةٍ ملائمةٍ ومشجِّعة للبحث العلميّ، وذلك من خلال تلبية الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية للباحثين، وهذه العناصر ضرورية لتهيئة الباحث للعطاء والإبداع، كما أنّ توفير الحاجات المادّيّة يعني تكريسَ وقت الباحث للعمل دون الانشغال من أجل توفيرها.
2-6- توافر المعلومات والمصادر العلمية الحديثة: يجب توفيرُ خدماتِ المعلومات والبيانات العلميّة للباحثينَ في المراكز البحثية، وهذا يستلزم وجودَ مراكزَ وطنيةً تؤمِّن المعلوماتِ والبيانات اللازمة بكفاءةٍ فاعلةٍ للباحثينَ كذلك يستلزم الأمرُ توفيرَ المراجعِ والدورياتِ الحديثة للباحثينَ في المراكز البحثية، وتسهيل مهمتهم في الحصول على المعلومات والبيانات المَيدانيّة الضروريّة من المؤسّسات الخاصّة والحكومية ذات الصِّلة؛ فضلا عن متابعة المستجدّات العالَميّة والاستفادة منها من خلال التواصل الكترونياً مع شبكات البحوث العالمَيّة، مع التنسيق بين الجامعات في مجال البحث والتبادل العِلميَّين.
3- مُدخَلات ومُخرجات البحث والتطوير
تتمثل مخرجات ومدخلات البحث والتطوير فيما يلي :
3-1- مدخلات البحث والتطوير: والتي تتمثّل فيما يلي: 
3-1-1-رؤوس الأموال: تتمثّل برؤوس الأموال المخصّصة للإنفاق على البحث والتطوير؛ سواء من طرف القِطاع العامّ أو الخاصّ، وعلى العموم ففي أغلب الدول يستحوذ القطاعُ الخاصُّ على نسبة أكبر من إجماليّ الإنفاق على البحث والتطوير.
3-1-2- الطواقم البشريّة: تتمّثل في مختلَف الباحثِينَ المؤهّلينَ لدعم مسيرة البحث والتطوير فضلا عن توفير الطواقم المساعدة لعمل الباحثين من إداريين وفنّيّين؛ لذا فإنّ نجاحَ البحث والتطوير يتطلّبُ العملَ على استقطاب الطواقم البشرية المؤهّلة ذات الكفاءة وتنميتها.
3-1-3-البِنى التحتية: تتمثّل في مختلَف مراكز البحث والتطوير التابعة للجامعات أو التابعة لبعض الوزارات، والمؤسسات الاقتصادية بمختلف أنواعها وما تحتويه هذه المراكز من مخابرَ، تجهيزاتٍ، معدّاتٍ ومكتباتٍ وشبكاتِ ربطٍ وغيرِها.
3-2- مُخرجات البحث والتطوير: تتمثل فيما يلي: 
3-2-1-النشراتِ العلميِّة المحكمة المقبولة في السجلات العلميّة العالميّة والمؤتمرات الدوليّة؛ فتقييم جَُودة الأبحاث المنشورة يعتمد على عدد الاقتباسات المرجعيّة منها وذكرها في النشرات العلميّة اللاحقة وغيرها.
3-2-2- براءات الاختراع: تعتبر براءات الاختراع كمؤشراتٍ في رصد أنشطة البحث والتطوير. لكنها لا تُعبر بحدِّ ذاتها عن حجم وأهمية أنشطة الابتكار الواسعة التي يمكن أن تشمل تطويرَ منتجِ أو طريقة إنتاج أو خدمة ما.
