العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التطور التأريخي للتدقيق- منظور إقتصادي سياسي

د. عمر علي كامل الدوري

أستاذ المحاسبة والتدقيق ورئيس قسم إقتصاديات إدارة المصارف في كلية إقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين - بغداد – العراق

الحلقة 4

خامساً: العولمة وتدويل التدقيق- تحليل اقتصادي سياسي:

كثيرة هي العبارات والتعليقات والآراء التي ذكرت بحق العولمة، منها التعليق الذي أدلى به دومينيك فيدال إذ قال: "ليس من باب المفارقة التأكيد أن العولمة قد بدأت في التاسع من تشرين الثاني عام 1989م مع سقوط جدار برلين، أو في آب عام 1990م حين انضم ميخائيل غورباتشوف إلى الحملة الأمريكية في الخليج، أو في الثامن من كانون الأول عام 1991م تاريخ زوال الاتحاد السوفيتي" (الحمش: 17: 1998).

وقد وردت تعاريف وتفسيرات كثيرة ومتنوعة لظاهرة العولمة، أوما يسميها بعضهم بالكوكبة (Globalism or Globalization)أو ما يصطلح عليها أساتذة اللغة العربية بالعلممة. ومن هذه التعاريف التعريف الذي أورده الدكتور محمد الأطرش بأنها وبشكل عام: "اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق وتالياً خضوع العالم لقوى السوق العالمية، مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية والى الانحسار الكبير في سيادة الدولة، وأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هو الشركات الرأسمالية الضخمة متخطية أو عابرة القوميات" (الحمش: 26: 1998).

وتعرف العولمة أيضاً بأنها "التوسع المتزايد المطرد في تدويل الإنتاج من قبل الشركات عبر الوطنية بالتوازي مع الثورة المستمرة في الاتصالات والمعلومات التي حدت ببعضهم إلى تصور أن العالم قد تحول بالفعل إلى قرية كونية صغيرة" (المجدوب: 36: 2000).

كما وعرفت العولمة بأنها "ظاهرة إقتصادية سياسية تكنولوجية دولية تدعمها حالياً قوى لها مصالح وأهداف معينة وتستخدم أوجه وتأثيرات متباينة ومتعددة تهدف إلى التحكم العالمي بالموارد والإمكانات المادية والبشرية والمالية وتحاول فرض ثقافتها وتوجهاتها على دول العالم -لاسيما الأقل تقدماً أو النامية- لتجعلها تدور في فلكها وتستجيب لمؤثراتها ونزعاتها من خلال مؤسسات تصطبغ بالصبغة الدولية" أو هي "الاندماج الدولي لأسواق السلع والخدمات ورؤوس الأموال" (العبد الله والججاوي: 4: 2001).

ومما تقدم نرى بأن ظاهرة العولمة هيكلها سياسي، وهدفها اقتصادي، وتستخدم التكنولوجيا والشركات عبر الوطنية التي تعكس الرأسمالية الضخمة للوصول إلى هدفها. لاشك أننا لاحظنا أنّ التعاريف الآنفة الذكر للعولمة قد ركزّت على الشركات عبر الوطنية كعنصر أو ركيزة أساسية في ظاهرة العولمة. وفيما له علاقة بالمحاسبة والتدقيق نجد أن الشركات عبر الوطنية تعد أحد دوافع ومدخلات ووسائل العولمة، أما شركات المحاسبة والتدقيق الكبرى فإنها تعد إحدى إفرازات العولمة كونها حصيلة الاندماجات المتتالية التي جاءت متناغمة مع سير ظاهرة العولمة هذه.

إن حركة الاندماج هذه لم تقتصر على شركات المحاسبة والتدقيق الكبرى فحسب وإنما اتسعت لتشمل الشركات الصغرى أيضاً، اذ وجدت شركات المحاسبة والتدقيق الأصغر نفسها أمام ضرورة ملحة للدخول في اندماجات دولية كي يتسنى لها تلبية الاحتياجات المتعلقة بالعمليات الخارجية (الدولية) لزبائنها. ومن جانب آخر واجهت شركات المحاسبة والتدقيق الكبرى منها والأصغر والتي تعمل في نطاق دولي مشكلة تنوعا واختلاف المعايير المحاسبية والتدقيقية بين بلدان العالم، ولحل هذه المشكلة ظهر تيار قوي لتكوين معايير محاسبية وتدقيقية دولية (Messier: 2000: 17-18).

ومن ملامح التطور التأريخي للتدقيق وتأثره اقتصادياً وسياسياً مؤخراً ظهور خدمة تدقيق التنمية المستدامة التي عرفت استناداً إلى مفهومتدقيقالحساباتوفقالمعاييرالتدقيق المتعارف عليهاGAAP، وبالرجوع إلى تشكيلةخدماتمراقبالحسابات،وتعريفالتوكيدالمهنيحسبما صدر من مجلس معايير التدقيق الدوليةIASBالتابع للاتحاد الدولي للمحاسبين IFACومعايير التصديق SSAESالصادرة عن مجمع المحاسبين القانونيين الأمريكي AICPA، اذ يمكنتعريفخدمةالتوكيدعلىمحتوىتقريرالاستدامةعلى أنها: "خدمةتوكيديةتصديقيةتستهدفتحسينجودةمعلوماتالتنميةالمستدامة لخدمةأصحابالمصلحةفيالشركةمنخلال اختبارمزاعمالإدارةبشأنالتنميةالمستدامة،وإبداءرأيفنيمحايد بشأنمدىصدقتلكالمزاعموتوصيلهلأصحابالمصلحةفيالشركة". وقد أكدتدراسة ولاك WALLAGعلىأن: "تدقيقالتنميةالمستدامةيعتبرخدمةتأكيديةجديدةتهدف إلى التحققمنتقاريرالتنميةالمستدامةالتيتوفرتأكيداتعنالأداءالماليوالاجتماعي والبيئيللشركات" (غلاب:2011:107-106).

