العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اَلْبَلاْغةُ الاَلِكْترونيّة‬ُ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

اعتاد الناس سواء الأدباء منهم أو غير الأدباء على استخدام مصطلح البلاغة تعبيراً عن فصاحة القول، فالبلاغ في معجم (لسان العرب) هو الإيصال، أو هو ما يُتَبَلَّغُ به ويُتَوَصَّلُ إلى الشيء المطلوب، فرجل بَلِيغٌ وبِلْغٌ: حسَنُ الكلام فصيحه يُبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، والجمعُ بُلَغاءُ، وقد بَلُغَ (بضم اللام) بَلاغةً أَي صار بَلِيغاً.
ويُميز الذوق الفطري حلو الكلام من خلال إيقاع الكلمات على السمع، فالتراكيب والرصف وقوة المعاني والخيال يُميز بعض الكلام عن بعضه، كما أن العقل والبصيرة يفاضلان ويعللان سلامة ذلك. وعليه فعلوم البلاغة تتكون من المعاني والبيان والبديع، فالأول به يُعرف الحال بلفظ عربي، والثاني يحدد المعنى، ويوضحه، والثالث يُحسّن الكلام بعدما طابق مقتضى حاله، وأوضح دلالته.  
أما مصطلح الالكتروني في (قاموس اكسفورد الأمريكي) فهو التشغيل بمساعدة أدوات (تدار بالتيار الكهربائي) ذات علاقة بالالكترونيات، تُنفِذ وتُعَالِج مهاماً محددة باستخدام وسائل عديدة، فالحسابات البسيطة مثلاً تتم باستخدام الآلة الحاسبة، بينما تنفذ مهام المصارف الالكترونية بوسائل أكثر تعقيداً. 
لذلك فالبلاغة الالكترونية هي الإفصاح باستخدام أدوات الكترونية باعتماد لغات مرمزة ذات عبارات مرصوفة بتراكيب وقواعد محددة تؤدي إلى معانٍ محددة لا تحتمل التأويل.
فالإفصاح يُساعد في ضبط وانتظام السوق من خلال إفصاح مؤسساته لأنها تسمح للمشاركين فيه بتقييم المعلومات الرئيسية حول نطاق ومجال التطبيق، فيتمكنون من الحصول على معلومات (المفترض أنها صادقة) تمكنهم من تقييم أنشطة المؤسسات ومخاطرها، مما يشجع المشاركة بشكل آمن وفعال. 
وقد روى البخاري قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال، حتى يتفرقا فإن صدقا، وبينا، بورك لهما في بيعهما. وإن كتما، وكذبا، محقت بركة بيعهما).
فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم لذلك فبيانه هو البيان الشافي، أما الإفصاح فهو الصدق وهو عكس الكذب، بينما الشفافية هي مزيد من الإفصاح أي التبيين أو هي عكس الكتمان. لذا فإن نتائج عدم الالتزام بها هو محق بركة البيع، وهذا يكون في كساد الأسواق وفسادها. فالبائع الكاذب والغاش والمدلس مؤذ للسوق ومن فيه، وهذا تحليل جزئي، فإذا عممنا هذا السلوك على السوق كله، كسدت حال السوق وضاق الحال بأهله فيخرج منه من يخرج ويجاهد منهم من يجاهد في سبيل البقاء، وهذا تحليل كلي. وإذا عممنا هذا السلوك على الأسواق العالمية فمؤداه كسادها وفسادها وإحجام الناس والشركات عن الإنفاق، فنكون أمام كساد وأزمة سيولة عالمية.
إن بلاغة المصطفى صلى الله عليه وسلم واضحة في ذكره للصدق والتبيين أي: (الإفصاح والشفافية) بينما تتجلى فصاحته بقوله: (إن كتما وكذبا) وهذا معناه أن الشفافية تختفي أولا، ثم يختفي الإقصاح لانتشار الكذب، وهذا بيان يعود لأكثر من ١٤ قرناً.
بناء على ماسبق، يمكننا التمييز بين مرحلتين هامتين مرّ بهما الإفصاح، الأولى مرحلة التشريع وسن القوانين الناظمة. والثانية مرحلة فضائح السوق الأمريكية وخاصة منها التي تلت أحداث 11 أيلول. 
فالأنظمة والقوانين والتشريعات وأجهزة الرقابة والإشراف على أسواق رأس المال تهدف إلى حماية المستثمرين والمحافظة على الأمانة والصدق في التعامل في عمليات تداول الأوراق المالية، ويتم ذلك من خلال عدة آليات لعل أهمها وجود قواعد صارمة للإفصاح عن المعلومات. 
 
