العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المثلث المتساوي الأضلاع والهيكل المؤسسي للنظام الاقتصادي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

مقدمة:مما لا يخفى على دارسي الاقتصاد أنّ الهيكل المؤسسي للنظام الاقتصادي يتألّف من السوق والمنشأة، حيث يؤمن السوق آلية تنسيق لامركزية لمؤشر السعر، بينما تؤمن المنشأة طريقة تنسيق تقوم على النفوذ.فما الذي تغيّر في أيامنا هذه ؟ فهل تلاشى نظام السعر ليحل محله نظام السلطة؟أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتحتاج إلى إجابات تقنع أهل هذا الميدان.

يتساءل بعضهم عن نظرة المدرسة التجديدية للحوكمة، ويسأل غيرهم عن مقاربة Ronald Coase وتحليله للحوكمة، وآخرون يسألون عن نظرية عدم تناظر أو تماثل المعلومات، وغيرهم يسأل عن التحليل المعاصر للعقود كنظرية تكلفة الصفقات ونظرية الوكالة.

النفوذ يبدأ من القوة الداخلية:

قدمت المدرسة التجديدية (النيوكلاسيكية) بقيادة Milton Friedman أنموذج(الإدارة بالأهداف)الذي جمع بين الجانبين الكمي والإنساني. فيشترك الإداريونوالعمالبتحقيق أهدافهم بانسجام مع أهداف مؤسستهم، ويفيد ذلكبتنظيم العمل على شكل هيكل تحفيزي.

وأدخل Octave Gelinier أحد رواد هذه المدرسة قاعدتي (المنافسة والإبداع).

وأضافلهما Pritchard Sloan Alfreed (الغاية الإنسانية)، فلامركزية السلطة تحفز المبادرة والمسؤولية، وبسبب مرونة اللامركزيةيجب المحافظة على إلزامية القرارات واستقلاليتها لمراقبة النتائج دورياً.

وعدد Peter F. Drucker الذي يوصف بأنه الأب الروحي للإدارة مهام تطبيق الحوكمة الأساسية بالآتي:

-      تحديد المهمة، ووضع الأهداف الخاصة بالمؤسسة بوضوح.

-      إعداد برنامج إنتاجي يحقق الرضا عن العمل.

-      تسيير الوقائع وتطبيق المسؤولية الاجتماعية.

وتعتبر "تكاليف الصفقات" من الأنشطة الضرورية لتحقيق التنسيق التجاري، وتصنيف التكاليف المستعملة في السوق إلى ثلاثة فئات:

-      تكاليف البحث والإعلام.

-      تكاليف التفاوض واتخاذ القرار.

-      تكاليف الرقابة والمتابعة.

النفوذ يبدأ من قوة السوق:

اعتبر Léon Walras أن التبادلات التجارية تتم وفق الآلية التالية:

-      يقدم منسق العروض والطلبات الناتجة عن السوق مقترحاً أولياً للسعر يتموضع حوله العارضون والطالبون معا.

-      فإذا اختل التوازن بين العرض والطلب يتم اقتراح سعر غيره.

-      فإذا زاد العرض عن الطلب انخفضت الأسعار الجديدة، أما إذا انخفض العرض عن الطلب فيرتفع السعر الجديد.

يبقى هذا المفهوم سارياً حتى يتحقق التوازن، وبناء على المعلومات التي يتم جمعها تتم إعادة توزيع هذه المعلومات حيث تجرى العديد من الأنشطة اللازمة لتحقيق التوازن. وهذا هو مدخل تحليل Ronald Coase حسب مقال نشرته مجلة Economica عام ١٩٣٧ تحت عنوان "طبيعة المنشأة".

ويعتبر مقص الأسعار فيصلا في انتظام أو عدم انتظام توزيع المعلومات، فمن يعلم أولا يربح أولا، ومن يعلم أخيرا يخسر أولا، والعكس بالعكس. لكن مفعول توزيع المعلومات بات ضعيفا اليوم نتيجة انتشار وسائط الإعلام المختلفة وانتشار نظم معالجة المعلومات حتى بتنا أمام قواعد معطيات وطرق معالجة فائقة السرعة مما أضعف تأخر وصول المعلومات وأضعف معها أثرها على التحكم بعناصر السوق.

ويرى Ronald Coaseأن المتعاملين لهم الخيار بين السوق والمنشأة، فهما يشكلان الهيكل المؤسسي للنظام الاقتصادي، فالسوق يؤمن آلية تنسيق لامركزية لمؤشر السعر، بينما تعتبر المنشأة هي طريقة تنسيق ثابتة قائمة على النفوذ حيث مركزية السلطة.

وعليه تلاشى نظام السعر، وحل محله نظام السلطة، حيث صارت الأهمية الاقتصادية للمنشأة بدل السوق لأنها تتحكم بتخفيض تكاليف صفقاتها.

لكن يؤخذ بعين الاعتبار أن المنشأة كلما كانت كبيرة ومعقدة صعب التنسيق الفعال للسلطة وللأنشطة. فالاختيار بين السوق والمنشأة يتحقق بمقارنة تكاليف الصفقات وتكاليف التنظيم الداخلي لتلك المنشآت.

إن كلا من المدرسة التجديدية ومدرسة الوكالة قدمتا تفسيرا غير كاف،لذلكقدم تفسيرآخر من مدرسة ركزت على نتائج الاقتصاد الجزئي التجديدي حيث الهدف هو ربح سلطة الاحتكار بما يسمح بالتحكم في الأسعار، وتدافع هذه المدرسة عن الفعالية الاقتصادية للتكامل بسبب:

-      الطبيعة التكنولوجية للمراحل الإنتاجية.

-      تغير الطلب الذي يؤثر على المنشأة.

-      تكاليف الصفقات.

وبرأيي المتواضع كمراقب وممارس في السوق فنحن أمام مثلث تمثل أضلاعه الثلاث كلاً من: الحكومات، الشركات، الأفراد.

أما العلاقة بين أضلاع المثلث فتقوم على التأثر والتأثير إذ نجد أن كلاً منهم يؤثر ويتأثر بالضلع الذي يليه، فالشركات تتحكم بالحكومات، وتؤثر بها بل تتدخل في عملها وأشخاصها أيضا، أما الأفراد فيخشون الحكومات ويتأثرون بها، لكنهم يمثلون في الوقت نفسه سلطة الطلب في السوق (لأن الزبون هو الملك) فيؤثرون في الشركات، ويضغطون عليها لذلك تخافهم الشركات.

إن نتيجة العلاقات المتبادلة النهائية للمثلث المذكور تتجسد في أن هناك سلطة يتبادلها أطراف المثلث فيشد بعضه بعضاً، فإن استوى بانتظام كنا أمام مثلث متساوي الأضلاع حيث الاستقرار والتوازن، فإن شدّ ضلع غيره من الأضلاع تشوهت العلاقة وتغير شكل المثلث، وناضلت قوى الضلعين الآخرين جذباً لعناصر التوازن حتى تتحقق.

وبناء عليه يتحدد الهيكل المؤسسي للنظام الاقتصادي الذي ترتكز عليه السياسة الاقتصادية والسياسة النقدية والسياسة المالية لأي نظام اقتصادي.

وتبقى الأيام دولا، والبقاء للأصلح دوماً.

حماة (حماها الله) ١٨-٠٩-٢٠١٤