4- المؤشّرات العاِلمية لتقييم البحث والتطوير 
هناك عدّة مؤشراتٍ تمَّ وضعُها من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (UNESCO)؛ لأجل تقييم البحث والتطوير في مختلف دول العالم، ومن أهمها : 
4-1- معدل الإنفاق على برامج البحث العلميّ والتطوير من الناتج القوميّ: يعتبر مؤشرا في غاية الأهمية، ويعكِس مدى تطوّر وتقدّم منظومة البحث العلميّ والتطوير في أيّ دولة، حيث يتراوح هذا المعدّل ما بين 2.75% من الناتج القوميّ في الدول المتقدِّمة مثل ألمانيا، اليابان والولايات المتحدة الامريكية وأقل من 0.5% من الناتج القوميّ في الدول النامية، وعلى العموم فإنّه يتمُّ تصنيفُ الدول في مجال البحث والتطوير على أساس مُعدّل ما تنفقه على البحث العلمي من الناتج القوميّ إلى المجموعات التالية: 
دول تنفق أقل من 1% من ناتجها القوميّ على البحث العلميّ والتطوير: وتشمل هذه المجموعةُ في أغلب الدول النامية والتي تتمثل في دول أمريكا اللاتينية، الدول العربيّة، دول أفريقيا، دول جنوب شرق ووسط آسيا، ودول وسط آسيا ودول البلطيق، ونظرا لِقِلّة الموارد الماليّة المخصّصة للبحث والتطوير في هذه الدول؛ فإن مستوى البحث ضعيفٌ لا يرقى إلى مستوى تطوير قطاعات الإنتاج.
دول تنفق مابين 1-2 % من من ناتجها القومي: وتشمل هذه المجموعةُ دولَ الاتحاد السوفيتي سابقاً ما عدا دول البلطيق، استراليا، نيوزيلندا، ودول غرب أوروبا، ويتّصف مستوى البحث والتطوير في هذه الدول بالوضع المقبول.
دول تنفق أكثر من 2% من ناتجها القومي: وتشمل هذه المجموعة الولايات المتحدة الأمريكية واليابان؛ حيث يعتبر البحث والتطوير في هاتَين الدولتين متقدِّما ومتميِّزا جدا عن باقي دول العالم.
4-2- النشر العلميُّ والتنوع في المجالات البحثيّة: تعتبر البحوث المنشورة من أهم مُخرجاتِ البحث العلميّ والتطوير وإنّ محتويات النشر تخضع لضوابط الجودَة من خلال شروط تُحدّدها الدورياتُ العِلميّة، وتشير بعض الإحصاءات إلى أنّ حوالي 75 % من البحوث المنشورة في العالم يقوم بها عددٌ محدودٌ من الدول المتقدمة بريادة الولايات المتحدة الأمريكية واليابان ودول المجموعة الأوروبية.
4-3- أعداد المشتغلِين بالبحث العلميّ والتطوير: يتمثّل بعدد الباحثين في مجال البحث العلميّ والتطور والذي يتباين عددُه من دولة إلى أخرى حيث يتزايدُ هذا العدد في الدول المتقدمة وخصوصاً في الدول المتقدمة على خلاف الدول النامية التي ينخفض فيها عدد المشتغلين في البحث العلمي والتطوير.
4-5- براءات الاختراع: تعد براءات الاختراع مؤشِّرا للنشاط التِّقنيّ بمعنى الاستفادة من المعرفة العلميّة والأبحاث وتحويلها إلى تِقنيّة عمليّة تعود بالنفع، وهناك العديد من براءات الاختراع التي سُجّلت في مختلف دول العالم لِتتصدّر كُلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي قائمةَ الدول المسجّلة لبراءات الاختراع.
ثانيا: الربط بين نُظم البحث، التطوير والابتكار 
يقوم البحث والتطوير بمجموعة من الأنشطة التي لها دور كبير في دعم وترويج وتطوير القاعدة والقدرات والإمكانات التكنولوجية بالدول؛ سواء كانت متقدمةً أو ناميةً، حيث أنّ كُلّ دولة تتّبِع مجموعةً من الأساليب والأنماط الإدارية والتنظيمية المختلفة المتوفّرة لإدارة البحث والتطوير وفق أوضاعها الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، وإن معظم مراكز البحث والتطوير بصفةٍ عامّةٍ تتطلّب توفيرَ مختبراتٍ حكومية داخلية وبرامجَ أبحاث؛ ودعمٍ حكوميٍّ للأنشطة البحثية ؛ وتشجيع البحوث وبالأخص في المجالات الصناعيّة ؛ تدريب القوى العاملة والكفاءات العلميّة والمهنيّة؛ والإبداع والابتكار.
