العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

خصائص وضوابط الاستثمار بالمشاركة في الاقتصاد الإسلامي

يقرر كثير من الباحثين في التمويل الاسلامي بأن أسلوب المشاركة في الربح والخسارة هو يمثل روح الاقتصاد الاسلامي ويحقق مقاصده لأنه يتميز بخصائص متعددة تحقق من خلالها مصالح الأطراف المتعاقدة، وسوف نستعرض في هذا المقال مجموعة من الضوابط والقواعد الخاصة بعقود المشاركات وذلك بعد استعراض الخصائص العامة للتمويل والاستثمار بالمشاركة.

أولاً: الخصائص العامة للاستثمار والتمويل بالمشاركة:

1.   يقوم نظام المشاركة على نشر مخاطر المشروع بين الممول والقائم به وهذا يشجع على تنمية الرغبة بالدخول بالمشروعات، حيث انه بنظرة شاملة للاقتصاد إذا كانت المشروعات تعرض بطرق يتم من خلالها توزيع المخاطرة بين الممولين والمتمولين سوف تكون البيئة الاستثمارية مهيئة أكثر لتقبل الكثير من الاستثمارات وزيادة أنواعها وزيادة استكشاف الفرص الاستثمارية لتوفر الحافز الطبيعي لذلك وهو تحمل المخاطرة من الطرفين.

2.   نظام المشاركة لا يحتاج إلى تقديم ضمانات مثل الرهن وبذلك يتيح الوصول إلى الأموال على أساس واحد فقط هو الجدارة الاقتصادية للمشروع، ومن المعلوم أن الضمانات مثل الرهونات والكفالات مع أنها ضرورية لأي عملية تمويل إلا أن الحاجة اليها في التمويل بالمشاركة تكون أقل ما يمكن لأن ملكية الشريك في الشركة وما يقتضيه من مميزات في الربح والإدارة هو أكبر ضمان للعملية.

3.   يربط هذا النظام بين مصلحة الممول والمشروع بشكل مباشر مما يضمن الكفاءة الفنية والإنتاجية للمشروعات، فبمقتضى عقد المشاركة ينصرف اهتمام المشاركين ( البنك والعميل) إلى دعم نشاط الشركة من منطلق المسؤولية المشتركة التي ترتبت عليهم بالمشاركة وهذا ما يجعل المصالح متوافقة بدلاً من أن تكون متعارضة.

4.   ينمي نظام المشاركة نشاط البحوث ودراسات الجدوى لدى المصارف الإسلامية، مما يقلل تدريجياً من تعرضها للاختيار الخاطئ[1]، فبدلاً من أن يكون النشاط المصرفي في منح التمويل قائم على الجدارة الائتمانية وما يتطلبه ذلك من وحدات إدارية متخصصة في المجال تصبح طبيعة العمل قائمة على استكشاف الفرص الاستثمارية ودراستها من خلال خبراء وفنين فتتحول طبيعة عمل الوحدات الإدارية العاملة في البنك من مهنة مالية بحتة إلى مهنة إنتاجية فنية إنتاجية.

5.   في المشاركة لا ينفرد أحد الشريكين بالعمل والإشراف والإدارة لكن في الإجارة هناك انفراد بذلك من المستأجر[2]، وهذا يقلل كثيراً نسبة الخطأ في الإدارة ويحافظ على الأموال وتوجيهها نحو مصلحة الشركة فقط فكما نعلم في عقد المشاركة يكون العمل مطلوب من طرفي المشاركة حيث أن كل شريك وكيل عن شريكه في التصرف والإدارة.

6.   في ظل نظام المشاركة لا يرتبط قرار الاستثمار والادخار بتقلبات سعر الفائدة بل يرتبط بارتياد مجالات الربح المشروع الذي يكون مؤشراً حقيقياً لتحديد الكفاءة الحدية لرأس المال[3]، وهذا يعكس للمستثمرين واقع الاقتصاد الحقيقي وربحية كل مجال مما يحقق الشفافية والوضوح في البيئة الاستثمارية.

