العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

قراءة نقديّة في مقالة (المثقفون والسعادة للأستاذ أحمد أمين)

وعد شكوة

مدرسة لغة عربية ومدققة لغوية

ما إن يدرك الإنسان وجوده في هذا الكون، ويعي ذاته حتى يشرع بالبحث عمّا يسرّه ويسعده، يكبر وتكبر معه الرّغبات، وتتنوّع الأمنيات. والهدف الرّئيس هو السعادة.

والسعادة لغز حارت العقول في تفسير كنهه، وتاهت الخطوات في دروب السّعي لفكّ طلاسمه.وقد تريّث الأديب أحمد أمين مطولا أمام موقف المثقفين من السعادة فتأمّل قول المتنبي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله       وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

 

وتوقّف أمام  قول الآخر:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه                 وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأفهام حائرة                 وصيّر العالِم النحرير زنديقا

 

وقول ابن المعتز:

وحلاوة الدنيا لجاهلها                 ومرارة الدنيا لمن عقلا

وقول ابن نباته:

فالكاتب يقف عند الكثير من أبيات
من لي بعيش الأغنياء فإنه             لاعيش إلا عيش من لم يعلم 

الشعر العربي التي  تدور حول لعنة العلم()[1]؛ لأنه يعذب العالِم، ويسعد الجاهل.

متسائلا:هل هذا صحيح؟ هل العلماء في جملتهم أشقى من الجهلاء؟ وهل العلم يسبب الشقاءَ، والجهلُ يسبب السعادةَ؟

ويردّ الكاتب على هذه الأسئلة بالحجة والبرهان، فإذا كان العالَم إنما يسعى وراء السعادة متبعا طريق الجهل فالنتيجة المنطقية لهذا أنه يجب علينا محاربة العلم، ونشر الجهل، وإغلاق المدارس،واعتبار تأليف الكتب جريمة،  وطبعها جريمة،والجامعة جريمة،وكل حركة علمية جريمة؛ لأنها تبعد عن السعادة التي هي غاية الإنسان بطبعه، أو على الأقل يجب أن تكون غايته.

ويرفض الكاتب ربط السعادة بالجهل رغم انتشار هذا الرأي بين الناس، وذلك لأن الناس يكادون يجمعون على فضل العلم، وأنه وسيلة من وسائل السعادة فوجب أن يكون ربط السعادة بالجهل باطلاً من وجهة نظر الكاتب الذي أصر على تقديم وجه البطلان من نواحٍ عدة:

أولها: سوء تصور الناس للسعادة:  حيث وضح الكاتب الخطأ الذي رافق مفهوم السعادة في أذهان الناس فالرأي السائد فيها أنها حياة كسل لا يكدرها عمل، وحياةُ حقوق لا واجب فيها، وحياةُ لذة مشتعلة لا خمود لها، وأكل شهي من غير عناء، وتنوعُ ملاذٍّ من غير انقطاع، وارتواء باللذات من غير جهد، وبُعْدُ الآلام من غير أن يتعب في إبعادها، وحضورٌ لكل ما يخطر بباله من مسرة من غير نصب في جلبها، ونحو ذلك.

وهو تصور فاشٍ بين الناس حتى عقلائهم، ومن لم يقله جهاراً اعتنقه سراً، ومن لم ينله طمع فيه، وتحرق شوقاً إليه، ومن حُرِمه في الدنيا أمَّله في الجنة، وجعل عبادته وسيلة لإدراكه وفي هذا الرأي إدانة لإنسانية الإنسان الذي حمّله الله جلّ جلاله مسؤولية إعمار الأرض، وأشار له أن الحياة مشقة وجهد ورحلة عبور من حياة لأخرى  .