ويمثل الابتكار تفكيراً تغييريا؛ بمعنى العملية التي ينتج عنها عملٌ جديدٌ ذو فائدةٍ وبمعنىً آخرَ قدرة عقلية يحاول فيها الإنسان أن يُنتج (فِكرةً، أو وسيلة، أو أداة، أو طريقة) لم تكن من قَبلُ وتطوير رئيس لها دون تقليدٍ، بما يُحقِّق نفعا للمجتمع .كما يمكن تعريفه على أنّه: تنفيذٌ لمنتَج سلعةٍ أو خدمةٍ أو عمليّة جديدةٍ أو محسّنَة بشكلٍ ٍمعتبَر، أو أسلوبِ تسويقٍ جديدٍ، أو أسلوبٍ تنظيميٍّ جديدٍ في ممارساتِ أعمالٍ أو في تنظيم مكان العمل أو في العلاقات الخارجية. "
وقد أشارت العديد من الدراسات الاقتصادية المعاصرة إلى أنّ أنشطة البحث العلميّ والتطوير أحد الوسائل التي تُعزِّز من القدرة الابتكارية حيث أشار Freeman Christopher   إلى الأهمّيّة الكبيرة ِلكُلٍّ من البحث والتطوير على النهوض بالابتكار والتقدّم الاقتصاديّ؛ وذلك من خلال تحسين الآلات والاختراعات حيث يُرجِعُ العديدُ من الاقتصاديِين الريادةَ في الإنتاجية التي ترفع من معدلات النمو الاقتصاديّ إلى عِدّة عوامل ولعلّ من أهمها زيادة الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير. لذلك فإنّ التقدم التكنولوجيّ في الولايات المتحدة الأمريكية يساهم بنسبة 90% من الزيادة في معدلات النمو الاقتصاديّ، وكان لسيطرة اليابان على التكنولوجيا الحديثة دوراً كبيرً في خلقِ وتطوير التكنولوجيا الموجّهة لمعالجة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد اليابانيّ وزيادة القدرة التنافسية، وإنّ تدنّي مستوى الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير يؤدي إلى ضعف القدرة على الابتكار وبالتالي زيادة الإنتاجية وتضاؤل الفُرص نحو تحقيق التنمية المطلوبة .
الهوامش: 
 - واقع الٌإنفاق على البحث العلمي والتطوير في المملكة العربية السعودية، تقرير صادر عن وزارة التعليم العالي، المملكة العربية السعودية، 2012، ص: 12.
2- ربيع قاسم ثجيل، عدنان فرحان الجوارين، معوقات البحث العلمي في مراكز الدراسات والبحوث في جامعة البصرة ( دراسة ميدانية ) مجلة الغري للعلوم الاقتصادية والادارية المجلد 08، العدد 24، جامعة الكوفة، العراق، 2012، ص ص: 11-15.
3- سمر رفاعي، البحث العلمي وإدارة التكنولوجيا: ضرورة ملحة للعالم العربي، ندوة اقليمية مشتركو بين المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO ) والبنك الاسلامي للتنمية (IDP) لفائدة الدول العربية حول الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، الرياض، المملكة العربية السعودية، 04/06 جوان 2007. ص ص: 6-9. بتصرف.
4- عبد الهادي سعدون العتيبي واخرون، مؤشرات الاداء لمؤسسات البحث العلمي والتطوير، معهد الكويت للابحاث العلمية، الكويت، افريل 2004، ص ص: 28- 38،بتصرف.
5- الابتكار، قمة توصيل العالم العربي، الدوحة، قطر، 5-7مارس 2012، ص: 02.
6- كريستوفر فريمان (1921-2010م)،اقتصادي انجليزي يعد من ابرز الباحثين في دراسات الابتكار وقد ساهم بشكل كبير في احياء الفكر النيوشومبتير من خلال التركيز على الدور الحاسم للابتكار في التنمية الاقتصادية والأنشطة العلمية التكنولوجية، وقد كان أول من أسس بحوث سياسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة ساسكس البريطانية وكان مديرا لها آن ذاك.
7 - نزار كاظم صباح الخيكاني، امكانات البحث والتطوير في بلدان عربية مختارة ودورها في تعزيز القدرة التنافسية، مجلة القادسية للعلوم الادارية والاقتصادية، المجلد 12، العدد 01، 2010، ص: 103.
8 -عبد الهادي سعدون العتيبي واخرون، مرجع سبق ذكره، ص: 31.
9- مرجع سابق، ص: 34.