العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التمويل الإسلامي والمشكلة الاسكانية

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

إن بناء الإنسان الصالح وتهذيب أخلاقه وإعداده إعداداً تربوياً فاضلا من أهم مقاصد الإسلام، ومن هنا ركز الدين على بناء الفرد بناءً صحيحاً ليضمن سلامة المجتمع. كما أن الدعوة الإسلامية عالمية، موجهة للناس كافة، تقوم على الكرامة والحرية والعدل والمساواة. وفي إطار هذه الشمولية كفل الإسلام للإنسان الحق فى الحياة، والكرامة، والعدل، وحق العمل، والأمان، وحق الهجرة. كما كفل للإنسان حرية العقيدة، والتفكير، والضمير، والرأي، والمسكن، والتنقل وغير ذلك من الحقوق الأساسية.
وصرح الخالق العظيم سبحانه بهذا التكريم فقال تعالى: (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء: 70).
وتمس مشكلة الإسكان كل أسرة؛ فالمسكن أحد الاحتياجات الأساسية للإنسان، شأنه في ذلك شأن الغذاء والكساء، وهو أحد الحقوق الأساسية للإنسان، وليس أدل على أهمية المسكن من ارتباطه بالسكينة والأمان والخصوصية، ومن ثم فهو قضية تؤثر على أمن واستقرار ورفاهية وصحة وسلامة الفرد والأسرة والمجتمع. وتعد مشكلة الإسكان من أهم القضايا التي تواجه الدول النامية، نظرًا لما لها من آثار اجتماعية واقتصادية على الدولة وعلى فئات كثيرة من المواطنين خاصة الشباب ومحدودي الدخل. كما تزداد أهميتها في ضوء ما لها من آثار سياسية مهمة، فهي تؤثر على علاقة المواطن بالدولة، فتوفير المسكن الآمن والملائم للمواطن يمثل له الاستقرار والانتماء للدولة ويعزز ثقته فيها.
ومشكلة الإسكان متراكمة ومتعددة الأبعاد، فلا تقتصر على عدم وفرة المعروض من الوحدات السكنية لمقابلة نوعية الطلب عليها، بل تشمل أبعاداً أخرى كالإسكان العشوائي، والوحدات المغلقة واختلال العلاقة بين المالك والمستأجر، وإهمال صيانة الثروة العقارية، وسوء توزيع السكان وارتفاع الكثافة السكانية، وعدم كفاية بعض المرافق فى بعض المناطق والامتداد العمراني على الأراضي الزراعية، وغيرها.
وقد باتت الحاجة إلى الخدمات الاجتماعية والحماية الاجتماعية مكرّسة في المواثيق والاتفاقيات الدولية، وخصوصاً في إعلان الألفية. فالمواد ٢٢ و٢٥ و٢٦ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان1948) ) أكدت الحق في الضمان الاجتماعي، وكذلك المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966) وفي عام ٢٠٠٧ حدد الاتحاد الأوروبي في معاهدة لشبونة إجراءات لتنسيق سياسات الاحتواء الاجتماعي والحماية الاجتماعية.
وفي عام 2009 جمعت مبادرة الحد الأدنى للحماية الاجتماعية 19 هيئة من هيئات الأمم المتحدة وبضع مؤسسات مالية دولية و 14شريكاً في التنمية للنهوض بهدف حصول الجميع على خدمات أساسية، مثل الصحة والتعليم والسكن والمياه والصرف الصحي بالإضافة إلى تحويلات اجتماعية لضمان الدخل والأمن الغذائي والتغذية الكافية.
والإسكان بمفهومه الشامل لا يعني بناء وحدات سكنية فقط، ولكن يدخل في هذا الإطار قواعد ونظم كثيرة منها: توفير الأراضي، والتخطيط العمراني، وصناعة مواد البناء والتشييد، والنظم الصحية، والأهم توفير التمويل المالي للمشروعات الإسكانية.
أما العوامل المؤثرة على امتلاك المسكن فتنقسم الى نوعين:
1- عوامل خارج تحكم الفرد:
 قوى السوق التي تضارب في أسعار الأراضي وترفعها إلى مستويات تحد من تملكها.
الانظمة التخطيطية الحالية التي تدفع السوق نحو تقديم قطع أراضي كبيرة لا تدخل ضمن قدرة الفرد الشرائية.
ندرة الجهات الممولة للفرد وارتفاع كلفة التمويل الموجود منها بسبب ضعف ضوابط تحصيل استحقاقاتهم.