وحكم الكاتب على هذا التصور بأنه تصور باطل لمعنى السعادة  ، وفهم خاطئ؛ و ألقى إلينا بظلال رؤيته: إني لأتخيل حياة من هذا النوع أشبعت فيها كل الرغبات من غير جهد، وأتصور رجلاً أُجري عليه كل أنواع النعيم: من قصور فخمة، وحور، وولدان، وكل ما تشتهي الأعين، وتلذ الأنفس، فأجده بعد قليل قد صرخ من السعادة، واشتاق إلى الشقاء، وإن شئت فقل: إنه يبحث عن سعادته في شقائه، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويطلب الفول، والعدس، والبصل بدلاً من المن والسلوى، ويفضل المرأة الشوهاء على المرأة الحسناء، ويشتهي جلسة على التراب بدل الأرائك والحرائر، ويتمنى ساعة عذاب يتقي بها شر هذا النعيم المقيم.وفي هذا الرأي إيمان الكاتب بحقيقة الإنسان، وإدراك لطبيعته التي تأبى الحياة على وتيرة واحدة مهما كان نوع الحياة حلوة أو مرّة، ويسعى الكاتب إلى طرح وجهة نظره بالسعادة والتي استقاها من  تجربته الحياتية و من خبرته وثقافته فيقول:

(والسعادة إنما هي في السعي للغرض أكثر منها في الغرض، والطريق إلى الغاية هو السعادة لا الغاية، وإنما يسعد الإنسان باستخدام قُواهُ وملكاتِهِ لبلوغ غايته؛ فإذا بلغها تفتحت له غايات جديدة، وبذل فيها جهوداً جديدة، وظهر في أثناء الطريق صعوباتٌ استخرجت أقصى الجهد في التغلب عليها، فشعر بلذة الجهد، ولذة الغلبة، ولذة اعتداده بشخصيته، واستخدامه ملكاتِه، واستكماله نَفْسَه أكثرَ من لذاته بالغاية نفسها.(

ويعلل الكاتب سبب ربط الكثيرمن الناسالتعاسة بالعالِم أن الأمر يعود إلى أن البشر ألحوا على تصور السعادة بمعناها الخامل، ولما نظروا حولهم وجدوا كثيراً من العقلاء والعلماء محرومين منها، فأفاض المحرومون في الشكوى، وصبوا على العالم()[2]سخطهم، وفي هذا الغضب تطرّف وبعد عن اقتصاد التفكير لأنهم لو حسبوا حسابا لَذّاتهم في السعي، ولذّتهم العقلية في فهم الكون؛ ولذّتهم في الكدّ في الطريق، وإن لم يبلغوا الغاية لأدركوا أنهم نالوا قسطا كبيرا من السعادة التي يريدون، ولو وزن الجهال والعقلاء على حدّ سواء بالميزان الحقيقي سعادة الجهلاء، ولم يبالغوا في تقديرها، ولم يتطرفوا في الاهتمام بإشباع اللذات والشهوات العابرة لصححوا حكمهم، وأدركوا خطأهم، ولَقلّلوا من سخطهم على الزمان، ولعنتهم للدهر، وعتبهم على القدر

ولعرفوا أن الجهل يحرم العاقل كثيرا من فرص السعادة في الاكتشاف والوصول إلى الراحة بعد جهد، ولَتيقّنوا أنهم يجهلون قوانين الاقتصاد في الطبيعة التي تفرض على المرء أن يعطي ليأخذ، لأنهم يريدون أن يستأثروا بكلّ شيء من غير أن يقدموا أيّ شيء.

ثمّ يطرح الكاتب فكرة جديدة للنقاش:

(هبْ أن العلماء أشقى من الجهلاء، وأن العالِمَ لم يسعد بعلمه، بل ساءت معيشته بعلمه، وأن علمه كان نقمة عليه، وأن العلم وسع نظره؛ فأدرك واجباته وتبعاته، وأرهف حسه؛ فجعله يألم مما لا يألم منه الجاهل، وأبعد طموحه؛ فصار لا يرضى بما يرضى به العامي، ووسع حوض لذته(كما عبر الفرنج) فأصبح لا يملؤه إلا الكثير، وقد كان -وهو جاهل - كالطفل، حوض لذته ضيق يملؤه القليل، وكبرت نفسه، وبعدت غايته، فأصبح يدرك أن ما ناله من اللذائذ ناقص مهما كان(.

