العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مدى صلاحية مؤشر ارتفاع أسعار العقارات كأحد المؤشرات المالية للتنبؤ المبكر بالأزمات المالية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يتكوَّن الاقتصاد من مجموعة قطاعات منها قطاع العقارات وهو بمثابة القسم الحيوي من البِنى التحتية لقيام المؤسسات الاقتصادية. لكن هذا القطاع قد يتعرض لتضخمٍ غير صحيٍّ.

إن العائد المتعارَف عليه في قطاع العقارات في منطقة الشرق الأوسط هو بحدود ١٠٪من قيمة العقار، و ٥٪ من قيمته الإيجارية في حال تأجيره. وينخفض هذا العائد عند ارتفاع أسعار الأراضي والعقاراتوقد يصل إلى أقل من نصفه مما يرفع فتراتِ رسملة المشاريع المستثمرة في هذا القطاع. ولسوق العقارات والأراضي دورتُها الموسمية فتتموج استقرارا ورواجا وكسادا، شأنُها شأن أيّ سوقٍ آخر، لكن حركة تسارعها تتناسب مع كونها سلع بِنى تحتية، إضافة إلى تصنيفها كسلعٍ إنتاجية إنما بوزنٍ ثقيل نسبة لغيرها من السلع.

لكن لماذا ترتفع أسعار الأراضي والعقارات؟

يفسِّر البعضُ الارتفاعَ بتمسك ملاك العقارات بأسعار عقاراتهم، ويفسر البعضُ الآخرُ ذلك بسبب سلوك القرارات الحكومية منعا أو منحاً مما يجعل السوق تذهب بمنحى رواج أو كساد بحسب حركة العرض والطلب التي تُحدثها تلك القرارات. لكنَّ كلَّ ذلك يكون في المدى المتوسط وليس الطويل؛ ففي المدى الطويل يعتبر هذا القطاع مكمَناً من مكامن الاستثمار، فإذا زاد عائد استثماره أغرى ذلك المستثمرينَ لدخوله، كما أن انخفاضه يكون سببا لنفورهم منه وخروجهم، بل وتحوِّلهم نحو أسواق أخرى أكثر ربحية.

لذلك تكون حركة المستثمرين بين الأسواق أشبه بالأواني المستطرقة حيث يسعى الجميع نحو حالة مستقِّرة في المدى الطويل باستثناء فعل بعض المضارِبين، فسَرعان ما يعود التوازن والاستقرار للأسواق إذا لم يحصل أي تلاعبٍ أو تشويهٍ مقصود.

إن انعدام أو انخفاض فرص الاستثمار الحقيقي تجعل المستثمرين يتحولون إلى المضاربة قصيرةِ الأجل؛ فإذا زاد خوفهم من الظروف المحيطة كاحتمال نشوء حروب أو انتشار الأزمات المالية فسرعان ما ينعكس ذلك ارتفاعا على بعض السلع وعلى أسعار الصرف، فإن طال الخوف اقتصادَ دول ٍكبيرة مؤثِّرة فإنّ فرص الاستثمار بالمضاربة تضيق ويكون اللجوء إلى المعدِن النفيس أي الذهبِ بوصفه ملاذَ الثقة الأخير للمستثمرين، وتتربع الأراضي والعقارات في الترتيب التالي للتعبير عن قلق المستثمرين الذين ضاقت بهم الفرصُ الاستثمارية طويلةُ وقصيرةُ الأجل.

والكساد في سوق الأراضي والعقارات لا يحدث فجأة؛ بل يبدأ بالتباطؤ، ثم قد ينتهي الحال إلى الكسادإذا استمر عدم الاستقرارفي أسعار العقارات،خاصة إذا عبثت البنوكُ بهذه السوق. ففي أخطر أزمتَين ماليتَين في الاقتصاد أي أزمةِ الكساد العالمي ١٩٢٩ والأزمةِ المالية العالمية ٢٠٠٨، كانت أسعار العقار منطلقَ الفقاعة وبوابةَ الخلل والاختلال والسببَ الأوضح في الكارثة. وبعد أن حلّتِ الكارثة تعافى سوق العقارات في أوروبا والولايات المتحدة دون أن تتراجع الأسعارُ بعدها خلال أكثرَ من٨٠ عاماً رغم تذبذب معدّلات النمو.

واتهامُ البنوك عائدٌ للسياسات النقدية؛ فارتفاع أسعار العقارات لمستويات قياسيّة تزامنَ مع سياسات الإقراض المتساهلة الأمرُ الذي قاد إلى الكساد، وسياسةُ التساهل هذه تلجأ إليها بعض الحكومات عندما تفشل في وضع سياسات إسكانٍ صحيحةٍ ومناسبةٍ. وهذا حصل فعلا في بعض أسواق الخليج فانتشرت القروض العقارية بفوائدَ مرتفعة مما أنشأ طلباً على العقار السكنيّ، ثم سرعان ما أدى إلى مضاربات واسعة شمِلت حتى العقاراتِ المرهونة للبنوك؛ فارتفعت الأسعار وزادت المخاطر الائتمانية.

إن المؤشرات المالية تستخدم كأداةٍ مستمرة للتحذير من احتمال تعرُّض الاقتصاد لأزماتٍ مالية قبل وقوعها من خلال مراقبة بعض المتغيرات الاقتصادية الرئيسة التي تعين متخذي القرار على اتخاذ إجراءات وتدابيرَ وقائية قد تحدُّ أو تمنع وقوع الأزمات. ومن تلك المؤشرات: معدل نمو الناتج المحلي، وسعر الصرف الحقيقي، وسعر الفائدة الحقيقي، ومعدل التضخم، ومعدل نمو الائتمان المحلي، ونسبة النقد المعروض M2إلى الاحتياطيات، وأسعار الأسهم والسندات، يضاف لذلك بعض المؤشرات المصرفية من ملاءةٍ وسُيولة وعسر وعائد.

إن التحرير الماليّ يقود إلى رفع القيود عن منح الائتمان، فيزيد الطلب على القطاعات التي تمَّ تحريرها كالعقارات مثلا، وكذلك تفعل زيادة نسبة المعروض النقدي بمفهومه الواسع M2.ويعتبر من أسباب أزمة الرهن العقاري التي ظهرت عام ٢٠٠٧هو تهافت البنوك على منح قروض عالية المخاطر، ثم بدأت الأزمة تكبر ككرة الثلج مهدِّدة قِطاع العقارات في الولايات المتحدة ثم البنوك والأسواق المالية العالمية لتشكِّل تهديدا للاقتصاد الماليّ العالَميّ.

إن ارتفاع الأسعار غير المسوغ مؤدّاه رفع مؤشر أسعار بيع الشقق السكنية والعقارات عموما، ويترافق ذلك بارتفاع الإيجارات أيضا. ويأتي العنوان المقترح بغية إضافة مؤشر ارتفاع أسعار العقارات ليكون أحدَ المؤشرات المالية للتنّبؤ المبكر بالأزمات الماليّة.

 

حماة (حماها الله) ١١-١٢-٢٠١٤