عدم تغيير السياسة الاقراضية نحو ما يسمى القرض العقاري بناء على السلوك الادخاري وهو المعمول به من الدول، وأثبتت نجاحاً واستيعابية كبرى لطلبات القروض.
2- عوامل داخل امكانية تحكم الفرد:
عدم قناعة الكثير بالمباني القائمة في السوق على الرغم من كثرتها علماً بأن كثير منها ذو حالة جيدة وتحتاج إلى بعض التجديد.
الاحتياجات غير المنطقية للأسرة مثل:
أحواش وفناءات بلا داعي وأسوار عالية.
دورات مياه أكثر من اللازم (معدل دورة/ غرفة).
المبالغة في الفصل في التوزيع بين المناطق الخاصة والعامة والشبه عامة (مما يؤدي الى زيادة حوائط وأبواب وحمامات وخلافه).
المبالغة في عدد غرف النوم والضيوف وخلافه علماً بأن معظمها لا يستخدم.
عدم التركيز على تعدد الاستعمالات للفراغ علماً بأن الثورة التكنولوجية بكل مقوماتها تؤدي أو ستؤدي إلى ذلك.
سوء الادخار الناتج من فقدان الأمل في فرصة التملك نتيجة الصعوبات المتعددة مما يؤدي إلى توجيه الادخار إلى مصاريف إسرافية.
ارتباط ذهنية الفرد بنمطية معينة من المباني تعمل على رفع التكلفة تلقائياً.
المستوى المتوقع من البناء والتشطيب والمبالغة في الشروط والمواصفات.
عدم الأخذ بمبدأ المرونة بحيث يكبر البيت حسب كبر العائلة.
وتعد مشكلة الإسكان من أهم المشكلات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية، وقد بيّن المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أهمية توجه المصارف الإسلامية للاستثمار في تمويل الإسكان في الدول الإسلامية، إذ تدل المؤشرات على اتساع الفجوة الإسكانية في العالم الإسلامي الفجوة بين الحاجة إلى المأوى وبين توفيره، إذ إن نحو (45 %) من سكان العالم الإسلامي يفتقرون إلى المأوى سواء تملكاً أم تأجيراً، وذلك بغض النظر عن نوعية سكن من يملكون المأوى، إذ يفتقر أكثر من (60%) من المساكن إلى أبسط قواعد السكن الصحي والمرافق الأساسية، بل هي مجرد أكواخ بالية.
إن ارتفاع تكلفة الأراضي والبناء بسبب زيادة الطلب على المساكن قد أدى إلى عدم قدرة غالبية الأسر الناشئة على امتلاك المساكن، ومع أهمية القطاع السكني تظهر أهمية التطوير العقاري لمشاريع الاسكان حيث أن الازدياد الحالي للمساكن لا يلبي الاحتياجات المستقبلية للأسر الناشئة، وإنما من الضروري أن يفسح المجال للتخطيط العمراني بطريقة علمية ومدروسة مع مقابلة ذلك بتوفير التمويل اللازم لتحقيق الهدف العمراني على نمط حضاري وأسلوب متميز مع تطوير الأنظمة التي تعمل على توفير الضمانات المناسبة للممولين. وللتمويل العقاري لقطاع الاسكان صيغ شرعية متعددة يمكن أن تلبي سائر احتياجات المستثمرين (المطورين) للمجمعات السكنية والتجارية على حد سواء واحتياجات الأفراد (المستفيدين) الراغبين في تملك المساكن. ومن هذه الصيغ عقد الاستصناع وعقد الايجار المقرون بوعد البيع وعقد الايجار المنتهي بالتمليك وعقد البيع بالتقسيط وهي من أنسب صيغ التمويل لمشاريع الاسكان ولاسيما إذا توفرت آليات مناسبة لتطوير التعامل مع هذه العقود وتوفير الضمانات المناسبة للممولين مما يمكنهم من تخصيص مبالغ كبيرة لتمويل هذا القطاع الحيوي الهام. وتنبع أهمية تطوير أنظمة افراغ رهن العقار كأسلوب من أساليب الضمان المصرفي لمعالجة الصعوبات التي تواجه البنوك سواء في مرحلة انشاء الرهن أو في مرحلة الحصول على إذن بالبيع عند اخلال العملاء بالتزاماتهم في السداد ومعظم هذه الصعوبات مردها إلى البطئ في الإجراءات وطول الوقت الذي تقتضيه اجراءات المحاكم الشرعية في البت في مثل هذه القضايا والجهات الرسمية التنفيذية في تنفيذ الأحكام الشرعية الصادرة في بيع العقار المرهون. 