ويردّ بقوله: هذا الخطأ الثاني الخطير، وهو مقياس الأشياء بمقياس الفردية؛ فعلى مرِّ آلاف السنين وصل العقلاء، والعلماء، والنوابغ إلى نتيجة باهرة تِلْوَ نتيجة باهرة، وإلى مخترع لنفع الإنسانية تلو مخترع، حتى وصل العالَمُ بفضل هذه المجهودات والمخترعات إلى حضارته الحاضرة، ومدنيته الحديثة، وكان سعي العلماء في طريقهم شاقاً عسيراً، وقامت في وجوههم صعوبات يعجز القلم عن وصفها، وذهب كثير منهم ضحايا في سبيل غايتهم، ولم يكونوا يتحملون هذه المشقات، والتضحيات في سبيل فردهم، وذاتيتهم، إنما يتحملونها في سبيل الجمعية القومية، أو الإنسانية، وكانوا يتلذذون من تضحيتهم أكثر من تلذذ المادي بشهواته.

ويتوصل الكاتب إلى نتيجة أسعدته وفكرة سرّت خاطره:

 (هب أن العلماء شقوا أكثر مما شقي الجهلاء، وسعدوا أقل مما سعد الجهلاء، فماذا يضيرنا ما دام العالم كان أسعد وكان أرقى، وكان في جملته أصلح؟)

إذا الكاتب يأخذ الأمور بخواتيمها، وبما تشكل من فائدة لمجموعة أكبر من العباد وبذلك يتحقق حديث رسول الله للمسلم ولغير المسلم الذي جعل حبّ الله للعبد مرتبطا بمدى نفعه للعباد الآخرين.

ولذا يقرر حقيقة مقنعة (لا يصح للعلماء أن يبكوا لشقائهم أفراداً ما دامت الجمعية الإنسانية تستفيد من جِدِّهم وشقائهم، كما لا يصح أن نسمع لشكوى فرد نزعت ملكيته لفتح شارع عام، أو جنود قتلوا في سبيل انتصار أمتهم، أو أطباء ماتوا في سبيل مكافحة وباء، بل لا يصح أن يتقدم أحد من هؤلاء بالشكوى؛ لأن العالم علمنا بطريق سيره أن العبرة بتقدم المجموع ولو فَنِيَ الأفراد في أثناء سيره، والفرق بين أمة منحطة، وأمة راقية نظرةُ الأولى إلى صالح بعض الأفراد، أو بعض الأحزاب، ونظرة الأخرى  إلى الصالح العام.(

 وبذلك يتوصل الكاتب إلى السبب الذي يجعل بعض المثقفين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم تعساء فيقول(فغلط العلماء، والعقلاء، والمخترعين الذين يشكون من أنهم نظروا إلى أنفسهم كأنهم آلات مستقلة، ولم ينظروا إليها كأنهم تروس في الآلة الضخمة، أو آلة الإنسانية؛ وخطؤهمنشأ من اعتقادهم أن علمهم وثقافتهم وقوة عقلهم _ إنما ركبت فيهم لنفع أفرادهم، وأن غايتهم استفادتهم منها لنفع أشخاصهم، وليس ذلك بصحيح؛ فكل الملكات الممتازة في الأفراد، وكل قدرة على الاختراع، والتثقيف وبث المبادئ إنما منحت للأفراد لخدمة الجماعة وترقيتها؛ فمتى أدت هذا الغرض فلا يهمنا بعد عاش أفرادها في بؤس، أو رخاء، في نعيم، أو شقاء(

ويعتبر هذا الرأي مثاليا فهل يستطيع الإنسان أن يكون غيريا في كل لحظة؟ وهل يستطيع أن يقنع بقدره كلّ حين؟ هنا يستدرك الكاتب في حديثه  مبرّرا وجهة نظره قائلاً:

ولكن... من طبيعة الثقافة أنها ترقي العقل، وترقي المشاعر، ومتى رقى العقل، والمشاعر كان صاحبها أقدر على اللذة، كما يكون أكثر تعرضاً للألم؛ فمتى وجد في ظروف مناسبة كان أسعد من الجاهل، ومتى وجد في ظروفٍ غيرِ مناسبة كان أشقى من الجاهل.

