العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دورالمصرف المركزي في تحقيق الإستقرار المالي والمحافطة عليه

د. محمد فـوزي

دكتوراة فلسفة في الاقتصاد الاسلامي

يلعب المصرف المركزي دوراً مهماً في تمثيل الدولة وبسط سيادتها على أنشطة الحياة اليومية ( المالية - الإقتصادية - الإستثمارية - التجارية - الاجتماعية) سواء للفرد أو المجتمع ككل فالمصرف المركزي يعكس دور الحكومة في النشاط المالي والإقتصادي وذلك من خلال التحكم بإتجاهات التعامل النقدي في السوق، وضبط السياسة النقدية، وتوجيه الموارد ومجالات الإنتاج نحو الإستخدام الأمثل والفعال وفق الإمكانات المتاحة للدول، وإصدار الأوراق النقدية، والمحافظة على مستويات الدخول والأسعار، ومراقبة أسعار الصرف، واتخاذ التدابير اللازمة لاستقرار الحياة الاقتصادية والمالية عموما مستعينا بالأساليب والوسائل التي تمكنة من الأداء الكفء والفعال لهذه المهام.

بالإضافة إلى أنه يزاول مجموعة من الوظائف الأخرى (مباشرة – غير مباشرة) من أهمها متطلبات الحد الأدنى للإحتياطي، وتطبيق آلية سعر الخصم، ودور المقرض الأخير، وعمليات السوق المفتوحة، وبالرغم من أهمية الأدوار الوظيفية التي ينهض بها المصرف المركزي عموما من خلال تحمله لأعباء المسؤولية القانونية بإعتباره بنك الدولة وبنك البنوكفمن خلال المهام والوظائف التي يطلع بها قانونا تتضح مدى قوة النظام النقدي والمصرفي الكلي ومن ثم المالي والاقتصادي للبلد المعني فضلاعن كونه المرجع المسئول عن مراقبة تنفيذ السياسة النقدية للدولة وكذلك سياستها المصرفية من خلال أدواته ووسائله التي قد تختلف من نظاماقتصادي لآخر حسب مدى قوة هذا الدور وحد تدخلالدولة في النشاط المالي والإقتصادي.

أما على الساحة الاقتصادية العالمية فقد احتلت دراسات تحقيق الاستقرار المالي مركز الصدارة ضمن الاهتمامات الرئيسية لكل الجهات الحكومية والمالية والاقتصادية سواء أفراد أو مؤسسات على المستوين المحلي والدولي وأصبحت محط أنظار البنوك المركزية للدول والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي (WB)وبنك التسوياتالدولي (BIS)التياعتادت جميعها على إصدار تقارير دورية عن الاستقرار المالي بل وخصصت جوانب من نشاطها لبحث دراساته والسعي لتحقيقه وسيشمل هذا التحليل قراءة لأحد الكتب الصادرة عن بنك التسويات الدولي عام 2010 م حسب العرض التالي: -

أولا: الإستقرار المالي ( Financial Stability )

التأكد من قوة وسلامة عمل جميع مكونات النظام المالي والإقتصادي مما يعني غياب الإضطرابات في هذا النظام فالمغزى من الإستقرار المالي يتجاوز المفهوم البسيط لعدم وقوع الإضطرابات والنظام المالي يكون مستقرا إذا ما اتسم بإمكانات معينة مثل تيسير كفائة الموارد الإقتصادية وتوزيعها حسب المناطق بجانب العمليات المالية والإقتصادية الهامة الاخرى مثل الإدخار- الإستثمار- الإقراض - السيولة وتوزيعها وتحديد أسعار الأصول وتراكم الثروة ونمو الناتج وتقييم المخاطر المالية وإدارتها وإستمرار القدرة على أداء الوظائف الأساسية للنظام ومكوناته على أكمل صورة.