ثانياً: ضوابط الاستثمار والتمويل بالمشاركة.

1.   المشروعية: يقصد بذلك أن تكون المعاملات مشروعة أي مطابقة لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وذلك حسب ما يقرره العلماء الثقات والفتاوى الصادرة عن مجامع الفقه الإسلامي في المسائل المعاصرة, وكذلك أن تكون في مجال الطيبات, وتجنب الخبائث مهما كان قدرها [4]. ودليل هذا الضابط من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباًوَلاَتَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"[5]. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"[6].

2.       تحقيق النفع وتجنب الضرر: يقضي هذا الضابط بأن تحقق عمليات الاستثمار النفع الذي يعود على الفرد نفسه وكذلك على المجتمع, ويكون هذا النفع مرتبطا بتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية, وكذلك تجنب أي معاملة فيها ضرر. وأصل هذا الضابط من القرآن الكريم هو قول الله تبارك وتعالى: " وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّوَالتَّقْوَىوَلاَتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِوَالْعُدْوَانِوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ"[7]. ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مجموعة من المعاملات لأنها تسبب أضرارا مثل التعامل في الخمر, ولحم الخنزير, والميتة، والدم, والأصنام, والصلبان, والتماثيل, والكلاب, وكسب الإماء (الزنا)، وبيع السلاح وقت الفتنة، والتسعير في الأسواق بدون ضرورة معتبرة شرعا[8]، وقال صلى الله عليه وسلم:"من ضار ضار الله عليه، ومن شق شق الله عليه"[9].

3.   حرمة وبطلان الأعمال التي تفتح الباب إلى المفاسد: ومعنى ذلك تجنب أي معاملة تفتح الباب إلى مفسدة خاصة أو عامة لأن الأصل في المعاملات تحقيق المنافع[10], ودليل ذلك: ما قاله جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه مسلم عام الفتح يقول: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام", فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح الناس بها قال: "لا هو حرام" ثم قال صلى الله عليه وسلم:"قاتل الله اليهود، إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوها، ثم باعوه فأكلوا ثمنه"[11]. وقال كذلك: "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ليهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرا فقد تقحم الناس على بصيرة"[12]. ويقوم هذا الضابط على القاعدة الفقهية التي تقول: " درء المفاسد مقدم على جلب المنافع".

4.   المحافظة على الأموال: يعني ذلك أنه يجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب في المعاملات المالية التي تحمي المال من الهلاك وعدم تعرضه للمخاطر المالية الجسيمة التي تقود إلى الضياع، كما يتخذ التدابير اللازمة للمحافظة على المال من السرقة والابتزاز والرشوة[13]، ولقد أشار القرآن إلى ذلك: في قول الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ"[14]. وقوله سبحانه وتعالى:"وَلاَتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِوَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"[15]. ولقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على الأموال، فقال: "ومن قتل دون ماله فهو شهيد"[16]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " أن الله كره إليكم ثلاث: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"[17].

5.   الالتزام بمبدأ الغرم بالغنم: تقوم عمليات الاستثمار بصفة عامة على ربط العائد بالتضحية والكسب بالخسارة والأخذ بالعطاء، وهذا ما يطلق عليه في كتب الفقه اسم: "الغنم بالغرم، والخراج بالضمان"، ويعني هذا العائد يقابل تضحية، ولا كسب بلا جهد، ولا جهد بلا كسب, ومن نماذج ذلك من القرآن الكريم صفقة التجارة مع الله في الجهاد حيث: قال سبحانه وتعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْوَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ"[18].وربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين الجهاد وتوزيع الغنائم.