ويعدد الكاتب ميزات الإنسان المثقف التي تجعل من واجبه تغيير نظرته إلى السعادة كما يفهمها العوام فيشير إلى أنّ:

1-   المثقف عقله راقٍ وهو  كثير التساؤل: ما الحياة؟ وما الغرض منها؟ وما قيمتي فيها؟ كما أنه يسعى جاهدا لفلسفة الأمور للاقتناع بها و امتلاك القدرة على إقناع الآخرين.

2-   المثقف واسع الطموح كثير التطلع لحالة خير من حالته؛ وكلما أدرك حالة تطلع لما هو خير منها.

3-   المثقف جيد التقدير،يقدر نفسه، ويقدر من حوله؛ فيرى من حقه، ومن حق ثقافته، ومن حق سعة عقله  أن ينعم في الحياة المادية بأكثر مما ينعم الجاهل.

4-     المثقف يقع في خطأ كبير حين يرى أنه واجب  على المجتمع الذي يعيش فيه إكرامه نظير علمه الذي يخدمهم به، فيجب أن تُوفّر له وسائل العيش، ووسائل السعادة حسب نظره؛ وإذا نقصه شيء تسمع احتجاج بعضهم: لماذا تطلب منه التضحية فقط، ولا يطلب من الأمة أن تضحى بجزء من مادتها؛ ليضحي هو بأغلى من ذلك: بعقله، وصحته، ونفسه أحياناً؟

ويتوصل الكاتب إلى أنّ  وجهة نظر المثقف تلك هي  سبب شقائه، و حتى لو كانت وجهة نظر صحيحة  و معقولة  إلا أنها معقدة، وتعقيدها آتٍ من قلة الثقافة في العالم، لا من كثرة الثقافة، فغير المثقفين - وهم السواد الأعظم - لا يُقَدِّرُون عظم ما يبذله المثقف، وهم يقدرون على مقدار عقلهم القاصر، وهم الذين في يدهم السلطة والمال، فهم معذورون إذا لم يوفروا للعالم، والنابغة وسائل العيش حسب نظره وتقديره هو؛ ومن أجل هذا كلما انتشرت الثقافة في أمة، وتولَّى زمامهم مثقفوها كان علماؤها ونوابغها أسعدَ حالاً.

ويضيف الكاتب سببا آخر لشقاء المثقفين ألا وهو عدم تنظيم قوى المجتمع على قواعد معقولة، والفوضى في تقديم الأشياء والمعاني، وتمسك من بيدهم السلطة بالتسعيرة القديمة.

ومع ذلك يتفاءل الكاتب بالتخلص من هذا العائق- من وجهة نظره- لأنّ العالم يسير إلى تنظيم كيانه، وإلى إصلاح عيوبه، وإلى ضبط فوضاه. ويأمل بتحقيق هذا الحلم قريبا، وإذ ذاك  تكون ثقافة العالم، ونبوغ النابغ، وأدب الأديب، وعقل العاقل موضع التقدير.

و يختم الكاتب مقالته باقتراح هو أمنية، هو رغبة مشروعة، هو هدف إنسانيّ نبيل، حيث ينصح  أن ننظر لصالح المجتمع أكثر من صالح الأفراد، وأن ندعو إلى انتشار الثقافة لا انكماشها، وكثرة العلماء لا قلتهم، وألا نعبأ بمن يشقى من العلماء إذا كان في شقائهم سعادة في علمهم، وشعورهم برقيهم. وذلك لأن الإنسان لم يخلق في هذه الحياة ليعيش السعادة بالمفهوم الذي يتصوره بل ليؤدي دورا في إعمار الأرض ويرحل



([1]) لعل المقصود: (العِلْم) (م).

([2]) لعله: العلم (م).