ثانيا: عدم الإستقرار المالي ( Financial Instability )

عرفه صندوق النقد الدولي (IMF) أنه يمثل فترات عدم الإستقرار المالي في الأسواق المالية والتي تتحول لفترات الإضطرابات الحاد وتضعف قابلية النظام على تقديم خدمات الدفع إلى السعر ومخاطر التحويل وتخصيص الإئتمان والسيولة ومن المحتمل أن يؤدي الى إنخفاض النشاط الحقيقي في الإقتصاد.

ثالثا: الأهداف المنوطة بالمصارف المركزية لتحقيقها

الأهداف الكلية للمصارف المركزية تمثل الحفاظ على الاستقرار النقدي وتشجيع النمو الاقتصادي المطرد وفق السياسات الاقتصادية العامة وهذه أهم المهام المنوطة بالمصرف المركزي في إطار الأعمال والوظائف والإختصاصات الأخرى التي ينص عليها قانون الدولة وتكتسب هذه المهامأهمية متفاوتة بين الدول وتختلف في نتائجها بقدر نجاح المصرف المركزيفي استخدام أدواته ووسائلة المتنوعة ومنها:-

·                تنظيم السياسة النقدية لدعم النقد والمحافظة على الاستقرار محليا ودوليا.

·                ضبط وتوجيه سياسة الإئتمان وتأكيد توفير الإئتمان المحلي (كما - نوعا) وفقا لحاجة الإقتصاد.

·                خلق الأجواء المناسبة لتنمية وتنفيذ عوامل الادخار والاستثمار وفق السياسة النقدية والإئتمانية المعتمدة.

·                المساهمة في معالجة أوضاع موازين المدفوعات باستخدام السياسة النقدية والمالية.

·                إدارة الإحتياطات من الذهب والعملات الأجنبية الاخرى.

·                إدارة وتنظيم ورقابة القطاع المالي والمصرفي وممارسة دور بنك البنوك والمقرض الأخير.

رابعا: وسائل المصارف المركزية لتحقيق الإستقرار المالي

تقوم المصارف المركزية بتحقيق الأهداف من خلال الأدوات والأساليب التي يتضمنها دستورها من تشريعات وقوانين ومن ثم تضطلع بمجموعة من المهامسواء ما تعلق منهابإدارتها للسياسة النقدية أو الرقابة والإشراف علىالجهاز المالي والمصرفي وذلك كله بهدف السيطرة على عرض النقود تمهيداً للسيطرة على التضخم ووصولا إلى توازن ميزان المدفوعات بما يؤدي لتحقيق نمو في الاقتصاد باستخدام مجموعة من الأدوات التقليدية والفاعلة منها:-

( عمليات السوق المفتوحة - إعادة خصم الأوراق التجارية - وضع سقوف الإئتمان - نسـب السيولة - تحديد نسب الإحتياطي النقدي - مراقـبة أسعار الصـرف - مبادلة العملات الأجنبية - تحديد سعر الفائدة )

خامسا: دور الإدارة الرشيدة للمصارف المركزية في تحقيق الإستقرار المالي والمحافطة عليه

أصدر بنك التسويات الدولي (Bank for International Settlements) مجموعة من الدراسات والأبحاث في كتاب عن (الإدارة الرشيدة للبنك المركزي والإستقرارالمالي) عام 2010م تتناول الفصول الأولية من الكتاب مهام ووظائفالمصارف المركزية في تحقيق الاستقرار المالي في الظروف العادية وغير العادية والتي تمثل الإضطرابات المالية والإقتصادية أما الجزء الأخير من فصوله فيشمل دراسات عن السياسة الوقائية للمصرف المركزي الخاصة بالمؤسسات الماليةوالنتائج المستفادة منها وفي قرائة مختصرة لمحتويات هذا الكتاب وفصولة الثلاثة التي تشمل:-

وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الإستقرار المالي خلال الفترات العادية

شملت الدراسة عددامن المؤسسات المركزية وأوضحت النتائج التحليلية والمقارنة أن وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الإستقرار المالي في ظل الأوضاع الإقتصادية العادية وفي معظم هذه البنوك تقوم بأدوار مختلفة ويعزى ذلك لعدد من العوامل أهمها إختلاف القوانين واللوائح السياسية والهياكل التنظيمية للمؤسسات المختلفة وتوزيع وتنسيق المهام مع الجهات الأخرى ذات الصلة ومثال ذلك يقوم البنك المركزي بالرقابة الوقائية الجزئية وبالتالي يقوم بتوفير السيولة الطارئة للمصارف وتوصلت الدراسة الى عدم توافر مصرف مركزي في عينة الدراسة إستهدف بوضوح الإستقرار المالي وإنما جاء ذلك ضمنيا في أهداف السياسة النقدية والمصرفية.