6.     الالتزام بضوابط وأحكام الشركات: المشاركات مظهر من مظاهر التعاون وهي محل تشجيع وترغيب من الشارع حيث يقول الله تعالى في الحديث القدسي: "انا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما"، ولذلك تجري المسامحة في كثير من تطبيقات المشاركة، وهذا التشجيع للمشاركات يتلائم مع ما تؤديه من دور في اقامة المشاريع الاستثمارية الضخمة في الحصر الحاضر وهي التعبير الفقهي عن عمليات الاستثمار قديما وحديثاً[19].

ضوابط الشركات:

·    التزام اسلوب الوكالة: فكل واحد من الشركاء يعتبر تصرفه بمال الشركة وكيلاً عن الآخرين، وذلك ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركاً بين الشركاء، ليتحقق حكم الشركة المطلوب من عقدها وهو الاشتراك في الربح، اذ لو لم يكن كل واحد منهم وكيلا عن غيره في حقه وأصيلا في حق نفسه لا يكون الربح المستفاد مشتركاً لاختصاص من اشتراه بربحه.

·    تقوم المشاركات على المبادلة بين ما كان يملكه كل طرف: حيث تنتقل اموال الشركاء من التميز الى الشيوع، فيملك كل شريك في مجموع رأس المال بمقدار حصته، ويصبح مصير المال المخلوط واحداً ولو تعرض للخسارة ما كان سابقاً بيد أحد الشركاء.

·    اشتراك الأطراف في الربح بأي نسبة شائعة يتفق عليها: فيتنافى مع مقتضى الشركة أي شرط او صورة تقطع الاشتراك في الربح، لأن مبنى المشاركة هو الاشتراك فيه.

·    ربط الخسارة إن وقعت بمقدار الحصص في ملكية رأس مال الشركة: أو بقدر الالتزام بالضمان في الشركات التي ليس فيها رأس مال وذلك لان حالة الخسارة تعتبر أمرا طارئاً على الحصة المملوكة، فيتحمل كل مالك ما يلحق بحصته ولا ينقل ضمانها لغيره، لأن عبء الملك وضمانه على مالكه.

·    الالتزام بدفع الزكاة الواجبة (زكاة الشركات): العقود التي تنطبق عليها احكام الزكاة في عمليات الاستثمار غاليا هي عقود المشاركات، ويجب الالتزام في ذلك بمجموعة من المبادئ الهامة وهي[20]:     

خَلْطُ أموال الشركاء: ويقصد بها أن يعامل المال المملوك لاثنين أو أكثر من الشركاء معاملة المال الواحد بسبب الاتحاد في الأوصاف والظروف، وتأسيسا على ذلك ينظر إلى أموال الشركاء كأنها مال واحد وذلك من حيث: الحول والوعاء والنصاب والنسبة والمقدار.

ودليل ذلك من قول الفقهاء أنه لا يجوز التفرقة بين مجتمع ولا الجمع بين متفرق في المخالطة[21] لأغراض حساب الزكاة، بمعنى أن الخليطين يجمع مالهما في الصدقة.

وعندما يحسب القدر الواجب على الشركة كشخصية معنوية مستقلة، يُحسب نصيب كل شريك منه حسب مقدار حصته في رأس المال ويقوم هو بنفسه بأدائه أو يفوض إدارة الشركة بذلك حسب الأحوال.

ضم الأموال الزكوية: ويقصد به أن تضم الأموال الزكوية إلى بعضها البعض، مثل ضم البضاعة إلى الديون على الغير وإلى النقد وما في حكم ذلك، ويمثل الجميع الأموال الزكوية ولا ينظر إلى تغيرها خلال الحول، فالعبرة بقيمتها في نهايته[22].

تبعية النماء[23] للأصل: ويقصد بذلك أن ما يتولد من أنشطة الشركة المختلفة من زيادة أو تكاثر أو توالد أو ما في حكم ذلك من أنواع النماء يضاف إلى المال الأصلي المرصد للتجارة والاستثمار، وينظر إلى الجميع على أنه من الأموال الزكوية والذي يمثل وحدة واحدة.