هذا ولأن التدقيق حقل خدمي يعمل ضمن أسواق الخدمات، فإنه وكمحصلة نهائية تأثر بشكل أو بآخر بإفرازات ونتائج ظاهرة العولمة ولذا برز الاتجاه نحو تدويل أو عولمة التدقيق وتحويله إلى تدقيق دولي متمثلاً الآن في شركات التدقيق الدولية الكبرى - التي سبق تناولها- وفي معايير التدقيق الدولية التي يصدرها الاتحاد الدولي للمحاسبين (IFAC)والتي تعد واحدة من آليات ونتائج العولمه.

الاستنتاجات أو النتائج:

من خلال البيانات والمعلومات الوصفية والكمية التي تناولها البحث يمكن الخروج بالنتائج الآتية:

1. تحول التدقيق عبر الزمن من النطاق المحلي إلى الإقليمي ثم إلى العالمي أو الدولي بسبب ضغوط عديدة أهمها العولمة كظاهرة اقتصادية سياسية وقوانينها وآلياتها ومتطلباتها.

2. تقع المؤسسات المهنية التدقيقية تحت تأثير شركات التدقيق الكبرى بشكل مباشر وتحت تأثير الشركات المساهمة الكبرى عبر الوطنية بشكل غير مباشر على شكل دعم وهيمنة لاسيما أن الشركات عبر الوطنية ما هي إلا أداة اقتصادية سياسية بيد العولمة.

3. تعد الاندماجات المتتابعة الحاصلة في شركات التدقيق الكبرى عبر التطور التأريخي لمهنة التدقيق دليلاً قاطعاً على تأثر التدقيق وخضوعه لمتغيري الاقتصاد والسياسة كونها (تلك الاندماجات) جاءت استجابة لتعاظم حجم الشركات عبر الوطنية كمتغير اقتصادي من جهة ولعولمة التدقيق وتدويله كمتغير سياسي من جهة أخرى.

4. هناك تناسباً طردياً بين حجم الشركات عبر الوطنية، وبين حجم شركات التدقيق الكبرى واندماجاتها لكي تتمكن الأخيرة من استيعاب توسع وتعاظم حجم الأولى وفي هذا تأثير اقتصادي.

5. هناك تناسب طردي بين عدد فروع الشركات عبر الوطنية وبين عدد فروع ومكاتب شركات التدقيق الكبرى لكي تتمكن الأخيرة من تتبع وتدقيق أعمال الأولى المنتشرة في معظم دول العالم وفي هذا تأثير سياسي متمثل في تدويل أوعولمة التدقيق كانعكاس لتدويل أوعولمة رؤوس الأموال.

التوصيات والمقترحات:

بناءً على النتائج التي خرج بها البحث والمسردة سلفاً، يمكن اقتراح بعض المقترحات الآتية:

1. إعطاء شركات ومكاتب التدقيق كافة على الصعيد العالمي من غير الشركات الأربعة الكبار (Big 4)دوراً وفرصة أكبر ومجالاً أوسع في سوق العمل المحاسبي والتدقيقي لدفعها للنمو والتوسع كي تنافس الأربعة الكبار كيلا تبقى الأخيرة وحدها منفردة بالعمل على الصعيد الدولي.

2. دعم وتسهيل عمل شركات ومكاتب التدقيق المحلية على الصعيد المحلي في كل بلد من بلدان العالم عموماً وفي العراق خصوصاً للاستحواذ على حصة أكبر من سوق العمل المحاسبي والتدقيقي المحلي كي تزداد إمكانيات وحجم هذه الشركات والمكاتب محلياً تمهيداً لانطلاقها إلى السوق العالمي.

3. محاولة شركات ومكاتب التدقيق المحلية إقحام نفسها في الهيئات المحلية ذات الصلة بمهنتي المحاسبة والتدقيق تمهيداً لدخولها في الهيئات الإقليمية ومن ثم الدولية كي تأخذ دوراً ضاغطاً ينافس دور الأربعة الكبار لزيادة المنافسة في سوق العمل من جهة ولتحجيم الهيمنة الاقتصادية والسياسية للأربعة الكبار مثلما هو الحال في الوقت الحاضر من جهة أخرى.

4. إعطاء الفرصة في العراق لمكاتب التدقيق بتحويلها إلى شركات تدقيق من جهة وإلى شركات التدقيق بالاندماج فيما بينها لتكوين شركات محاسبية وتدقيقية كبرى تتمكن من أن تدخل السوق العالمية للمهنة، وتنافس شركات المحاسبة والتدقيق الدولية على ألا تكون على حساب وجود وقوة المنافسة في السوق المحلية العراقية.