وظيفة المصارف المركزية في تحقيق الإستقرار المالي خلال الفترات غير العادية

تقوم المصارف المركزية في الأحوال العادية بإعداد ومتابعة السياسة النقدية ونظام الدفع والتدخل في بعض الأحيان إذا كان هناك ضرورة فمثلا معالجة ارتفاع معدل التضخم وتدهور سعر الصرف بجانب دورها الرقابي والإشرافي على المصارف مستخدمة الأدوات سواء المباشرة وغير المباشرة ولاحظت الدراسة أن هذا الدور هو نفسه الذي تقوم به المصارف المركزية خلال فترة الإضطرابات وخاصة الأزمة العالمية (2008 م) ثم قامت المصارف المركزية في دول أخرى بدور المقرض الأخير وذلك بتوفير السيولة لعدد من المصارف والمؤسسات المالية مقابل ضمانات معينة وفق الحالات المستعجلة أو بدون ضمانات وفيما يتعلق بالترتيبات والمقترحات ركزت الدراسة على السياسات التي تحد من حدوث الأزمات والترتيبات وإدارتها والتعامل معها ويتطلب ذلك توفير المصارف المركزية للسيولة الطارئة للمؤسسات المالية التي تواجه نقص السيولة وكذلك تقديم التمويل الطارئ وإعداد الترتيبات والإجراءات لإدارة عملية أنشطة هذه المؤسسات والتي قد تكون بنوك وشركات أموال أو أي مؤسسات مالية واقتصادية متنوعة.

السياسات الوقائية للمصارف المركزية

يقوم المصرف المركزي في معظم الدول بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة كوزارة المالية والإقتصاد والأعمال والتجارة (داخلية - خارجية) بمهمة تحقيق الاستقرار المالي والمحافظة عليه وذلك من خلال إعداد ومتابعة تنفيذ السياسة النقدية وسياسة النقد الأجنبي والسياسات المصرفية والرقابية وتشير الدراسة إلى قيام المصرف المركزي بإعداد وتنفيذ السياسات الوقائية الخاصة بالمؤسسات المالية قد أدى إلى تحسين فعالية هذه السياسات وذلك نسبة لتوفير البيانات المتعلقة بأداء هذه المؤسسات ودرجة الترابط بينها وتأثيرها على بعضها وتقوم الإدارة المعنية بالرقابة الوقائية بالمصرف المركزي بتحليل الميزانيات وحساب الأرباح والخسائر بصورة دورية يتم تحديدها ومن ثم إعداد التقاريرالتي تتضمن التوصيات والمعالجات المالية والمحاسبة لأي إضطرابات يتوفع حدوثها وبالتالي يتم التحوط لإحتمال ظهورها من خلال أن تقوم الوحدات التابعة للمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ سياسة الرقابة الوقائية الجزئية وتطبيقها بصورة:-

·      تتسق مع فعاليات الحوكمة الرشيدة ((Governance.

·      تراعيالتنسيق مع أهداف السياسة النقدية والسياسات المصرفية والرقابية الأخرى.

·      تعتمد تطبيق هذه السياسات على الهيكل المؤسسي ودرجة تطور السوق المالي والترتيبات السياسية والتجارب الماضية.

·      تتفق مع الرأي الإقتصادي بأنه ليس هناك معالجات موحدة للإضطرابات في أداء المؤشرات المالية والمصرفية تتوافق مع الإقتصاديات المتنوعة للدول.