بلاغة الشفافية والإفصاح:
إن الشفافية هي: الإفصاح العام عن المعلومات المتجددة والصادقة التي تمكن مستخدميها من التقييم الدقيق لوضع المؤسسة وأدائها المالي، وللأنشطة ووضع المخاطر وممارسات إدارة المخاطر. 
لذلك فالإفصاح وحده لا يؤدي إلى الشفافية، ولأجل تحقيق الشفافية لابد من تقديم إفصاح كافٍ ودقيقٍ ذي صلة بالمعلومات النوعية والكمية التي تمكن المستخدمين من القيام بالتقييمات الملائمة لأنشطة المؤسسة ووضع المخاطر. 
أما مزايا الإفصاح الكافي فتتمثل في الآتي:
1) تعزيز قابلية المقارنة الأفقية والعمودية. فالإفصاح يمكّن من مقارنة أعمال المؤسسات نفسها خلال السنوات لقياس تطور أدائها، ويمكّن أيضاً من مقارنة المؤسسات فيما بينها في السوق.
2) التشجيع على استخدام التعريفات الرقابية، وتصنيفات التقارير في الإفصاح العام وتقوية المعايير التي تتضمن مصداقية المعلومات.
3) تيسير تقييم المشاركين للمؤسسات في السوق وللسوق نفسها. 
 
ويُقسم الإفصاح إلى ثلاثة أنواع: (١) إفصاح محاسبي، و (2) إفصاح غير محاسبي إلزامي يساعد في توضيح المتطلبات اللازمة لصلاحية الإفصاح. و (3) إفصاح غير محاسبي غير إلزامي يساعد في توضيح متطلبات إضافية.
 
لغة البلاغة الالكترونية:
إن الإفصاح عالي الجودة يعترضه إشكالية تكلفة الإفصاح حيث تزداد أعباء الإدارة بغية تأمين متطلبات الإفصاح مما يثقل كاهلها من حيث: (١) زمن إعداد هذه التقارير و (٢) تكلفتها. 
أمام ذلك اتفق كبار شركات تقنية المعلومات والمحاسبة على إنشاء لغة موحدة تعتمد تقنية المعايير المفتوحة Open Source، هي لغة XBRL التي تحدد وتوصف مخرجات المحاسبة بوصفها آلية تبادل المعلومات المالية والمحاسبية، حيث يتم التركيز على محتوى التقارير من معلومات وبيانات بدلا من التركيز على شكله. وإن استخدام المعايير المفتوحة يؤمن:
1. دعم وتسهيل قبول المشتركين.
2. الشفافية.
3. الاستقلالية.
4. قابلية التبادل.
وتتلخص مهمة لغة XBRL بكونها ابتكاراً يسعى إلى خفض تكلفة التقارير والإفصاح عن بيئة الأعمال لتخفيض تكلفة المعلومات، وتسريع تدفقها، وزيادة فائدتها، وعولمة شكل تقاريرها ومحتواها. 
وفي هذا المقام، يسعدني الإعلان عن كتابي المجاني (لغة الإفصاح المحاسبي والمالي XBRL) وهو أحد منتجات مشروع تتبناه مجلتنا (مشروع كتاب اقتصاد إسلامي الكتروني مجاني)، وهو هدية المجلة لكل مؤسسة اقتصادية مالية وغير مالية سعياً نحو إيجاد سوق اقتصادي يسودها الإفصاح والشفافية تطبيقاً لوصية المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم.
 
د. سامر مظهر قنطقجي
حماة بتاريخ ـا ٢٥-٠٧-٢٠١٢