ويمكن للمصارف الإسلامية الدخول في مجال المقاولات لما يتوافر لديها من دائرة هندسية، وتمويل مالي ضخم، كما يمكن أن تنشئ شركات مقاولات أو مشاركات أو شركات تمولها عن طريق شراء سندات استصناع في تلك الشركة، أو من توكل إليها بعض الأعمال التي تستند إليه بعقود مقاولة.
ولأساليب التمويل الإسلامي خصائص متعددة تسهم في حل مشكلة الإسكان وتنشيط سوق العقارات، وتتمثل إجمالاً فيما يلي:
أ – التعدد: حيث لا يقتصر الأمر على آلية واحدة مثـل القائم الآن وهي القروض ولكنها تتمثل في عدة آليات مما يتيح فرصة أكبر للاستخدام.
ب – التنوع: بما يناسب الحالات والجهات المختلفة سواء لتمويل المنتجين أو لتمويل طالبي السكن.
جـ- مراعاة التوازن والعدالة في توزيع المنافع والمخاطر بين طرفي التمويل بخلاف ما عليه أسلوب القرض الذي يحمل المقترض وحده جميع المخاطر ويجعل حصوله على المنافع احتمالياً.
د – العمل على تقليل درجة المخاطر بإقرار الضمانات المناسبة.
هـ- ابتعادها عن الفوائد الربوية المحرمة شرعاً.
و –أنه ثبت بالواقع والتجربة نجاح هذه الآليات في التمويل العقاري في العصر الحاضر حيث أن بعض البنوك الإسلامية في منطقة الخليج تطبق عددا من هذه الآليات بنجاح.
ز – توجه بعض الآليات إلى أسلوب ديموقراطية التمويل بالتوجه مباشرة نحو المدخرين بدلاً من وساطة المؤسسات المالية بين طرفي العلاقة التمويلية.
ح – إمكانية إنشاء أدوات مالية بناء على بعض الآليات وقابلية هذه الأدوات للتداول في السوق الثانوية أو التسييل قبل حلول موعد التصفية مما يوفر بضاعة جديدة في سوق الأوراق المالية.
لهذا فإن المصارف الإسلامية العاملة في الدول الإسلامية مطالبة بضرورة أن تولي مزيدا من الاهتمام بمجال التمويل العقاري، لما لذلك من أثر في حل مشكلة الإسكان التي نعاني منها. وأن تفعّل الصيغ التمويلية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، مثل: صيغة المشاركة المنتهية بالتمليك، وصيغة المرابحة للآمر للشراء، وصيغة الإجارة مع الوعد بالتملك، وصيغة الاستصناع المقسط. كما أنها مطالبة بضرورة إنشاء إدارة هندسية تضم عناصر كفؤة ومؤهلة. وأن تبحث امكانية تخفيض معدلات هامش ربحية المصارف الإسلامية في مجال التمويل العقاري، وذلك من باب المسؤولية الاجتماعية. ولابد من إنشاء صناديق استثمار إسلامية متخصصة للتمويل العقاري في كل مصرف إسلامي يمكّن من استثمار أموال هذه الصناديق للإسهام بشركة مقاولات، مشاركة بين المصارف الإسلامية ووزارة الإسكان ووزارة الأوقاف.
وينبغي العمل على إنشاء صندوق خاص في المصارف الإسلامية للإسكان الخيري، يتم تمويله من أموال الزكاة والتبرعات، يقدم خدماته للفقراء والمحتاجين من خلال تقديم القروض الحسنة التي تمكنهم من تملك المساكن الملائمة دون فائدة.
المراجع:
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية  2014: المضي في التقدّم: بناء المنعة لدرء المخاطر، الولايات المتحدة الأمريكية،2014، ص 116
محمد عبد الحليم عمر، الآليات التمويلية الإسلامية لتنشيط السوق العقارى،مؤتمر « تنشيط السوق العقاري المصري »، جامعة الأزهر،مركز صالح عبد الله كامل للاقتصاد الإسلامي، فى الفترة من 25-27 يونيو 2002م
منى لطفي بيطار – منى خالد فرحات، آلية التمويل العقاري في المصارف الإسلامية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية– المجلد 25 - العدد الثاني 2009 
وليد الهزاع، المسكن الميسر امتلاكه،ندوة مستقبل الاسكان في مدينة الرياض،السعودية