الشخصية الاعتبارية للشركة: ويقصد بذلك أن للشركة كوحدة اقتصادية شخصية اعتبارية مستقلة عن مالكيها، فتحسب الزكاة على الشركة باعتبارها وحدة مالية، ثم بعد ذلك توزع على الشركاء حسب حصة كل منهم في رأس المال بصفتهم الطبيعية الشخصية باعتبار أن الزكاة عبادة تخص الشركاء.

7.   الالتزام بضوابط واحكام التعامل مع العاملين:

1)   أن تساعد المنشأة العامل في وضعه في مكان العمل المناسب حسب امكانياته وقدراته وطاقته ولا تكلفه مالا يطيق. يقولرسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الكسب كسب يد العمل إذا نصح"[24]، ويقول صلى الله عليه وسلم كذلك: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"[25].

2)    أن يكون أجر العامل في ظل الظروف العادية في ضوء ما يقدمه من جهد.

فلا كسب بلا جهد، ولا جهد بلا كسب، ولا يجب أن يكون العامل عالة يكسب ولا يعمل، كما لا يجب أن تبخس المنشأة أجر العامل الصادق القوى الكفء حقه، فهذا يسبب الفساد. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيَالَوَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِوَلاَتَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْوَلاَتَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين[26]. وقوله تبارك وتعالى:فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ[27].

3)   التعجيل في إعطاء أجر العامل حتى يستطيع أن يشترى حاجاته المعيشية.

 لأن التأخير في إعطاء الأجر للعامل يثبط الهمم ويقلل من الدوافع والحوافز على العملومن الوصايا العظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "أعطوا الأجير قبل أن يجف عرقه"[28].



[1]دنيا،شوقي، الإجارة المنتهية بالتمليك – المشاركة المتناقصة – من الأدوات المالية الإسلامية لتمويل المشروعات، مجلة مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، السنة الثالثة، العدد التاسع 1999م،ص64.

[2]دنيا،شوقي،مرجع سابق،ص71.

[3]مسعودة، نصبه، الفعالية الاقتصادية لنظام المشاركة في الاقتصاد الإسلامي، مجلة مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي،السنة الثالثة عشر،العدد39،’2009،ص67.

[4] شحاتة، حسين، الضوابط الشرعية للمعاملات المالية، سلسلة فقه رجال الأعمال، دار المشورة، القاهرة،مصر،www.darelmashora.comص5.

[5][5]سورة البقرة: 168

[6]رواه مسلم.

[7]سورة المائدة:آية 2

[8] شحاته، حسين،مرجع سابق،ص7.

[9]رواه الترمذي.

[10]شحاته، حسين، مرجع سابق،ص8.

[11] رواه البخاري.

[12]رواه الطبراني في الأوسط.

[13] شحاته، حسين، مرجع سابق،ص9.

[14]سورة النساء:آية29.

[15]سورة البقرة: آية 188.

[16]متفق عليه.

[17]رواه البخاري ومسلم.

[18] ( التوبة: 111)

[19]أبوغدة، عبدالستار، المشاركة المتناقصة، بحوث في الأساليب المصرفية المعاصرة.

[20] شحاته، حسين، فقه ومحاسبة زكاة الشركات، دار المشورة،www.darelmashora.com.

[21]أي عند خلط الاموال في الشركة.

[22]شحاته، حسين، مرجع سابق.

[23] جاء في حاشية رد المحتار- وهو من كتب الحنفية- في تعريف النماء: في الشرع هو نوعان: حقيقي، وتقديري، فالحقيقي الزيادة بالتوالد والتناسل والتجارات، والتقديري تمكنه من الزيادة بكون المال في يده أو يد نائبه.انتهى.

[24] (رواه أحمد).

[26][هود:85]

[27][الطلاق:6]

[28] (رواه ابن ماجه والترمذي).